خامساً : دقة التصوير وتعميق الفكرة
ثمة ميزة هامة تجلّت في شعر الملحمة بوضوح وساعدت علىٰ إطالتها وازدياد أبياتها ، وهي تصوير الشاعر الدقيق الحاصل من تعميق الفكرة وتوسيع المحتوىٰ والمضمون للأحداث والوقائع التاريخية . وقد وفّق الشاعر في هذا الشأن أيّما توفيق ، فقد استطاع أن يتغلّب علىٰ الإطالة المملة الحاصلة من التلاعب اللفظي الذي يكثر غالباً في مثل هذه المواضع ، باختياره الألفاظ الرشيقة والعبارات الرقيقة التي تنم عن ذوق رفيع وحس مرهف ودقيق امتاز به الشاعر وأجاد استخدامه .
ولتبيين هذه الفكرة نضرب مثلاً قول الشاعر في « دخول النبي صلىاللهعليهوآله إلىٰ مدينة يثرب » . فقد استرسل في نقل هذا الحدث مصوراً الفرح الذي غمر الناس ، والبهجة التي عمّت الطيور والمروج والروابي احتفاءً بمقدم النبي الكريم صلىاللهعليهوآله :
|
هذه يثرب وهذا ثراها |
|
وهو مهد الشريعة الغرّاء |
|
والمروج الخضراء تزهو ابتهاجاً |
|
والروابي تضوع بالأشذاء |
|
وعذارىٰ النخيل تهتزّ بشراً |
|
من رفيف الجدائل الزرقاء |
|
والصبايا وهي الأقاحي ثغوراً |
|
تتهادىٰ بفرحة وازدهاء |
|
والأغاريد بالمسّرات تشدو |
|
فتعجّ الأجواء بالأصداء |
|
وبطاح الثرىٰ تسيل احتشاداً |
|
وجموع الأنصار كالأنواء |
|
كلّ هذا بشراً بمقدم طٰه |
|
وابتهاجاً بخاتم الأنبياء |
|
والنبيّ الأُميّ خير سراج |
|
مستنير للأُمة العمياء |
|
منبع العلم ، والحضارة علماً |
|
ورشاداً من منبع العلماء |
|
مشرق النور والهداية أُفقٌ |
|
شقّ بالنور ظلمة الصحراء |
