مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

٦ ـ غزوة ذات السلاسل

إنّ غزوة ذات السلاسل بالنحو الذي سيمر عليك ذكره في هذا الفصل انفردت بنقله جملة من أعلام الإمامية و مفاده :

إنّ أعرابياً جاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فجثا بين يديه ، و قال له : جئتك لأنصح لك. قال : و ما نصيحتك ؟ قال : قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل ، و عملوا على أن يبيتوك بالمدينة. و وصفهم له ، فأمر النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن ينادي بالصلاة جامعة ، فاجتمع المسلمون ، و صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس إنّ هذا عدوّ الله و عدوّكم قد عمل على أن يبيتكم فمن لهم ، فقام جماعة من أهل الصفة ، فقالوا : نحن نخرج إليهم يا رسول الله فولّ علينا من شئت ، فأقرع بينهم ، فخرجت القرعة على ثمانين رجلاً منهم و من غيرهم ، فاستدعى أبا بكر ، فقال له : خذ اللواء و امض إلى بني سليم ، فانّهم قريب من الحرة ، فمضى و معه القوم حتى قارب أرضهم ، و كانت كثيرة الحجارة و الشجر ، و هم ببطن الوادي و المنحدر إليه صعب ، فلمّا صار أبو بكر إلى الوادي ، و أراد الانحدار ، خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من المسلمين جمعاً كثيراً ، و انهزم أبو بكر من القوم ، فلمّا قدموا على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عقده لعمر بن الخطاب و بعثه إليهم ، فكمنوا له تحت الحجارة و الشجر ، فلمّا ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه ، فساء رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ذلك ، فقال له عمرو بن العاص : ابعثني يا رسول الله إليهم ، فإنّ الحرب خدعة ، فلعلّي أخدعهم ، فأنفذه مع جماعة و وصّاه ، فلمّا صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من أصحابه جماعة.

٤٢١
 &

و مكث رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أيّاماً يدعو عليهم ثمّ دعى أمير المؤمنين (عليه السلام) فعقد له ثمّ قال : أرسلته كرّاراً غير فرار ، ثمّ رفع يديه إلى السماء و قال : «اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي رسولك فاحفظني فيه و افعل به و افعل...» فدعا له ما شاء و خرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) و خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لتشييعه ، و بلغ معه إلى مسجد الأحزاب ، و علي (عليه السلام) على فرس أشقر ، مهلوب عليه بردان يمانيّان ، و في يده قناة خطّية ، فشيّعه رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و دعا له ، و أنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر و عمر و عمرو بن العاص ، فسار بهم نحو العراق متنكّباً للطريق ، حتى ظنّوا أنّه يريد بهم غير ذلك الوجه ، ثمّ أخذ بهم على محجّة غامضة ، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه ، و كان يسير الليل و يكمن النهار ، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يعلموا الخيل(١) و وقفهم مكاناً ، و قال : لاتبرحوا و انتبذ أمامهم ، فأقام ناحية منهم.

فلمّا رأى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك أنّ الفتح يكون له ، فقال لأبي بكر : أنا أعلم بهذه البلاد من علي (علي السلام) ، و فيها ما هو أشد علينا من بني سليم ، و هي الضباع و الذئاب ، فإن خرجت علينا خفت أن تقطّعنا ، فكلّمه يخل عنّا نعلوا الوادي ، قال : فانطلق أبوبكر فكلّمه فأطال ، فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السلام) حرفاً واحداً ، فرجع إليهم فقال : لا و الله ما أجابني حرفاً واحداً ، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب : أنت أقوى عليه ، فانطلق عمر فخاطبه ، فصنع به مثل ما صنع بأبي بكر ، فرجع إليهم فأخبرهم انّه لم يجبه ، فقال عمرو بن العاص : إنّه لاينبغي أن نضيع أنفسنا انطلقوا بنا نعلوا الوادي. فقال له المسلمون : لا والله ما نفعل ، أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن نسمع لعلي (عليه السلام) و نطيع فنترك أمره و نطيع لك و نسمع ، فلم يزالوا كذلك حتى أحسّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالفجر ، فكبس القوم و هم غارون ، فأمكنه الله تعالى منهم ، و نزلت على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا... إلى

__________________

(١) يعلموا الخيل : يعلّقون عليها صوفاً ملوناً في الحرب.

٤٢٢
 &

آخرها) فبشّر النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أصحابه بالفتح ، و أمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فاستقبلوه و النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يتقدّمهم فقاموا له صفين ، فلمّا أبصر بالنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ترجّل له عن فرسه ، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : اركب فإنّ الله و رسوله عنك راضيان ، فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) فرحاً ، فقال له النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : يا عليّ لولا أنّني اشفق أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم ، لقلت فيك اليوم مقالاً لاتمر بملأ من الناس إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك(١).

و قال أمين الإسلام الطبرسي :

قيل نزلت السورة لمّا بعث النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) علياً (عليه السلام) إلى ذات السلاسل فأوقع بهم ، و ذلك بعد أن بعث عليهم مراراً غيره من الصحابة ، فرجع كل منهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال : و سمّيت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنّه أسر منهم و قتل وسبى وشدّ أسراهم في الحبال ، مكتّفين كأنّهم في السلاسل ، و لمّا نزلت السورة خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى الناس ، فصلّى بهم الغداة و قرأ فيها و العاديات ، فلمّا فرغ من صلاته. قال أصحابه : هذه سورة لم نعرفها. فقال رسول الله : نعم إنّ عليّاً ظفر بأعداء الله ، و بشّرني بذلك جبرئيل (عليه السلام) في هذه الليلة ، فقدم عليّ (عليه السلام) بعد أيام بالغنائم و الاُسارى(٢).

*       *      *

__________________

(١) الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٨٦ ـ ٨٨ و تفسير فرات : ص ٢٢٢ إلى ٢٢٦ ، و تفسير القمي : ج ٢ ص ٤٣٤ ـ ٤٣٩ مع زيادات في الأخير ، و قد نقل ما جاء فيه من الفضائل في الشرح الحديدي : ج ٩ ص ١٦٨ و مناقب المغازي : ص ٢٣٧ و ٢٣٨ و غيرهما.

(٢) مجمع البيان : ج ١٠ ص ٨٠٢ ـ ٨٠٣ ط بيروت.

٤٢٣
 &

هذا ما رواه جمع من أعلام الشيعة الإماميّة إلّا أنّ ما يذكره أصحاب السير و المغازي(١) من أهل السنّة يغاير ما حكيناه لك ، و هؤلاء لايتعرّضون بالذكر بتاتاً إلى دور شخصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما لايذكرون نزول الآيات في تلك المناسبة ، و مع ذلك يختلفون في تحديد موضع الغزوة و القبيلة المحاربة فيه ، فيسمّيه ابن هشام بأرض بني عذرة ، بينما نجد الواقدي في مغازية يشير إليهم بقوله : إنّ جمعاً من بَلِيّ وقضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، و من أراد الوقوف على مضانّها ، فليرجع إلى محالها.

السر في انتصار عليّ (عليه السلام) دون من عداه :

إنّ الحنكة و البراعة الحربيّة التي انتهجها أمير المؤمنين (عليه السلام) هي التي كفلت له الانتصار حيث تكمن في الأساليب الحربية التي نستعرضها لك فيما يلي :

١ ـ تغيير مسير الجيش لإيهام العدو بعدم القصد للمباغتة و المهاجمة ، و حتى لايصل خبرهم إليهم عن طريق أعراب البادية و القبائل المجاورة.

٢ ـ اتّخاذ الليل ستراً و حجاباً عن أعين الجواسيس ، و طلائع المقاتلين ، فقد سار ليلاً و اختبأ نهاراً.

٣ ـ المهاجمة ليلاً و المباغتة لهم في عقر دارهم ، و هم غاطّون في سبات الغفلة و النوم.

٤ ـ البأس و الحميّة و الشجاعة التي أبداها عند الهجوم على مواقعهم حيث لم يترك لهم أي فرصة للمقابلة والدفاع عن أنفسهم ، فلم يكد ينادي المنادي منهم بالاستنفار ، إلّا وقد كبس القوم برمّتهم ، و سقطوا في أيدي المسلمين.

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٦٢٣ ـ ٦٢٥ ، و المغازي للواقدي : ج ٢ ص ٧٦٩ ـ ٧٧٤.

٤٢٤
 &

وأمّا الآيات النازلة في هذه الواقعة ، فعلى حسب ما نقلناه هي سورة العاديات بأكملها بمناسبة تلك الواقعة و إليك تفسير ما تضمّنته.

(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ).

إنّ السياق العام الذي تضمّنته الآيات الشريفة يوحي بأنّ السورة مكّية لكون فواصلها متقاربة ، ولكن المضمون يدل على أنها من السور المدينة ، حيث تتناول الحكاية عن خيل الغزاة ، وقد شرع الجهاد في المدينة.

(وَالْعَادِيَاتِ) : من العدو وهو الجري بسرعة.

(ضَبْحًا) : و الضبح صوت أنفاس الخيل عند عدوها ، والمعنى لاُقسم بالخيل التي تعدو وهي تضبح.

(فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) «الايراء» : إخراج ، «القدح» : الضرب. يقال : قَدَحَ فَأورى : إذا أخرج النار بالقدح ، والمراد الشرر المتطاير الذي ينتج من اصطكاك حوافر الخيل إذا عدت فوق الحجارة والأرض المحصبة.

(فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) الإغارة : الهجوم على العدو بغتة بالخيل ، فأقسم بالخيل الهاجمة على العدو بغتة في وقت الصبح.

(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) الإثارة : هو تهييج الغبار ونحوه ، والنقع : الغبار ، والمعنى إطارة الغبار من على وجة الأرض.

(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) الوسط والتوسّط : بمعنى واحد ، والضمير المجرور يرجع إلى الصبح ، أو إلى النقع ، والمعنى فصرن في وقت الصبح في وسط الجمع ، والمراد منه كتيبة العدو.

(إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) الكنود : الكفور ، والآية كقوله : (إِنَّ الْإِنسَانَ

٤٢٥
 &

لَكَفُورٌ) (الحج / ٦٦) وهو إخبار عمّا في طبع الإنسان من اتبّاع الهوى والإنكباب على عرض الدنيا ، وفيه تعريض للقوم المغار عليهم.

(وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ) : أي انّ الإنسان على كفرانه بأنعم ربّه شاهد فانّ «الإنسان على نفسه بصيرة» .

(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) : أي إنّ الإنسان لأجل حبّ المال لبخيل شحيح.

(أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) : أي أفلا يعلم الإنسان أنَّ لكفرانه بنعمة ربّه ، تبعة ستلحقه وسيجازى بها إذا اُخرج ما في القبور من الأبدان ، وحصّل ما في الصدور من سرائرها ، وانّ ربهم خبير بسرائرهم ، فيجازيهم بما فيها.

بقي في تقسير الآيات بيان نكتتين :

١ ـ ما هو سر الحلف بالعاديات ، فالموريات ، فالمغيرات.

٢ ـ ما هي الصلة بين الحلف بها والجواب عن القسم بقوله :

(إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * و إِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * و إِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ).

إنّ كثيراً من التفاسير تتضمّن سرّ الحلف بها ، ولم يذكر سرّ الصلة بينهما بل أهمله في جميع الأقسام الواردة في القرآن ، وهو أمر عجيب.

أمّا علّة القسم بالاُمور المذكورة ، فلأنّ الخيل أقوى وسيلة للمقاتل المجاهد في سبيل الله ، فتضفي له طابع القداسة ، لقداسة غايته ، فإنّ كرامة الوسيلة بكرامة ذيها ، وأمّا القسم بضبحها ، والموريات التي تتطاير من حوافر أرجلها ، فلأنّ هذه الحالات المجتمعة في الخيل عند العدو تبعث الرعب والهلع والخوف في نفوس الأعداء ، فتكون بمجموعها من مقوّمات النصر والغلبة ، والظهور على الكفر ، وهنا يكمن السر في تشريفها وتعظيمها ، واستحقاقها لتكون محلّاً للقسم.

قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «الخير كلّه في السيف ، وتحت

٤٢٦
 &

ظلّ السيف ، ولا يقيم الناس إلّا السيف ، والسيوف مقاليد الجنّة والنار»(١).

وعنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أيضاً قال : «إنّ أفضل عمل المؤمنين الجهاد في سبيل الله»(٢).

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في شرف الجهاد مضافاً إلى قوله سبحانه : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال / ٦٠).

هذا برمّته حول سرّ الحلف بهذه الأشياء ، بقي الحديث عن بيان المناسبة بين القسم بهذه الأشياء والجواب عنها بجملة (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) فنقول : إنّ قوله سبحانه : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (التين / ٤ ـ ٦).

يشهد بأنّ للإنسان قدرة على السمو إلى أعلى درجات الكمال ، وكذلك له قابلية على الإنحطاط إلى أدنى المستويات كما يشهد بهذين الأمرين قوله : (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ...) وقوله : (إِلَّا الَّذِينَ...) ، وعلى ضوء ذلك ، فالإنسان ربّما يصل عند اتصافه بجملة تلك الملكات السامية إلى درجة يستحق أن يحلف لا به فقط ، بل بخيله و ما يطرأ عليه من العوارض المذكورة.

وربّما ينحط عن تلك الرتبة إلى حد يكون فيه جاحداً بكل أنعُم ربّه وفضله عليه كما قال سبحانه : (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) وفي آية اُخرى : (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَفُورٌ) (الحج / ٦٦) وفي آية ثالثة : (إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم / ٣٤) وفي آية رابعة : (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب / ٧٢) وفي نفس تلك السورة : (وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ)(٣).

__________________

(١) وسائل الشيعة : ج ٦ ص ٤٥.

(٢) نهج الفصاحة : ص ١٢٠.

(٣) إنّ دراسة الأقسام الواردة في القرآن البالغ عددها قرابة أربعين حلفاً ، من الأبحاث والدراسات الجديرة بالإهتمام ، و قد كتب ابن القيم كتاباً حولها و أسماه «الأقسام في القرآن»

٤٢٧
 &

٧ ـ فتح مكّة أو الفتح المبين

إنّ أوّل بيت وضع لعبادة الله وتوحيده وتقديسه ، هو الكعبة بيت الله الحرام ، وقد اندرست آثاره وعفيت رسومه في حادثة الطوفان في زمن نبي الله نوح (عليه السلام) ، ثم بقي على تلك الحال إلى زمن إبراهيم (عليه السلام) ، فأمره عزّ وجلّ بإقامة قواعده وتشييد أركانه ليكون مثابة للناس وأمناً ، قال سبحانه : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقره / ١٢٥).

وقد ظلّ البيت الحرام على تلك الوتيرة مدة مديدة من الزمن حتّى تمكّن الشرك من النفوذ إلى نفوس القاطنين في ضواحيه ، وذلك في زمن قصي بن كلاب(١) وعندما بعث النبي الأكرم كانت الأصنام منصوبة وتحيط بالبيت الحرام ، وتعلوها أعلام الكفر والشرك.

__________________

ولكنّه أهمل الجانب المهم منها و هو بيان الصلة بين المقسم به و جوابه. نعم قام ولدي الفاضل المجاهد الشهيد الشيخ أبو القاسم الرزاقي «قدس الله سره» بهذه المهمة و أفرده بالتأليف باللغة الفارسية و إنّي أرجو أن يقوم أحد البارعين في اللغتين ، بنقله إلى اللغة العربية ، فإنّه خير كتاب في هذا الموضوع و قد طبع بتقديم منّا أيام حياته ، و لقد لقي ربّه مضرّجاً بدمه أثناء الحرب المفروضة على الشعب المسلم في إيران ، و قد اُسقطت طائرته ، فاستشهد هو و قرابة أربعين شخصاً ، بين عالم و كاتب و سياسي محنّك ، حشرهم الله مع النبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) و قد أحرق الحادث قلبي و اراق دموعي.

(١) لاحظ السيرة النبويّة : ج ١ ص ١٣٠ ط بيروت.

٤٢٨
 &

ولما وقع إبرام الصلح بين النبي الأكرم ، وقريش عبدة الأوثان وسدنة الكعبة ، واتّفقوا على أن يتجنّبوا كل ما من شأنه إثارة الحرب بينهما طيلة عشرة أعوام ، لم يكن يتبادر في خلد أحد انّ النبي الأكرم سوف تسنح له الفرصة لفتح ذلك الحصن المنيع للشرك ، ويوقعه في شراك الأسر و الذلّة والمسكنة.

لكنّه سبحانه عندما رجع رسوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من صلح الحديبية عازماً الدخول إلى المدينة وعده بفتحين :

١ ـ الفتح القريب.

٢ ـ الفتح المبين.

أمّا الأوّل فقد أشار إليه بقوله : (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح / ١٨) وقال : (فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح / ٢٧).

وأمّا الثاني فهو الذي ورد في صدر هذه السورة وقال : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا).

أمّا الفتح القريب فقد سلف أن ذكرنا انّه فتح خيبر.

أمّا الفتح المبين فهو فتح مكّة ، ولم يكن يعلم أحد من الصحابة المراد من ذلك الفتح المبين ، الذي تنبّأ به الوحي قبل مجيئه ، غير أنّه لم تشارف السنتان على الانقضاء بعد نزول تلك الآية إلّا وقد ظهرت الخيانة من قريش لبنود ذلك الصلح ، وعندها سنحت الفرصة للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعد أنْ تمكّن من بناء جيش قوي له ، أن ينقض أركان الشرك ويهاجمهم في عقر دارهم.

بيانه

قد كان من بنود الصلح : إنّ من أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنوبكر في عقد قريش وعهدهم ، و دخلت خزاعة في عقد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وعهده.

٤٢٩
 &

فلمّا كانت الهدنة اغتنمها طائفة من بني بكر ، فخرج نوفل بن معاوية في جمع حتى باغت خزاعة وهم على الوتير ، ماء لهم ، فأصابوا منهم رجلاً واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش مَنْ قاتل ، بالليل مستخفياً حتى ساقوا خزاعة إلى الحرم. فلمّا دخلت خزاعة مكّة لجأوا إلى دار «بديل بن ورقاء» ، ودار مولى لهم يقال له «رافع» ، فلمّا تظاهرت بنوبكر وقريش على خزاعة ، وأصابوا منهم ما أصابوا ، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله من العهد والميثاق ، وما استحلّوا من خزاعة ، خرج «عمرو بن سالم» الخزاعي حتى قدم على رسول الله المدينة ، فدخل المسجد فانتصب قائماً وقال :

يارب إنّي ناشد محمدا

حلف أبينا و أبيه الأتلدا

كنت لنا أباً و كنا ولْدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصراً أبدا

وادع عباد الله يأتوا مددا

هم بيتونا بالوتير هجّدا

وقتلونا ركّعاً وسجّدا

ولمّا سمع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) شعره ، ووقف على صدق مقاله ، قال : نصرتَ يا عمرو بن سالم.

ثم خرج «بديل بن ورقاء» في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة ، فأخبروه بما اُصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ومضى «بديل ابن ورقاء» ، وأصحابه حتى لقوا أباسفيان بن حرب بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ليشد العقد ، ويزيد في المدّة ، فدخل أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه ، فقال : يا بنيّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عنّي ؟ فقالت : بل هو فراش رسول الله ، وأنت رجل مشرك نجس ، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ، ثم خرج حتى أتى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فكلّمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، فتوسّل بجمع من الصحابة أن يشفعوا له عند النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فلم يجيبوه فآيس منهم ، فركب بعيره وأقفل راجعاً ، فلمّا قدم على قريش قالوا له :

٤٣٠
 &

ماوراءك ؟ قال : جئت محمداً ، فكلّمته فو الله ما ردّ عليّ شيئاً.

ثم إنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أعلم الناس بعزمه على المسير لفتح مكة ، ودعاهم لإعداد العدّة لذلك وقال : «اللّهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها».

كتاب صحابي الى قريش :

لمّا أجمع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش ، يخبرهم بالذي أجمع عليه أمر رسول الله ، من السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة تدعى سارة(١) وجعل لها أجراً على أن تبلّغه قريشاً ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليها قرونها ، ثم خرجت به ، وأتى رسول الله الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوّام ـ رضي الله عنهما ـ فقال : أدركا امرأة ، قد حملت رسالة حاطب إلى قريش يبلغهم ما أجمعنا عليه ، فخرجا حتى أدركاها بذي الحليفة ، فاستنزلاها ، ففتّشا رحلها ، فلم يجدا شيئاً ، فقال لها علي بن أبي طالب : إنّي أحلف بالله ، ما كذب رسول الله ، وما كذبنا ولتخرجنّ هذا الكتاب أو لنكشفنّك(٢).

__________________

(١) و سارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أمسلمة جئت ؟ قالت : لا. قال : أمهاجرة جئت ؟ قالت : لا. قال : فما جاء بك ؟ قالت : كنتم الأصل و العشيرة و الموالي و قد ذهب موالي و احتجت حاجة شديدة ، فقدمت عليكم لتعطوني و تكسوني و تحملوني. قال : فأين أنت من شبان مكّة ، و كانت مغنّية نائحة قالت : ما طلب منّي بعد وقعة بدر ، فحثّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عليها بني عبد المطلب ، فكسوها و حملوها و أعطوها نفقة. لاحظ مجمع البيان : ج ٥ ص ٢٦٩.

(٢) و في مجمع البيان : قال لها : اخرجي الكتاب و إلّا و الله لاضربنّ عنقك. (مجمع البيان : ج ٥ ص ٢٦٩) و هذا هو الأوفق بمقام العصمة.

٤٣١
 &

فلمّا رأت الجد منه قالت : أعرض ، فأعرض ، فحلّت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليه ، فأتى به رسول الله ، فدعى رسول الله حاطباً فقال : يا حاطب ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول الله : إنّي لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكنّي كنت امرءاً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد و أهل ، فصانعتهم عليهم.

فأنزل الله تعالى في حاطب :

١ ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).

٢ ـ (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).

٣ ـ (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

٤ ـ (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

٥ ـ (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

٦ ـ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).

٧ ـ (عَسَى اللَّـهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّـهُ قَدِيرٌ وَاللَّـهُ

٤٣٢
 &

غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة / ١ ـ ٧).

المستفاد من الآيات :

إِنّ الآية الاُولى تمنع المسلمين عن اتّخاذ الكافرين أولياء لهم ، وتشدّد النكير على التقرب إليهم بالمودّة والمحبّة والاخاء ، إلّا أنّها لم تعن بذلك أن لا تكون هناك صلة على الإطلاق بأي نحو كان مع الكافرين ، بل لا تمنع من عقد علاقات تجارية أو سياسية بشرط أن لا تصل إلى حد المودّة الممنوعة.

نعم لو أصبحت تلك العقود والاتفاقات السياسية والتجارية بشقّيها ، سبباً للاضرار بالمصلحة الخاصة أو العامة للمسلمين ، فلا شك في حرمتهما ، وقضية الأندلس خير شاهد لنا في المقام ، وما ترتّب ونجم عن أخطاء حكّامها من مصائب وويلات ، قضت على الدولة الإسلامية برمّتها هناك.

ثم إنّ الآية الثانية تلقي بمزيد من الضوء على ذلك الأمر ، فتوضح لنا انّ الكافرين لو سنحت الفرصة لهم للظفر بالمسلمين ، لأصبحوا لكم أعداءً ، ولامتدت سطوتهم إليكم ولأوقعوا فيكم الإيذاء ، وساموكم سوء العذاب ، ولنتاولوكم بألسنتهم بالشتم والسب ، ولودّوا لكم الرجوع عن دينكم.

والآية الثالثة تفيد انّ الوشائج العرقية إنّما تنفعكم يوم القيامة إذا كان صاحبها موحّد العقيدة والمبدأ كما يشير إليه قوله سبحانه : (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ...).

ولمّا كان هناك احتياج وافتقار إلى اُسوة تكون مثالاً يقتدي به المسلمون في مجالي التولّي والتبرّي ممّن كانوا يعيشون معه ، تناول الوحي هذا الأمر بذكر قضية نبي الله إبراهيم (عليه السلام) ومن معه فقد تبرّأوا من الكافرين ، على الرغم من الصلات العرقية والقبلية التي كانت تربطهم بهم ، قال سبحانه : (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَحْدَهُ).

٤٣٣
 &

ثم إنّه سبحانه يستثني في هذه الآية شيئاً وهو : (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ).

وعندئذٍ يجري الكلام في التنبيه على ما هو المراد بالمستثنى منه فنقول : قد ورد قبل الاستثناء جملتان والاستثناء يرجع الى واحد منهما وهما عبارة عن.

١ ـ (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ).

٢ ـ (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ).

وارجاع الاستثناء إلى الجملة الاُولى بعيد عن السياق لأنّ معناه حينئذ : إنّ إبراهيم اُسوة في كل شيء إلّا في هذا المورد ، وهذا لا يتناسب مع مقام نبوّته ، ومع قوله سبحانه في حقّه : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران / ٦٨).

فإذا كان إبراهيم أولى بأن يتبعه النبي الأكرم ، فكيف لا يكون اُسوة على الاطلاق.

على أنّ الآيات الكريمة الواردة في استغفار إبراهيم تعرب عن أنّ عدته بالاستغفار لأبيه كان عملاً حسناً وواقعاً في محلّه ، وذلك لأنّه وعده عندما يحتمل انّه سيعود إلى فطرته السليمة ، و يقطع أواصره بالوثنية قال سبحانه :

(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّـهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة / ١١٤).

وهذا يعرب عن أنّ الوعد إنّما كان في زمن كان يؤمل فيه منه الصلاح والرشد ، ولذلك لمّا استولى اليأس ، وفقد الأمل بتحقّق ذلك الأمر ، تبرّأ منه ، وعلى ذلك يتعيّن القول برجوع الاستثناء إلى الجملة التالية لأنّ مفادها انّ إبراهيم ومن كان معه تبرّأوا من جميع من كان يمت إليهم بصلة في قومهم ، مع انّ إبراهيم لم يتبرّأ من أبيه ، ولأجل ذلك جاء بالاستثناء ومعناه : إنّ إبراهيم وأتباعه قالوا لقومهم : إنّا برءآؤا منكم ، إلّا إبراهيم ، فلم يتبرّأ من أبيه وهذا هو المستفاد من الآيات.

٤٣٤
 &

ثم إنّه سبحانه أعاد حديث الاُسوة لأهمّيته ، وانّه إنّما ينتفع بها المؤمنون أي الذين يرجون ثواب الإيمان بالله سبحانه ، وما وعد الله به المؤمنين في الآخرة ، غير أنّ من رفض حديث الاُسوة ، وتولّى أعداء الله ، فإنّما يضر نفسه والله سبحانه هو الغني ، وقال : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).

ولمّا نهاهم عن موالاة الكفّار وإلقاء المودّة ، وكان ذلك عزيزاً على نفوسهم لوجود الوشائج القومية بينهم ، وكانوا يتمنّون أن يجدوا المخلص منه ، أردف ذلك سبحانه انّه عسى أن يجعل بينهم ، وبين الذين عادوهم مودّة ، وقد أنجز سبحانه ذلك بفتح مكّة ، فأسلم كثير منهم ، وتم لهم ما كانوا يريدون من التحابّ والتواد.

و إليه يشير قوله سبحانه : (عَسَى اللَّـهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّـهُ قَدِيرٌ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

*       *      *

المعيار في إبرام المعاهدات مع الكفّار :

لمّا كان المستفاد من قوله سبحانه في صدر السورة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) هو قطع جميع العلائق والأواصر بالكفار ، أعقبها بما يخصّص مضمون الآية بالقسم المحارب دون مطلق الكافر بقوله عزّ من قائل :

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة / ٨).

(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة ـ ٩).

وهاتان الآيتان تتضمّنان الإلفات إلى ما هو الأصل الرصين ، والمحور الرئيسي

٤٣٥
 &

في حدود مشروعية العلاقة مع الدول الخارجية عن إطار دائرة الدولة الإسلامية ، وحصيلة ما يستفاد منهما : إنّ في الكافر أرضية تمهّد السبيل دائماً إليه ، للغدر والخداع والخيانة لعدم وجود رادع نفسي يحول بينه وبين اقتراف ذلك ، والآية الاُولى انطلاقاً من ذلك تحضّ على تجنّب اتّخاذ الكافر وليّاً وحليفاً.

ولكن ربّما يتّصف بعض الكفار بخصائص ، وفضائل إنسانية محدودة تتخلّف معها تلك الظاهرة الغالبة عليهم ، والمتأصّلة في نفوسهم ، وانطلاقاً من ذلك سوّغ الإسلام في حدود معينة عقد روابط وأواصر شكلية معهم سواء كانت سياسية أم اقتصادية ، ولكن كل ذلك مرهون بتوفّر شرطين :

١ ـ عدم دخولهم أو مشاركتهم في قتال المسلمين.

٢ ـ عدم إخراجهم المسلمين من ديارهم.

وعند ذلك تتوفّر الأرضية الكفيلة بعقد وشائج البر وأواصر القسط وحفظ الحقوق.

وأمّا إذا أظهروا العداء للمسلمين عن طريق مقاتلتهم ، ومحاربتهم و إخراجهم من أوطانهم ، مصرّين على ذلك ، فعندئذ تحرم موالاتهم ، و إسداء البرّ إليهم بأي نحو من الأنحاء.

قال سيد قطب :

نهى سبحانه أشدّ النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين ، وأخرجوهم من ديارهم ، وساعدوهم على إخراجهم ، وحكم على الذين يتولّونهم بأنّهم هم الظالمون ، وهو تهديد يجزع منه المؤمن ، و يتّقي أن يدخل في مدلوله المخيف ، وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتّفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية ، وهي أساس شريعته الدولية التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعاً هي الحالة الثانية لا بغيرها ، إلّا وقوع الاعتداء الحربي

٤٣٦
 &

وضرورة ردّه ، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة ، وهي تهديد بالاعتداء والوقوف بالقوّة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد ، وهو كذلك اعتداء ، وفيما عدا هذا ، فهي السلم والمودة والبر و العدل للناس(١).

وعلى ضوء ذلك يستفاد اُمور :

١ ـ إنّ الآيتين الثامنة والتاسعة مقيّدتان لإطلاق الآية الاُولى الواردة في صدر السورة حيث تلفت إلى وجود قسمين من الكفّار بين محارب ومهادن موادع ، فالاُولى تحرم موالاته مطلقاً ، والثانية تجوّز بشروط حدّدت ذلك في إطار البرّ و إبداء القسط وبعبارة اُخرى يجب أن ينحصر التولّي في الملامح الظاهرية والوشائج الشكلية ، كالتجارة والروابط السياسية ، ولا يسوغ موآخاتهم في السرّاء والضرّاء ، وعدّهم إخواناً وأحلافاً ، ولا يباح إليهم بالأسرار ، ولا يكاشفونهم بما يضمرونه ، فإنّ ذلك ممّا لا يليق إلّا بإبدائه للمؤمنين خاصة.

٢ ـ إنّ بعض المفسّرين زعم أنّ قوله سبحانه : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ) (التوبة / ٥) ناسخ لمضمون الآية الثامنة المتقدّم ذكرها لأنّه يحكم بقتل المشركين بلاهوادة لايمكن التوفيق بينه وبين ما دلّ على جواز إبرام العقود معهم :

ولكنّه زعم لا محصّل وراءه لأنّ ماورد في سورة التوبة يختصّ بالمشرك المحارب بشهادة قوله سبحانه : (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (التوبة / ١٣).

وعلى ذلك فلا تنافي بين الآيتين في المضمون لاختلاف موضوعهما.

٣ ـ إنّ لسان قوله سبحانه : (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ).

__________________

(١) في ظلال القرآن ج ٢٨ ص ٦٦.

٤٣٧
 &

وإن كان لسان رفع الحظر ، ولكنّه لا يدل على أنّ البر و القسط بهم بعقد الأواصر معهم مباح بالمعنى المصطلح أي ما يقابل الواجب والمستحب وغيرهما ، بل المراد هو كون ذلك جائزاً بالمعنى الأعم ، ولا ينافي كونه واجباً في ظروف خاصة ، ومستحبّاً في ظروف اُخرى وهكذا ، وعلى الحاكم الإسلامي أن يتناول أوضاع المسلمين بالدراسة المتفحّصة ، وينتخب ما هو الأوفق بمصلحة الاُمّة الإسلامية حتى لا يفوت عليهم ما هو الأصلح لحالهم ، والأنسب بوضعهم.

وفي خاتمة المطاف نسترعي التفات القارئ الكريم إلى أنّ عمل بعض الدول الإسلامية التي قامت بعقد اتفاقية صلح مع الكيان الصهيوني الغاصب للقدس ، يضاد ما صرّح القرآن الكريم به في الآيتين المتقدّمتين ، والذي يهوّن الخطب انّ هذه الدول إنّما ترفع شعار الإسلام بالاسم فقط دون امتلاك أي رصيد مضموني منه.

*       *      *

عود على بدء :

ذكرنا أنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان قد أعدّ العدّة لغزو قريش في عقر دارها ، والانتقام منها بوازع القصاص منها ، لخيانتها ونقضها لبنود الميثاق الذي أبرمته مع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، واستخلف على المدينة وذلك لعشر مضين من شهر رمضان ، فصام رسول الله وصام الناس معه ، ولمّا بلغ حدّ الترخّص أفطر ، وأفطر أغلب من كان معه(١).

__________________

(١) و قد روى سماعة عن الإمام الصادق انّه سأله عن الصيام في السفر ، قال : لاصيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول الله فسمّاهم العصاة فلاصيام في السفر إلّا الثلاثة أيام التي قال الله عزّ و جلّ في الحج.

و في حديث آخر : إنّ رسول الله خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ، و معه الناس

٤٣٨
 &

ثم مضى حتى نزل (مَرّ الظهران) في عشرة آلاف من المسلمين وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلم يأتهم خبر عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، ولايدرون ما هو فاعل ، وخرج في تلك الليالي أبوسفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتحسّسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به ، وقد كان العباس بن عبد المطلب قد غادر مكة متوجّهاً إلى المدينة و لقىٰ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ببعض الطريق (الجحفة) فاصطحبه.

فلمّا نزل رسول الله (مرّ الظهران) ، قال العباس بن عبد المطلب : فقلت : واصباحَ قريش ، والله لئن دخل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، انّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال : فركبت بغلة رسول الله البيضاء حتى جئت الأراك فقلت : لعلّي أجد من يخبر قريش بمكان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ليخرجوا إليه ، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة ، وآنذاك طرق سمعي كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان ، وأبوسفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيراناً قط ، ولا عسكراً ، قال : يقول «بديل» : هذه والله خزاعة حمشها(١) الحرب ، قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أذلّ وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ، قال : فعرفت صوته ، فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي ، فقال : أبوالفضل ؟! قال : قلت نعم. قال : مالك ؟ فداك أبي واُمّي قال : ويحك يا أباسفيان هذا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في الناس واصباح قريش.

قال : فما الحيلة ؟ قال : قلت : لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستامنه لك.

__________________

و فيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر و العصر فشربه و أفطر ، ثمّ أفطر الناس معه و تمّ ناس على صومهم فسمّاهم العصاة ، و إنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم). لاحظ الوسائل : ج ٧ ، الباب ١ و ١١ من أبواب من يصح فيه الصوم الحديث ١ و ٧.

(١) حمشها أي أحرقتها.

٤٣٩
 &

قال : فدخلت على رسول الله ، وقلت : يا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إنّي قد آجرته. فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : اذهب به إلى رحلك ، فاذا أصبحت ائتني به ، فلمّا جاء به إلى رسول الله مصبحاً ، قال له رسول الله : ويحك أباسفيان ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلّا الله. قال : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ما أحلمك وأكرمك وأوصلك.

ثم قال العباس بعد كلام دار بين رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وبين أبي سفيان : يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان كان آمناً ، ومن أغلق بابه كان آمناً ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلمّا أراد أن ينصرف أبو سفيان ، قال رسول الله : أجلسه بمضيق الوادي حتى تمرّ به جنود الله ويراها.

ثم إنّ أصحاب السيرة ذكروا استعراض جيش رسول الله أمام أبي سفيان(١).

قال الواقدي : وعبّأ رسول الله أصحابه ومرّت قبائل على قادتها ، والكتائب على راياتها ، فكان أوّل من قدم رسول الله خالد بن الوليد في بني سليم وهم ألف ، ثم مرّ على إثره الزبير ابن العوام في خمسمائة ، ومرّ بنو غفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبوذر الغفاري ، ثم مضت أسلم في أربعمائة ، ثم مرّت بنو عمرو بن كعب في خمسمائة ، ثم مرّت مزينة في ألف ، ثم مرّت جهينة في ثمانمائة ، ثمّ مرّت بنوليث وهم مائتان وخمسون ، ثم مرّت أشجع وهم آخر من مرّ في ثلاثمائه.

وكلّما مرّت قبيلة كبروا ثلاثاً عندما حاذوا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

فلمّا مرّ سعد براية النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) نادى : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذلّ الله قريشاً.

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٤٠٠ ـ ٤٠٤.

٤٤٠