والحضارة الجديدة ، وكان لا بد من التطلع الىٰ إنماء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية واللحاق بالركب الحضاري الجديد . الّا أن ذلك لم يحصل في النجف ولم يلق ترحيباً من قبل أبنائها ، وذلك لأنها كانت ولا تزال مدينة شديدة المحافظة والانغلاق ، وقد ساعد علىٰ تأصيل هذه الميزة فيها محيطها الضيق ، ومناخها الصحراوي القاسي ، ومركزها الديني الهام .
ويفصّل الدكتور مصطفىٰ جمال الدين الحياة الاجتماعية في هذه المدينة المحافظة فيصفها بأنها ؛ « مدينة متحفظة أشدّ أنواع التحفّظ ، فالتزمّت هو السِمَةُ البارزة في المجتمع النجفي ، فلا يوجد في هذه المدينة ما كان يوجد في غيرها من المدن ، كالمسارح ، والنوادي ، والسينمات وأمثال ذلك ممّا يلهي الشباب عن دراستهم ، أو يُخرجهم عن تحفّظهم ، بل حتىٰ ( المقاهي ) الصغيرة المبثوثة في بعض أنحاء المدينة ـ وهي خالية من كل شيء عدا الشاي ، والقهوة ، والنرجيلة ، وبعض المرطبات ـ يمتنع علينا ، نحن شباب الدراسات الدينية ، الجلوس فيها . وأذكر أنه لا يوجد فينا من يملك جهاز ( راديو ) مثلاً ، لذلك كنا في الأربعينات ننزوي في صالة جمعية ( الرابطة الأدبية ) لنستمع أخبار الحرب العالمية الثانية من ( الراديو ) الذي أهداه لها الملك غازي مع المكتبة الثمينة » (١) .
وبغضّ النظر عن السلبيات التي قد تبعثها مثل هذه البيئة المقيدة ، فإنّ الجانب الايجابي قد يطغىٰ عليها في كثير من الأحيان . فقد عرف النجفي بصفات كريمة مثل حسن الضيافة وكرم الطبع وسخاء النفس التي اصبحت جزءاً من طبيعته لا يمكن له الفكاك عنها . وهذه صفات قلّما نجدها في المدن الكبرىٰ . وكذلك اتصف النجفي ـ ولكثرة احتكاكه بالآخرين ـ بسرعة التعرف وقوة
__________________
١ ـ المصدر السابق ، ص ١٧ .
