وحمدت الله على هذا التأني إذ أزددت اطمئناناً بنتائج ما توصلتُ إليه سابقاً ، كما أزددت اطلاعاً على ما جدّ نشره فتولّدت بعض الأبحاث ، وأستجدّت بعض الآراء.
فإنّ الأحداث التاريخية ـ أيّ حدث كان ـ لابدّ في تحقق وقوعه خارجاً ، من زمان لحدوثه ، ومكان لوقوعه ، وذوات ترسم معالمه ، ولمّا كانت المصادر المعنية بتسجيله جاءت رواياتها متناثرة ، وأغراض رواتها ـ غالباً ـ متنافرة ، فمن الرواة الغالي ومنهم القالي ، وما بين ذا وذا بقيت حلقات فراغ ، ليس من السهل سدّها بجرّة من القلم. فلابدّ لنا ونحن نستقبل عصر الخلافة الإسلامية المليء بالمفارقات العجيبة بالقياس إلى ما مرّ قبله ، أن نتأنّى طويلاً عند القراءة ، ونتمعّن كثيراً في الدلالة ، ليتسنّى لنا درك الحقيقة كما كانت قد حدثت ، وهذا ما أفصح عنه بعض أصحاب الدراسات الحديثة ومنهم الأستاذ عباس محمود العقاد فقد قال : «وما علينا إذا أردنا أن نمتحن حادثة تاريخية أو سلسلة من الحوادث التاريخية ، إلّا أن نسأل أنفسنا : كيف ينبغي أن تحدث ؟ فإذا ارتسمت لنا على الترتيب الّذي يقبله العقل ويطابق الواقع ، فذلك هو الامتحان الصادق ، وما نستخلصه منه هو الصواب كأصدق ما يمكن أن يصوّره تاريخ الحوادث لمن لم يشهدها شهادة العيان»(١).
أمّا كيف ترتسم لنا على الترتيب الذي يقبله العقل ويطابق الواقع ؟ فهذا ما لم يفصح عنه العقّاد ، أمّا أنا فأحسب أن أيسر السبل هو التجرّد عن الرواسب والشوائب حين القراءة ، ثمّ البدء بالسؤال الّذي طرحه العقّاد بأن نسأل أنفسنا كيف ينبغي أن تحدث ؟
______________________
(١) موسوعة العقاد ١ / ٤٧٥.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

