مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عامّة فقال سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة / ٨).

هذا وقد دلّت ـ على تشريع هذا الجهاد ـ مضافاً إلى ما ذكر من الآيات ، أحاديث وروايات متضافرة نأتي ببعضها :

قال الإمام علي (عليه السلام) :

«الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه...

هو لباس التقوى ودرع الله الحصينة ، وجنّته الوثيقة»(١).

وقال الإمام أبوجعفر الباقر (عليه السلام) :

«الجهاد الذي فضّله الله على الأعمال وفضّل عامله على العمال تفضيلاً في الدرجات والمغفرة لأنّه ظهر به الدين ، وبه يدفع عن الدين»(٢).

إلى غير ذلك من الأحاديث المذكورة في المصادر المعتبرة.

ثمّ إنّ من يجب جهادهم على نحو الدفاع ثلاث طوائف :

١ ـ البغاة على الإمام من المسلمين ، كالخوارج الذين خرجوا على الإمام علي (عليه السلام) مثلاً.

٢ ـ أهل الذمّة ، وهم اليهود والنصارى والمجوس إذا أخلّوا بشرائط الذمّة.

٣ ـ من ليس لهم كتاب إذا قاموا بمؤامرة ضد المسلمين.

__________________

(١) نهج البلاغة الخطبة ٢٧.

(٢) في هذا الحديث إشارة إلى كلا النوعين من الجهاد (الدفاعي و التحريري) فقوله (عليه السلام) : لأنّه ظهر به الدين ، إشارة إلى الثاني ، و قوله (عليه السلام) : و به يدفع عن الدين ، إشارة إلى الأوّل.

٥٠١
 &

هذه هي لمحة خاطفة عن حقيقة الجهاد الدفاعي ودوافعه وخصائصه ، وأمّا معرفة مسائله وفروعه وأحكامه التفصيليّة فمتروكة إلى الكتب الفقهية المفصّلة(١).

*       *      *

الجهاد التحريري (الإبتدائي)

لقد شرع الإسلام ـ إلى جانب الجهاد الدفاعي ـ نوعاً آخر من الجهاد ، هو الجهاد الإبتدائي الذي يجدر أن يسمّى بالجهاد التحريري.

وتتلخّص دوافع هذا النوع من الجهاد في اُمور عديدة نشير إلى ثلاثة منها ، تاركين للقارئ الكريم مراجعة الكتب الفقهية المطوّلة المفصّلة لمعرفة بقيّة هذه الدوافع ، والأسباب.

١ ـ تحرير البشريه من الشرك

إنّ أهم دوافع الجهاد التحريري هو محاربة الوثنيّة والشرك ، وتحرير البشريّة من إتّخاذ أي معبود سوى الله.

فالإسلام يأمر بعبادة الله وحده ، وينهي عن اتّخاذ أي معبود سواه.

يقول الله سبحانه :

(وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ) (القصص / ٨٨).

وهي حقيقة تدركها الفطرة البشرية السليمة ولكن هذه الفطرة قد تنحرف وتحيد عن مسيرها الصحيح بفعل المؤثّرات والدعايات وتضليل المضلّلين.

وهنا يفرض الدين على أتباعه أن يجاهدوا لتحرير العقول من قيودها ، وتخليص الفطرة الإنسانية المنحرفة من براثن الوثنيّة بكل وسيلة ممكنة.

__________________

(١) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد ، الركن الثاني ـ مع شروحه ـ.

٥٠٢
 &

وليس هذا ممّا يخالف حرية الإنسان في اتّخاذ المعتقد الذي يريد ، لأنّ الحرية ليست مطلوبة على إطلاقها.

ثمّ إنّ تخليص البشرية من براثن الوثنية إنّما هو خدمة للبشرية و إحياء لها ، وإنقاذاً لشخصيّتها من ذلّ الخضوع تجاه الموجودات الحقيرة.

و هذا أمر ضروري حتّى إذا لم يدرك البشر أهمّيته ، أو امتنع من قبوله تمشّياً مع هواه.

فلو أنّ وزارة الصحّة ـ مثلاً ـ أرادت تلقيح الناس باللقاح الصحّي ضد مرض داهم ، أو وباء قادم ، لزم على الجميع قبول هذا الأمر ، و لم يكن لأحد الامتناع عن ذلك بحجّة أنّه حرّ لايجوز إكراهه على شيء.

فلاتسمع منه هذه الحجّة ، و لايقبل منه هذا الرفض ، حفاظاً على الصحّة العامّة وصيانة للمجتمع من العدوى.

و يعتبر هذا الإكراه و الإلزام بهذا الأمر العقلائي رحمة له ، و لطفاً به لاظلماً و عدواناً.

إنّ عبادة الوثن تجعل عابد الوثن أذل من الصنم الذي نحته بيديه... و إلى ذلك يشير سبحانه ـ مستنكراً ـ : (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) ؟ (الصافّات / ٩٥).

ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب إنحطاط الفكر الإنساني و وقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود و الأغلال للفكر البشري ، تمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي و التكامل ، و تحجز النفس الإنسانية من نموّ الفضائل و السجايا الخلقية الكريمة.

هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان و الأصنام توجد اختلافاً و تحزّباً بين البشر ، و تفرّق وحدته ، و تمزّق صفّه إذ كل جماعة تتّخذ وثناً خاصّاً تعبده و تتمسّك به ، و تنفي سواه ، و في ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لايقل عن خطر الطاعون و الوباء ، و في ذلك يقول الله حاكياً عن لسان يوسف :

(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف / ٣٩).

٥٠٣
 &

و لهذا يرى الإسلام محاربة هذا الوباء الفكري ، و اقتلاعه من الجذور.

و من هنا أقدم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند فتحه «مكّة» على كسر الأصنام الموضوعة في البيت الحرام ، و أمر كل صاحب وثن أن يحطّم وثنه ، و كان (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يفعل ذلك كلّما فتح منطقة من مناطق الجزيرة(١).

نعم صحيح انّ للتبليغ و الدعوة أثراً لاينكر في إيقاظ الأفكار ، و فكّها من أسارها ، بيد أنّه أثر محدود لايعرفه إلّا الزمر الواعية ، المثقّفة ، القادرة على إستيعاب التوجيهات و المواعظ.

و لأجل ذلك يجب على إمام المسلمين قبل نشوب الحرب بين المسلمين و أعدائهم أن يدعو الكفّار و الأعداء إلى الإسلام بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و يبالغ في إيقاظهم و توعيتهم و دعوتهم و إتمام الحجّة عليهم.

قال صاحب شرائع الإسلام :

«و لايبدأون إلّا بعد الدعاء إلى محاسن الإسلام و يكون الداعي الإمام أو من نصّبه»(٢).

و قد دلّت على ذلك من السنّة روايات متضافرة منها ما ورد عن السكوني عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) :

بعثني رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى اليمن فقال : يا علي لاتقاتلنّ أحداً حتّى تدعوه إلى الإسلام ، والله لئن يهدينّ الله على يديك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس و غربت ، و لك ولاؤه يا علي»(٣).

و عن علي (عليه السلام) أنّه قال :

__________________

(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ١٤٣.

(٢) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد ، الركن الثاني.

(٣) مستدرك الوسائل ج ١١ الباب ٩ من أبواب جهاد العدو الحديث ١.

٥٠٤
 &

«لايغزَ قوم حتّى يدعوا»(١).

و عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أيضاً أنّه قال :

«لاتقاتل الكفّار إلّا بعد الدعاء»(٢).

و قد سئل الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) عن كيفيّة الدعوة إلى الدين :

فقال : تقول : «بسم الله الرحمن الرحيم ـ أدعوك إلى الله عزّ و جلّ و إلى دينه و جماعه أمران : أحدهما : معرفة الله عزّ و جلّ و الآخر : العمل برضوانه ، و إنّ معرفة الله عزّ و جلّ أن يعرف بالوحدانية و الرأفة و الرحمة و العزّة ، و العلم و القدرة و العلوّ على كل شيء ، و انّه النافع الضار القاهر لكل شيء الذي لاتدركه الأبصار ، و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير ، و انّ محمداً عبده و رسوله ، و إنّ ما جاء به هو الحق من عند الله عزّ و جلّ و ما سواه هو الباطل».

فإذا أجابوا إلى ذلك فلهم ما للمسلمين ، و عليهم ما على المسلمين(٣).

و عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال :

«أوّل حدود الجهاد الدعاء إلى طاعة الله من طاعة العباد ، و إلى عبادة الله من عبادة العباد و إلى ولاية الله من ولاية العباد»(٤).

بل ولو أنّ أحداً من المشركين إستأمن و أراد أن يسمع كلام الله اُعطي الأمان ، ثمّ اُعيد إلى مأمنه ، سواء كان قبل نشوب الحرب أو في أثنائه.

قال الله سبحانه :

(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ

__________________

(١) و (٢) مستدرك الوسائل ج ١١ الباب ٩ من أبواب جهاد العدو الحديث ٢ ، ٣.

(٣) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٣١ ، باب كيفية الدعاء إلى الإسلام من أبواب الجهاد.

(٤) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٧.

٥٠٥
 &

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ) (التوبة / ٦).

غير أنّ الدعوة و التبليغ ربّما تؤثّر في بعض الأشخاص و لاتؤثّر في آخرين ، خصوصاً إذا كان الدين يهدّد مصالحهم و مطامعهم و لذلك وجبت محاربتهم... إذ لايكون الخير و الإصلاح حينئذٍ إلّا بالسيف ، و منطق القوّة :

و إلى هذا أشار النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بقوله :

«الخير كلّه في السيف ، وتحت ظلال السيف ، ولايقيم الناس إلّا السيف»(١).

فرض العقيدة ممنوع

قد يتوهّم الجاهل بمعالم الدين الإسلامي و أحكامه انّ الهدف من الجهاد التحريري إنّما هو فرض العقيدة الإسلامية على الناس فرضاً.

و لكن هذا ظنّ واضح البطلان معلوم الضعف لمن له معرفة بطبيعة الدعوة الإسلامية.

فإنّ الإسلام الذي يشجب و يستنكر على بعض الناس اتّباعهم لعقائد آبائهم و أجدادهم الباطلة ، كيف يجوّز لأتباعه أن يحملوا الناس على العقيدة الإسلامية دون أن يسمحوا لهم بأن يفكّروا و يحقّقوا و يفتّشوا عن المعتقد الحق ، ليعتنقوه بالبرهان و الدليل ؟

إنّ اعتناق العقيدة أي عقيدة يجب أن يكون حسب نظر الإسلام قائماً على أساس البحث و الفحص و التحقيق و مرتكزاً على البرهان و الدليل ، و لذلك فهو يقبح اتّباع السلف دون مراجعة لعقائدهم ، و تحقيق في صحّتها أو بطلانها إذ قال سبحانه :

(وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٥.

٥٠٦
 &

عَلَىٰ أُمَّةٍ (أي طريقة) وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الزخرف / ٢٣ ـ ٢٥).

و قال سبحانه :

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (البقرة / ١٧٠).

و بتعبير آخر : إنّ الإسلام ذمّ التقليد في الاُصول و العقائد و الجري على سنن الآباء و الأجداد بلاتأمّل و لاتدبّر ، و طالب بالتفكّر و التعقّل فكيف يأمر أتباعه بأن يفرضوا العقيدة الإسلامية على الآخرين بقوّة النار و الحديد.

كيف وقد صرّح بحرية الإعتقاد بقوله سبحانه :

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة / ٢٥٦).

إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الإختلاف الفكري ، والتنافس الأيديولوجي أمر غريزي طبيعي ، ولذلك فهو باق إلى يوم القيامة ولا يمكن إزالته من رأس ، ولا يصحّ إلغاؤه بالمرّة.

قال سبحانه :

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود / ١١٨).

إنّ القرآن الكريم ينهي الرسول الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن فرض العقيدة الإسلامية على الناس لأنّ الله شاء لهم أن يكونوا أحراراً في ذلك وهو في الوقت نفسه يعطينا درساً في مجال التبليغ والدعوّة يجب أن نسير على ضوئه ، فيقول :

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس / ٩٩).

٥٠٧
 &

إذن فلم يكن الجهاد التحريري في مجال (تحرير البشرية من الشرك) بفرض العقيدة على الناس أو حملهم على الخضوع لمنهج الدين دون اختيار منهم أو إرادة حرّة ، بل هناك دواعٍ وعللٍ للجهاد التحريري وهي التي نتلوها عليك.

٢ ـ كسر الموانع المفروضة على الشعوب

إنّ هناك داعياً آخر لتشريع عنوان الجهاد التحريري وهو وضع الاغلاق المفروضة على الشعوب ، و إسقاط الحكومات التي تمنع من وصول الإسلام إلى الناس وتقيم سدوداً بينهم وبين العقيدة الحقّة وتسلب حريّاتهم ، وتكرههم على اتّخاذ عقيدة خاصّة ، والمشي على حسب منهج خاص وإن كانوا لا يرتضونه.

وبهذا يكون الجهاد التحريري لرفع الموانع والحواجز المانعة عن وصول العقيدة الحقّة إلى الناس ، و تحريرهم من تلك القيود حتى يمكنهم اختيار الدين الإسلامي بعد الاطّلاع على محاسنه ، وتبليغ معالمه إليهم.

٣ ـ تخليص المستضعفين من الظالمين :

إنّ الهدف الثالث من أهداف الجهاد التحريري هو إنقاذ الشعوب من اضطهاد الحكّام الجائرين ، واستبدادهم وظلمهم.

فهو إذن شُرّع لتحرير المستضعفين وتخليصهم من عسف الحكّام ، وكبتهم ، وحيث إنّ هذا الهدف لا يتحقّق إلّا باستخدام القوّة وحمل السلاح والمقاتلة والغزو إتّخذ الإسلام طريق الجهاد ، فقال القرآن الكريم :

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء / ٧٥).

٥٠٨
 &

وقد وردت الإشارة إلى هذا الهدف في تصريحات بعض المسلمين الذين خرجوا لفتح البلاد و إنقاذ المستضعفين من حكّامهم الجائرين قال : إنّ سعد بن أبي وقاص أرسل ربعي بن عامر ليكلّم قائد القوات الفارسية فلمّا دنا من «رستم» جلس على الارض وركّز رمحه على البسط فقال له : ما حملك على هذا ؟ قال : إنّا لانستحب القعود على زينتكم ، فقال له ترجمان رستم واسمه «عبود» من أهل الحيرة : ما جاء بكم ؟ قال : الله جاء بنا وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا الى سعتها ، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام فأرسلنا بدينه الى خلقه ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا ، ومن أبىٰ قاتلناه حتى نفضي إلى الجنّة أو الظفر(١).

إذن لم يكن تشريع هذا الجهاد لفرض الاستيلاء على الأراضي ، أو بهدف السيطرة على منابع الثروة ، أو استعمار الشعوب كما هو هدف الحروب غير الإسلامية في الماضي والحاضر.

كما أنّ الإسلام ينهي عن العدوان لبعض الأسباب التي تعود إلى المسائل الشخصية ، والقضايا الفردية ، التي لا تنطوي على مصلحة الإسلام والمسلمين الكلّية... ، وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم :

(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا) (المائدة / ٢).

و بما أنّ الجهاد التحريري ينطوي على أحكام دقيقة ، وظرفية ، لا يعرفها إلّا الإمام العادل العارف بالدين ، والعالم بالظروف لم يجز أن يقوم المسلمون بهذا الجهاد إلّا بقيادة (إمام معصوم) أو من ينوب منابه في السلطة الدينية والزمنية ، نعم في مشروعية الجهاد التحريري في غياب الإمام المعصوم بحث مفصّل ، فلاحظ الكتب الفقهية.

__________________

(١) الكامل لابن الأثير ج ٢ ص ٣٢٠ حوادث عام ١٤ من الهجرة النبوية.

٥٠٩
 &

وإلى هذا أشار الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله :

«والجهاد واجب مع إمام عادل»(١).

نعم هناك كلمة أخيرة على هامش كلا الجهادين وهي :

إنّه يجب على الدولة الإسلامية ـ قبل نشوب أيّة حرب ـ إعداد المسلمين وتجهيزهم بكل ما تستطيع من أنواع القوّة الحربية في كل زمان بحسبه ، على أن يكون القصد الأوّل من ذلك هو إرهاب العدو ، و إخافته من عاقبة التعدّي على بلاد الاُمَّة الإسلامية أو مصالحها ، أو على أفراد منها ، أو متاع لها حتى في غير بلادها ، لأجل أن تكون آمنة في عقر دارها مطمئنّة على أهلها و مصالحها وأموالها ، ولكي تحظىٰ بالإحترام اللائق بها في الساحة الدولية ، إذ يقول القرآن الكريم :

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال / ٦٠).

و يبقى أن نقول : إنّ القتال والنضال بما هو هو ليس أمراً قبيحاً و إنّما يصطبغ بالحسن أو القبح بالغايات المحدّدة للقتال والنضال.

فلو كان القتال والنضال بهدف الاعتداء والتجاوز على النفوس والأعراض والأموال والحرمات فيكون القتال أمراً منكراً ، ويعد وحشيّة همجيّة ، ويكون المباشر له حيواناً ضارياً تلبّس بالإنسانية.

و إذا كان القتال لحفظ الشرف والإنسانية ومنع المعتدين عن الإعتداء ، وغير ذلك من الأهداف المشروعة المذكورة سلفاً ، فلايكون قبيحاً بل يعتبر وظيفة إنسانية.

هذه دراسة عابرة عن الجهاد التحريري حقيقة وأهدافاً وفلسفة ، والتفصيل موكول إلى محلّه في الكتب الفقهية المفصّلة. وأمّا الأدب فإليك البيان .

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٣٥.

٥١٠
 &

رعاية الأخلاق في الحرب

إنّ وقائع الحروب تشهد بأنّ الجبابرة والطواغيت ينسون ـ عند نشوب الحروب ـ كل القيم الإنسانية ، والاُصول الأخلاقية ، فيرتكبون كل جريمة ، ويقترفون كل جناية دون أن يردعهم عن ذلك رادع ، أو يتقيّدوا في القتال بقانون.

وليس هذا أمر يتّصل بالماضي ، فساحات المعارك اليوم ، وما تشهده من فظائع ، خير دليل على ما ذكرناه.

صحيح أنّ هناك أعرافاً دولية ، وقوانين عالمية للحروب ، ولكن من الصحيح أيضاً انّ رعاية هذه القوانين والأعراف ضئيلة ، أو كادت أن تكون مفقودة أصلاً.

هذا مضافاً إلى أنّ هذه القوانين والأعراف لا تكون ـ في الأغلب ـ شاملة ، أو كافية.

غير أنّ الإسلام سنّ للحرب والقتال حدوداً دقيقة من شأنها أن تجعل الحرب في إطار الأخلاق والقواعد الإنسانية ولم يكتف بمجرّد تشريعها ووضعها ، بل عمل بها في كافة حروبه ووقائعه.

من هنا يجب علينا أن نقف على هذه الحدود ، لنتعرّف على مدى رحمة الإسلام و إنسانيّته ، وعدالته ، حتى في الحروب حيث يفقد المقاتلون توازنهم عادة ، فلا يتورّعون عن ارتكاب كل كبيرة وصغيرة ، وتشهد على ذلك الحروب العالمية وخاصّة (الاُولى والثانية) ، وكذا الحروب التي شنّها الغرب على الشرق في مختلف المناطق في القرن الحاضر ، ونخصّ بالذكر المعارك الدامية بين الإستعمار الفرنسي ، والشعب الجزائري البطل ، والإستعمار الأمريكي والشعب الفيتنامي ، والإستعمار الإسرائيلي والشعب الفلسطيني ، وماجرى في هذه الحروب من الممارسات الوحشية المروّعة على يد هذه القوى الإستعمارية.

٥١١
 &

١ ـ الآمنون في الحرب

لمّا كانت العدالة الإجتماعية هي المطلب الأقصى للإسلام ، ولم تكن للحرب أصالة في منطقة ، ولم تكن بنفسها هدفاً بل شرعت لدفع المعتدين و إزالتهم عن طريق الدعوة الحقّة ، اقتضى ذلك كلّه أن لا يهاجم إلّا على الظالمين ولذا قال القرآن الكريم :

(فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة / ١٩٣).

ولأجل ذلك نهى الإسلام عن قتل طائفة من الناس إذا لم يكونوا يساندون الأعداء الظالمين ولا يقاتلون ، وهؤلاء هم :

١ ـ النساء.

٢ ـ الولدان.

٣ ـ المجانين.

٤ ـ الأعمى.

٥ ـ الشيخ الفاني.

٦ ـ المقعد.

وقد دلّت على ذلك أحاديث متضافرة منها ما عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال :

«نهى رسول الله عن قتل المقعد و الأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في دارالحرب»(١).

٢ ـ تمالك النفس

لا ريب أنّ الحرب سبب قوي لغليان المشاعر وارتفاع سورة الغضب إلى

__________________

(١) فروع الكافي ج ٥ ص ٢٨ ح ٦.

٥١٢
 &

أقصاه ولهذا ربّما يؤدّي إلى ارتكاب أقسى ألوان الجريمة في حقّ الخصم.

ومن هنا يجب أن يعطى زمام الحرب للعقل لا للمشاعر الملتهبة ، والأحاسيس المشتعلة.

ولقد أعطى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) تعاليم كلّية في الحرب ، كان يوصي يهاكل جيش يبعثه ، وكل سرية يرسلها.

وإليك فيما يأتي نموذجاً من الأحاديث التي أدّب فيها النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو الإمام المجاهدين والمقاتلين بآداب ، وتعاليم خاصة ، تكفل إنسانية الحروب وعدالتها.

عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال :

« كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ، ثم يقول :

سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، لا تغلوا ، ولاتغدروا ولاتقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة ، ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها.

وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار ، حتّى يسمع كلام الله فإن تبعكم ، فأخوكم في الدين ، وإن أبىٰ فابلغوه مأمنه ، واستعينوا بالله»(١).

و عنه (عليه السلام) أيضاً أنّه قال :

إنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزّ وجل في خاصّة نفسه ، ثمّ في أصحابه عامّة ، ثم يقول :

اُغز باسم الله ، وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولاتمثّلوا ، ولا تقتلوا وليداً ، ولا متبتّلاً في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٤٣.

٥١٣
 &

ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه. ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه إلّا ما لابدّ لكم من أكله ، و إذا لقيتم عدوّاً للمسلمين فادعوهم... الخ الحديث»(١).

بل ونصّ بعض الفقهاء على أنّ المرأة لا تقتل حتّى لو كانت تعاون الأعداء ، لأنّ النساء مستضعفات غالباً ، وهنّ يرغمن على القيام بمثل هذا التعاون إرغاماً.

قال المحقّق الحلّي في المختصر النافع :

«ولا تقتل نساؤهم ولو عاونّ إلّا مع الإضطرار»(٢).

وهذا يجسّد منتهى الرحمة والإنسانية التي يتحلّى بها الدين الإسلامي.

وقد جاء في غزوة بدر انّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) :

يا رسول الله دعني أنزع (أقلع) ثنيّتي سهيل بن عمرو ، ويدلع لسانه (وكان سهيل خطيباً يهرّج ضد النبي) فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) :

«لا اُمثّل به فيمثّل الله بي و إن كنت نبيّاً»(٣).

إنّ المقارنة بين هذه التعاليم والمواقف الإسلامية والجنايات والجرائم الوحشية التي ارتكبتها الدول الكبرى في مستعمراتها كالجزائر وفيتنام وغيرهما ، توقفنا على إنسانيّة الدين الإسلامي ورحمته في الحرب.

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١١ ص ٤٤.

(٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد ص ١١٢ طبع القاهرة .

(٣) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦٤٢.

٥١٤
 &

٣ ـ منع ممارسة الأساليب الوحشية

إنّ الإسلام يحرّم إهلاك العدو بالطرق غير الإنسانية مثل إلقاء السم في الماء أو قطعه عنهم ، أو إرساله على مُخيّمهم لغرقهم ، أو حرقهم بالنار.

وفي ذلك يقول المحقّق الحلّي في المختصر النافع :

«و يجوز المحاربة بكل ما يرجى به الفتح...»(١).

ثمّ قال :

«ويكره بإلقاء النار ، و يحرم بإلقاء السم»(٢).

وقال العلّامة الحلّي في تبصرة المتعلّمين :

«و يجوز المحاربة بسائر أنواع الحرب ، إلّا إلقاء السم في بلادهم»(٣).

ثمّ ها هو الإمام علي (عليه السلام) في صفّين بعد الإستيلاء على الشريعة لايمنع جيش معاوية عن الماء ، و إن كان معاوية قد فعل ذلك من قبل(٤).

إلى هذه الدرجة الرفيعة من الرحمة والشفقة تبلغ رحمة الإسلام ، بينما لا تتورّع الدول الكبرى عن قصف الشعوب المقهورة بقنابل النابالم ، وغيرها من الوسائل والأدوات الحربية الفتّاكة المروّعة.

ومن الذي لايمكن أن ينسىٰ ما فعلته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية حينما قصفت هيروشيما ، وناكازاكي بالقنابل الذرية ، فأبادت ما يقارب نصف مليون ، وحذف ذينك البلدين من الخريطة الجغرافية بحجّة التعجيل في إنهاء الحرب ، كما قال ترومن رئيس الجمهورية الأمريكي الأسبق عام ١٩٤٥م ؟

__________________

(١) و (٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٣) تبصرة المتعلّمين : كتاب الجهاد ص ٨١.

(٤) راجع وقعة صفين لابن مزاحم : ص ١٦٦ ـ ١٦٧ (طبعة مصر).

٥١٥
 &

٤ ـ أمان الكفّار

إنّ الإسلام ـ بحكم كونه رسالة إلهية ودعوة سماويّة لهداية الإنسان ـ يحرص على دخول الأفراد في صفوف أتباعه ، والإنضواء تحت لوائه عن رغبة و إرادة.

ولتحقيق هذا الهدف الأسمى نجد الإسلام يسمح بإعطاء الأمان لكلّ من يطلب ذلك من الكفّار لكي يسمع منطق الإسلام ، و يتعرّف على تعاليمه ، سواء كان ذلك عند نشوب الحرب ، أو في غير الحرب.

بل إنّ الإسلام يعطي الحق لكلّ مسلم أن يمنح الأمان لمن شاء ، ولو كان لغير الهدف المذكور.

قال المحقّق الحلّي في الشرائع :

«و يجوز أن يذم الواحد من المسلمين لآحاد من أهل الحرب»(١).

و قال في المختصر النافع :

«و يذم الواحد من المسلمين للواحد ، و يمضي ذمامه على الجماعة و لو كان أدونهم»(٢).

ثمّ إنّ ما يدلّ على مدى عناية الإسلام و حرصه على الدماء أنّه يجير حتّى من دخل في حوزة المسلمين بشبهة الأمان و ظنّه فهو مأمون حتّى يرد إلى مأمنه دون أن يصيبه أذى.

قال المحقّق في الشرائع :

«و كذا كلّ حربي دخل في دار الإسلام بشبهة الأمان كان يسمع لفظاً فيعتقده أماناً ، أو يصحب رفقة فيتوهّمها أماناً»(٣).

__________________

(١) شرائع الإسلام ، كتاب الجهاد في الذمام ، و راجع الجواهر ج ٢١ ص ٩٦.

(٢) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٣) الشرائع ، كتاب الجهاد ج ١ ص ٣١٣ ـ ٣١٤.

٥١٦
 &

و قال في المختصر النافع :

«و من دخل بشبهة الأمان فهو آمن حتّى يردّ إلى مأمنه»(١).

و تدلّ على هذا أحاديث منها عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال :

«لو أنّ قوماً حاصروا مدينة فسألوهم الأمان ، فقالوا : لا ، فظنّوا انّهم قالوا : نعم ، فنزلوا إليهم كانوا آمنين»(٢).

ومن مظاهر العدل والمساواة انّ الإسلام يجيز أمان العبد المسلم كما يجيز أمان الحر المسلم سواء بسواء.

ويدلّ على هذا الحكم الإسلامي العظيم روايات عديدة منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا سأله السكوني عن معنى قول النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «يسعى بذمّتهم أدناهم» قال (عليه السلام) :

«لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل ، فقال : اعطوني الأمان حتّى ألقى صاحبكم واُناظره فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به»(٣).

وعن الصادق (عليه السلام) أيضاً أنّه قال :

إنّ عليّاً (عليه السلام) أجاز أمان عبد مملوك لأهل حصن من الحصون وقال :

«هو من المؤمنين»(٤).

ولقد روى الجزري في تاريخه الكامل : «إنّ المسلمين نزلوا بجنديسابور فأقاموا عليها يقاتلونهم ، فرمي إلى من بها من عسكر المسلمين بالأمان. فلم يفجأ المسلمين إلّا وقد فتحت أبوابها ، وأخرجوا أسواقهم ، وخرج أهلها ، فسألهم المسلمون ، فقالوا : رميتم بالأمان ، فقبلناه ، وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا.

__________________

(١) المختصر النافع ، كتاب الجهاد : ص ١١٢.

(٢) وسائل الشيعة ج ١٥ ص ٥٠.

(٣) و (٤) وسائل الشيعة ج ١٥ ص ٤٩ و ٥٠.

٥١٧
 &

فقال المسلمون : ما فعلنا... .

وسأل المسلمون فيما بينهم ، فإذا عبد يدعىٰ «مكثفاً» كان أصله منها ، فعل هذا.

فقالوا : هو عبد.

فقال أهلها : لا نعرف العبد من الحر ، وقد قبلنا الجزية ، وما بدّلنا ، فان شئتم فاغدروا. فكتبوا لعمر فأجاز أمانهم ، فأمّنوهم وانصرفوا عنهم»(١).

وهذا هو نموذج واحد من سلوك المسلمين في هذا المجال يجد نظائره كل من راجع التاريخ الإسلامي.

__________________

(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري ج ٢ ص ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

٥١٨
 &

(١٣) واقعة الغدير

لا شك في انّ الدين الإسلامي دين عالمي ، وشريعة خاتمة ، وقد كانت قيادة الاُمّة الإسلامية من شؤون النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مادام على قيد الحياة ، وطبع الحال يقتضي أن يوكل مقام القيادة من بعده إلى أفضل أفراد الاُمّة وأكملهم.

إنّ في هذه المسألة وهي أنّ منصب القيادة بعد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) هل هو منصب تنصيصي تعييني أو أنّه منصب انتخابي ؟ اتّجاهين :

فالشيعة ترى أنّ مقام القيادة منصب تنصيصي ، ولابد أن ينصّ على خليفة النبي من السماء ، بينما يرى أهل السنّة أنّ هذا المنصب انتخابي جمهوري ، أي أنّ على الأمّة أن تقوم بعد النبي باختيار فرد من أفرادها لإدارة البلاد.

إنّ لكل من الاتّجاهين المذكورين دلائل ، ذكرها أصحابهما في الكتب العقائدية ، إلّا أنّ ما يمكن طرحه هنا هو تقييم ودراسة المسألة في ضوء دراسة وتقييم الظروف السائدة في عصر الرسالة ، فانّ هذه الدراسة كفيلة باثبات صحّة أحد الاتّجاهين.

إنّ تقييم الأوضاع السياسية داخل المنطقة الاسلامية وخارجها في عصر الرسالة يقضي بأنّ خليفة النبي لابد أن يعيَّن من جانب الله تعالى ، ولا يصحّ أن يوكل هذا إلى الأمّة ، فانّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي (الروم ـ الفرس ـ المنافقين) بشنّ الهجوم الكاسح ، وإلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين.

كما أنّ مصالح الأمّة كانت توجب أن يوحّد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي ، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده ، وبذلك يسد الطريق على

٥١٩
 &

نفوذ العدو في جسم الاُمّة الإسلامية والسيطرة عليها ، وعلى مصيرها.

وإليك بيان وتوضيح هذا المطلب :

لقد كانت الامبراطورية الرومانية أحد أضلاع الخطر المثلث الذي يحيط بالكيان الإسلامي ، ويهدّده من الخارج والداخل.

وكانت هذه القوة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية ، وكانت تشغل بال النبي القائد على الدوام ، حتى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتى لحظة الوفاة ، والالتحاق بالرفيق الأعلى.

وكانت أول مواجهة عسكرية بين المسلمين ، والجيش المسيحي الرومي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين ، وقد أدّت هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبد الله بن حارثة».

ولقد تسبّب انسحاب الجيش الإسلامى بعد مقتل القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي ، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في السنة التاسعة للهجرة على رأس جيش كبير جداً إلى حدود الشام ليقود بنفسه أيّة مواجهة عسكرية ، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد هيبته الغابرة ، ويجدد حياته السياسية.

غير انّ هذا الانتصار المحدود لم يقنع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فأعدّ قُبيل مرضه جيشاً كبيراً من المسلمين ، وأمّر عليهم «اُسامة بن زيد» ، وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام ، والحضور في تلك الجبهة.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدد الكيان الإسلامي ، فكان

٥٢٠