مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة / ٨٩).

روى الطبرسي عن معاذ بن جبل ، و بشر بن البراء : انّهما خاطبا معشر اليهود و قالا لهم : اتّقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك ، و تصفونه و تذكرون أنّه مبعوث ، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، ما هو بالذي كنّا نذكر لكم ، فنزلت هذه الآية(١).

و عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه لما كثر الحيّان (الأوس والخزرج) بالمدينة ، كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم : أمّا لو بعث محمد لنخرجنّكم من ديارنا و أموالنا ، فلمّا بعث الله محمداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) آمنت به الأنصار ، و كفرت به اليهود ، و هو قوله تعالى :

(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)(٢).

و بالرغم من أخذ الميثاق من الاُمم ، و بالرغم من تعرّف تلك الاُمم على النبي الخاتم ، عمد أصحاب الأهواء منهم إلى كتمان البشائر به ، و إخفاء علائمه ، و سماته الواردة في كتبهم كما يقول سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة / ١٧٤).

و قال سبحانه :

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة / ١٥٩).

و المعنيّ بالآية نظراء كعب بن الأشرف و كعب بن أسد و ابن صوريا و غيرهم

__________________

(١) مجمع البيان ج ١ ص ١٥٨.

(٢) تفسير العياشي ج ١ ص ٥٠.

٢١
 &

من علماء اليهود و النصارى الذين كتموا أمر محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و نبوّته و هم يجدونه مكتوباً في التوراة و الإنجيل مثبّتاً فيهما (١).

قال العلّامة الطباطبائي : المراد بالكتمان و هو الإخفاء أعمّ من كتمان أصل الآية و عدم إظهارها للناس ، أو كتمان دلالتها بالتأويل ، أو صرف الدلالة بالتوجيه كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوّة ذلك فما يجهله الناس لايظهرونه ، و ما يعلم به الناس يؤوّلونه بصرفه عنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم)(٢).

و قال سبحانه :

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).

و الضمير في «لتبيّننّه» إمّا عائد إلى النبي الخاتم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المفهوم من سياق الآية ، أو إلى الكتاب المذكور قبله ، و على كل تقدير يدخل في الآية ، بيان أمر النبي لأنّه في الكتاب ، و الظاهر أنّ الآية مطلقة تعمّ كل ما يكتمونه من بيان الدين و الأحكام و الفتاوى و الشهادات.

النبي الأكرم و دعاء الخليل

أمر سبحانه إبراهيم الخليل بتعمير بيته ، و قد قام الخليل بما اُمر ، و بمساهمة فعليّة من ابنه «إسماعيل» و قد حكى سبحانه دعاءه عند قيامه بهذا العمل و قال :

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ

__________________

(١) مجمع البيان ج ١ ص ١٩٥.

(٢) الميزان ج ١ ص ٣٩٤.

٢٢
 &

الْحَكِيمُ) (البقرة / ١٢٧ ـ ١٢٩).

فقد دعا إبراهيم لذرّيته من نسل إسماعيل القاطنين في مكّة و حواليها ، و لم يبعث سبحانه من تتوفّر هذه الأوصاف الواردة في الآية من تلاوة الآيات و تعليم الكتاب و الحكمة و التزكية سوى النبي الأكرم محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

و الآية تدلّ على أنّ إبراهيم و إسماعيل دعيا لنبيّنا بجميع شرائط النبوّة لأنّ تحت التلاوة الأداء ، و تحت التعليم البيان ، و تحت الحكمة السنّة ، و دعوا لاُمّته باللطف الذي لأجله تمسّكوا بكتابه و شرعه فصاروا أزكياء ، و بما أنّ المرافق و المشارك في الدعاء مع إبراهيم هو ابنه ، فيجب أن يكون النبي من نسل إبراهيم من طريق ابنه ، و لم يكن في ولد إسماعيل نبيّ غير نبيّنا (صلّى الله عليه و آله و سلّم) سيّد الأنبياء.

و قد استجاب الله سبحانه دعاء الخليل و ابنه إذ بعث في ذرّيته رسولاً و قال :

(لَقَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران / ١٦٤).

و قال تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة / ٢).

و لقد نقَّب علماء الإسلام في العهدين (التوراة و الإنجيل) و جمعوا البشارات الواردة فيهما على وجه التفصيل ، و من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك(١). و نحن نعرض عن نقل تلكم البشائر في هذه الصحائف لأنّ نقلها يوجب الاسهاب في الكلام و الخروج عن وضع المقال.

__________________

(١) مثل أنيس الأعلام في نصرة الإسلام لفخر الاسلام الشيخ محمد صادق ، في ستة أجزاء واظهار الحق تأليف الشيخ رحمة الله الهندي و هو كتاب ممتع ، و الهدى إلى دين المصطفى تأليف الشيخ العلّامة محمد جواد البلاغي ، و في كتاب بشارات العهدين غنى و كفاية.

٢٣
 &
٢٤
 &

(٢) ثقافة قومه و حضارة بيئته

إنّ الإنسان مهما بلغ من الكمال لايستطيع أن يجرّد نفسه و فكره ، و منهجه الإصلاحي عن معطيات بيئته ، فهو يتأثّر عن لاشعور بثقافة قومه ، و حضارة موطنه ، و لكن إذا راجعنا تفكير إنسان و شخصيته فوجدناها منقطعة عن تأثيرات الظروف التي نشأ فيها ، و مباينة لمقتضياتها ، بل كانت على النقيض منها ، نستكشف أنّ لما جاء به من التشريع و التقنين و لما قدّمه إلى اُمّته من مبادئ الإصلاح خلفيّة سماويّة غير خاضعة لثقافة قومه ، و تقاليد قبيلته.

و هذا نجده في ما حمله رسول الإسلام إلى قومه و إلى البشرية جمعاء من عقائد و أخلاق و تشريعات.

و للوقوف على هذه الحقيقة نقدّم عرضاً خاطفاً عن حياة العرب في عصره قبل ميلاده و بعده ، و من المعلوم أنّ الإسهاب في ذلك يتوقّف على الغور في التاريخ و السيرة و هو خارج عن هدفنا ، بل نقدّم موجزاً ممّا يذكره القرآن عن حياتهم المنحطّة البعيدة عن الحضارة ، و ستقف أيّها القارئ الكريم من خلال ذلك على أنّ الذي جاء به رسول الإسلام الكريم ، من عقائد و أخلاق و سنن ، تضاد مقتضيات ظروفه ، فهو بدل أن يؤكّد تفكير قومه و طقوس قبيلته و تقاليد وسطه الذي كان يعيش فيه ، بدأ يكافحها و يفنّدها بالاسلوب المنطقي.

لقد نشأ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بين قومه و قد كانوا منقطعين عن الأنبياء و برامجهم حيث لم يبعث فيهم نبيّ ، قال سبحانه في هذا الصدد :

٢٥
 &

(وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص / ٤٦).

يقول تعالى :

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (السجدة / ٣).

وقال سبحانه :

(لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) (يس / ٦).

و هذه الآيات تعرب من أنّ اُمّ القرى و ما حولها لم يبعث فيها أي بشير أو نذير ، و الآيات تعني هذه المناطق و القاطنين فيها ، و لاتعني العرب البائدة التي بعث فيها أنبياء عظام كهود و صالح و شعيب ، و لاعامّة المناطق في الجزيرة العربيّة و لاعامّة القبائل من القحطانيين و العدنانيين ، و قد كان فيهم بشير و نذير كخالد بن سنان العبسي و حنظلة على ما في بعض الروايات و الأخبار.

و من المعلوم أنّ الاُمّة البعيدة عن تعاليم السماء خصوصاً في العصور البعيدة التي كانت المواصلات فيها ضعيفة بين الاُمم ، و كانت عقلية البشر في غالب المناطق قاصرة عن تنظيم برنامج ناجح للحياة الإنسانية ، فحياتهم لاتتعدّى عن حياة الحيوانات بل الوحوش في الغابات ، و لايكون لهم من الإنسانية شيء إلّا صورتها ، و لا من الحضارة إلّا رسمها.

و هذا هو القرآن يصفهم بأنّهم كانوا على شفا حفرة من النار ، ولم يكن بين سقوطهم واقتحافهم فيها إلّا خطوات ودقائق بل لحظات لولا أنّ النبيّ الأكرم أنقذهم من النار ، قال تعالى :

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) (آل عمران / ١٠٣).

٢٦
 &

وقد تضمّن قوله سبحانه : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ) استعارة بليغة حيث صوّر قوم النبيّ كالساقطين في قعر هوَّةٍ سحيقة لا يقدورن على الخروج ، وفي يد النبيّ حبل ألقاه في قعر تلك الهوّة يدعوهم إلى التمسّك به حتّى يستنقذهم من الهلكة.

هذا ما يصف به القرآن الكريم بيئة النبيّ وعقلية عشيرته ، على الوجه الكلّي ، ولكنّه يصفهم في الآيات الأُخر بالإنحطاط والإنهيار بشكل مفصّل.

و إليك بيان ذلك في ضوء الآيات القرآنية.

١ ـ الشرك أو الدين السائد

كان الدين السائد في العرب في الجزيرة العربية عامّة ، ومنطقة أُمُ القرى خاصّة ، هو الشرك بالله سبحانه ، فهم و إن كانوا موحّدين في مسألة الخالقيّة ، وكان شعارهم هو أنّ الله هو الخالق للسماوات والأرض ، ولكنّهم كانوا مشركين في المراحل الاُخرى للتوحيد.

أمّا كونهم موحّدين في مجال الخالقيّة فلقوله سبحانه : (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ) (لقمان / ٢٥)(١).

وأمّا كونهم مشركين في المراتب الاُخرى للتوحيد فيكفي في ذلك كونهم مشركين في أمر الربوبية (تدبير العالم) هو أنّ الوثنية دخلت مكّة وضواحيها ، بهذا اللون من الشرك (الشرك في الربوبية).

روى ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه قال : «كان عمرو بن لُحَي أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون ، قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها ، فتمطرنا ، ونستنصرها ، فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض

__________________

(١) و لهذا المضمون آيات اُخر لاحظ العنكبوت / ٦١ ، الزمر / ٣٨ ، و الزخرف / ٩ و ٧٨.

٢٧
 &

العرب فيعبدوه ، فاستصحب معه إلى مكّة صنماً باسم «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعى الناس إلى عبادتها»(١).

وأمّا الشرك في العبادة : فقد كان يعمّهم قاطبة إلّا أُناساً لا يتجاوز عددهم عن عدد الأصابع ، فالأغلبيّة الساحقة كانوا يعبدون الأصنام مكان عبادته سبحانه زاعمين أنّ عبادتهم تقرّبهم إلى الله ، قال سبحانه :

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّـهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر / ٣).

والقرآن شدّد النكير على فكرة الشرك أكثر من كل شيء ، وفنّدها بأساليب علميّة وعقليّة ، ولقد صوّر واقع الشرك ووضع المشرك ببعض التشبيهات البليغة التي تقع في النفوس بأحسن الوجوه ، قال سبحانه :

(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت / ٤١).

وقال تعالى :

(وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحجّ / ٣١).

فالمعتمد على الحجر ، والخشب الذي لا يبصر ، ولا يسمع ، ولا ينفع ، ولايضرّ ، كالمعتمد على بيت العنكبوت الذي تخرقه قطرة ماء ، وتحرقه شعلة نار وتكسحه هبّة ريح.

٢ ـ إنكار الحياة بعد الموت

الإعتقاد بالحياة بعد الموت هو الرصيد الكامل للتديّن ، وتطبيق العمل على الشريعة ، ولكن العرب كانت تنزعج من نداء الدعوة إلى الإيمان بها ، لأنّ الإيمان

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٧٩.

٢٨
 &

بالحياة المستجدة ، يستدعي كبح جماح الشهوات ، ووضع السدود والعوائق دون المطامح و المطامع ، وأين هذا من نزعة الاُمّة المتطرّفة التي لا تهمّها إلّا غرائزها الطاغية ورغباتها الجامحة.

وبما أنّ ذكر الموت والحياة بعده يلازمان الحساب والجزاء ، لهذا كان العرب يقابلون النبيّ بالسبّ والشتم واتّهامه بالجنون ، لأجل إنبائه عن أمر غير مقبول ، وحادث غير معقول ، قال سبحانه :

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ) (سبأ / ٧ ـ ٨)

٣ ـ عقيدتهم في الملائكة والجنّ

ومن عقائدهم : إنّ الملائكة بنات الله سبحانه ، وفي الوقت نفسه كانوا يكرهون البنات لأنفسهم ، يقول سبحانه :

(أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّـهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (الصافّات / ١٤٩ ـ ١٥٤).

والآية ترد عليهم وتفنّد عقيدتهم بوجوه :

١ ـ إنّ تصوير الملائكة بناتاً لله سبحانه يستلزم تفضيلهم عليه سبحانه ـ حسب عيقدتهم ـ لأنّهم يفضلّون البنين على البنات ، و يشمئزون منهنّ ، ويئدونهنّ ، فكيف تجعلون البنات لله وإليه أشار بقوله سبحانه :

(أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) ؟ .

٢ ـ إنّهم يقولون شيئاً لم يشاهدوه ، فمتى شاهدوا الأُنثويّة للملائكة ؟ و إليه

٢٩
 &

يشير بقوله : (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ) ؟.

٣ ـ إنّ توصيف الملائكة بناتاً لله يستدعي أنّه سبحانه ولدهنّ وهو منزّه عن الإيلاد والاستيلاد ، و إليه يشير قوله : (لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّـهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

ثمّ إنّهم كانوا يتخيّلون وجود نسب بين الله والجنّ ، والوحي يحكي ذلك على وجه الإجمال قوله سبحانه :

(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) (الصافات / ١٥٨).

وقد ذكر المفسّرون وجوهاً مختلفة لتبيين ذلك النسب أظهرها بالاعتبار أنّهم قالوا : صاهر الله الجنّ فوجدت الملائكة تعالى الله عن قولهم(١).

٤ ـ سيادة الخرافات

إنّ الأمّة البعيدة عن تعاليم السماء ، وهداية الأنبياء يعيشون غالباً في خِضمِّ الخرافة ، و يستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية ، وكذلك كانت الأمّة العربية عصر نزول القرآن ، فقد كانت غارقة في الخرافات والأساطير ، وقد جمع «الآلوسي» تقاليدهم الإجتماعية ، وطقوسهم الدينيّة في كتابه «بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب» حيث يجد القارئ فيها تلّا من الأوهام والخرافات ، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من عقائدهم ، ونحن نشير إلى بعض ما وقفنا عليه في القرآن.

أ ـ كانت العرب في عصر حياة النبي قبل البعثة تحكم على بعض الأصناف من الأنعام بأحكام خاصّة تنشأ عن نيّة التكريم وقصد التحرير لها ، غير أنّ تلك الأحكام كانت تؤدِّي إلى الإضرار بالحيوان ، وتلفه وموته عن جوع وعطش ، وقد حكى سبحانه تلك الأحكام عنهم وقال : (مَا جَعَلَ اللَّـهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَـٰكِنَّ

__________________

(١) مجمع البيان ج ٤ ص ٤٦.

٣٠
 &

الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (المائدة / ١٠٣).

والآية تعرب من أنّهم كانوا ينسبون أحكامهم في هذه الحيوانات والأنعام الأربعة إلى الله سبحانه ، ولأجل ذلك وصف سبحانه تلك النسبة بالإفتراء عليه ، وثلاثة منها أعني «البحيرة» و «السائبة» و «الحامي» من الإبل ، و الوصيلة من الشاة ، وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الكلمات ، ولكن الجميع يشتركون في أنّ الأحكام المترتبة عليها كانت مبنية على تحريرها والعطف عليها ، ونحن نذكر تفسيراً واحداً لهذه الكلمات ، ومن أراد التبسّط والتوسّع فليرجع إلى كتب التفسير.

١ ـ البحيرة : هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكراً ، شقُّوا اُذنها شقّاً واسعاً وامتنعوا من ركوبها ونحرها ، ولا تطرد عن ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، فإذا لقيها المعيي لم يركبها.

٢ ـ السائبة : وهي ما كانوا يسيبونه من الإبل ، فإذا نذر الرجل للقدوم من السفر أو للبرء من علّة أو ما أشبه ذلك ، قال : ناقتي سائبة ، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى.

٣ ـ الحامي : وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن ، قالوا : قد حمى ظهره ، فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

٤ ـ الوصيلة : وهي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت اُنثى فهي لهم ، و إذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، فإن ولدت ذكراً واُنثى ، قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم (١).

وقد أشار القرآن إلى أنّ الدافع لاتّباع هذه الأحكام حتّى بعد نزول الوحي هو تقليد الآباء ، وقد أشار إليه بقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّسُولِ

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٢٥٢ ، و لم نذكر سائر التفاسير لاشتراك الجميع في أنّ الأحكام كانت مبتنية على تسريحها و إظهار العطف لها.

٣١
 &

قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة / ١٠٤).

ثمّ إنّ هذه الأحكام و إن كانت لغاية تسريحها و إظهار العطف عليها لكنّها كانت تؤدّي بالمآل إلى موتها وهلاكها عن جوع وعطش ، لأنّ تسريحها في البوادي والصحاري من دون حماية راع ولا رائد كان ينقلب إلى هلاكها.

ب ـ إنّ القرآن الكريم يحكي عن العرب المعاصرين لنزول الوحي خرافة أُخرى في مجال الأطعمة إذ قال سبحانه :

(وَجَعَلُوا لِلَّـهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَـٰذَا لِلَّـهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّـهِ وَمَا كَانَ لِلَّـهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الأنعام / ١٣٦).

و الآية تحكي من أنّ المشركين كانوا يخرجون من الزرع و المواشي نصيباً لله ونصيباً للأوثان ، فما كان للأصنام لايصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى الأصنام.

وقد اختلف المفسّرون في كيفيّة هذا التقسيم الجائر فنذكر تفسيراً واحداً.

قالوا : إنّهم كانوا يزرعون لله زرعاً ، و للأصنام زرعاً ، و كان إذا زكى الزرع الذي زرعوه لله ، و لم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام ، جعلوا بعضه للأصنام و صرفوه إليها ، و يقولون : إنّ الله غني ، و الأصنام أحوج ، و إن زكى الزرع الذي جعلوه للأصنام ، و لم يزك الزرع الذي زرعوه لله ، لم يجعلوا منه شيئاً لله ، و قالوا : هو غنيّ ، و كانوا يقسّمون النعم فيجعلون بعضه لله ، و بعضه للأصنام ، فما كان لله أطعموه الضيفان ، و ما كان للصنم أنفقوه على الصنم(١).

ج ـ و من تقاليدهم : إنّه إذا ولدت الأنعام حيّاً يجعلونه للذكور و يحرمون النساء منه ، و إذا ما ولد ميّتاً أشركوا النساء و الرجال ، و إليه يشير قوله سبحانه :

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٣٧٠.

٣٢
 &

(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام / ١٣٩).

و على ضوء الآية فأجنّة البحائر و السيب كانت مختصّة بالرجال إذا ولدت حيّة ، و إذا ولدت ميّتةً أكله الرجال و النساء ، فما وجه هذا التقسيم غير التفكير الخرافي ؟

د ـ كانوا يقسّمون الأنعام إلى طوائف ، فطائفة يجعلونها لآلهتهم و أوثانهم ، و طائفة يحرّمون الركوب عليها ، و هي السائبة و البحيرة و الحامي ، و طائفة لايذكرون اسم الله عليها.

كل ذلك تقاليد باطلة ردّها الوحي الإلهي بقوله : (وَقَالُوا هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّـهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأنعام / ١٣٨).

و الحجر بمعنى الحرام و هو ما خصّوه بآلهتهم و لايطعمونه إلّا من شاؤوا.

هذا بعض ما وقفنا عليه من تقاليد العرب الخرافية الباطلة قبل الإسلام و حين ظهوره ممّا جاء ذكره في القرآن الكريم.

* * *

٥ ـ ثقافة قومه

يصف القرآن الكريم قوم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بل القاطنين في اُمّ القرى و من حولها بالاُمّية و يقول :

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة / ٢).

وقال : (... وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا

٣٣
 &

فَقَدِ اهْتَدَوا...) (آل عمران / ٢٠).

و قد بلغت الاُمّيّة عند العرب إلى حد اشتهروا بذلك حتّى وصفهم أهل الكتاب بها كما يحكي عنه سبحانه بقوله :

(... وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) (آل عمران / ٧٥).

و الاُمّيّون جمع الاُمّي و هو المنسوب إلى الاُم ، قال الزجّاج : الاُمّي الذي هو على صفة اُمّة العرب ، قال عليه الصلاة و السلام : إنّا اُمّة اُمّيّة لانكتب و لانحسب(١).

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون و لايقرأون و النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه اُمّيّا(٢).

و قال البيضاوي : الاُمّي من لايكتب و لايقرأ.

قال ابن فارس : الأمّي في اللّغة ، المنسوب إلى ما عليه جبلّة الناس لايكتب فهو في أنّه لايكتب على ما ولد عليه(٣).

و الزمخشري يفسّر قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة / ٧٨) . بأنّهم لايحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة و يتحقّقوا ما فيها.

هذا هو معنى الاُمّي و قد أصفقت عليه أئمّة اللّغة في جميع الأعصار إلى أن جاء الدكتور عبد اللطيف الهندي فزعم للاُمّي معان اُخرى لاتوافق ما اتّفقت عليه أئمّة اللّغة ، و سنذكر أراءه الساقطة في معنى «الامّي» عند البحث عن أوصاف النبي ، و منها أنّه «اُمّي» فانتظر.

__________________

(١) ايعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه ج ١ ص ٣٢٧ عن النبي أنّه قال : إنّا اُمّة...

(٢) مفاتيح الغيب ج ٤ ص ٣٠٩.

(٣) مقاييس اللغة ج ١ ص ٢١٨.

٣٤
 &

و العرب في اُمّ القرى و ما حولها كانت اُمّيّة لاتقرأ و لاتكتب ، و قد نشأ النبيّ بينهم ، و يؤيّد ذٰلكَ ما ذكره الإمام البلاذري في «فتوح البلدان» حيث أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة و الكتابة فما تجاوز عن سبعة عشر رجلاً في مكّة ، و عن أحد عشر نفراً في يثرب(١).

وعلى ضوء ذلك فالسائد على تلك المنطقة كانت هي الاُمّيّة المطلقة إلّا من شذّ.

نعم ، ما ذكرنا من سيادة الاُمّيّة على العرب لاينافي وجود الحضارة في عرب اليمن حيث كانوا على أحسن ما يكون من المدنيّة ، فقد بنوا القصور المشهورة ، و شيّدوا الحصون ، و كانت لهم مدن عظيمة ، قال تعالى في كتابه الكريم :

(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ / ١٥).

وكان لهم ملوك و اقيال دوّخوا البلاد ، و استولوا على كثير من أقطار الأرض ، و لكن تلك الحضارة زالت و بادت بسيل العرم ، قال سبحانه :

(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (سبأ / ١٦ و ١٧).

و أمّا بنو عدنان و من جاورهم من عرب اليمن فقد اختلّ أمرهم و تغيّر حالهم بعد أن فرّقهم حادث سيل العرم ، فمن ذلك اليوم فشى الجهل بينهم ، و قلّ العلم فيهم ، و أضاعوا صنائعهم و تشتّتوا في الأطراف و الأكناف ، و وقع التنازع و التشاجر بين القبائل ، و تكاثرت البغضاء بينهم ، فلم يبق عندهم علم منزل ، و لاشريعة موروثة من نبي ، و لا العلوم كالحساب و الطب ، و انحصر عملهم بما سمحت قرائحهم من الشعر و الخطب ، أو ما حفظوه من أنسابهم و أيامهم ، أو ما احتاجوا

__________________

(١) فتوح البلدان ص ٤٥٧.

٣٥
 &

إليه في دنياهم من الأنواء و النجوم و صنع آلات الحرب و غير ذلك(١).

فالمثقّف عندهم من جادت قريحته بالشعر ، أو قدر على إلقاء الخطب و الوصايا ارتجالاً ، أو من عرف أنساب الناس ، أو عرف أخبار الاُمم و بالأخص أيام العرب.

نعم كان عند بعض العرب علم الفراسة و الكهانة و العرافة ، و يراد من الأوّل من يستدل بهيئة الإنسان و أشكاله و ألوانه و أقواله على أخلاقه و سجاياه و فضائله و رذائله ، و لعلّه إليه يشير قوله سبحانه :

(تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ) (البقرة / ٢٧٣).

(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (محمد / ٣٠).

و يراد من الثاني من يتنبّأ بما سيقع من الحوادث في الأرض.

و العرّافة هو قسم من الكهانة ، لكنّها تختصّ بالاُمور الماضية و كأنّه يستدل ببعض الحوادث الغابرة على الحوادث القادمة.

هذا هو عرض خاطف عن ثقافة قوم النبي عصر نزول القرآن أتينا به ليكون دليلاً واضحاً على انقطاع شريعة النبي عن تعاليم بيئته وتقاليدها.

والقرآن الكريم يصف ذلك العصر في غير واحد من الآيات بالجاهليّة ، يقول سبحانه : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) (المائدة / ٥٠).

ويقول سبحانه : (يَظُنُّونَ بِاللَّـهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) (آل عمران / ١٥٤).

ويقول سبحانه : (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) (الأحزاب / ٣٣).

ويقول تعالى : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) (الفتح / ٢٦).

__________________

(١) بلوغ الارب ج ٣ ص ٨٠ ـ ٨١ ، و من أراد أن يقف على ثقافة العرب عامّة ، قحطانيهم و عدنانيهم ، فليرجع إلى ذلك الكتاب.

٣٦
 &

وأغلب المفسّرين يفسّرون الجاهليّة بفساد العقيدة في جانب الدين فقط ، ولكنّه تخصيص بلا جهة ، فكان القوم يفقدون العلم الناجع كما يفقدون الدين الصحيح.

٦ ـ الإنهيار الخلقي

طبيعة العيش في الصحراء تفرض على الإنسان نزاهة خاصّة في الخلق ، تصون نفسه عن الإنهيار الخلقي ، و لأجل ذلك نرى أنّ الفساد في المناطق المتحضّرة أكثر منها في البدو وسكّان الصحاري.

وقد كان من المترقّب من سكنة أُمّ القرى وما حولها النزاهة عن المجون والفساد ، غير أنّ في الآيات القرآنية أخباراً عن شيوع الفساد الخلقي بينهم.

فهذا القرآن الكريم يركّز على النهي عن الفحشاء ظاهره وباطنه ، والفحشاء و إن فسّر بما عظم قبحه من الأفعال والأقوال الذميمة ولكنها منصرفة إلى الزنا وكناية عنها ، قال سبحانه :

(إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) (النساء / ١٩).

وقال سبحانه : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) (النساء / ١٥).

وقال سبحانه : (وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) (الطلاق / ١).

وكل هذا يعرف عن شيوع هذا العمل الشنيع المنكر بينهم.

فإنّنا نرى أنّ الله سبحانه ينهي عن إتخاذ الخدن و يقول :

(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ...) (النساء / ٢٥).

ويقرب منها قوله في سورة المائدة ، الآية ٥.

و «الأخدان» جمع «خدن» وهو يطلق على الصاحب و الصاحبة بأن يكون

٣٧
 &

للمرأة صاحب أو خليل يزني بها سرّاً ، وهكذا في جانب الرجل ، فالخدن يطلق على الذكر والأُنثى ، وكان الزنا في الجاهلية على قسمين : سرّ وعلانية ، عامّ وخاصّ.

فالخاص السري هو أن يكون للمرأة خدن يزني بها سرّاً ، ولا تبذل نفسها لكلّ أحد.

والعام الجهري هو المراد بالسفاح كما قال ابن عبّاس وهو البغاء.

وكان البغاء من الإماء وكنّ ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن وبيوتهن.

روى ابن عبّاس : إنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون ما ظهر من الزنا ، و يقولون : إنّه لوم ، و ييستحلّون ما خفي و يقولون : لا بأس به ، ولتحريم القسمين يشير قوله سبحانه :

(وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأنعام / ١٥١)(١).

وممّا يعرب عن رسوخ الإنحلال الخلقي فيهم ما نقله «تميم بن جراشة» وهو ثقفي ، قال قدمت على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في وفد ثقيف ، فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط ، فقال : اكتبوا ما بدا لكم ، ثمّ ائتوني به ، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا ، فأبى عليّ ـ رضي الله عنه ـ أن يكتب لنا ، فسألناه خالد بن سعيد بن العاص ، فقال له عليّ : تدري ما تكتب ؟ قال : اكتب ما قالوا ورسول الله أولى بأمره ، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله ، فقال للقارئ إقرأ ، فلمّا انتهى إلى الربا ، فقال : ضع يدي عليها في الكتاب ، فوضع يده ، فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا...) (البقرة / ٢٧٨). ثمّ محاها ، وألقيت عليها السكينة فما راجعناه ، فلمّا بلغ الزنا ، وضع يده عليها ، وقال :

__________________

(١) المنار ج ٥ ص ٢٢ ، و زاد في المصدر قوله : و هذان النوعان معروفان الآن في بلاد الافرنج و البلاد التي تقلّد الافرنج في شرور مدنيّتهم كمصر و والاستانة و بعض بلاد الهند ، و يسمّي المصريون الخدن الرفيق ، و من هؤلاء الافرنج و المتفرنجون من هم كأهل الجاهلية يستحسنون الزنا السرّي ، و يستقبحون الجهري.

٣٨
 &

(وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الاسراء / ٣٢).

ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا(١).

وممّا يدل على الإنحلال الخلقي في أمر النساء قوله سبحانه :

(وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .) (النور / ٣٣).

فالآية تعرب عن الإنهيار الخلقي الذي كان يعاني منه بعضهم حتّى بعد هجرة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى المدينة ، وقد رووا : إنّ عبد الله بن أُبي كان له ستّ جوارٍ كان يكرههنّ على الكسب عن طريق الزنا ، فلمّا نزل تحريم الزنا ، أتين رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فشكين إليه ، فنزلت الآية(٢).

٧ ـ معاقرة الخمور و ارتياد نواديها

كان الاستهتار بمعاقرة الخمور رائجاً بين العرب منذ زمن بعيد ، وقد بلغ شغفهم بها حتّى أنّهم جعلوها أحد الأطيبين مع أنّ النبي الأكرم كان قد حرّم الخمر حتّى قبل هجرته إلى المدينة ، ولكنّه لم يتحقّق ما أمر به إلّا بعد مضي سنوات من هجرته ، ونزول آيات مختلفة الاُسلوب متنوّعة البيان و إليك بيان هذا التدرّج :

١ ـ قال سبحانه : (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون) (النحل / ٦٧) والآية مكّيّة نزلت في ظروف قاسية لا تتحمّل إنذاراً أكثر وأشد من هذا ، ولهذا اكتفى فيه بعد اتّخاذ السكر ضد الرزق الحسن.

__________________

(١) اُسد الغابة ج ١ ص ٢١٦ ترجمة تميم بن جراشة.

(٢) مجمع البيان ج ٤ ص ١٤١.

٣٩
 &

٢ ـ قال سبحانه : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة / ٢١٩).

فالآية تشير إلى أنّه لو كان هناك لذّة وطرب لشارب الخمر ، أو مال للاعب الميسر حيث يفوز به من غير كدّ ولا مشقّة ، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما.

فلأجل ذلك يجب ترك النفع القليل في مقابل الضرر الكبير ، والآية مدنيّة كافية في التحريم ، وذلك لأنّها تصرّح بوجود الإثم في الخمر والميسر ، وقد حرّم الوحي الإلهي الإثم على وجه القطع واليقين قبل هجرة النبي ، قال سبحانه :

(إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ) (الأعراف / ٣٣).

وأي بيان أوضح لتحريم الخمر إذا قرنت الآيتان : الواحدة إلى الأُخرى ؟ فالآية الأُولى تحقّق الصغرى وهو أنّ الخمر إثم ، والآية الثانية تصرّح بالكبرى ، وهي أنّ الله سبحانه حرّم الإثم ، فيستنتج منهما أنّه سبحانه حرّم الخمر.

والعجب انّ القوم (مع أَنَّ الآية الثانية التي تحرّم الإثم على وجه الحتم والبت نزلت بمكّة) ، لم يتنزّهوا من هذا العمل المزيل للعقل ، والمضاد للكرامة الإنسانية ، فكانوا يشربون الخمر في نواديهم حتّى وافاهم الوحي الإلهي بتحريم الصلاة وهم في حال السكر ، إذ قال سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء / ٤٣).

وهذه الآيات الثلاث التي تعرّفت عليها تلقّاها بعض الصحابة بأنّها ليست بياناً وافياً ، فظلّ يترصّد البيان الأوفى حتّى وافى الوحي الإلهي ، وقال سبحانه : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) ؟ (المائدة / ٩٠ و ٩١).

٤٠