وقد بايع عليّ ثاني الخلفاء كما بايع أولهم كراهية الفتنة وإيثاراً للعافية ونصحاً للمسلمين... وإنّما صبّر نفسه على مكروهها ونصح لعمر كما نصح لأبي بكر. فلمّا طعن عمر وجعل الخلافة في هؤلاء الستة من أصحاب الشورى لم يشك عليّ في أنّ قريشاً لا ترى رأيه ، ولا تؤمن له بحقه ، ورأى... ألا يستكره الناس على ما لا يريدون ، ولو قد أراد أن يستكرههم لما وجد إلى ذلك سبيلاً ، فلم تكن له فئة ينصرونه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد ، وإنّما كان نفر يسير من خيار المسلمين يرون رأيه... ومن هؤلاء الناس عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود. وقد بايع عليّ عثمان كما بايع الشيخين وهو يرى أنه مغلوب على حقه ، ولم يقصّر في النصح للخليفة الثالث كما لم يقصّر في النصح للشيخين من قبله...
فكان طبيعياً إذا حين قتل عثمان أن
يفكّر عليّ في نفسه وفيم غُلبَ عليه من حقه. ولكن مع ذلك لم يطلب الخلافة ولم ينصب نفسه للبيعة إلّا حين استكره على ذلك إستكراهاً ، وحين هدّده بعض الذين ثاروا بعثمان بأن يبدؤا به فيلحقوه بصاحبه المقتول. وحين فزع إليه المهاجرون والأنصار من أهل المدينة يُلحّون عليه في أن يتولّى أمور المسلمين ليخرجهم من هذه الفتنة المظلمة ، ثمّ هو حين قبل البيعة لم يُكره عليها أحداً من أصحاب النبيّ ، وإنّما قبل البيعة ممّن بايَعه
وترك من لم يُرد أن يبايعه ، ترك سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ابن زيد ، وترك جماعة من الأنصار على رأسهم محمّد بن مسلمة ، ولم يستثن إلّا هذين الرجلين : طلحة والزبير ، خاف منهما الفتنة لموقفهما من عثمان والثائرين به ، فرضي أن يستكرههما على البيعة فيما يقول أكثر المؤرخين ، وأكاد أعتقد أنا أنّهما لم يستكرهما كما زعما وكما زعم كثير من الرواة ، وإنّما أقبلا على البيعة راضيَين ثمّ بدا لهما بعد ذلك حين رأيا من الخليفة ما لم يكونا ينتظران ، كانا
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٣ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1168_mosoa-abdollahebnabbas-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

