مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

و كان أكثر المؤمنين يريدون مواجهة العير دون النفير ، مواجهة غير ذات الشوكة ، حتّى يكسبوا الأموال و يجمعوا الغنائم. و إليه يشير قوله سبحانه : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّـهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الأنفال / ٧ ـ ٨).

و قد عرفت أنّ النّبي قال لهم : «إنّ الله تعالىٰ قد وعدني إحدى الطائفتين» و لكنّ إرادة الله سبحانه غلبت على إرادتهم فالتقوا بالنفير دون العير ، لما في ذلك من إظهار للحق ، و اعزاز للإسلام ، و استئصال للكافرين ، و إبطال للباطل.

إنتقال الرسول إلى مكان قريب من بدر

و لمّا وقف الرّسول على أنّ الأنصار مستعدّون للحرب و القتال ، و أنّ حربهم و قتالهم عن رغبة و رضى ، ارتحل الرّسول من «ذفران» و قطع منازل حتّى نزل قريباً من «وادي بدر» ، فركب هو (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و رجل من أصحابه يتعرّفان أخبار قريش ، فوقف (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على شيخ في المنطقة ، فسأله عن قريش و عن محمّد و أصحابه.

قال الشيخ : إنّه بلغني أنّ محمّداً و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا ، فإن كان الذّي أخبرني صدق ، فهم اليوم بمكان كذا و كذا (فسمّىٰ المكان الّذي به رسول الله) ، و بلغني أنّ قريشاً خرجوا يوم كذا و كذا ، فإن كان الّذي أخبرني صدق ، فهم اليوم في مكان كذا و كذا (فسمّى المكان الّذي فيه قريش) ؛ ثم انصرف. فلمّا أمسى بعث علي بن أبي طالب مع غيره يلتمسون الخبر له ، فأصابوا راوية(١) لقريش ، و عليها غلامان لهم ، فأتوا بهما فسألوهما ، فقالا : نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء و هؤلاء وراء هذا الكثيب ؛ فقال لهما رسول الله : كم القوم ؟ قالا : كثير ، قال : ما

__________________

(١) الإبل التي يستقى عليها الماء.

٣٢١
 &

عدّتهم ؟ قالا : لاندري ، قال : كم ينحرون كل اليوم ؟ قالا : يوماً تسعاً و يوماً عشراً ، فقال رسول الله : القوم بين التسعمائة و الألف. ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ فسمّوا أسماء عدّة منهم ، فأقبل رسول الله على النّاس ، فقال : هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.

و لم يكتف النّبي بما وصل اليه من الأخبار ، فأرسل بعض أصحابه حتّى نزل بدراً ، فأناخ إلى تل قريب من الماء ، ثمّ أخذ زقّاً يستقي فيه ، فسمع جاريتين تتنازعان في دين عند «مجدي بن عمرو الجهني» شيخ القبيلة ، فقالت إحداهما للاُخرى : عندما تأتي العير غداً أو بعد غد ، فأعمل لهم ، ثمّ أقضي الّذي لك ، فقال مجدي : صدقت : ثّم خلص بينهما. فرجع إلى النبي ، فأخبره بما سمع ، فأذعن النّبي بأنّ موضع العدو قريب وهم وراء الكثيب.

نزول النبي في وادي بدر

لمّا كانت قلب المياه في بدر ، أسرع النبي بالسير حتّى ينزل ببدر في العدوة الدنيا ، فمضى و كان الوادي ليّناً و لكن قليل الرمل ، و جاءت الأمطار فلبّدت الأرض للنّبي و أصحابه و لم يمنعهم عن السير ، و لكن أصاب قريشاً من المطر مالم يقدروا على أن يرتحلوا معه ، فخرج رسول الله يبادرهم إلى الماء ، حتّى إذا جاء أدنى ماء من بدر ، نزل به.

ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) به : أشيروا عليّ في المنزل. فقال الحبّاب بن المنذر : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله ، فليس لنا أن نتقدّمه و لا نتأخّر عنه ، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة ؟ قال : بل هو الرأي و الحرب و المكيدة. قال : فإنّ هذا ليس بمنزل انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم ، فإنّي عالم بها و بقلبها ، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه ، و ماء كثير لا ينزح ، ثم نبني عليها حوضاً و نقذف فيه الآنية فنشرب و نقاتل ، و نغور ماسواها من القلب.

٣٢٢
 &

فقال رسول الله : يا حبّاب أشرت بالرأي ، و بادر القوم إلى الماء حتّى إذا وصلوا إلى ما يريدون نزلوا فيه. ثم أمر بالقلب فغورت ، و بنى حوضاً على القليب الّذي نزل عليه ، فملىٔ ماء ثمّ قذفوا فيه الآنية(١).

بناء العريش

فلمّا استقرّ لهم المكان إقترح سعد بن معاذ على النّبي ، فقال : يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه و نعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا ، فإن أعزّنا الله و أظهرنا على عدوّنا ، كان ذلك ما أحببنا ، و إن كانت الاُخرى ، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا ، فقد تخلّف عنك أقوام ، يا نبي الله ، ما نحن بأشدّ لك حبّاً منهم ، و لو ظنّوا انّك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك ، يمنعك الله بهم ، يناصحونك و يجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خيراً ، و دعا له بخير ، ثم بنى لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عريش ، فكان فيه(٢).

تعليق على تغوير القلب و بناء العريش

هذا ما تذكره كتب السيرة ، و لكن للنظر في كلا الأمرين المذكورين مجالاً ، أمّا تغوير القلب و طمّها ، فهو لا يناسب شأن النبي الأكرم ، فقد كان (صلّى الله عليه و آله) يوصي قادة سراياه عند ما كان يبعثها باُمور ، و يقول : سيروا باسم الله و بالله ، و في سبيل الله ، و على ملّة رسول الله ، لا تغلو ، و لا تمثّلوا ، و لا تغدروا ، و لا تقتلوا شيخاً فانياً ، و لا صبيّاً ، و لا امرأة ، و لا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها.

وفي رواية اُخرى : و لا تحرقوا النخل ، و لا تغرقوه بالماء ، و لا تقطعوا شجرة مثمرة ، و لا تحرقوا زرعاً ، لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه(٣).

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ١ ص ٦٢٠ ، مغازي الواقدي ج ١ ص ٥٣.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٦٢٠ ـ ٦٢١.

(٣) الوسائل ج ١١ الباب ٥ من أبواب جهاد العدو ، الحديث ٢ و ٣.

٣٢٣
 &

فإنّ من يمنع من قطع الشجرة أولى بأن يمنع من طمّ القلب الّتي حفرها رجال الخير لأجل سقاية القوافل الّتي كانت تمرّ من هذا الطريق.

و قد أشار بعض أصحابه في غزوة خيبر أن يمنع جريان الماء إلى قلاع خيبر ، فأبى(١). و قد كانت هذه سيرة وصيّة أميرالمومنين فإنّه ـ صلوات الله عليه ـ ورد صفّين و قد سيطر أصحاب معاوية على الشريعة ، فمنعوا أصحاب علي من الإستقاء ، حتّى أصابهم العطش و ضاق الأمر عليهم ، فلم يكن بد من فتح طريق الماء على أصحابه ، فحمل حملة خاطفة مع لفيف من أصحابه على الشريعة فأزال جيش معاوية عنها ، فلمّا إستولى عليها اقترح عليه بعض أصحابه أن يعتدي عليهم بالمثل ، فأبى ، و قال ـ مخاطباً لعسكره ـ : خذوا من الماء حاجتكم و ارجعوا الى عسكركم و خلّوا بينهم و بين الماء ، فإنّ الله قد نصركم ببغيهم و ظلمهم(٢).

و أمّا بناء العريش للنّبي الأكرم ، فهو بمعزل من الصّحة ، فإنّ قبوله أمام أصحابه الّذين يضحّون بنفسهم ونفيسهم يثبّط من عزائمهم ، و يخفّف من مثابرتهم ، فإنّهم إذا رأوا باُمّ أعينهم أنّ سيّدهم على حالة إذا رأى بوادر الهزيمة فسيجلس على الركائب و ينجي نفسه و يترك أصحابه تحت رحمة عدوّهم ، فلربّما يشكّون في صحّة دعوته و نبوّته ، فلا يصدر مثل ذلك الاقتراح من سيد مثل سعد بن معاذ المعروف بالعقل و الحنكة ، و لو صدر منه ـ على وجه بعيد ـ فلن يقبله النّبي الأكرم الّذي يصفه علي (عليه السلام) بقوله : «كان أقرب الناس إلى العدوّ ، و كنّا إذا احمر البأس إتّقينا برسول الله»(٣).

__________________

(١) ناسخ التواريخ ج ٢ ص ٤٠٠.

(٢) وقعة صفّين ص ١٨٠.

(٣) نهج البلاغة : قسم غريب كلامه برقم ٩.

٣٢٤
 &

إرتحال قريش من مقامهم و نزولهم وادي بدر

قد تعرّفت على أنّ النبي الأكرم قد أسرع في الارتحال و استقرّ في وادي بدر قبل أن ينزل العدو من وراء الكثيب ، فارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت ، فلمّا رأى رسول الله نزولهم إلى الوادي قال : «اللّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادك و تكذّب رسولك ، اللّهمّ فنصرك الّذي وعدتني ، اللّهمّ أحنهم(١) الغداة»(٢).

و قال الواقدي : و كان أوّل من طلع زمعة بن الأسود على فرس له ، يتبعه ابنه ، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوّأ للقوم منزلاً ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : اللّهمّ إنّك أنزلت عليّ الكتاب و أمرتني بالقتال ، و وعدتني إحدى الطائفتين ، و أنت لاتخلف الميعاد ، اللّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها...(٣).

فلمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي ، فقالوا : أحرز لنا محمداً و أصحابه ، فاستجال بفرسه حول المعسكر ، فصوّب في الوادي و صعد ، يقول : عسى أن يكون لهم مدد أو كمين ، ثمّ رجع فقال : لا مدد و لاكمين ، و القوم ثلاثمائة إن زادوا قليلاً ، و معهم سبعون بعيراً ، و معهم فرسان ، ثم قال : يا معشر قريش ، البلايا(٤) تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة و لاملجأ إلّا سيوفهم ، ألا ترونهم خُرّسا لا يتكلّمون ، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي ، و الله ما أرى أن يُقتل منهم رجل حتّى يقتل منّا رجلاً ، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فماخير في العيش بعد ذلك ، فارتأوا رأيكم(٥).

__________________

(١) أي أهلكهم.

(٢) السيرة النبويّة ج ١ ص ٦٢١.

(٣) مغازي الواقدي ج ١ ص ٢٩.

(٤) البلايا : جمع بليه و هي الناقة.

(٥) السيرة النبويّة ج ١ ص ٦٢٢ ، و المغازي للواقدي ، ج ١ ص ٦٢.

٣٢٥
 &

و لمّا قال الجمحي هذه المقالة أرسلوا أبا اُسامة الجشمي و كان فارساً ، فأطاف بالنّبي و أصحابه ، قال : والله ما رأيت جلداً ، و لا عدداً ، و لا حلقة(١) ، و لاكراعاً ، ولكنّي والله رأيت قوماً لا يريدون أن يعودوا إلى أهليهم ، قوماً مستميتين ليست لهم منعة و لا ملجأ إلّا سيوفهم(٢).

فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فاستدعى منه أن يرجع بالنّاس فلبّى دعوته برحابة ، و أمره بالإنطلاق إلى أبي جهل ، و يستدعي منه نفس ذلك ، فرجع إليه و قال : يا أبا الحكم إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا (أي أن ترجع بالناس و تترك الحرب) ، فقال : «والله لا نرجع حتّى يحكم الله بيننا و بين محمّد. و ما بعتبة ما قال ، و لكنّه قد رأى أنّ محمداً و أصحابه أكلة جزور ، وبين أصحابه ابنه ، فقد تخوّفكم عليه» . و بالتّالي أفسد أبوجهل على النّاس الرأي الّذي دعاهم إليه عتبة ، و جرّهم إلى التهلكة و الدمار.

الشرارة الّتي أشعلت الحرب

كان القوم يتحاورون حول الحرب ، فبين داع إلى ترك الوادي واللحوق بمكّة ، وترك أمر محمّد إلى ذؤبان العرب(٣) ، وبين متردّد يقدّم رجلاً و يؤخّر اُخرى ، ومحرّض يدعو إلى الإقدام والقتال ، فبينما كان القوم على هذه الحالة ، خرج الأسود بن عبدالأسد المخزوفي ، وكان رجلاً سيّئ الخلق ، فقال : اُعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لاُهدِّمنّه أو لأموتنّ دونه ، فلمّا خرج ، خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب ، فلمّا التقيا ، ضربه حمزة فأطار قدمه بنصف ساقه ، و هو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ، ثم حبا إلى الحوض ، حتّى وقع فيه ، يريد أن يبرّ يمينه ، فتبعه حمزة وضربه حتى قتله في الحوض.

__________________

(١) أي سلاحاً.

(٢) المغازي ج ١ ص ٦٢.

(٣) صعاليكهم.

٣٢٦
 &

و هذه الحادثة فرضت الحرب على قريش وأبطلت فكرة الرجوع ، فخرج عتبة ابن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن ربيعة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار. فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : مالنا بكم من حاجة ، ثم نادى مناديهم : يا محمّد ، أخرج إلينا أكفّاءنا من قومنا ، فقال رسول الله : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم ياعلي ، فلمّا قاموا ودنوا منهم. قالوا : من أنتم ؟ قال عبيدة : عبيدة ، وقال حمزة : حمزة ، وقال علي : علي. قالوا : نعم أكفّاء كرام ، فبارز عبيدة ، وكان أسنّ القوم عتبة بن ربيعة ، و بارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز عليّ الوليد بن عتبة ، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، و أمّا علي فلم يمهل الوليد أن قتله ، و اختلف عبيدة و عتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه(١) ، و كرّ حمزة و علي بأسيافهما على عتبة ، فأسرعا قتله ، و احتملا صاحبهما.

ثّم تزاحف النّاس و دنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أصحابه أن لا يحملوا حتّى يأمرهم ، فقال : إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. ثم عدّل رسول الله الصفوف ، و ناشد ربّه وقال : «اللّهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لن تعبد» ثم خرج رسول الله إلى الناس فحرّضهم و قال : والّذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلّا أدخله الله الجنّة.

ثّم إنّ رسول الله أخذ حفنةً من الحصباء فاستقبل قريشاً بها ، ثم قال : شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها. وأمر أصحابه فقال : شدّوا ، فكانت الهزيمة ، فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش ، واُسِر من اُسر من أشرافهم وفرّ من فرّ إلى مكّة.

وكان شعار أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم بدر : أحد ، أحد. فكانت الهزيمة لقريش والنّصر للمسلمين.

*       *      *

__________________

(١) جرحه جراحة لم يقم معها.

٣٢٧
 &

الإعانات الغيبيّة

إنّ غزوة بدر من أعظم غزوات النّبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، وكان انتصاره فيها معجزة غيبيّة تفضّل بها سبحانه على اُمّة محمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حيث التقى في وادي بدر فئتان غير متكافئتين عدداً وعدّة ، ولقد كان عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، كان المشركون بين تسعمائة وألف(١) وعدد المسلمين ثلاثمائة و بضع وعلى قول ثلاثمائة وثلاثة عشر لم يكن لدى المسلمين إلّا فرسان ، وقد تعرّفت على كلمة أبي اُسامة الجشمي رائد القوم (قريش) «... والله مارأيت جلداً ولا عدداً ولا حلقة ولا كراعاً»(٢).

و مع ذلك كلّه ، غلبت هذه الفئة القليلة تلك الفئة الكثيرة ، لقوّة إيمانها وتفانيها دون رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ودينهم ، و في ظل إعانات غيبيّة يذكرها القرآن الكريم ، سيوافيك بيانها.

قال سبحانه : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران / ١٢٣).

نعم ، كانوا أذلّاء ، فصاروا أعزّاء أقوياء بفضله وكرمه. قال سبحانه : (وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون / ٨) فصاروا أعزّاء بعنايات ربّانية ، و إعانات غيبيّة تكفّل الذكر الحكيم ببيانها ونحن نذكرها استلهاماً منه ، وتصل أنواعها إلى ثمانية ، وكان لها الدور الهام في انتصار المسلمين.

__________________

(١) قال الواقدي : «و خرجت قريش بالجيش يتقاذفون بالحراب ، و خرجوا بتسعمائة و خمسين مقاتلاً ، و قادوا مائة فرس ، و كانت الإبل سبعمائة بعير ، و كان أهل الخيل كلّهم دارع و كانوا مائة ، و كان في الرجالة دروع سوى ذلك» المغازي ، ج ١ ص ٣٩.

(٢) المغازي ج ١ ص ٦٢.

٣٢٨
 &

١ ـ إراءة العدو قليلاً في المنام

قد رأى النّبي في المنام وقعة بدر ، وأراه سبحانه عدد العدو قليلاً فيه ليصون المسلمين بذلك عن الفشل والتنازع ، قال سبحانه : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّـهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الأنفال / ٤٣).

إنّ الآية تصرّح بأنّه سبحانه أراهم للنّبي في منامه قليلاً ، وبيّن أنّ سبب ذلك هو منع طروء أمرين بين المسلمين ، أشار إليهما بقوله :

أ ـ (لَّفَشِلْتُمْ)

ب ـ (وَلَتَنَازَعْتُمْ)

والّذي يلزم الفات النظر إليه هو أنّ الله سبحانه ينسب الأمرين إلى المسلمين لا إلى النّبي الأكرم ، وهذا يعرب أنّ إراءة العدو قليلين كان مؤثّراً في عزائم المسلمين لا في عزيمة النّبي الأكرم ، فإنّه (صلوات الله عليه وآله) كان ثابتاً ، قليلين كانوا أم كثيرين ، و إنّما أراهم النّبي قليلاً حتّى ينقل رؤياه إلى المسلمين حسب مارآه ، فتشتدّ عزيمتهم وترتفع معنويّاتهم بظنّ انّ أعدائهم أقلّاء.

٢ ـ إراءة كلّ من الفريقين الآخر قليلاً في بدء الحرب

ومن إعاناته تعالى الغيبيّة أنّه سبحانه أرى كل فريق للفريق الآخر ـ عند إبتداء الحرب ـ قليلاً ، وقد كانت تكمن في ذلك فلسفة انتصار الحق على الباطل وزهوقه ، فأرى المشركين المؤمنين قليلين ، كما أرى المؤمنين للفريق الآخر كذلك ، حتّى انّ أبا جهل قال : خذوا أصحاب محمّد بالأيدي(١).

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٥٤٧.

٣٢٩
 &

إنّما أرى المشركين المؤمنين قليلين ، حتّى لا يورث ذلك رُعبا ووحشة في قلوبهم ، وقد مرّ في الاعانة الاُولى أنّه سبحانه فعل ذلك دفعاً للفشل والتّنازع.

و إنّما أرى المؤمنين للمشركين قليلين لئلّا يتأهّبوا و يستشرسوا في القتال ، ويتخيّلوا أنّهم لا يحتاجون في دفع عدوّهم إلى بذل جهد كبير.

قال سبحانه مشيراً إلى ذلك بقوله : (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّـهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (الأنفال / ٤٤) و حاصل الآية أنّه سبحانه قلّل الفريقين في عين الآخر ، ولولا ذلك لانتهى الأمر إلى فشل المسلمين أو إلى فرار العدوّ من المعركة ، بحفظ أنفسهم. وقد تعلّقت مشيئته بإبادتهم.

٣ ـ إراءة المشركين كثرة المؤمنين أثناء القتال

و هناك إعانة غيبيّة ثالثة وهي أنّه سبحانه أرىٰ المؤمنين للمشركين في أثناء القتال كثيرين ، على خلاف ما أراهم إيّاه عند إبتداء القتال.

إنّ المصلحة قد اقتضت أن يُري سبحانه المؤمنين للعدو كثيرين على خلاف ما أراهم عند أوّل الحرب و ذلك حتّى يتخيّل العدو أنّه وصل إلى المسلمين مددٌ كانوا بعيدين عن المعركة حتّى تتزعزع بذلك معنويّاتهم و يتقهقروا عن ميدان المعركة بعد ما فتك بهم المسلمون بقتل كثيرين منهم و أسر آخرين.

قال سبحانه : (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) (آل عمران / ١٣).

اُنظر إلى قوله سبحانه : (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) فإنّ هذه الجملة ناظرة إلى أثناء الحرب ، وماورد في الإعانة الغيبيّة الثانية ناظر إلى أوّل الحرب.

٣٣٠
 &

٤ ـ استغاثة المسلمين و نزول الملائكة

إنّ النّبي لمّا نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين استقبل القبلة ، وقال : اللّهم أنجز لي ما وعدتني ، اللّهم إن تهلك هذه العصابة ، لا تعبد في الأرض. فمازال يهتف ربّه مادّاً ييديه حتّى سقط رداؤه من منكبيه ، فأنزل الله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال / ٩ و ١٠).

لعلّ معنى قوله : (وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ) إنّه سبحانه جعل الإمداد بالملائكة بشرى للمسلمين بالنّصر ولتسكن به قلوبهم و تزول الوسوسة عنها ، و إلّا فملك واحد كاف للتدمير.

أو لعلّ معناها : انّ الإمداد بالملائكة إمداد بالسبب والنصر الحقيقي من جانب المسبّب وهو الله العزيز الحكيم ، وليس للسبب أصالة ولا استقلال(١).

ثمّ إنّه سبحانه جعل عدد الملائكة في هذه الآية ألفاً ، مع أنّه سبحانه أمدّ المسلمين ـ حسب آية اُخرى ـ بثلاثة آلاف كما في قوله : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران / ١٢٤ ـ ١٢٦).

و لكنّ الاختلاف يرتفع بالإمعان بما في ذيل الآية التّاسعة من سورة الأنفال حيث قال : (بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) أي مردفين بملائكة اُخرى ، كما يقال أردفت زيداً خلفي ، فيكون المفعول الثاني محذوفاً ، فلو كان عدد الملائكة الاُخرى ألفين ، يصير المجموع ثلاثة آلاف.

__________________

(١) و قد تكرّر مضمون الآية في سورة آل عمران ، الآية ١٢٦.

٣٣١
 &

و هناك وجه آخر لرفع الاختلاف وهو أنّ هذا العدد (ثلاثة آلاف) جاء في كلام النّبي عند مخاطبة المسلمين حيث قال : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ) وأمّا عدد الألف فقد جاء في كلامه سبحانه و وعده حيث قال : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ).

والجمع بين الآيتين بأنّه كان في ضمير النّبي أنّه سبحانه ينزّل ثلاثة آلاف ، ولكنّه سبحانه نزّل ألفاً منهم ، وما ذلك إلّا لأنّ الملائكة لم يقتحموا المعركة اِلَّا بشكلٍ جزئي كما سيوافيك ، وكان الوعد والعمل به لأجل تثبيتهم و إزالة الوسوسة عنهم.

و أمّا عدد الخمسة آلاف فلم يكن إلّا وعداً مشروطاً بأنّ المؤمنين لو صبروا على الجهاد واتّقوا معاصي الله ومخالفة الرسول ورجع المشركون إليهم فوراً ، فالله سبحانه يمددهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين أي معلَّمين.

٥ ـ الإمداد بالنعاس

إنّ الإنسان لا يأخذه النوم في حال الخوف ، وقد قيل : الخوف مسهر والأمن منوّم ، فاللّه سبحانه أمدّهم بالنّعاس وهو أوّل النوم قبل أن يثقل ، فقوّاهم ـ بالإستراحة ـ على قتال العدو.

٦ ـ الإمداد بنزول المطر

وقد أصابهم المطر ـ وكانوا أحوج شئ إليه فطهّروا به أبدانهم واغتسلوا من الجنابة ، وزادهم قوّة قلب وسكون نفس وثقة بالنّصر ، وثبّت أقدامهم في الحرب بتلبّد الرّمل.

وإلى الإمدادين : الخامس والسادس يشير قوله سبحانه : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ(١)

__________________

(١) و هو الجنابة.

٣٣٢
 &

وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (الأنفال / ١١).

فإلى فائدة الإمداد بالنّعاس أشار بقوله : (أَمَنَةً مِّنْهُ).

و إلى فوائد نزول المطر المختلفة أشار بقوله :

١ ـ (يُطَهِّرَكُم) ٢ ـ (يُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) ٣ ـ (وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ) ٤ ـ (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ).

٧ ـ الإمداد بتثبيت أقدام المؤمنين

و قد كان لنزول الملائكة فائدة اُخرى ، وهي تثبيت أقدام المؤمنين في ميدان الحرب لئلّا تزلّ أقدامهم عند هجوم العدو ، و كانت ساحة القتال رملاً.

٨ ـ الإمداد بإلقاء الرّعب في قلوب المشركين

و قد أمدّهم سبحانه بإلقاء الرّعب في قلوب الكافرين.

يقول سبحان مشيراً إلى الإمدادين : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال / ١٢).

والمراد من «فَوقَ الأعناق» هي الرؤوس ، لأنّها فوق الأعناق ، كما أنّ المراد من قوله : «كُلَّ بَنَان» ، أطراف الأصابع ، و لعلّه سبحانه اكتفى به عن جملة اليد و الرّجل.

وأمّا الخطاب ، فيحتمل أن يكون للملائكة ، كما استظهره أكثر المفسّرين ، أو للمؤمنين كما هو الظّاهر ، لما عرفت من أنّ الملائكة لم يقتحموا المعركة ، و إنّما كان نزولهم لأجل تثبيت القلوب.

و أمّا وجه إذلاله سبحانه قريشاً ، و أعزازه المؤمنين ، فقد بيّنه في قوله : (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ

٣٣٣
 &

وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) (الأنفال / ١٣ و ١٤).

هذه مجموعة الإعانات الغيبيّة التّي شملت المسلمين ، وقد تعلّقت مشيئته سبحانه بإختصاص الإعانات الربّانيّة بالمؤمنين ، والوساوس الشيطانيّة بالمشركين ، فقد ظهر الشيطان ، وتجسّم للكافرين يوم بدر ، وزيّن لهم أعمالهم وخروجهم بطراً ورئاء النّاس ، ثمّ قال لهم بأنّه لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم ، وقوّتكم ، وأنا ناصر لكم ، ودافع عنكم السوء ، ولمّا التقت الفرقتان ، رجع العدو القهقرى منهزماً ، لأنه رأىٰ عناية الله سبحانه بالمسلمين.

و إلى ذلك يشير قوله سبحانه : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ وَاللَّـهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال / ٤٨).

و قد علّل الشيطان تقهقره بأمرين :

الأوّل : إنّه يرى ما لا تراه قريش أعني الملائكة الّذين جاءوا لنصرة المؤمنين.

الثّاني : إنّه يخاف الله.

إختلافهم في الفيء

إنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أمر بما في العسكر ، ممّا جمع النّاس ، فجُمع ، فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه : هو لنا ، وقال الّذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه : والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم ، وقال الّذين يحرسون رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : والله ما أنتم بأحق به منّا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم ، و قد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ، فخفنا على رسول الله كرّة العدو ، فقمنا دونه ، فما أنتم بأحقّ به منّا.

كان الأولى بالمسلمين أن يفوّضوا أمر الفيء إلى الرّسول أخذاً بالتسليم الّذي

٣٣٤
 &

أمر به المسلمون.

سُئل عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا أصحابَ بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل ، و ساءت أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، وقال : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (الأنفال / ١)(١).

و روي عن ابن عباس أنّ سبب سؤالهم هو أنّ النّبي قال يوم بدر : من جاء بكذا ، فله كذا ، ومن جاء بأسير ، فله كذا ، فتسارع الشبّان ، وبقي الشيوخ تحت الراية ، فلمّا انقضت الحرب طلب الشبّان ما كان قد نفلهم النّبي به ، فقال الشيوخ : كنّا ردءاً لكم ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا ، وجرى بين أبي اليسر وبين سعد بن معاذ كلام ، فنزع الله تعالى الغنائم منهم(٢).

ما معنى الأنفال في الآية ؟

الأنفال جمع نفل ، وهو بمعنى الزيادة ، ولو اطلقت على الرواتب من الصلوات وغيرها فلأجل أنّها زيادة على الفريضة ، و ربّما تستعمل في العطيّة ، ولعلّ المعنيين متقاربان.

و قد اُطلق هذا اللّفظ في الآية واُريد منه غنائم الحرب ، فيكون مساوياً لقوله سبحانه : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّـهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال / ٤١) والآيتان نزلتا في غزوة بدر ، و سيوافيك الجمع بين مضمونيهما ، حيث جعلت الاُولى الأنفال لله. والثّانية خصّت الخمس منها لله وللرّسول ولذي القربى ، والطوائف الثلاث الاُخرى ، فانتظر.

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٦٤١ ـ ٦٤٢.

(٢) مجمع البيان ، ج ٢ ص ٥١٨.

٣٣٥
 &

وأمّا الغنائم التّي يحصل عليها النّبي عن غير طريق الحرب ، أي بلا إيجاف عليه بخيل ، ولا ركاب ، فيطلق عليها الفيء ، قال سبحانه : (وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر / ٦ و ٧).

و قد نزلت الآيتان في أموال كفّار أهل القرى ، وهم بنو النضير و بنو قريظة قرب المدينة ، وفدك. وقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم بني النضير للأنصار : إن شئتم قسّمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم ، وتشاركونهم في هذه الغنيمة ، و إن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسّم لكم شيء من الغنيمة ، فقال الأنصار : بل نقسّم لهم من أموالنا و ديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ، ولا نشاركهم فيها ، وفيهم نزل قوله سبحانه : (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر / ٩).

نعم ربّما تطلق الأنفال و يراد منها غير غنائم الحرب بل معنى يرادف الفيء ، أو شيئاً أوسع منه ، قال الإمام الصادق : «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (الفيء) ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة ، وبطون الأودية ، فهو لرسول الله ، وللإمام من بعده يضعه حيث يشاء».

وبذلك يعلم أنّ الأنفال بما أنّ له معنى وسيعاً ، يطلق على غنائم الحرب تارة ، وعلى ما يحصل عليه النّبي من غير إيجاف بخيل ولا ركاب ، وثالثاً على معنى أوسع يشمل على بطون الأودية ، و رؤوس الجبال ممّا ورد في الروايات.

٣٣٦
 &

الجمع بين مفاد الآيتين

إنّ الآيتين : (قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَ...).

نزلتا في غزوة بدر ، فعلى ضوء ذلك يكون المراد من الأنفال هو غنائم الحرب ، وقد جعله في الآية الاُولىٰ لله وللرّسول ، وفي الآية الثانية للمسلمين إلّا الخمس ، فخصّه لله والرسول و ذي القربى والطوائف الثلاث الباقية ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فهل الآية الثانية ناسخة للاُولىٰ أو لا ؟

و الجواب انّه لا تنافي بين الآيتين حتّى تكون الثانية ناسخة للاُولى ، فانّها لا تفيد إلّا كون أصل ملكها لله وللرّسول من دون أن تتعرّض لكيفيّة التصرّف و جواز الأكل و التمتّع ، وأمّا الآية الثانية فهو يبيّن كيفيّة التصرّف والأكل والتمتع ، وتكون الثانية مبيّنة للاُولى. فأصل الملك في الغنيمة لله والرّسول ، ثمّ ترجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين به يمتلكونها ، ويرجع خمس منها إلى الله والرّسول وذي القربى وغيرهم(١).

وبعبارة اُخرى : انّ أمرها مفوّض إلى الله ورسوله ، ثمّ بيّن سبحانه مصارفها ، وكيفيّة قسمتها في آية الخمس ، ثمّ إنّ التعبير عن الغنائم بالأنفال التّي هي بمعنى الزيادات ، لأجل الإشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه ، كأنّه قيل يسألونك عن الغنائم ، وهي زيادات لا مالك لها بين النّاس ، و إذا كان كذلك ، فأجبهم بحكم الزيادات والأنفال ، و قل الأنفال لله والرّسول ، ومنها الغنيمة ، فهي لله والرّسول بالذات ، و إنّما يتمتّع بها المسلمون ، حسب ماورد في الآية الثانية.

ثمّ إنّ اللام في قوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ) و إن كانت للعهد ، تشير إلى غنائم الحرب ، لكنّها في قوله : (قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ) للجنس ، وعليه فكل ما يعدّ زيادة ، فهو لهما بالذات من غير فرق بين غنائم الحرب ، أو ما حصل عليه

__________________

(١) الوسائل ج ٦ كتاب الخمس الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث ١ ص ٣٦٤.

٣٣٧
 &

بغير خيل ولا ركاب ، أو ليس له مالك خاص ، فالأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية ، والقرى البائدة ، ورؤوس الجبال ، و بطون الأودية ، وقطائع الملوك ، وتركة من لا وارث له.

نعم يقسّم قسم خاص من الأنفال بين المقاتلين ، وهو ما أوجفوا عليه بخيل و ركاب ، دون الباقي ، وتفصيل الكلام في الفقه.

أخذ الأسرى قبل الدعم والاستقرار

أمر رسول الله بقتل أسيرين أعني النضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط لأعمالهما الإجرامية في مكّة قبل الهجرة و بعدها ، فخافت الأنصار أن يقتل الأسرى ، فقالوا يا رسول الله : قتلنا سبعين وهم قومك واُسرتك أتجذّ أصلهم ؟ فخذ يا رسول الله منهم الفداء. و قد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش ، ولمّا طلبوه و سألوه ، نزل قوله سبحانه : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنفال / ٦٧ ـ ٦٩).

إنّ الاثخان في الأرض عبارة عن التغليظ. يقال : ثخن الشيء فهو ثخيين إذا غلظ فلم يسل ، فكنّي به عن استقرار دينه بين الناس كاستقرار الشيء الغليظ المنجمد الثابت بعدما كان رقيقاً سائلاً مخشيّ الزوال بالسيلان ، فالآية تحرّم أخذ الأسرى ، قبل أن يستقر للمسلمين أمرهم ، ويعرب عن أنّ الهدف من الأمر بقتل الأسرىٰ ، وعدم أخذ الفداء ، لأجل انّ في اطلاق سراحهم قبل الاستقرار مظنّة إجتماعهم ، وتكاثفهم ، ووثوبهم على النّبي ، والمسلمين من جديد ، فيجب إبادتهم واستئصالهم إلى حد الإثخان الذّي لا يخاف معه عن توثّبهم وتكاثفهم مرّة اُخرى.

إنّ اتخاذ الأسرى إنّما يكون خيراً ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظهور والغلب لأهل الحق والعدل ، ولولاه لانقلب شرّاً ، والّذين يقترحون أخذ الأسرى ،

٣٣٨
 &

يريدون عرض الدنيا ، أعني المال الّذي يأخذونه من الأسرى فداء لهم ، والله يريد ثواب الآخرة الباقي.

والعتاب خاص بالصحابة والمسلمون الأوائل دون النبيّ ، بشهادة تغيّر لحن الكلام حيث ابتدأه بقوله : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ) وانتهى بالخطاب للمسلمين (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) ، والخطاب خاص بهم لا يشمل النّبي ، وحاشا نبيّ العظمة أن يريد عرض الدّنيا.

ومن رديء الكلام ، ما في تفسير المراغي وغيره ، من أنّه سبحانه عاتبهم على ما فعلوا بعد بيان سنّة النبيين كما عاتب رسوله(١).

والآية تعرب أنّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضيين هي أنّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم ، وظفروا بهم ينكّلونهم بالقتل لكي يضعفوا أوّلاً ، ويعتبر بهم مَنْ وراءهم ، فيكفّوا عن محادّة الله ورسوله ، فكانوا لا يأخذون أسرىٰ حتّى يثخنوا في الأرض ، و يستقرّ دينهم بين النّاس ، وأمّا مسألة المنّ أو الفداء ، فإنّما هو بعدما علا أمر الإسلام ، واستقرّ في الحجاز واليمن : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (محمد / ٤) ، فحكم الأسرى قبل الاثخان هو القتل ، و أمّا بعده ، فالحكم هو شدّهم في الحبال ، وسوقهم على الأقدام حتّى يتعامل معهم بأحد الأمرين : المنّ و اطلاق السراح ، أو أخذ الفدية.

وبذلك يعلم أنّ الأمر بقتل الأسرى إنّما كان حكماً مؤقّتاً زمنياً مختصّاً بزمن لم يستقر أمر النّبي ولا دينه ، فكان في أخذ الأسرى مظنّة الخوف على بيضة الإسلام ، وأمّا إذا ارتفع ذلك الخوف ، وضرب الإسلام بجرانه(٢) في الأرض ، فالحكم السائد هو ما جاء في سورة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من المنّ ، أو أخذ الفداء ، و ما ربّما يستدلّ بالآية على أنّ الإسلام يسرف في إراقة الدماء ، وقتل النفوس ، لا أصل له ، لأنّ الأمر بالقتل ، وعدم أخذ الأسرى ، كان راجعاً إلى حالة خاصّة ، وهي حالة

__________________

(١) تفسير المراغي ج ٤ ص ٣٦.

(٢) ضرب الإسلام بجرانه : أي ثبت و استقرّ.

٣٣٩
 &

عدم استقرار الإسلام في المنطقة كما كان الحال كذلك في السنوات الاُولى قبل غزوة الأحزاب ، وأمّا بعدها فقد علا أمر النّبي واستقرّ ، فلم تكن حاجة إلى قتل الأسرى ، بل كان السائد هو ما ورد في سورة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من اطلاق سراحهم منّاً عليهم ، أو أخذ الفدية منهم.

بل الظروف في غزوة واحدة كانت مختلفة ، فربّما تسود في السّاعات الاُولى من الحرب حالة عدم الاستقرار والتزلزل ، ومظنّة رجوع العدو ثانياً بعد اطلاق سراحه ، فلا يؤخذ الأسرىٰ ، والحال إنّ الحالات الأخيرة من الحرب كانت على عكس ذلك ، فلم يكن أيّة مظنّة للكرّة ، فيختصّ قتل الأسرى في غزوة واحدة بالسّاعات الاُولى أي ساعات عدم الاستقرار ، ومظنّة الكرة لا الساعات الأخيرة.

ثُمَّ إنّ الآية الثانية أعني قوله : (لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعرب عن عظم المعصية ، أعني أخذ الأسرى قبل الاثخان في الأرض لما فيه من مظنّة زوال الإسلام وكيانه.

كيف ولولا كتاب سابق لمسّ المسلمين ، أو المصرّين على الأخذ عذاب عظيم. وأمّا ما هو هذا الكتاب الّذي سبق ، فقد اُبهم غاية الابهام ، لأنّه أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن ، ولا يتعيّن عنده ، فيهون عنده الأمر. ومن ردئ الكلام ما مرّ في غير واحد من التفاسير : قال رسول الله : «إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب (حيث كان يقترح القتل خلاف الباقين حيث كانوا يقترحون الأخذ) عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلّا عمر».

ومعناه شمول العذاب ، للرّسول الأعظم ، وقد سبق من المراغي و غيره : إنّ العتاب عام يعمّ المسلمين والنّبي الأكرم ، مع أنّه سبحانه يقول : (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) (الأنفال / ٣٣).

فالّذي يدفع بوجوده العذاب ، صار يُدفع عنه العذاب بوجود غيره. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) (الكهف / ٥).

٣٤٠