مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ولمّا صاح : نحن لنا العزّى ولا عزّى لكم.

قال النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قولوا :

الله مولانا ولا مولى لكم.

كما أنّ المسلمين كانوا عند الهجوم على الأعداء ينادون بشعار خاص مثل : امت... امت(١).

كانت هذه لمحة سريعة عن أساليب رسول الإسلام (صلّى الله عليه و آله وسلّم) في التبليغ والدعوة إلى الإسلام ، وهي تكفي لمعرفة إهتمام الإسلام بهذا الأمر.

وفي هذا العصر حيث اُتيحت للبشرية أجهزة ووسائل أوسع للتبليغ يتعيّن على المسلمين الإستفادة منها بشكل أفضل و بمنتهىٰ الشجاعة والعزم ليصدق في شأنهم قوله تعالى : (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا) (الأحزاب / ٣٩).

ما هي وظائفنا اليوم في مجال التبليغ والدعوة ؟

هذا بعض ما كان يقوم به رسول الإسلام (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في مجال التبليغ والدعوة إلى الإسلام ، وقد كان عملاً عظيماً جبّاراً بالقياس إلى وسائل ذلك العصر ، فما هو واجب المسلمين في هذا الزمن وهم يملكون أعظم الأجهزة للتبليغ والدعوة.

فماذا يجب أن يفعله المسلمون اليوم ؟

هذا هو ما يجب أن نشير إليه في هذا المقام.

والذي نراه هي الاُمور التالية :

١ ـ رصد التبشير المسيحي والدعايات الماركسية : إنّ العالم الإسلامي يحاصره

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٦٨.

٥٤١
 &

اليوم معسكران قويّان مزوّدان بكلّ القوىٰ والإمكانات ، وهما المعسكر الغربي الذي يروّج المسيحية ، والمعسكر الشرقي الذي يروّج الماركسية والإلحاد.

و يعمل هذان المعسكران ليل نهار على بثّ سمومهما في أقطار العالم الإسلامي بمختلف الأساليب و السبل.

و من أساليبهم النيل من كرامة النبي العظيم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فهذا هو كتاب يصدر في لندن باسم «الآيات الشيطانية» يشكّك في نبوّة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، و تتحدّث عنه إذاعة لندن لإلقاء الضوء عليه ، و حثّ الناس على قراءته تحت غطاء نقل الأخبار.

و هو مع الأسف يستند إلى بعض المصادر الإسلامية التي تحتاج إلى نظارة التنقيب جدّاً مثل تاريخ الطبري و السيرة الحلبية ، فكم فيهما من موضوعات و منحولات و اسرائيليّات و مسيحيّات بثّها أبناء الديانتين من كعب الأحبار و وهب ابن منبه و تميم الداري ، وأخذها السذّج من المسلمين ، و زعموا أنّها حقائق راهنة.

فلابدّ أن تنهض جماعة من العلماء و المفكّرين و الخطباء للتصدّي لهذه الهجمة الظالمة على الإسلام بالوسائل المتاحة و المفيدة.

٢ ـ رصد الدعايات المفرّقة لصفوف المسلمين و تبديد وحدتهم التي هي أقوى قلعة في وجه العدوّين المذكورين آنفاً ، فلابدّ أن تجدّد فكرة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ، و لابدّ أن يتصدّى مركز إسلامي قوي للكتب المفرّقة التي لايقصد من كتابتها وبثّها إلّا إيجاد الفرقة بين الطوائف الإسلامية في عصر هي أحوج ما فيه إلى التعاضد و التعاون و التعاطف ، خاصّة أنّ هذه الكتب تحتوي على سفاسف و ترّهات و قضايا لاقيمة لها و لاأساس. ضع يدك على كثير ممّا ينتشر في أشهر الحج ضد الشيعة الإمامية.

نعم لايعني من هذا أن لايعرض أحد عقيدته بصورة موضوعية علميّة أو أن يتجرّد أحد من عقائده من دون دليل ، بل المطلوب هو تجنّب التهجّم على الآخرين ،

٥٤٢
 &

و بثّ بذور الفرقة و التشتّت ، و إلّا فعرض المذاهب مستنداً إلى أوثق المصادر لغاية التعرّف من وسائل التقريب و أدواته.

٣ ـ تأسيس وحدة إعلامية واحدة للمسلمين : إنّ الأعداء على اختلاف مشاربهم و مطامعهم يؤلّفون وحدة إعلامية واحدة ، فلابد أن يقوم المسلمون بتأسيس وحدة إعلامية واحدة ، و يستفيدون من جميع وسائل الإعلام و التبليغ و الدعوة من إذاعة و تلفزيون و سينما و مسرح ، لعرض الحقائق الدينية للناس بعيداً عن أجواء السياسات الداخلية و الظروف الخاصة.

٤ ـ اصلاح الكتب الدراسية : ينبغي أن يقوم علماء الإسلام باصلاح الكتب الدارسية التي تدرّس في المدارس و الجامعات و يجرّدوها عمّا يشوّش أفكار الناشئة و يدفعه عن اساءة الظن بتاريخه و دينه.

هذا هو بعض ما يجب أن يقوم به المسلمون في مجال التبليغ و الدعوة إلى الإسلام و هو فرض عليهم و واجب من واجباتهم كيف لا ، و مهمة الإعلام و الإبلاغ لم تنحصر برسول الإسلام فقط ، بل اعتبرها القرآن من وظيفة الاُمّة الإسلامية أيضاً. و سمّاها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و جعل هذا العمل من وظائف المسلمين على اختلاف مستوياتهم و مؤهّلاتهم فقال :

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران / ١٠٤).

و قال سبحانه :

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ) (آل عمران / ١١٠).

و ليس الأمر بالمعروف مقصوراً على تنبيه العصاة من المسلمين ، بل هو أصل عام يعم كل دعوة فيها و صلاح للمجتمع الإنساني من ابلاغ دينه سبحانه ، و نشر اُصوله و فروعه أوّلاً و الحث على الطاعة و الانذار على المخالفة ثانياً.

٥٤٣
 &

و اعتبر الإسلام القيام بهذه الوظيفة سبباً لازدهار الحياة ، في شتّى مجالاتها إذ قال الإمام الباقر (عليه السلام) :

«إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء ، بها تقام الفرائض و تأمن المذاهب ، و تحل المكاسب ، و ترد المظالم ، و تعمّر الأرض وينتصف من الأعداء و يستقيم الأمر»(١).

إنّ القرآن الكريم عدّ ترك هاتين الوظيفتين سبباً لهلاك الناس إذ قال :

(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الأعراف / ١٦٣ ـ ١٦٥).

فقد أهلك الله الذين كانوا يتقاعسون عن أداء وظيفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، بل يعترضون على من يقوم بهذه الوظيفة ، أهلكهم كما أهلك الفاسقين الذين كانوا يتجاوزون حدود الله و حرمة الصيد يوم السبت.

و قد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في هذا الصدد أنّه قال :

«لايزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ، و تعارفوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلّط بعضهم على بعض ، و لم يكن لهم ناصر في الأرض و لا في السماء»(٢).

إنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حذّر من مغبّة ترك هاتين الفريضتين ، و انّ ذلك يؤدي إلى أن تنقلب القيم لدى الاُمّة الإسلامية عند ترك الأمر

__________________

(١) الوسائل : ج ١١ ص ٣٩٥.

(٢) البحار : ج ٩٤ ص ٩٧.

٥٤٤
 &

بالمعروف و النهي عن المنكر ، فيصير المنكر معروفاً و المعروف منكراً ، إذ قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : كيف بكم إذ أفسدت نساؤكم و فسق شبابكم ، و لم تأمروا بالمعروف و لم تنهوا عن المنكر ؟

فقيل له : و يكون ذلك يا رسول الله ؟

قال : نعم ، وشرّ من ذلك ، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر و نهيتم عن المعروف ؟

قالوا : يا رسول الله و يكون ذلك ؟

قال : نعم ، و شرّ من ذلك ، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً ، و المنكر معروفا(١).

النظر إلى الإنسانية برحابة صدر

و من أساليب دعوته أنّه كان ينظر إلى الإنسانية برحابة صدر و لايرى ميزاً لانسان أو تفوّقاً له على انسان إلّا بالتقوى ، وكانت القومية عنده أبغض شيء ، والدعوة إليها عنده دعوة خبيثة مفرّقة للاُمّة ومشتّتة لها ، و بما أنّ القومية بمفهومها الواسع صارت شعاراً لأكثر المسلمين المعاصرين على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم ، فالعربي يدعو إلى القومية العربية ، والتركي الى القومية التركية وهكذا ، فوجب علينا البحث عن القومية من منظار الكتاب والسنّة وبذلك نختم البحث حتى يكون ختامه مسكاً فنقول :

__________________

(١) البحار : ج ٩٧ ص ٧٤.

٥٤٥
 &

(١٥) القوميّة في الإسلام

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نأتي بعناوين البحث فنقول : إنّ البحث يدور على نقاط عشر وهي :

١ ـ ما هي القومية في مصطلح السياسيين وأصحاب هذه الفكرة ؟

٢ ـ تعيين تاريخ تكوّن هذه الفكرة في هذه العصور الأخيرة.

٣ ـ هزيمة هذه الفكرة في مولدها وموطنها.

٤ ـ اشتعال هذه الفكرة ونموّها في البلاد الاسلامية مؤخّراً.

٥ ـ دعاة هذه الفكرة في الشرق الاسلامي جماعة ينتسبون إلى البيوت المسيحية وهل يمكن عدّ هذا الأمر أمراً اتّفاقياً وصدفيا ؟ .

٦ ـ ما هي الغاية من زرع هذه الفكرة وترويجها في الأوساط الاسلاميه ؟

٧ ـ رسالة الاسلام رسالة عامة عالمية لا تختصّ بقوم دون قوم.

٨ ـ تفسير قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ...) وبيان النكات الست فيه.

٩ ـ كلمات مضيئة للرسول الأعظم في تحطيم القومية.

١٠ ـ الخسارة التي تفرضها القومية على البشرية أولاً والاسلام والمسلمين ثانياً. فهذه جهات البحث ونقاطها الحساسة التي نبحث عن الكل موجزاً فنقول :

١ ـ ما هي القومية ؟

القومية حسب ما يستفاد من المعاجم السياسية : هي الاعتقاد بارتقاء شعب

٥٤٦
 &

خاص على سائر الشعوب من حيث الخِلقة والخلق والعقيدة والمثل و يراد فيها باللغة الاوريية (ناسيوناليزم) ، و بعبارة اُخرى هي الاعتقاد بتفوّق شعب خاص والنظر إلى سائر الشعوب بالحقد والضغينة وكأنّ حامل تلك الفكرة يحب نفسه و يبغض غيره و يخاصمه.

وهذا المورد من الموارد التي تنتزع الايديولوجية من النظرة العامة إلى الكون بمعنى انّ مدّعي القومية ينظر إلى الكون والحياة ، فيرى لنفسه حسب خياله تفوّقاً وعلوّاً ، فيرتّب على تلك النظرة فكرته القومية و يبني الايديولوجية على ما استنتجه من النظر إلى الكون ، و يقول : إذا كنت أنا وقومي متفوّقين في الخلق والخلقة يجب أن نكون متصدّرين في السياسة والسلطة و يكون الغير خادماً ومتعبّداً لنا وتكون لنا السلطة عليه.

وبذلك يعلم أنّ القومية لا تفترق عن العنصرية ، فلو لم تكن هناك فكرة التفوّق في الحياة لما كان للقومية تفسير منهجي صحيح ، فالقومية قائمة على العنصرية وتكون الثانية أساساً للاُولى ، ونشير هنا إلى نكتة وهي انّ دعاة القومية يذمّون العنصرية مع أنّ القومية مبنيّة على أساس العنصرية كما أشرنا فلو لم يكن هناك تفوق عنصري لم يكن لصرح القوميه أساس ولا تفسير صحيح.

٢ ـ تعيين تاريخ زرع هذه الفكرة في العصور الأخيرة :

إنّ الباحثين عن القومية يتّفقون على أنّ تلك الفكرة ظاهرة غربية يعود أصلها إلى الفرنسيين في القرن السادس عشر ، وذلك لأنّ التفرقة الهدّامة كانت سائدة على ذلك الشعب من حيث المذهب والعقيدة ، وكانت كل فرقة متمسّكة بعقيدتها غير عادلة إلى غيرها ، ففي تلك الآونة ، قام عدة من رجال السياسة الذين يهمّهم كل شيء إلّا المذهب ، بجمع شتات تلك الاُمّة في ظل عامل واحد وهو القومية الفرنسية عسى أن يتوفّقوا في ظلّ هذا العامل بجمع شتاتهم ولمِّ شعثهم ، وقد نجحوا في ذلك المجال بعض النجاح.

٥٤٧
 &

ولم تكن تلك الكلمة يوم ذلك مفيدة غير هذا المعنى ، إلّا أنّها عبر القرون والعصور أخذت لنفسها معنىً خاصّاً ، وتضمّنت تضمير الحقد والتحقير لسائر الأقوام.

نعم هذه جذور القومية النامية في القرون الاخيرة ، ولكن للشعوبية بمعنى القومية جذوراً تاريخية اُخرى ، وهي انّ التعصب للعربية ، من جانب الخلفاء الامويين والعباسيين ، كوّن تلك الفكرة في الشعوب الاسلامية غير العربية ، ولهذا اجتمعت الاُمم على التعلّق بالقومية في مقابل التعصبات العربية التي كانت تثيرها الخلافة الاموية والعباسية ، والبحث عن ذلك يحتاج إلى افراد رسالة مستقلة.

٣ ـ هزيمة تلك الفكرة في مولدها :

بينما يسعى بعض المفكرين السياسيين في ترويج تلك الفكرة في الشرق الاسلامي نرى تقهقر تلك الفكرة في الغرب وانهزامها أمام المشاكل العظيمة ، وهذا لأنّ الغرب جرّب بعد الحربين العالميتين أنّه لا يقدر على العيش والحياة إلّا بتوحيد الشعوب والأقوام ، بل الدخول في أحد المعسكرين الشرقي والغربي ، فرفض القومية وطفق يستظل بظل الاتحاديات الاقتصادية والسياسية والثقافية وأحسّ أنّه لا ينجح في معترك الحياة إلّا برفض القومية ونسيانها.

و يدلّ على تقهقر هذه الفكرة في القرن العشرين ظهور جامعة الدول قبل الحرب العالمية الاُولى ، وتكوّن الاُمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية فيها ، والتجاء الدول النامية والمستضعفة إلى عقد مواثيق وتحالفات مع القوى الكبرى.

كل ذلك يسفر عن حقيقة واضحة ، وهي انّه قد مضى زمن تلك الفكرة وانّ بناء الدولة والمملكة على ذاك الأساس بناء على شفا جرف هار.

إنّ إنجراف بعض الدول الشرقية في تيّار الاشتراكية والتحالف مع الماركسية ، كتعلّق الدول الغربية بمعسكر الرأسمالية ، يكشف عن عدم كفاءة هذه الظاهرة المادّية في حل مشاكل الأقوام ، ورفع العراقيل النامية في حياتهم.

٥٤٨
 &

٤ ـ اشتعال هذه الفكرة ونموها في البلاد الإسلامية مؤخّراً :

إنّ هذه الفكرة أخذت تنهزم في الغرب وتنسحب عن تلك الجوامع ، ولكنّنا نرىٰ في الشرق دعاة إليها ، بجدٍّ وحماسٍ فنرى هناك دعوة إلى القومية بأشكالها وألوانها المختلفة ، المتناسبة للظروف والملابسات المحيطة بالمناطق ، فالقومية في مصر عبارة عن الدعوة إلى الفرعونية ، وفي العراق إلى البابلية ، وفي سوريا إلى الآشورية ، وفي الاُردن إلى الرومانية ، وفي إيران إلى الجمشيدية وفي ماوراء النهر إلى جنكيزخان وزملائه العصاة الطغاة.

ما هذه الدمدمة والهمهمة في الأوساط الإسلامية ، وما هو الحافز والمحرك والدافع إلى إحياء تلك الفكرة فيها ، بعد ما تقهقرت في موطنها وقُبرت في مولدها ؟ فياليتهم يدعون إلى القومية البسيطة التي دعا إليها الساسة الفرنسيون في القرن السادس عشر ، ولكنّهم أخذوا يدعون إلى القومية البغيضة الإلحادية حتى تصبح هذه الفكرة ذات مكانة خاصّة ، تغني حاملها عن الإيمان بالله ، والاعتناق بالإسلام ، وها نحن ننقل إليكم ـ يا أصحاب الفضيلة ـ كلمات من دعاة القومية في خصوص البلاد العربية ، فها هو ناصر الدين علي يقول في كتابه «قضية العرب» ص ٢٨ : إنّ العربية هو الدين الواقعي لكل عربي سليم مسلماً كان أو مسيحيّاً ، لأنّ القومية العربية كانت سائدة على تلك الاُمّة قبل أن تولد المسيحية والإسلام ، وقد أتت بأمثل الخلق وأعلاها في مجال الحياة.

نرى أنّ وسائل الاعلام العامّة تروّج هذه الفكرة ، فها هي مجلّة العالم العربي تكتب في عدد ١٩٥٩ : ـ يجب أن تحل الوحدة العربية المكان الذي حلّ فية الإيمان بالله الواحد.

ونقل أبوالحسن الندوي عن الكاتب القومي عمرو فاخوري : إنّ العرب لايكونون قادرين على الثورة والتقدّم ، إلّا إذا عدّوا العربية ديناً ، و يتمسّكوا بها كتمسّك المسلم بالقرآن ، والمسيحي بالإنجيل إلى غير ذلك.

٥٤٩
 &

٥ ـ دعاة هذه الفكرة في الشرق الإسلامي جماعة ينتسبون إلى المسيحية وهل يمكن عد هذا الأمر أمراً اتفاقيّاً وصدفياً :

والعجب أنّ منتحلي هذه الفكرة في مركز الخلافة الإسلامية «بغداد ودمشق» لا يمتّون إلى الإسلام بصلة نظراء : ميشل عفلق وانطوان سعادة وجورج حبش ، هؤلاء لا يمتّون بالإسلام كما لا تمتّ بيوتهم التي نشأوا فيها بهذا الدين ، ومع ذلك فهم يدّعون أنّهم يريدون إعادة المجد إلى البلاد الإسلامية وأبناء القرآن الكريم عن طريق تحكيم القومية فيهم ، فهل يمكن تفسير ذلك بالإتفاق والصدفة ؟ وكيف تريد أبناء النصارى إعادة المجد إلى البلاد الإسلامية والمسلمين وهم ليسوا منهم ؟

إذا ما فصلت عليّا قريش

فلا في العير أنت ولا النفير

٦ ـ ماهي الغاية من زرع هذه الفكرة وترويجها في الأوساط الإسلامية ؟

كانت الغاية من زرع بذور القومية في الأوساط الإسلامية ، تبديد الحكومة الإسلامية الموحّدة الحاكمة باسم الإسلام ، وكانت البلاد الإسلامية إلّا ماشذ تعيش في ظل حكومة إسلامية لها طابع الإسلام ، وأراد المستعمرون بزرع تلك البذرة وتنميتها بيد عملائهم ، تقسيم الحكومة الواحدة إلى حكومات ، والبلد الواحد إلى بلاد ، والحاكم الواحد إلى حكّام ، حتى يسهل السيطرة عليهم ، والعجب أنّ جماعة كثيرة من الشباب والمثقّفين اغترّوا بهذه الفكرة وحسبوا أنّ الدعوة إلى القومية دعوة ناجحة مطبّقة بالإسلام والقرآن ، و كأنّهم نسوا قول الباري عزّ وجلّ : (وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون / ٥٢).

وقال سبحانه : (إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء / ٩٢).

فصاروا يتخاصمون مكان أن يتحابّوا ، يشتم بعضهم بعضاً و يبغض بعضهم

٥٥٠
 &

بعضاً ، فكأنّهم لم يسمعوا قول الله عزّ وجلّ : (فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران / ١٠٣) أو قوله عزّ وجلّ : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات / ١٠) أو قول نبيّهم الأعظم : «إنّما المؤمنون في تراحمهم وتوادّهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»(١).

ترى أنّ كل قطر من الأقطار الإسلامية أصبح لقمة صغيرة قابلة للأكل والبلع لحماة الإستعمار أوّلاً والمستعمرين ثانياً ، فحاق بالمسلمين ألوان العذاب وأصناف العقاب.

٧ ـ رسالة الإسلام رسالة عامة عالمية لا تختص بقوم دون قوم و بيان دلائله من القرآن الكريم :

إنّ رسالة النبي الأكرم رسالة عالمية غير مختصّة بشعب دون شعب ، و إن أصرّ الدعاة المسيحيون بتخصيص رسالتها بالاُمّة القاطنة في الجزيرة العربية ، غير أنّ تلك الفكرة فكرة خاطئة يكذّبها القرآن بخطاباته العامّة وهتافاته المطلقة ، فالقرآن يخاطب جميع العالم بلفظ : «يا أَيّها الناس» و يقول : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف / ١٥٨).

كما أنّه يعرّف النبيّ رحمة للعالمين بقوله سبحانه : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء / ١٠٧).

ويعد القرآن النبي الأكرم نذيراً للعالمين ، ويقول (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان / ١).

كما أنّه يأمر النبي أن ينذر بالقرآن كل بشر يصل إليه ذلك الكتاب ، و يقول : (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) (الأنعام / ١٩).

__________________

(١) مسند أحمد ج ٤ ص ٢٧٠.

٥٥١
 &

نعم هناك آية اُخرىٰ ربّما تفع ذريعة لمن يريد الخدعة وتحريف الفكرة الصحيحة ، وهي قوله سبحانه : (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) ولكن الآية واضحة ببركة الآية المتقدّمة عليها ، وذلك لأنّ المراد باُمّ القرى هي مكّة كما أنّ المراد بـ «من حولها» العالم كلّه فمكّة اُمّ القرىٰ وقلب العالم التوحيدي فإذا أنذر مكّة وأنذر ما حولها فقد أنذر جميع العالم.

فهذه الآيات ونظائرها أوضح دليل على عالميّة رسالته وانّها تشمل جميع أبناء البشر ، كيف والنبي الأكرم حسب قوله سبحانه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) (البقرة / ١٨٥). يهدي كل الناس ببركة القرآن ، أفبعد هذه التصاريح القاطعة يمكن احتمال إختصاص رسالة النبي الأكرم بقوم دون قوم ؟

وهذه الآيات ونظائرها الكثيرة الواردة في القرآن تصرّح بعموميّة رسالته و إطلاق نبوّته.

٨ ـ تفسير قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات / ١٣).

والآية تشتمل على نكات ستّ نشير إليها بإيجاز.

١ ـ إنّ الآية تقسّم الإنسان إلى قسمين الذكر والاُنثى و يستند في التفسير باُمور ذاتية داخلة في جوهر ذاته وحقيقة وجوده وهي الذكورية والاُنوثية ولا يعتني بالاُمور الطارئة عليه حسب ظروفه وشرائط حياته.

٢ ـ تعترف بالشعوب والقبائل وتصرّح بأنّ هناك قوميّات ولا تنفيها أبداً.

٣ ـ تصرّح بأنّ اختلاف البشر من جهة الشعوب والقبائل كاختلافهم من حيث الذكورة والاُنوثة و إنّ كلا الاختلافين داخلان في جوهر وجوده وواقع شخصيّته.

٤ ـ يسند تكوّن الاختلاف في كلتا الجهتين إلى نفسه (إِنَّا خَلَقْنَاكُم... وَجَعَلْنَاكُمْ).

٥٥٢
 &

٥ ـ إنّ الغاية من تكوين ذلك الاختلاف وجعل البشر شعوباً وقبائل ليست هي التفاخر والتناكر بل التعارف والتحابب.

٦ ـ إنّ الاعتراف بالقوميّات ليست بمعنى انّها الملاك في التفوّق والاعتلاء بل ملاك التعالي والكرامة في التقوى والتجنّب عن اقتراف المعاصي.

هذه نكات ست جئنا بها على وجه الإيجاز والكل يحتاج إلى توضيج أكثر من هذا نتركه لآونة اُخرى.

٩ ـ كلمات مضيئة للرسول الأعظم في تحطيم القومية :

إنّ الرسول الأعظم جاء يحطّم القومية المبدّدة لكيان الإسلام ووحدة المسلمين وألقى جوامع الكلم في هذا المجال نأتي ببعضها.

أ ـ قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في خطبة حجّة الوداع : «يا أيّها الناس إنّ الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية و فخرها بالآباء ، كلّكم من آدم و آدم من تراب ، ليس لعربي على أعجمي فضل إلّا بالتقوى»(١).

ب ـ و قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «الناس كلّهم سواء كأسنان المشط»(٢).

ج ـ و قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «الناس كلّهم أحرار إلّا من أقرّ على نفسه بالعبودية»(٣).

د ـ و قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «ليس منّا من دعا إلى عصبية».

__________________

(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٤١٧.

(٢) كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق : ص ١٢٢.

(٣) وسائل الشيعة ج ٣ ص ٢٤٢.

٥٥٣
 &

ه‍ ـ روى المحدّثون أنّه جلس سلمان إلى جنب سائر الصحابة من قريش فانتهى الكلام إلى الأنساب و الأحساب ، فعرّف كل واحد أصله و نسبه ، و لمّا وصل الكلام إلى سلمان فقال : هو أنا سلمان ابن عبد الله كنت ضالّاً فهداني الله بمحمد ، و كنت عائلاً فأغناني الله بمحمد ، و كنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد ، فلمّا وقف النبي على محاضرتهم أقبل إليهم و قال : «يا معشر قريش إنّ حسب الرجل دينه ، و مروءته خلقه ، و أصله عقله. قال الله عزّ و جلّ : (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) قال النبي لسلمان : ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلّا بتقوى الله عزّ و جلّ ، و إن كانت تقوى لك فأنت أفضل(١).

و ـ قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «ليدعن رجالاً فخرهم بأقوام إنّما هم فحم من فحم جهنّم أو ليكوننّ أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن»(٢).

و قد نقل انّه اشترك في بعض المغازي شابّ إيراني ، فلمّا وجّه إلى العدو فقال : خذ هذه الضربة من شاب إيراني ، فاعترض عليه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قال : لماذا لم تقل من رجل أنصاري(٣).

ز ـ كان النبي واقفاً على أنّ العرب تفتخر بلسانها العربي و قال في هذا الصدد : «ألا انّ العربية ليست باب والد و لكنّها لسان ناطق فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه»(٤).

ح ـ إنّ النبي أسّس مجتمع إسلامي عظيم من قوميّات مختلفة فضمّ عليّاً العربي إلى صهيب الرومي و ضمّ بلال الحبشي إلى سلمان الفارسي و ضمّ إليهم خبّاب النبطي من دون أن يزعج واحد منهم الآخر و هم من قوميّات متشتّتة ، و لأجل

__________________

(١) روضة الكافي ص ١٨١ ، بحار الأنوار ج ٢٢ ص ٢٨٢.

(٢) سنن أبي داود ج ٢ ص ٦٢٤.

(٣) سنن أبي داود ج ٢ ص ٦٢٥.

(٤) الكافي ج ٨ ص ٢٤٦.

٥٥٤
 &

ذلك قام علي (عليه السلام) يقول : «السباق خمسة فأنا سابق العرب و سلمان سابق فارس و صهيب سابق الروم و بلال سابق الحبشة و خبّاب سابق النبط»(١).

ط ـ روي انّ عبد الرحمن بن عوف قال لعبده : يا ابن الأسود ، فوقف عليه النبي و قال : «ليس لابن الأبيض على ابن الأسود فضل إلّا بالتقوى و اقتفاء الحق»(٢).

ي ـ روى المحدّثون أنّ عقيلاً أخا علي اعترض على أمير المؤمنين بأنّه ساوى بينه و بين رقّ أسود ، و قال : و الله لتجعلني و أسود بالمدينة سواء ، فقال علي : و ما فضلك عليه إلّا بسابقة أو بتقوى(٣).

ك ـ روي انّ سلمان كان جالساً في مجلس كانت فيه شخصيات قريش الذين هاجروا إلى المدينة و آمنوا بالنبي ، فاعترض واحد منهم و قال : من هذا العجمي المتصدّر فيما بين العرب ، فلمّا سمع النبي ذلك الكلام اللائح منه القوميّة البغيضة صعد المنبر و قال : إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لافضل للعربي على العجمي و لا للأحمر على الأسود إلّا بالتقوى»(٤).

هذه كلمات مضيئة من النبي حول القومية و كل واحدة منها تكفي في تحطيم القومية و تضادّها مع مبادئ الإسلام.

١٠ ـ الخسارة التي تفرضها القومية على البشرية أوّلاً والإسلام والمسلمين ثانياً.

القومية تنمّي روح التوسّعية و السيطرة على أقوام اُخر باعتقاد أنّ حاملها أفضل

__________________

(١) الخصال للشيخ الصدوق : ص ٢١٢.

(٢) الحديث منقول بالمعنى ، رواه باقر شريف القرشي في كتابه «الحكمة و الحكومة» : ص ١٥٢.

(٣) روضة الكافي ج ٨ ص ٢٦٢.

(٤) الإختصاص للشيخ المفيد : ص ٢٢٧.

٥٥٥
 &

الأقوام و أمثلها ، و لأجل ذلك نرى أنّ رئيس ألمانيا (هتلر) في وقته دعى إلى القومية و انّ شعبه من أفضل الشعوب عقلاً و أطهرها دماً ، فأوجد في قومه نخوة كبيرة و حقداً و بغضاً لسائر الشعوب ، فنمت فيهم روح الطغيان و التوسّعية فأشعل فتيلة الحرب العالمية الثانية ، و دامت الحرب حوالي خمس سنين و تكبّد العالم البشري خسائر فادحة ، و أعطت لاطفاء نيرانها النفس و النفيس قرابة مائة مليون بين قتيل و جريح و مفقود.

وأمّا الخسائر التي تفرضها القومية على الإسلام فهي تحطّم الوحدة الإسلامية و تبدّد المجتمع الواحد إلى مجتمعات ، و تبدّل الاُخوّة إلى البغضاء فيصير المجتمع الإسلامي اُمماً متفرّقة و أشلاء مبعثرة تقع فريسة للقوى الكبرى.

ولو كان شعار القومية : نحن العرب ، نحن الفرس ، نحن الترك ، فشعار المسلم نحن حزب الله و دعاته تجمعنا عقيدة واحدة ، و هي الإعتقاد بربّ واحد و رسول خاتم و كتاب نازل و أحكام و اُصول و فروع خالدة.

نحن كما يقول شاعر الاهرام حسن عبد الغني حسن :

إنّا لتجمعنا العقيدة اُمّة

و يضمّنا دين الهدى أتباعاً

و يُؤلِّف الإسلام بين قلوبنا

مهما ذهبنا بالهوى أشياعاً

و في الختام نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ الدعوة إلى القومية تختلف عن العلاقة بالأوطان التي نشأ الإنسان فيها كما تختلف عن العلاقة بالثقافات القومية و الآداب و الرسوم المورثة إذا لم تتعارض مع اُصول الإسلام و تعاليمه ، و هذا هو رمز تقدّم الإسلام بين الشعوب و الأقوام المختلفة ، فالإسلام في مفهومه يتحمّل جميع القوميات و الثقافات المحلّية و لايفنّدها بل يعترف بالجميع شريطة أن لاتخالف المبادئ الإسلامية ، و لو كان نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه و آله و سلّم) معارضاً لهذه الثقافات و الرسوم و الآداب لما نجح في نشر الإسلام و تربية الناس ، نعم الإعتراف بهذه الآداب و الرسوم يختلف من جعلها محوراً للتفوّق و ملاكاً للتصاغر.

٥٥٦
 &

و قد روي أنّ النبي عندما وصل في هجرته من مكّة إلى المدينة إلى أرض الجحفة اشتاقت نفسه إلى موطنه فنزلت الآية : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) (القصص / ٨٥) و المعاد هو الوطن.

تمّ الجزء السابع من هذه الموسوعة القرآنية الموضوعية التي استعرضت الجوانب المتعدّدة للشخصيّة المحمدية ، و يسعدنا أنّا استعرضنا تلك الشخصيّة الكبرى في ضوء أتقن و أصحّ مصادر الإسلام و هو القرآن الكريم ، فهي صورة معبّرة لأبعاد الشخصيّة المحمديّة و ما يدور حولها من منظار الوحي الإلهي.

و هذه الصورة و إن لم تكن الصورة الكاملة الشاملة لتلك الشخصية الطاهرة السامية إلّا أنّها تمثّل أبرز ملامحها المباركة.

و ليس لنا هنا إلّا أن نعتذر إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لعجزنا عن أداء هذه المهمّة الجسيمة رغم السعي الكبير. .

و نرجو من الله سبحانه التوفيق لإتمام بقية هذه الموسوعة إنّه سميع الدعاء .

تمّ عشيّة ليلة الأحد الخامس من شهر جمادي الآخرة من شهور عام ١٤١٢ ه‍.

والحمد لله ربّ العالمين

قم مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

جعفر السبحاني

غفر الله له ولوالديه

٥٥٧
 &

٥٥٨
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEMafahim-Quran-part07imagesimage002.gif

٥٥٩
 &
٥٦٠