مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بين العدوّ ، و قد وضع المسلمون الأحجار إلى جانب الخندق ، يرمون بها من أراد العبور ، فعند ذلك قام حيي بن أخطب بمؤامرة اُخرى و هو فتح الطريق لدخول يثرب من ناحية اُخرى ، و هو إقناع بني قريظة (الطائفة الوحيدة المتبقّاة من اليهود في المدينة) على رفض عهدها مع محمد ، و انضمامها إلى الأحزاب ، فاجتمع مع أكابر الأحزاب ، و قال : إنّه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمداً و المسلمين ، حتّى يقطعوا بذلك المدد و المير عنه ، و يفتحوا الطريق لاجتياز الأحزاب من حصونهم إلى داخل المدينة ، و لمّا سمعت ذلك قريش و قبائل غطفان فرحوا بذلك و زعموا أنّ هذه الخطوة سوف تكون ناجحة ، و أنّها مفتاح الإنتصار ، فخرج حيي بن أخطب حتّى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة و عهدهم ، و لمّا سمع كعب بحيي بن أخطب ، أغلق دونه باب حصنه ، فاستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له فناداه حينئذٍ : ويحك يا كعب ، إفتح لي. قال : ويحك يا حيي إنّك رجل مشؤوم ، و إنّي قد عاهدت محمداً و لست بناقض ما بيني و بينه ، و لم أر منه إلّا وفاءً و صدقاً. قال : ويحك إفتح لي اُكلّمك. قال : ما أنا بفاعل. قال : و الله إن أغلقت دوني إلّا خوفاً عن جشيشتك أن آكل معك منها ، فعندئذٍ غضب كعب ففتح له فقال : ويحك يا كعب جئتك بعزّ الدهر و بحر طامّ(١) ، جئتك بقريش على قادتها و سادتها ، قد عاهدوني و عاقدوني على أن لايبرحوا حتّى يستأصلوا محمداً و من معه. قال : فقال له كعب : جئتني و الله بذلّ الدهر ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ، فإنّي لم أر من محمّد إلّا صدقاً و وفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة و الغارب حتّى سمع له ، على أن أعطاه عهداً (من الله) و ميثاقاً : لئن رجعت قريش و غطفان ، ولم يصيبوا محمّداً أن يدخل معه في حصنه حتّى يصيبه ما أصابه ، فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ ممّا كان بينه و بين رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

و قد بلغ المسلمين نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب ، فاهتزّوا و خافوا مغبّته فبعث رسول الله سعد بن معاذ ، و هو سيد الأوس و سعد بن عبادة و هو سيد الخزرج و معهما لفيف من المسلمين ، فقال : إنطلقوا حتّى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء

__________________

(١) يشير إلى الأحزاب المؤلّفة.

٣٠١
 &

القوم أم لا ؟ فإن كان حقّاً فألحنوا لي لحناً(١) أعرفه ، و لاتفتّوا في أعضاد الناس ، و إن كانوا غير ناقضين فأجهروا به للناس ، قال : فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله و قالوا : مَن رسول الله ؟ لاعهد بيننا وبين محمد و لاعقد ، فشاتمهم سعد بن معاذ و شاتموه ، و كان رجلاً فيه حدّه ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم فما بيننا و بينهم أعظم من المشاتمة ، فأقبلا إلى رسول الله فسلّموا عليه ، و قالوا : «عضل و القارة» أي غدروا كغدر عضل و القارة ، و أصحاب الرجيع ، فقال رسول الله : الله أكبر ! أبشروا يا معشر المسلمين. و عظم عند ذلك البلاء و اشتدّ الخوف و ذلك لأنّهم لو قطعوا المير و المدد وفتحوا الطريق للأحزاب ، لدخلوا المدينة و استأصلوا أهلها ، فما مضى وقت حتّى بدت بوادر النقض فقطعوا المدد و الميرة عن المسلمين ، و خرجوا يطيفون في أزقّة المدينة ، يخوّفون النساء و الصبيان. قالت صفيّة ـ و كانت في حصن «حسّان» ـ : مرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطيف بالحصن ، فقلت : يا حسّان ! إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن و إنّي و الله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا مَنْ وراءنا من يهود ، و قد شغل عنّا رسول الله و أصحابهم ، فانزل إليه فاقتله. قال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب ! و الله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ! قالت : فلمّا قال لي ذلك ، و لم أر عنده شيئاً احتجزت(٢) ثمّ أخذت عموداً ثمّ نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود ، حتّى قتلته. قالت : فلمّا فرغت منه ، رجعت إلى الحصن(٣).

ثمّ إنّه سبحانه سلّط على الأحزاب البرد و الريح الشديدة ، و فرّق كلمتهم على وجه سيوافيك تفصيله ، و تفرّقوا و جلوا عن جوانب المدينة و رجعوا إلى أوطانهم من دون أن ينالوا من المسلمين شيئاً. و لم يكن عود الأحزاب بعد فصل الشتاء أمراً غير بعيد في نظر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و بنو قريظة هم الأعداء الغدرة ، و من الممكن أن يتكرّر التاريخ و يقع المسلمون في مغبّته ، و بينما كان النبيّ يفكر في

__________________

(١) أي تكلّموا بالإشارة و التعريض ، و لاتوهنوا عزائم المسلمين.

(٢) شددت معجري.

(٣) السيرة النبويّة لابن هشام ، ج ٢ ص ٢٢٨.

٣٠٢
 &

ذلك و قد صلّى الظهر ، جاء جبرئيل و قال : إنّ الله عزّ و جلّ يأمرك بالمسير إلى بني قريظة ، فأمر رسول الله مؤذناً فأذّن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلايصلّين إلّا ببني قريظة(١) و لبس رسول الله السلاح و المغفر و الدرع و البيضة و أخذ قناتاً بيده ، و تقلّد الترس ، و ركب فرسه ، و حفّ به أصحابه ، و تلبّسوا السلاح و ركبوا الخيل ، و كانت ستّة و ثلاثين فرساً ، و كان رسول الله قد قاد فرسين و ركب واحداً ، و انتهى رسول الله إلى بني قريظة ، فنزل على أسفل حرّة بني قريظة ، و كان عليّ (عليه السلام) قد سبق في نفر من المهاجرين و الأنصار ، فيهم أبو قتادة ، و طلع رسول الله ، فلّما رأى رسول الله عليّاً أمره بأخذ اللواء و كره أن يسمع رسول الله أذاهم و شتمهم ، فتقدّمه أسيد بن حضير ، قال : فقال : يا أعداء الله لانبرح حصنكم حتّى تموتوا جوعاً. قال : يا بن الحضير نحن مواليكم دون الخزرج. قال : لا عهد بيني و بينكم و دنا رسول الله ، فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : يا إخوة القردة و الخنازير و عبدة الطواغيت أتشتموني ؟ قالوا : فجعلوا يحلفون بالتوراة التي اُنزلت على موسى ما فعلنا و قالوا : نكلّمك ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : نعم. فأنزلوا نباش بن قيس ، و قالوا : يا محمّد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير. لك الأموال و الحلقة و تحقن دمائنا و نخرج من بلادكم بالنساء و الذراري و لنا ما حملت الإبل إلّا الحلقة فأبى رسول الله و قال : لا إلّا أن تنزلوا على حكمي. فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول الله و لمّا وقف القوم على عزم رسول الله بنزولهم على حكمه ، عقدوا مجلساً للمشاورة إشترك فيها أكابر القوم ، فاقترح كعب بن أسد عليهم عدّة اقتراحات ، يعرب بعضها عن ضآلة تفكيره و يدلّ البعض الآخر على قسوته ، و إليك تلك الاقتراحات :

١ ـ الإيمان بما جاء به محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

يا معشر بني قريظة إنّكم لتعلمون أنّ محمداً نبي الله و ما منعنا من الدخول معه إلّا الحسد بالعرب ، و لقد كنت كارهاً لنقض العقد و العهد ، و لكنّ البلاء و شؤم

__________________

(١) قال الواقدي : صار إليهم النبيّ لسبع بقين من ذي القعدة ، فحاصرهم خمسة عشر يوماً ، ثمّ انصرف يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس.

٣٠٣
 &

هذا الجالس(١) علينا و على قومه... فتعالوا نصدّقه و نؤمن به ، فنأمن على دمائنا و أبنائنا و نسائنا و أموالنا فنكون بمنزلة من معه ، قالوا : لانكون تبعاً لغيرنا ، نحن أهل الكتاب و النبوّة. فجعل كعب يردّ عليهم الكلام بالنصيحة لهم. قالوا : لانفارق التوراة و لاندع ما كنّا عليه من أمر موسى.

٢ ـ قتل النساء و الأولاد

إذا كنتم كارهين للإيمان بمحمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فهلمّوا نقتل أبناءنا و نساءنا ثمّ نخرج و في أيدينا السيوف إلى محمّد و أصحابه ، فإن قتلنا قتلنا ، و ماوراءنا أمر نهتم به ، و إن ظهرنا لنتّخذنّ النساء و الأبناء.

فصاح حيّي بن أخطب و قال : ما ذنب هؤلاء المساكين ؟ و قالت رؤساء اليهود : ما في العيش خير بعد هؤلاء.

٣ ـ الخروج على أصحاب محمّد ليلة السبت

إنّ محمّداً و أصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله ، فنخرج فلعلّنا أن نصيب منه غرّة قالوا : نفسد سبتنا و قد عرفت ما أصابنا فيه. قال حيّي : قد دعوتك إلى هذا و قريش و غطفان حضور فأبيت أن تكسر السبت فإن أطاعتني اليهود فعلوا. فصاحت اليهود : لانكسر السبت. قال نبّاش بن قيس : و كيف نصيب منهم غرّة و أنت ترى أنّ أمرهم كل يوم يشتدّ كانوا أوّل ما يحاصروننا إنّما يقاتلون بالنّهار و يرجعون بالليل ، فهم الآن يبيتون الليل و يظلّون النهار ، فأي غرّة نصيب منهم ؟ هي ملحمة و بلاء كتب علينا ، فاختلفوا و سقط في أيديهم و ندموا على ما صنعوا ورقّوا على النساء و الصبيان و كنّ يبكين.

وعندئذٍ قال ثعلبة وأسيد إبنا سعيد وأسد بن عبيد عمّهم : يا معشر بني قريظة !

و الله إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله ، و أنّ صفته عندنا ، حدّثنا بها علماؤنا

__________________

(١) يعني حيّي بن أخطب وقد وفى بعهده ، بعد تفرّق الأحزاب ، فدخل حصن بني قريظة ليشترك معهم في المصير.

٣٠٤
 &

وعلماء بني النضير ، . هذا أوّلهم يعني حيّي بن أخطب مع جبير بن الهيّبان. أصدق الناس عندنا و هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا : لانفارق التوراة ، فلمّا رآى هؤلاء النفر إباءهم ، نزلوا في الليلة التي في صبحها نزلت قريظة ، فأمّنوا على أنفسهم و أهلهم و أموالهم.

اقتراح رابع

و اقترح عمرو بن سعد و قال : يا معشر اليهود إنّكم حالفتم محمداً على ما حالفتموه عليه ، أن لاتنصروا عليه أحداً من عدوّه و أن تنصروه ممّن دهمه فنقضتم ذلك العهد الذي كان بينكم و بينه فلم أدخل فيه و لم أشرككم في عذركم ، فإن أبيتم أن تدخلوا معه ، فاثبتوا على اليهوديّة و أعطوا الجزية ، فو الله ما أدري يقبلها أم لا ؟ قالوا : نحن لانقرّ للعرب بخرج في رقابنا يأخذوننا به ، القتل خير من ذلك.

و لمّا طال الحصار و أذعنت بنو قريظة أنّ النبيّ الأكرم لايتركهم إلّا أن ينزلوا على حكمه ، بعثوا إلى رسول الله حتّى يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر ، و كان حليف الأوس ليستشيروه في أمرهم ، فأرسله رسول الله فلّما رأوه قام إليه الرجال ، و بكت النساء و الصبيان ، فرقّ لهم ، و قالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمّد ؟ فأشار بيده إلى حلقه ، يعني أنّه الذبح.

ثمّ ندم أبو لبابة من إذاعة سرّ رسول الله ، قال : فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت الله و رسوله ، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه و لم يأت رسول الله حتّى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده و قال : لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت ، و عاهد الله : أن لاأطأ بني قريظة أبداً و لااُرى في بلد خنت الله و رسوله فيه أبداً ، و في ذلك نزل قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال / ٢٧).

فمكث سبعة أيّام لايذوق فيها طعاماً و لاشراباً حتّى خرّ مغشياً عليه ، ثمّ تاب الله عليه ، فقيل : له يا أبا لبابة قد تيب عليك ، فقال : لا و الله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله هو الذي يحلّني ، فجاءه فحلّه بيده ، ثمّ قال أبو لبابة : إنّ من تمام توبتي أن

٣٠٥
 &

أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب و أن أنخلع من مالي ، فقال النبيّ : يجزيك السدس أن تصدّق به.

و قد نزل أيضاً في توبته قوله سبحانه : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّـهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة / ١٠٢)(١).

فلمّا أصبحوا ، نزلوا على حكم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فتواثبت الأوس ، فقالوا : يا رسول الله و قد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت (يريدون بني قينقاع ـ و كانوا حلفاء الخزرج ـ فسأله إيّاهم عبد الله بن اُبي ، فوهبهم له) قال رسول الله : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : نعم. قال رسول الله : فذلك إلى سعد بن معاذ ، فلمّا حكّمه رسول الله أتاه قومه إلى رسول الله ، فلمّا إنتهى سعد إلى رسول الله قال ـ يخاطب الأوسيين ـ : قوموا إلى سيّدكم ، قالت الأوس ـ الذين بقوا عند رسول الله ـ : يا أبا عمرو ! إنّ رسول الله قد ولّاك الحكم ، فأحسن فيهم و اذكر بلاءهم عندك ، فقال سعد بن معاذ : أترضون بحكمي لبني قريظة ؟ قالوا : نعم ، قد رضينا بحكمك و أنت غائب عنّا ، قال سعد : عليكم عهد الله و ميثاقه أنّ أحكم فيكم ما حكمت. قالوا : نعم ، قال سعد : فإنّي أحكم فيهم أن يقتل من جرت عليه الموسى ، و تسبى النساء و الذريّة و تقسّم الأموال ، و في نقل آخر : أحكم فيهم أن تقتل الرجال و تقسّم الأموال و تسبى الذراري و النساء ، و رضي رسول الله بحكم سعد(٢).

و قال ابن هشام : إنّ بني قريظة طلبوا من النبيّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ، قال : إنّ علي بن أبي طالب صاح و هم محاصرو بني قريظة : يا كتيبة الإيمان ! و تقدّم هو و الزبير بن العوّام ، فقال : و الله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم ، فقالوا : يا محمّد ننزل على حكم سعد بن معاذ ، و اُجري الحكم حسبما رأى سعد.

__________________

(١) السيرة النويّة ، لابن هشام ، ج ٢ ص ٢٣٧ ، و المغازي للواقدي ج ٢ ص ٥٠٥ و مجمع البيان ج ٤ ص ٨٢٤.

(٢) المغازي للواقدي ج ٢ ص ٥١٢.

٣٠٦
 &

إنّ المستشرقين قد استغلّوا هذه الواقعة ، فحاولوا أن يتّهموا قضاء سعد بن معاذ بالقسوة و الخروج عن العدل ، و لكنّهم نظروا إلى الواقعة بعين واحدة ، فنظروا إلى ما حاق ببني قريظة من الذلّ و الخزي ، و قد أحاطت بهم نساؤهم و أطفالهم بالبكاء عليهم ، فزعموا أنّ مقتضى العدل و الرحمة هو الإغماض عنهم ، و عن جريمتهم ، و لأجل دعم أنّ العدل و الحق كانا يقضيان بما قضى به سعد بن معاذ ، نشير إلى دلالته :

لاشك أنّ عواطف سعد و أحاسيسه و مشاعره و مناظر الصبيان و نساء بني قريظة ، و أوضاع رجالهم و ملاحظة الرأي العام (الأوسيين) ، كان يثير الإشفاق لهم و الإغماض عن جريمتهم. كلّ هذه الإعتبارات كانت تقتضي أن تجعل القاضي فريسة العاطفة ، و يبرّئ بني قريظة الجناة الخونة و أن يخفّف من عقوبتهم أكبر قدر ممكن ، لكنّ منطق العقل و حرّية القاضي و استقلاله ، و قبل كلّ شيء مراعاة المصالح العامّة ، قاده إلى الحكم بقتل رجالهم الخونة و سبي نسائهم و أطفالهم ، و لقد استند الحاكم في حكمه إلى الاُمور التالية :

١ ـ إنّ يهود بني قريظة كانوا قد تعهّدوا للنّبي ـ عند نزوله بالمدينة ـ بأنّهم لو تآمروا ضدّ الإسلام و المسلمين و ناصروا أعداء التوحيد و ألّبوهم على المسلمين ، كان للنبيّ أن يقوم بقتلهم و سبي نسائهم ، و إليك نقل هذه الإتفاقيّة :... ألّا يعينوا على رسول الله ، و لا على أحد من أصحابه بلسان و لايد و لا بسلاح و لا بكراع في السرّ و العلانية لابليل و لابنهار. الله عليهم بذلك شهيد ، فإن فعلوا فرسول الله في حلّ من سفك دماءهم ، و سبي ذراريهم و نسائهم ، و أخذ أموالهم(١).

إنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة و كان الذي تولّى أمر بني النضير : حيي بن أخطب و هو الذي رغّب رئيس بني قريظة على نقض العهد و رفضه ، كما أنّ الذي تولّى أمر بني قريظة هو كعب بن أسد ،

__________________

(١) بحار الأنوار ج ١٩ ص ١١١ ، و نقله الصدوق في كمال الدين ، و أخرجه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره.

٣٠٧
 &

الذي نقض عهد النبي و سبّه بمحضر من أصحابه من سعدين و غيرهما.

فلو حكم سعد بن معاذ على قتل رجالهم و سبي نسائهم فإنّما استند إلى هذه الاتفاقية التي تولّى أمرها رؤساؤهم و أكابرهم ، فلو كان سعد حاكماً بغير ما ورد فيها ، فقد بخس حق المسلمين و ظلمهم ، فالعدل في القضاء كان يقتضي عدم الخضوع لحكم العاطفة.

٢ ـ ارتكبت بنو قريظة جريمة عظيمة في ظروف حرجة عندما لم يبق بين المسلمين ، و إبادتهم و استئصالهم و استيلاء الأحزاب عليهم و نسفهم من رأس إلّا خطوة أو خطوتان لولا أنّ الله بدّد شمل الكفّار ، و سخّر عليهم الرياح و البرد ، و فرّق كلمتهم ، و نشر فيهم سوء الظن بحلفائهم.

هذا ما قد كان ، و لكنّ التاريخ يمكن أن يعيد نفسه و يرجع الأحزاب في العام القابل أو بعد برهة من الزمن مستمدّين في استيلائهم من هذا الطابور الخامس المتواجد بين المسلمين ، و لم يكن ذلك الاحتمال أمراً بعيداً في نظر القاضي بل أمراً قريباً جدّاً ، فلو كان حكم عليهم بالعفو لخان بمصالح المسلمين العامّة و جعلهم في دائرة الخطر.

إنّ بني قريظة قد جسّدوا العداوة بين اليهود و المسلمين و أثبتوا أنّ بني إسرائيل لاتطيب نفوسهم إلّا باستئصال المسلمين ، فلو عادت الأحزاب إلى المدينة من جديد لعادوا إلى مشاركة العرب و قريش في حربهم ضدّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، أفهل يمكن للقاضي العادل أن ينظر إلى هذا الاحتمال بعين التساهل ؟!

٣ ـ من المحتمل جداً أنّ سعد ابن معاذ رئيس قبيلة الأوس الموالين ليهود بني قريظة كان واقفاً على قانون العقوبات لدى اليهود. فإنّ التوراة تنصّ على ما يلي :

«حين تقرب من مدينة لكي تحاربها إستدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح و فتحت لك فكل الشعب الموجود فيها ، يكون لك للتسخير و يستعبد لك ،

٣٠٨
 &

و إن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها ، و إذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف ، و أمّا النساء و الأطفال و البهائم و كلّ ما في المدينة كلّ غنيمتها فتغتنمها لنفسك»(١).

٤ ـ و الذي نتصوّره أنّ أكبر أسباب هذا الحكم هو أنّ سعد بن معاذ رأى باُمّ عينيه أنّ رسول الله عفا عن بني قينقاع و نزل على طلب الخزرجيين منه العفو منهم ، و اكتفى من عقابهم بإخراجهم من المدينة ، ولكنّ تلك الزمرة ما غادرت أراضي الإسلام حتّى بدأت بالمشاغبة و المؤامرة الدنيئة ضد الإسلام ، فذهب كعب بن الأشرف إلى مكّة و أخذ يتباكى دجلاً و خداعاً على قتلى بدر و لم يفتأ عن تأليب قريش ضد الرسول ، و كانت نتيجة تلك المؤامرة وقعة اُحد التي استشهد فيها أزيد من سبعين صحابيّاً من خيرة أبناء الإسلام.

هكذا عفا الرسول عن بني النضير المتآمرين و اكتفى من عقابهم بمجرّد الإجلاء ، و لكنّهم قابلوا هذا الموقف الإنساني بتأليب القبائل العربية ضد الإسلام ، حتّى أنّهم عقدوا إتّحاداً عسكريّاً فيما بينهم ، و كانت من أخطر المعارك على الإسلام لولا منّه سبحانه و حنكة رسوله و تضحيات أصحابه.

وقد أعطت هاتان الواقعتان للقاضي دروساً كافية ، فوقف على أنّ الإفراج عن بني قريظة ـ هذه الشرذمة الباغية و الطغمة الظالمة ـ سوف يثير على المسلمين ما كانوا يجتنبون عنه ، فسوف يقومون باتّحاد عسكري أوسع و يؤلّبون العرب على الإسلام.

و الّذي يكشف عن إخلاص و نواياه الحسنة أنّ قومه الأوسيين كانوا مصرّين على العفو عن بني قريظة و الحنان لهم ، و كان الرئيس أحوج ما يكون إلى تأييد قومه ، و كانت مخالفتهم توجّه إليه أكبر ضربة ، و لكنّ القاضي الحر أدرك أنّ جميع هذه الشفاعات تخالف مصالح الآلاف من المسلمين ، فانطلق من منطق العقل و رفض رضا قومه فأخذ برضا الله.

__________________

(١) التوراة ، سفر التثنية الفصل العشرون / ١٠ ـ ١٤.

٣٠٩
 &

٤ ـ غزوة خيبر أو بؤرة الخطر :

كانت منطقة خيبر منطقة واسعة خصبة تقع على بعد ١٧٦ كيلومتراً من المدينة و كانت تسكنها قبائل من اليهود مشتغلين فيها بالزراعة و جمع الثروة ، و كانوا متسلّحين بأقوى الوسائل الدفاعيّة ، حيث كان عدد نفوسهم يقارب عشرين ألف نسمة بينهم عدد كبير من الأبطال الشجعان(١).

إنّ النبي الأكرم قد أجلى بني قينقاع و بني النضير من المدينة ، و أباد بني قريظة ، و ظلّ السلام يخيّم على المدينة و أطرافها ، غير أنّه كان بقرب المسلمين حصن حصين ليهود خيبر ، و هم الذين شجّعوا جميع القبائل العربية على محاربة الحكومة الإسلامية و القضاء عليها ، فلم يكن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يضرب الصفح عنهم و لايفكّر فيهم ، و هم الذين موّنوا جيش العرب بأموالهم ، و ثرواتهم ، و وعدوهم بثمار المدينة.

و بما أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد عقد الصلح مع قريش في السنة السادسة من الهجرة و اطمئنّ من جانبهم ، و بما أنّه راسل الملوك والسلاطين و دعاهم جميعاً إلى الإسلام ، فلم يكن من المستبعد أن يستغلّ كسرى و قيصر يهود خيبر فيتعاونوا على القضاء على الإسلام.

ومن هنا رأى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن لايضيّع هذه الفرصة حيث انّ قريش صالحت رسول الله على أن لاتتعاون عليه ، فقد فرغ باله من جانبهم ، فلو دخل هو في محاربة اليهود ، لما ساعدتهم قريش ، و لكن كان من الممكن أن تقوم قبائل النجد بمساعدتهم ، فخطّط رسول الله للإستتار ، و فاجأهم على وجه لم يعلموا به حتّى وجدوا جيش المسلمين أمام حصونهم.

__________________

(١) تاريخ الطبري ، ج ٢ ص ٤٦ ، السيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٦.

٣١٠
 &

غادر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المدينة و أمر أن ينادى فيها بأنّه لايخرج معي إلّا راغب في الجهاد ، أمّا الغنيمة فلا ، و استخلف فيها نميلة بن عبد الله الليثي ، فأخذ يسير إلى شمال المدينة ، و كان المسلمون يظنّون أنّه يريد غزو قبائل غطفان و فزارة الذين تعاونوا مع قريش في معركة الأحزاب ، و لكنّه عندما وصل أرض الرجيع ، عرّج بجيشه صوب خيبر ، و بهذا قطع الطريق على أيّة إمدادات عسكرية من ناحية الشمال إلى خيبر ، و حال بين قبائل غطفان و فزارة و يهود خيبر ، فعلى الرّغم من أنّ الحصار إمتدّ على اليهود قرابة شهر لم تستطع القبائل المذكورة أن تمدّ حلفاءهم اليهود بأيّ شيء(١).

فلمّا نزل النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قرب خيبر مع ١٦٠٠ مقاتل و الخيبريّون بين عشرين ألف نسمة ، دعا بهذا الدعاء :

«اللّهم ربّ السموات و ما أظللن ، و ربّ الأرضين و ما أقللن... نسألك خير هذه القرية و خير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها»(٢).

و هذا الدعاء يكشف عن نوايا النبي و هو يدعو به أمام ١٦٠٠ من جنوده الشجعان الذين كان كل واحد منهم شعلة وهّاجة من الشوق إلى القتال في سبيل الله ، و لكنّ هذا الدعاء أنار الهدف من هذا الغزو و أنّه يطلب خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها ، ثمّ أمر بإحتلال المواقع و المواضع الحسّاسة ليلاً بحيث لم يقف واحد من الخيبريين ، و لا القاطنين في أبراج حصونهم السبعة على قدوم المسلمين ، و احتلالهم القلاع السبع ، و صدّ الطريق على سائر القبائل ، و لمّا طلع الشمس خرج الفلّاحون من الحصن مغادرين بيوتهم إلى مزارعهم و بساتينهم ، ففوجئوا بجيش التوحيد ، فرجعوا إلى حصونهم و هم يقولون : محمد و الجيش معه. فبادروا إلى إغلاق أبواب الحصون ، ثمّ عقدوا اجتماعاً عسكرياً داخل حصنهم المركزي ، فلمّا رأى رسول الله مساحي اليهود ، إستغلّ تلك المنظرة فقال :

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٣٠٣.

(٢) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ١٤٧.

٣١١
 &

«الله أكبر خربت خيبر. إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».

و قد إتّخذت اللجنة العسكرية قراراً خاصاً ، و هو أن يجعل الأطفال و النساء في واحد من الحصون ، و يجعل الطعام و الذخيرة في حصن آخر ، و يستقرّ المقاتلون على الأبراج و يدافعوا عن كل حصن بالأحجار ، ثمّ يخرج الأبطال الصناديد من كلّ حصن و يقاتلون المسلمين خارجه.

كانت هذه خطّة اليهود الدفاعيّة لمواجهة جنود الإسلام ، و قد أصرّوا على تنفيذها حتّى آخر لحظة ، و بهذا التخطيط استطاعوا أن يقاوموا الجيش الإسلامي قرابة شهر كامل ، إلى أن وفّق الله تبارك و تعالى المسلمين بفتح هذه القلاع واحدة بعد اُخرى.

فكان أوّل حصن افتتح حصن ناعم ، ثمّ القموص (حصن بني أبي الحقيق) وهكذا سائر الحصون افتتحت واحد بعد الآخر.

ثمّ إنّ الآيات الواردة في هذه الواقعة على قسمين :

قسم نزل في صلح الحديبيّة ، حيث إنّ النبي الأكرم صالح قريشاً ، و كانت تلك المصالحة مرّة في مذاق بعض الأصحاب ، فنزل الوحي بأنّهم سوف يصيبهم مغانم كثيرة يريد بها غنائم خيبر. قال سبحانه :

(وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّـهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّـهُ بِهَا وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الفتح / ١٩ ـ ٢١).

و هذه الآيات نزلت في قصّة الحديبيّة ، و بذلك كسب النبي رضا بعض الصحابة الذين كان تهمّهم الغنيمة و الفوز بالمال.

فإذا كان المراد من الآية : (وَعَدَكُمُ اللَّـهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) هو غنائم خيبر يكون المراد من قوله : (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ) هو قصّة الحديبيّة ، فقد كان للمسلمين في

٣١٢
 &

صلحها فوز عظيم ، و إن لم يقف عليها السطحيون منهم ، كما أنّ المراد من الناس في قوله : (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ) هو قريش ، و بذلك يعلم أنّ تفسير هاتين الجملتين بغزوة خيبر تفسير على وجه بعيد و إن اختاره أمين الإسلام في مجمعه.

و من أمعن النظر في سورة الفتح يرى أنّ الجميع على سبيكة واحدة فركّز على قصّة الحديبيّة و يعد الفوز بمغانم كثيرة و ليس هو إلّا غزوة غنائم خيبر.

و قسم آخر نزل عند مغادرة النبي المدينة قاصداً إلى خيبر و هو قوله سبحانه :

(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّـهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّـهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (الفتح / ١٥).

قال الطبرسي :

« لمّا انصرف المسلمون عام الحديبيّة بالصلح وعدهم الله تعالى فتح خيبر و خصّ بغنائمها من شهد الحديبية دون من تخلّف عنها فلمّا انطلقوا إليها ، قال هؤلاء المخلّفون : «ذرونا نتبعكم» يريدون بذلك تبديل كلام الله و مواعيده لأهل الحديبيّة بغنيمة خيبر خاصّة ، فأرادوا بالمشاركة ابطال هذا النبأ ، ثمّ قال سبحانه :

(قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّـهُ مِن قَبْلُ...)(١).

قصّة فدك و التصالح مع أهالي وادي القرىٰ

لمّا فرغ رسول الله من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل «فدك» حين بلغهم ما أوقع الله تعالى بأهل خيبر ، فبعثوا إلى رسول الله يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم بخيبر ، فقبل ذلك منهم رسول الله ، فكانت فدك لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خالصة لأنّه لم يوجف عليها من خيل و لا ركاب(٢).

__________________

(١) مجمع البيان ج ٥ ص ١١٤.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٣٥٣.

٣١٣
 &

قال سبحانه : (وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر / ٦).

كانت فدك منطقة خصبة كثيرة الخير قرب خيبر و هي تقع في وادي القرى ، فقد شاء الله تبارك و تعالى أن تكون ملكاً مطلقاً للرسول الأكرم يصرفه في مصالح الإسلام و المسلمين حسبما يشاء ، و من ثمّ وهب رسول الله فدكاً لابنته الطاهرة و ذلك بعد ما نزل قوله سبحانه :

(وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء / ٢٦).

و أكّد المفسّرون من الشيعة و السنّة على أنّها نزلت في أقرباء رسول الله و بالأخص ابنته الزهراء (عليها السلام) فإنّها كانت أقوى مصاديق «ذى القربى» و كان المسلمون يعرفونها بأنّها هي المراد من الآية.

يقول السيوطي :

«كان علي بن الحسين السجّاد (عليه السلام) في الشام بعد واقعة كربلاء فسأله بعض الشاميين عن نسبه ، فتلى علي بن الحسين (عليه السلام) تلك الآية للتعريف عن نفسه ، فقال الشامي متعجّباً : و إنّكم القرابة التي أمر الله أن يعطى حقّها» ؟!(١).

نعم اختلفوا في أنّ النبي وهب ساعة نزول الآية فدكاً لابنته فاطمة أو لا ؟ فالشيعة على الأوّل و وافقهم جمع من السنّة ، وإن خالف بعضهم الآخر.

ولمّا أراد المأمون العباسي إعادة فدك إلى بني الزهراء كتب إلى المحدّث المعروف عبد الله بن موسى و طلب منه أن يرشده في هذا الأمر ، فوافاه الجواب بالإيجاب ، فأعاد المأمون فدكاً إلى أبناء الزهراء و ذرّيتها(٢).

__________________

(١) الدر المنثور ج ٤ ص ١٧٦ ، مجمع البيان ج ٣ ص ٤١١.

(٢) مجمع البيان ج ٣ ص ٤١١ ، و فتوح البلدان ص ٤٦.

٣١٤
 &

و قد جلس المأمون ذات يوم على كرسي خاصّ للإستماع إلى مظالم الناس و شكاياتهم ، فكانت أوّل ما اُعطي له رسالة وصف صاحبها نفسه فيها بأنّه يدافع عن الزهراء ، فقرأ المأمون الرسالة و بكى مدّة ، ثم قال : من هذا المحامي عن الزهراء ، فقام شيخ كبير و قال : أنا هو ذا ، فانقلب مجلس المأمون من مجلس القضاء إلى مجلس الحوار بينه وبين ذلك الشيخ و وجد نفسه محجوجاً لأدلّة الشيخ ، فأمر رئيس ديوانه بالكتابة إلى عامله أن يردّ فدك إلى أبناء الزهراء ، ثمّ وشّحه المأمون بتوقيعه ، و في ذلك يقول دعبل الخزاعي :

أصبح وجه الزمان قد ضحكا

بردّ مأمونٍ هاشمَ فدكا(١)

و ليست الشيعة بحاجة في ذلك المقام إلى إقامة الدلائل بأنّ فدكاً كانت ملكاً موهوباً لبنت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و يكفي في ذلك ما قاله الإمام علي (عليه السلام) في رسالته إلى عثمان بن حنيف عامله بالبصرة :

«بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء ، فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين ، و نعم الحكم الله !»(٢).

لقد بدأ منع بني الزهراء من فدك في عهد الخليفة الأوّل ، و كان الحال على ذلك حتّى تسنّم معاوية سدّة الحكم ، فوّزع فدكاً بين ثلاثة هم : مروان بن الحكم و عمرو بن العثمان و ابنه يزيد ، و لمّا ولّى الأمر مروان ابن الحكم ، سيطر على فدك بصورة كاملة و وهبها لابنه عبد العزيز و هو وهبها لولده عمر بن عبد العزيز(٣).

و هو أوّل من ردّ فدك إلى بني فاطمة ، ثمّ انتزعها الخلفاء الذين توالوا بعده من أبناء الزهراء ، و كانت بأيديهم حتّى انقرض حكم الأمويين.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢١٧.

(٢) نهج البلاغة ، الكتاب رقم ٤٥.

(٣) شرح نهج البلاغة ج ١٦ ص ٢١٦.

٣١٥
 &

و قد اضطرب أمر فدك اضطراباً عجيباً أيام الخلافة العباسية ، فلمّا ولّي أبوالعباس السفّاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ثمّ قبضها أبو جعفر من بني الحسن ، ثمّ ردّها محمد المهدي ابنه على ولد فاطمة (عليها السلام) ، ثمّ قبضها موسى الهادي بن المهدي و هارون أخوه ، لأسباب سياسيّة خاصّة ، حتّى وصل الدور إلى المأمون فردّها على الفاطميين أصحابها الشرعيّين ضمن تشريفات خاصة وبصورة رسمية ، ثمّ اضطرب أمر فدك من بعده أيضاً ، فربّما سلبت من أصحابها وربّما ردّت إليهم ، و هكذا تراوحت بين السلب و الردّ.

و لقد اُستغلّت فدك في عهد الأمويين و العباسيين في أغراض سياسية بحتة قبل أن تستغل في أغراض إقتصاديّة.

فلقد كان الخلفاء في صدر الإسلام يحتاجون إلى عائدات فدك المالية مضافاً إلى أنّهم انتزعوها من يد الإمام علي (عليه السلام) لغرض سياسي ، و لكن في العصور المتأخّرة عن ذلك كثرت ثروة الخلفاء وزادت زيادة هائلة بحيث لم يكونوا بحاجة إلى عائدات فدك ، و لهذا فإنّ عمر بن عبد العزيز لمّا أعاد فدكاً إلى بني فاطمة إحتجّ عليه بنو اُميّة و اعترضوا قائلين : «هجنت فعل الشيخين ، و إن أبيت إلّا هذا فامسك الأصل و اقسم الغلّة»(١).

إنّ دراسة قصّة فدك و ما ورد حولها من الأقوال و الآراء يحتاج إلى بسط في الكلام و هو خارج عن مقاصد هذه الموسوعة ، و قد أشبعنا الكلام فيها في بعض كتبنا الخاصّة ببيان سيرة الأئمّة الطاهرين و في مقدّمتهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فمن شاء فليرجع إليه.

__________________

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٦ ص ٢٧٨.

٣١٦
 &

(١٠) غزوات النّبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

١ ـ غزوة بدر

ليس الهدف في المقام تبيين غزوات النّبي و سراياه طيلة حياته ، فإنّ ذلك يقع على عاتق كتب السير الوافرة ، و إنمّا الهدف الإشارة إلى الغزوات الّتي قادها بعد هجرته ، و لها جذور في القرآن الكريم ، و لأجل ذلك نقتصر في عرض جهاده في سبيل الله على القليل منه الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

و من أسمىٰ مغازيه و أعظمها أثراً و أكبرها دويّاً غزوة بدر الكبرى التّي وقعت في «وادي بدر» المنسوب إلى «بدر بن يخلد بن نضر بن كنانة» و وادي بدر معروف ، و بينه و بين المدينة قرابة (١٥٠) كيلومترا.

بلغ رسول الله (صلىٰ الله عليه و آله) أنّ أباسفيان بن حرب ، مقبل من الشام في عير عظيمة لقريش ، فيها أموال لهم و تجارة من تجاراتهم ، فيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون ، منهم مخرمة بن نوفل و عمرو بن العاص ، فندب المسلمين إليهم و قال : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها ، لعلّ الله ينفلكموها(١). هذا ما يذكره أصحاب السير ، و هو بظاهره يكشف عن جانب من جوانب القضيّة ، و لكن كان هناك حافز آخر دفع النبي للتعرّض إلى عير قريش ، و هو أنّ المسلمين في اُمّ القرىٰ ، كانوا يعانون من ضغط المشركين و ظلمهم ، فقد كانوا يستبيحون دماءهم و يصادرون أموالهم و يخرجونهم من مساكنهم و ديارهم ظلماً و بغياً ، فأراد النبي أن

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٦٠٦ ـ ٦٠٧ ، و مغازي الواقدي ج ١ ص ٢٠.

٣١٧
 &

يوقف قريشاً على خطورة ما يفعلون ، و أنهّم إذا تمادوا في أعمالهم الإجراميّة في مكّة ، فسوف يقوم المسلمون بقيادة نبيّهم ، بسد منافذ تجارتهم و مصادرة قوافلهم.

فخرج رسول الله في ثمان ليال خلون من شهر رمضان و استعمل عمرو بن اُم مكتوم على الصلاة بالناس ، و ردّ أبا لبابة من الروحاء و استعمله على المدينة ، فسلك طريقه من المدينة ـ و بعد ما قطع منازل ـ نزل على واد يقال له «ذفران». و كان أبوسفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبار و يسأل من لقى من الركبان حتّى أصاب خبراً من بعضهم أنّ النّبي قد استنفر أصحابه قاصداً إيّاه و عيره ، فحذر عند ذلك ، فاستأجر «ضمضم بن عمرو الغفاري» فبعثه إلى مكّة و أمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ، و يخبرهم أنّ محمّداً قد عرض لها في أصحابه ، فخرج «ضمضم بن عمرو» سريعاً إلى مكّة ، و دخل و هو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره ، و قد جدع بعيره ، و حوّل رحله ، و شقّ قميصه ، و هو يقول :

« يا معشر قريش ، اللطيمة ، اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث ، الغوث».

فتجهّز الناس سراعاً و قالوا : أيظن محمد و أصحابه أن تكون (عيرنا) كعير ابن الحضرمي ، كلّا والله ، ليعلمنّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين أمّا خارج و أمّا باعث مكانه رجلاً. و أوعبت قريش ، فخرجوا كلّهم إلى الغزو ، فلم يتخلّف من أشرافها إلّا أبالهب فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.

أقبل أبوسفيان بن حرب ، و تقدّم العير حذراً ، حتّى ورد الماء ، فقال لـ «مجدي بن عمرو» : هل أحسست أحداً. فقال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلّا انّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن(١) لهما ، ثم انطلقا ، فأتى أبوسفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففتَّه فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب ، فرجع إلى أصحابه سريعاً ، فضرب وجه عيره عن الطريق و أخذ بها جهة

__________________

(١) أي قربة ، و هي آلة حمل الماء.

٣١٨
 &

الساحل و ترك بدراً يساراً ، و انطلق حتّى أسرع.

ولمّا رأى أبوسفيان أنّه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش : إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم و رجالكم و أموالكم ، فقد نجّاها الله ، فارجعوا.

فقال أبوجهل بن هشام : والله لا نرجع حتى نرد بدراً ـ و كان بدر موسماً من مواسم العرب ، يجتمع به سوق كل عام ـ فنقيم عليه ثلاثاً ، فننحر الجزر ، و نطعم الطعام ، و نسقي الخمر ، و تعزف علينا القيان ، و تسمع بنا العرب و بمسيرنا و جمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها.

فمضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي يتوسّط بينها و بين وادي البدر كثيب.

ثمّ إنّ النّبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس و أخبرهم عن قريش ، فأظهر كل رأيه. فقال عمر بن الخطاب ـ مهوِّلاً خطورة الموقف ـ : إنّها والله قريش و عزّها ، والله ما ذلّت منذ عزّت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلم عزّها أبداً ، و لتقاتلنّك ، فاتّهب لذلك اُهبته ، وأعد لذلك عدّته(١).

ثمّ قام المقداد بن عمرر ، فقال : « يا رسول الله ، امض لما أراك الله ، فنحن معك ، والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ). و لكن إذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ، فوالّذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد(٢) ، لجادلنا معك من دونه حتّى تبلغه» . فقال له رسول الله خيراً و دعا له بخير.

ثمّ قال رسول الله : «أشِيروا عليّ أيّها الناس» و إنّما يريد (رسول الله) الأنصار ، و كان يظن أنّ الأنصار لا تنصره إلّا في الدار ، و ذلك انّهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا

__________________

(١) المغازي ، للواقدي ج ١ ص ٤٨.

(٢) موضع بناحية اليمن ، و قيل هو أقصى حجر ، و قيل إنّها مدينة في الحبشة.

٣١٩
 &

يمنعون منه أنفسهم و أولادهم ، و عند ذلك قام سعد بن معاذ ، فقال : «أنا اُجيب عن الأنصار ، و كأنّك تريدنا يا رسول الله ؟» قال : «أجل» ؛ قال :

«فقد آمنّا بك و صدّقناك ، و شهدنا أنّ ما جئت به هو الحقٌ ، و آتيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطّاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، و ما نَكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، و إنّا لصبُرٌ في الحرب ، صُدُق في اللقاء ، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله» .

فسرّ رسول الله بقول سعد ، و نشّطه ذلك ، ثم قال : «سيروا وابشروا ، فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله كإنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم» .

ثم إنّه سبحانه يشير إلى خروج قريش من مكّة و إصرارهم على إدامة السير إلى وادي بدر ليقيموا هناك أيّاماً يسقون الخمر و تعزف عليهم القيان بقوله سبحانه : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال / ٤٧).

روى ابن عباس في تفسير الآية : «لمّا رأى أبوسفيان أنّه أحرز عيره ، أرسل إلى قريش أن ارجعوا ، فقال أبوجهل : والله لا نرجع حتّى نرد بدراً...»(١) و قد تقدّم ذكره.

إنّ غزوة بدر ، كانت أوّل غزوة قام بها المسلمون ، و لم يكن لهم تدريب في الحرب ، و لأجل ذلك كره فريق من المؤمنين الحرب ، قال سبحانه : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) (الأنفال / ٥ ـ ٦).

و الآية ظاهرة في كراهة لفيف من المؤمنين للخروج من المدينة عند مغادرتها ، و يحتمل أن تكون إشارة إلى كراهة بعضهم للخروج في مجلس المشورة في منطقة «ذفران» ، و قد تعرّفت على بعض نصوص الكارهين.

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٥٤٨.

٣٢٠