سيفي وأنا في بيتي حتى تنجلي الظلمة ، ويطلع قمرُها ، فنسري مبصرين ، نقفوا آثار المهتدين ، ونتقي سبيل الحائرين.
قال عليّ : قد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك.
فقام عمّار فقال : معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيراً يغلبك من غلبتَه ويسبقك من سبقته ، أنظر ما ترى وما تفعل ، فأما أنا فلا أكون إلّا في الرعيل الأوّل.
فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان إياك أن تكون كقاطع السلسلة ، فرّ من الضحل(١) فوقع في الرمضي(٢).
فقال عليّ لعمار : دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلّا ما خالطته الدنيا ، أما والله يا مغيرة إنّها المثوبة المؤبدة تؤدّي مَن قام فيها إلى الجنة ولما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك.
فقال المغيرة : أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني ، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك فإن يكن ما فعلت صواباً ، فإياه أردت ، وإن خطأ فمنه نجوت ، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلّا الإستغفار منها»(٣).
فهذا الموقف كشف لنا حقيقة المغيرة ونواياه السيئة في مجانبة الحقّ الّذي هو مع عليّ عليهالسلام بشهادة قول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم الثابت روايته عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة)(٤) ، وسيأتي بعد هذا مغادرته المدينة إلى مكة مع الناكثين والحاقدين من الأمويين.
______________________
(١) الضحل : الماء القليل على الأرض لا عمق له.
(٢) الرمضي : المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة.
(٣) الإمامة والسياسة ١ / ٤٦ ط سنة ١٣٢٨ هـ بمصر.
(٤) تاريخ بغداد ١٤ / ٣٢١ ، وقارن مستدرك الحاكم ٣ / ١١٩ ، ومجمع الزوائد ٩ / ٢٣٤ وغيرها.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

