مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بقولهم : (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا).

و الله سبحانه يجيب عليها :

١ ـ بأنّ أمر النصر بيد الله كما أخبر به النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لكنّه مرهون بعوامل و أسباب غيبيّة و اُخرى اكتسابيّة خاصّة ، و أنتم أيّها المعترضون قد فوّتم تحصيل تلك الأسباب و العوامل ، فلايحق لكم الاعتراض بعد تقصيركم.

٢ ـ بأنّ لكل نفس أجلاً محدّداً لايتقدّم عليه و لايتأخّر.

٣ ـ إنّ في هذه النكسة الفادحة تمحيص لما في الصدور و القلوب فقد تميّز به المؤمن المثابر من المتظاهر بالإيمان ، و بذلك يعلم أنّ القول بأنّ الصحبة كافية في تحقيق إتّصاف الرجل بالعدالة و النزاهة و الإستقامة شيء لاحقيقة له و لاأساس و قد تحقّق لديك بفضل هذه الآيات أنّ أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إنقسموا إلى طوائف : فمن منافق نكص على عقبيه في أثناء الطريق و لم يشترك في القتال و تذرّع بقولهم : (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) (آل عمران / ١٦٧).

و من مؤمن كابر أمر الرسول و خرج عن طاعته و أخلى ساحة القتال و لكنّه لم تنتابه و تعتريه شبهات و ظنون أهل الجاهليّة ، فتاب و رجع إلى النبيّ بعد جلاء المعركة و هم من مصاديق قوله سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف / ٢٠١).

و من متظاهر بالإيمان لم يتمكّن الإيمان من قلبه حقّ التمكّن ، فلمّا حاق به البلاء و رأى الانتكاسة المروّعة الرهيبة ، ارتدّ القهقرى و صار يتفوّه بمقولات أهل الشرك و الجاهلية.

أضف إلى ذلك ، الطائفة الثالثة الذين رجعوا أثناء الطريق و لم يساهموا النبيّ و المسلمين ، و هؤلاء هم أتباع عبد الله بن اُبيّ المنافقون.

٣٦١
 &

أفبعد هذا يصحّ لنا القول بأنّ كلّ صحابي عادل ؟!! و انّ العدل و الصحبة متلازمان ، كلّا و من يذهب إليه فإنّما يجترئ عظيماً.

و الذي يعرب عن أنّ بعضهم قد بلغ به الحال إلى المشارفة على أعتاب الرّدة قوله سبحانه : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا) (آل عمران / ١٤٤).

قال أنس بن النضر : في السّاعة التي زاغت فيها الأبصار و البصائر و بلغت القلوب فيها الحناجر ، و حين فشا في النّاس أنّ رسول الله قد قتل ، و قال بعض ضعفاء المؤمنين ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن اُبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان(١) و قال ناس من أهل النّفاق : إن كان محمّد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل. قال أنس : إن كان محمد قد قتل فإنّ ربّ محمّد لم يقتل ، و ما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه و موتوا على ما مات عليه ، ثمّ قال : اللّهم إنّي أعتذر إليك ممّا قال هؤلاء ، و أبرأُ إليك ممّا جاء به هؤلاء ، ثمَّ شدّ بسيفه فقاتل حتّى قتل ـ رضي الله عنه ـ ، كما مرّ(٢).

فمحصّل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب و التوبيخ : إنّ محمّداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ليس إلّا رسولاً من الله مثل سائر الرّسل ليس شأنه إلّا تبليغ رسالة ربّه لايملك من الأمر شيئاً ، و إنّما الأمر لله و الدين دينه باق ببقائه ، فما معنى اتّكاء إيمانكم على حياته ، حيث يظهر منكم أنّ لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين و رجعتم إلى أعقابكم القهقرى و اتّخذتم الغواية بعد الهداية.

و هذا السياق أقوى شاهد على أنّهم ظنّوا يوم أُحد بعد أن حمى الوطيس انّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد قتل فانسلّوا عند ذلك و تولّوا عن القتال.

__________________

(١) مجمع البيان : ج ١ ص ٥١٣.

(٢) لاحظ ص ٣٥١.

٣٦٢
 &

القصاص بالقسط :

إنّ المشركين لمّا مثّلوا بقتلى المسلمين في اُحد و بحمزة بن عبد المطّلب فشقّوا بطنه ، و أخذت هند بنت عتبة كبده فجعلت تلوكه ، وجدعوا أنفه و اُذنه... قال المسلمون : لئن أمكننا الله منهم لنمثّلنّ بالأحياء منهم فضلاً عن الأموات ، و في ذلك نزل قوله سبحانه : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ)(١).

و روى السيوطي في الدر المنثور عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم قتل حمزة و مثّل به : لئن ظفرت بقريش لاُمثلنّ بسبعين رجلاً منهم ، فأنزل الله : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) الآية ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «بل نصبر يا ربّ. فصبر و نهى عن المثلة» و الظّاهر أنّ الحكاية الاُولى أوثق و ذلك لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أجلّ و أعلى شأناً من أن يتمنّى قصاصاً فيه اجحاف و انتقاص بالآخرين.

و روى البيهقي عن محمّد بن كعب القرظي قال : لمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حمزة بالحال التي هو بها حين مثّل به ، قال : لئن ظفرت بقريش لاُمثّلنّ بثلاثين منهم ، فلمّا رأى أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ما به من الجزع قالوا : لئن ظفرنا بهم لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب بأحد ، فأنزل الله عزّ و جلّ : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) إلى آخر السورة فعفا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم)(٢).

و الإختلاف بين الحكايتين واضح لكنّ محمّد بن كعب القرظي من بني قريظة الذين تمّت إبادتهم أيام رسول الله في المدينة و لم يبق منهم إلّا قلّة قليلة ، لا يعبأ بنقله ، و لعلّ غرضه الازدراء بالنبيّ و ادّعاء عدم قيامه بمقتضى العدل.

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٣ ص ٦٠٥.

(٢) دلائل النبوّة ، ج ٣ ص ٢٨٦ ، و السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٩٥.

٣٦٣
 &

مطاردة العدو :

ثمّ إنّه لمّا بلغ رسول الله أنّ العدو بصدد معاودة الكرّة إلى المدينة حتّى يستأصل بقية المسلمين ، فأمر رسول الله المؤذّن أن يؤذّن بالخروج إلى مطاردة العدو و أن لايخرج إلّا من حضر الأمس في المعركة ، و إليه يشير قوله سبحانه : (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران / ١٧٢ ـ ١٧٥).

و يستفاد من جملتها :

(أوّلاً) : إنّ المؤمن إذا انتابته الهزيمة و اعتراه الإنكسار الظاهري لايصل به الأمر إلى فقد الثقة بالله سبحانه و تعالى ، فلو تمكّن من معاودة الكرّة لتحقيق الإنتصار لهبّ مسرعاً و لم يقعد به القرح و لايكون جليس البيت لأجل ملمّة ألمّت به ، و إليه يشير قوله سبحانه : (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّـهِ...).

(و ثانياً) : لو بلغهم تأهّب العدوّ لكرّ عليهم ثانياً وجاءت النذر يخوّفونهم من بأس العدو و مازادهم إلّا إيماناً وثقة و انقطاعاً إلى الله و قالوا : (حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

(و ثالثاً) : إنّ ما جاءت به النذر من الأنباء إنّما كانت من الشياطين الّذين يخوّفون أولياءهم ، و أمّا المؤمنون فإنّهم قد خرجوا عن نطاق تأثير تلك الإرهاصات النفسيّة.

غزوة اُحد بين السلبيات و الإيجابيّات :

إنّ غزوة اُحد كسائر الغزوات التي تمخّض عنها ما هو سلبي و ما هو إيجابي ، و قد ورد في الذّكر الحكيم آيات تشير إلى جملتها ، و إليك نصوصها مشفوعة بما

٣٦٤
 &

يليق بها من التحليل :

قال عزّ و جلّ : (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

(وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ).

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).

(وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) (آل عمران / ١٤٠ ـ ١٤٣).

(مَّا كَانَ اللَّـهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران / ١٧٩).

و يستفاد من هذه الآيات ما يلي :

١ ـ الانتصار و الانكسار من سنن الله :

إنّ من سنن الله تعالى الطبيعية في الاُمم انّه لم يكتب على جبين اُمّة السيادة و الإنتصار في جميع الأزمنة والأمكنة ، وكذلك شأن الهزيمة. فهي تعيش بين هذين مقبلة ومدبرة تارة اُخرى كما يشير إليه قوله سبحانه :

(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ...)

٢ ـ التمحيص بالمحنة و البلاء :

إذا كتب النصر على جبين اُمّة على ممرّ الأعصار والدهور لم يتميّز المؤمن عن المنافق والصابر المجاهد عن المتهاون المتقاعد ، وقد كان المسلمون قبل لقاء العدوّ

٣٦٥
 &

يتمنّون الموت ولكنّهم فشلوا في الإمتحان عند اللّقاء كما يشير إليه قوله : (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ...) وقد طبّقت غزوة اُحد ذلك المقياس وقد عرفت ما آل إليه جيش المسلمين حيث انقسموا إلى ثلاث طوائف أو أكثر ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا...) وقوله سبحانه : (وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وقال أيضاً : (مَّا كَانَ اللَّـهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...).

٣ ـ خُلّص الغزاة شهداء على الأعمال :

وقد بلغ إخلاص بعض الغزاة إلى حدّ جعلهم يتسنّمون درجة الشهادة على الأعمال وهي درجة رفيعة تحتاج إلى بصيرة مثاليّة و كماليّة في القلب حتّى يشهد على سائر إخوانه بخير أو شرّ كما يشير إليه قوله سبحانه : (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ) ومع ذلك فربّما يحتمل أن يراد من الشهداء في الآية هو الشهيد في المعركة والمضحّي بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الحق.

٤ ـ الجنّة رهن الجهاد والصمود :

إنّ استحقاق دخول الجنّة لا يكتسب بمجرّد التفوّه بمحض عبارات اللّسان بل يحتاج إلى عظيم جهاد بالنفس والنفيس.

و إليه يشير قوله سبحانه : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .

هذا ما يستفاد من جملة هذه الآيات ، وهناك طائفة اُخرى من الآيات وردت في شأن تلك الغزوة فيها من العظات والحكم البليغة.

٣٦٦
 &

٥ ـ استنهاض الهمم والعزائم :

لا شكّ إنّ الهزيمة والانكسار في الحرب من أعظم عوامل تثبيط العزائم كما أنّ الإنتصار من أقوى عوامل النهوض بها وتتويجها بتاج الاستبسال والبطولة.

وبما أنّ الهزيمة كانت قد لحقت بالمسلمين في خاتمة المعركة فقد كان لها بطبيعة الحال آثار سيّئة مروّعة خصوصاً عند ظهور الأعداء عليهم فهم قد انبروا يحيكون حولها من الأراجيف ، قال علي (عليه السلام) : «إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره ، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه»(١) فعاد الذكر الحكيم يعالج هذا الداء المزمن الّذي استشرى في نفوس المسلمين وتمكّن في قلوبهم وذلك بإعلامهم بأنّ الموت من سنن الله سبحانه الحتميّة و أنّ لكلّ نفس كتاباً مؤجّلاً لايتخلّف ولا يحيد عنه أبداً ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (آل عمران / ١٤٥).

٦ ـ الاعتبار بالاُمم الماضية :

إنّه سبحانه من أجل رفع معنويّات المسلمين واستنهاض هممهم يذكّرهم بالاُمم الماضية وكيف انّ فئتهم القليلة كانت تغلب الفئات الكثيرة وتجعل الصبر على البلاء دثارها وذلك لأخذهم بأسباب النّصر من الصمود والمفاداة في سبيل إظهار الحق و اعلاء كلمته ، قال سبحانه : (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران / ١٤٦).

(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران / ١٤٧).

__________________

(١) نهج البلاغة قسم الحكم رقم ٢.

٣٦٧
 &

٧ ـ إخماد ثائرة الفتنة :

ولمّا رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن أصابهم ما أصابهم فوجئوا بشماتة المتقاعدين والمنافقين حيث خاطبوهم بقولهم : لو كنتم معنا لما قتلتم ، وذلك ما يحكيه عنهم سبحانه بقوله : (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران / ١٦٨).

وقد ورد ذلك المضمون في موضع آخر من السورة في قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّـهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران / ١٥٦).

فهو سبحانه يجيب عن هذه الشبهة باُمور :

أ ـ ما أشار إليه في قوله : (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وحاصله أنّ قولكم «لو أطاعونا ما قتلوا» يعرب عن أنّ القائل يعتقد بأنّ الموت والحياة بيد الانسان ولو صحّ ذلك فليدفع الموت عن نفسه ، مع أنّه سنّة الله الحتميّة في جميع الكائنات.

ب ـ بأنّ موت الإنسان في ساحة القتال مع الشرك ليس موتاً حقيقياً و إنّما هو في حقيقة الأمر ارتحال من دار إلى دار ومن حياة مادّية إلى حياة مثالية وأبدية سرمدية وفي خاتمة المطاف في جنات النعيم وانّ الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون و يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم بما هم فيه من حياة بلا كآبة ووجل ، قال سبحانه :

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران / ١٦٩ ـ ١٧١).

ثمّ إنّ المستفاد منها أنّ حياة الشهداء حياة حقيقية لها آثار جسمية ولها آثار

٣٦٨
 &

روحية ، ومن آثارها الجسميّة هو الرزق ، ومن آثارها النفسية الاستبشار ، فمن زعم أنّ المراد من حياة الشهداء هو خلودهم في صفحة تاريخ أمجاد الشعوب فقد فسّر القرآن تفسيراً مادّياً أعاذنا الله تعالى منه ولذلك قال النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في جوابه لأبي سفيان ـ عندما قال : «إنّ الحرب سجال يوم بيوم» ـ :

«قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار».

وقال الإمام الحسين حينما أمر أصحابه بالصبر :

«صبراً بني الكرام فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ، و إنّ أبي حدّثني عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم ، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ، ما كذبت ولا كذّبت»(١).

فما جاء في كلامه (عليه السلام) صريح في كون الحياة حياة حقيقية.

وهذه الآيات بجملتها قد تناولت غزوة اُحد بجوانبها المختلفة وهناك آيات أخرىٰ أيضاً وردت بالتنديد بالمتقاعدين وباستنهاض هممهم مثل قوله سبحانه : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران / ١٣٩ و ١٤٠).

__________________

(١) بلاغة الحسين ص ٤٧.

٣٦٩
 &

٣ ـ غزوة الخندق

أجلى النبي الأكرم قبيلتي «بني قينقاع» و «بني النضير» من المدينة المنوّرة إلى شمال شبه الجزيرة العربيّة فنزلت عدّة منهم قلاع خيبر ورحلت عدّة اُخرى منهم إلى الشام ولبثتا تتحيّنان الفرص لإدراك ثأرهما من النبيّ وأصحابه والإنقضاض عليهم في عقر دارهم ، و قد كان اليهود أبصر خصوم المسلمين وأشدّهم حنكة وسياسة ، فهم كانوا دعاة التوحيد في شبه الجزيرة العربية ، وكانوا ينافسون المسيحيين في سلطانهم حيث كانوا دعاة التثليث ، وفي خضمّ هذه الظروف فوجئوا ببزوغ نجم شخصيّة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وكتابه الجديد حيث يدعوا إلى التوحيد بعبارات قويّة جذّابة وبمبادئ خلّابَة تأخذ بمجامع القلوب وتستقطب الأفكار.

ولأجل ذلك اجتمعت كلمتهم على تأليب العرب و إثارة حفائظهم ضدّ محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فأرسلوا رسلهم إلى قريش منهم سلّام بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب ، وكنانة بن أبي الحقيق من بني النضير ، ونفراً من بني وائل حتى قدموا قريشاً فدعوهم إلى حرب رسول الله وقالوا : إنّا سنكون معكم حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش : يا معشر اليهود إنّكم أهل الكتاب الاُول والعلم وتعلمون اختلافنا ومحمّد ، أفديننا خير أم دينه ؟

قالوا : بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق.

الله أكبر ما هذه الشراسة والصلافة والوقاحة ! هم يزعمون أنّهم دعاة التوحيد وهاهم يفضّلون و يرجّحون الوثنيّة على التوحيد بملء فيهم لغاية التشفّي والإنتقام ، و إليه يشير قوله سبحانه : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ

٣٧٠
 &

وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّـهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا...) (النساء / ٥١ ـ ٥٢)(١).

فلمّا قالوا ذلك لقريش طاروا فرحاً وامتلأوا سروراً ونشطوا لإنجاح وتلبية ما دعوهم إليه من حرب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

ولمّا تمكّنوا من أخذ الميثاق منهم على الحركة صوب المدينة في وقت مُخصّص ارتحلوا من مكّة إلى شمال الجزيرة فجاءوا إلى غطفان من قيس بن غيلان ومن بني مرّة ، ومن بني فزارة ، ومن أشجع ، ومن سليم ، ومن بني سعد ، ومن أسد التي هي بمجموعها تشكّل بطون غطفان ، وما زالوا بهم يحرّضونهم و يستحثّونهم و يذكرون لهم متابعة قريش إيّاهم على حرب محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فاجتمع أمرهم على نصرتهم ووعدهم يهود خيبر على أن يدفعوا إليهم محاصيل نخيلهم طيلة عام واحد ازاء نصرتهم لهم ومعاضدتهم إيّاهم(٢).

حفر الخندق واحداثه حول المدينة(٣) :

ولمّا بلغ رسول الله اتّفاق كلمتهم على حربه واجتماع قبائلهم على غزوه ، أخذ يخطّط لكيفيّة الدفاع وصدّ هجوم القبائل عليه في عقر داره. إذ فرق كبير بين غزوتي بدر واُحد وغزوة الخندق ، فإنّ المحاربين في هذه الغزوة المترقبة أشد شراسة وعدداً وعدّة من سلفهم ، ومن أجل ذلك فإنّ الصمود في وجههم يحتاج إلى حنكة عسكرية فائقة وتخطيط حربي متقن ، فاستشار أصحابه في أمرهم فقال سلمان : يا رسول الله إنّ القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة ، قال : فما نصنع ؟ قال : نحفر خندقاً يكون بيننا

__________________

(١) و قد أشبعنا الكلام في توضيح الآية في الفصل المخصّص بأهل الكتاب فراجع.

(٢) المغازي للواقدي ج ٢ ص ٤٤٦.

(٣) عسكر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة فحاصروه خمس عشرة و انصرف يوم الأربعاء لسبع بقين سنة خمس ، و قد استعمل على المدينة ابن اُمّ مكتوم.

٣٧١
 &

وبينهم حجاباً فيمكنك منعهم في المطاولة ، ولا يمكنهم أن يأتوا من كل وجه ، فإنّا كنّا معاشر العجم في بلاد فارس إذا باغتنا العدو نحفر خندقاً فتكون الحرب من مواضع معروفة ، فأمر رسول الله بالحفر من ناحية «اُحد» إلى «راتج» وجعل على كل عشرين خطوة و ثلاثين خطوة(١) قوماً من المهاجرين يحفرونه ، فحملت المساحي والمعاول وبدأ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأخذ معولاً فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأميرالمؤمنين (عليه السلام) ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وعيّ وقال : «لا عيش إلّا عيش الآخرة اللّهمّ اغفر للأنصار والمهاجرة» فلمّا نظر الناس إلى رسول الله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقل التراب ، فلمّا كان في اليوم الثاني بكّروا إلى الحفر...(٢).

ومع ذلك أبطأ عن رسول الله وعن المسلمين رجال من المنافقين يستترون بالضعيف من العمل و يتسلّلون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ولا إذن ، وأمّا غيرهم من المسلمين فإذا نابته النائبة من الحاجة التي لابدّ له منها يذكر ذلك لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و يستأذنه في اللحوق بحاجته ، فيأذن له ، فاذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له(٣).

فخرجت قريش ومن لحق بها من أحابيشها أربعة آلاف فارس وعقدوا اللواء في دارالندوة وقادوا معهم ثمانمائة فرس ، وكان معهم من الظهر ألف وخمسمائة بعير لحمل أمتعتهم ومؤونتهم.

وأمّا من غير قريش فقد خرجت جموح من القبائل ، فبلغ القوم الذين وافوا

__________________

(١) و لعلّ في النصّ سقط ، و يحتمل أن يكون الصواب بهذا النحو : و جعل على كل عشرين خطوة قوماً من المهاجرين و على كل ثلاثين خطوة قوماً من الأنصار ، و الوجه في ذلك كثرة عدد الأنصار و قلّة عدد المهاجرين فتأمّل.

(٢) البحار ج ٢٠ ص ٢١٨.

(٣) السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٢١٦.

٣٧٢
 &

الخندق من قريش وسواهم عشرة آلاف بين راكب وراجل ، فنزلت قريش برومة ووادي العقيق في أحابيشها ومن انضوى إليها من العرب ، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بالزغابة بجانب اُحد(١).

وخرج رسول الله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه و بين القوم(٢).

بينما كانت قريش وحلفاؤها ترجو أن تلقى المسلمين باُحد ، فلم تجد عنده أحداً فجاوزته إلى المدينة حتى فاجأها الخندق ، ولم تكن عارفة بهذا الاُسلوب من الدفاع ، فرابطوا حول الخندق وعلموا أنّهم لا يستطيعون اقتحامه واجتيازه بعد جهد جهيد ، فاكتفوا بتراشق النبل والسهام عدّة أيّام متوالية وكلّما أراد بطل من أبطال الحلفاء أن يجتاز الخندق ، رُمي بالحجارة والنبل من خلف كثبان الرمل التي نصبت على أطرافه في مواقع المسلمين ، وقد استمرّت الحال على هذا المنوال قرابة خمسة عشر يوماً أو أزيد.

قال المقريزي : كان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبوسفيان بن حرب في أصحابه يوماً وخالد بن الوليد يوماً و يغدو عمرو بن العاص يوماً وهبيرة بن أبي وهب يوماً وعكرمة بن أبي جهل يوماً وضرار بن الخطاب الفهري يوماً ، فلا يزالون يجيلون خيلهم و يتفرّقون مرّة و يجتمعون مرّة اُخرى و يناوشون المسلمين و يقدّمون رماتهم فيرمون ، و إذا أبوسفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق فرماهم المسلمون.

حتى رجعوا وكان عباد بن بشر ألزم الناس لقبّة رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) يحرسها وكان «أسيد بن حضير» يحرس في جماعة ، فاذا عمرو بن العاص في نحو المائة يريدون العبور من الخندق فرماهم حتى ولّوا ، وكان المسلمون يتناوبون الحراسة ، وكانوا في فقر وجوع ، وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كثيراً ما يطلبان

__________________

(١) المغازي للواقدي ج ٢ ص ٤٤٤.

(٢) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٢٢٠.

٣٧٣
 &

غرّة ومضيقاً من الخندق يقتحمانه فكانت للمسلمين معها وقائع في تلك الليالي(١).

فأقام رسول الله والمشركون بضعاً وعشرين ليلة ، فبينما الناس على ذلك من الخوف والبلاء ولم يكن قتال إلّا الحصار و الرمي بالنبل إلّا أنّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ ، وعكرمة ابن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، وهبيرة بن أبي وهب ، تلبّسوا للقتال وخرجوا على خيولهم حتى مرّوا على منازل بني كنانة ووقفوا فقالوا : تهيّأوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون من الفرسان اليوم ، ثم أقبلوا تسرع بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا : والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.

ثم يمّموا شطرهم مكاناً من الخندق ضيّقاً ، فضربوا خيولهم فجالت بهم حتى عبرت الخندق ، فطلب عمرو بن عبد ودّ البراز مرّة بعد اُخرى إلىٰ أن ارتجز بقوله :

ولقد بححت من النداء

بجمعكم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن المشجع

موقف القرن المناجز

ولذاك إنّي لم أزل

متسرّعاً قبل الهزائز

إنّ الشجاعة في الفتى

والجود من خير الغرائز(٢)

ثمّ قال النبي لأصحابه ثلاث مرّات : أيّكم يبرز لعمرو وأضمن له على الله الجنّة ، في كلّ مرّة كان يقوم عليّ فاستدانه وعمّمه بيده ، فلمّا برز قال : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه» وقال : «اللّهمّ إنّك أخذت منّي عبيدة بن الحارث يوم بدر وحمزة بن عبد المطلب يوم اُحد و هذا أخي عليّ بن أبي طالب ، ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين»(٣).

وقال الواقدي : إنّ المسلمين كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو وشجاعته ، فلمّا استقبله عليّ ارتجز بقوله :

__________________

(١) امتاع الأسماع ص ٢٤١.

(٢) دلائل النبوّة ج ٣ ص ٤٣٨.

(٣) بحار الأنوار ج ٢٠ ص ٢١٥ نقلاً عن كنز الفوائد للعلامة الكراجكي ص ١٣٦.

٣٧٤
 &

لا تعجلنّ فقد أتاك

مجيب صوتك غير عاجز

ذو نيّة وبصيرة

والصدق منجى كلّ فائز

إنّي لأرجو أن اُقيم

عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء

يبقى ذكرها عند الهزائز

فقال له عمرو : ومن أنت ؟ قال : أنا عليّ. قال : ابن عبد مناف ؟ فقال : علي ابن أبي طالب. فقال : غيرك يا ابن أخي ومن أعمامك من هو أسنّ منك فأنا أكره أن اهريق دمك.

و قال الواقدي : أقبل عمرو يومئذٍ و هو فارس و عليّ راجل فقال له عليّ (عليه السلام) : إنّك كنت تقول في الجاهلية : لايدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلّا قبلتها ! قال : أجل ! قال علي : فإنّي أدعوك أن تشهد أن لا إلٰه إلّا الله و أنّ محمداً رسول الله و اسلم لله رب العالمين ، قال : يا ابن أخي أخّر هذا عني. قال : فاُخرى ترجع إلى بلادك فإن يكن محمد صادقاً كنت أسعد الناس به ، و إن كان غير ذلك كان الذي تريد ، قال : هذا ما لاتتحدّث به نساء قريش أبداً ، و قد نذرت ما نذرت و حرّمت الدهن ، قال : فالثالثة ؟ قال : البراز ، قال : فضحك عمرو ، ثمّ قال : إنّ هذه الخصلة ما كنت أظن انّ أحداً من العرب يرومني عليها إنّي لأكره أن أقتل مثلك و كان أبوك لي نديماً ، فارجع فأنت غلام حدث و إنّما أردت شيخي قريش أبابكر و عمر قال ، فقال عليّ (عليه السلام) : فإنّي أدعوك إلى المبارزة فأنا أحبّ أن أقتلك ، فأسفّ عمرو و نزل و عقل فرسه(١) و سلّ سيفه كأنة شعلة نار ثمّ أقبل نحو عليّ مغضباً ، فأنحى بسيفه على هامّة علي ، فصدّها علي بمجنّه فانقدّ المجن و أثبت فيها السيف و أصاب رأسه فشجّه ، فعاجله عليّ فضربه على حبل العاتق فسقط و ثار العجاج ، و سمع رسول الله التكبير فعرف أنّ عليّاً قد قتله ، و عند ذلك خرجت خيلهم منهزمة حتى جاوزت الخندق هاربة ، ثمّ أقبل عليّ نحو رسول الله و وجهه يتهلّل ، فقال عمر بن الخطاب هلا استلبته درعه ؟ فإنّه ليس للعرب درع خير منها

__________________

(١) المغازي للواقدي ج ٢ ص ٤١٧.

٣٧٥
 &

فقال : ضربته فاتقاني بسواده(١) فاستحييت ابن عمي أن استلبه ثمّ أنشد يقول :

نصر الحجارة من سفاهة رأيه

و نصرت ربّ محمد بصواب

فصددتّ حين تركته متجدّلاً

كالجذع بين دكادك(٢) و رواب

لا تحسبنّ الله خاذل دينه

ونبيّه يا معشر الأحزاب(٣)

استبشار المؤمنين و كآبة المشركين :

قد كان الخوف و الوجل مستولياً على نفوس المسلمين منذ جاء الأحزاب و حاصروا المدينة ، ولمّا قتل علي بطل الأحزاب و فارسها و انهزم من كان معه من أبطالهم و ذؤبانهم ، حتى انّ عكرمة بن أبي جهل ألقى رمحه يومئذٍ و فرّ ، انقلبت الاُمور رأساً على عقب ، فصار الخوف و الهلع نصيب المشركين و مخيّماً عليهم. هذا من جانب ، و من جانب آخر ، كان الوقت إذ ذاك شتاءً قارساً برده ، عاصفة رياحه ، يخشى في كل وقت مطره ، فالخيام التي ضربوها أمام يثرب لاتحميهم منها فتيلاً.

و من ناحية ثالثة وقف أبو سفيان و حلفاؤه على أنّ الخندق مادام حائلاً بينهم و بين المسلمين و الأبطال منهم يذودون عنه بالنبال و الحجارة ، و ما دامت بنو قريظة تمدّ المسلمين بالمؤونه امداداً ، فإنّه من الصعب العسير احراز النصر عليهم بل بإمكانهم الصمود أمامهم على تلك الحال مدّة مديدة تطول مع الشهور ، و الحل الوحيد الذي أصبح أمامهم هو أن ترجع الأحزاب إلى أدراجهم.

ولكن إجتماع هؤلاء الأحزاب على حرب المسلمين مرّة اُخرى ليس بالأمر

__________________

(١) هكذا في المصدر و لعلّ الصحيح : بسوأته.

(٢) جمع «دكداك» و هو الرمل اللّين ، و «الروابي» : جمع «رابية» و هي الكدية المرتفعة.

(٣) السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ٢٦٥.

٣٧٦
 &

الميسور فإن أفلتت الفرصة ربّما لم يسنح لهم الزمان بمثلها في المستقبل.

هذه النهاية التي آل إليها أمر الأحزاب و كانوا في حيرة من أمرهم و غمّة شديدة.

و عند ذلك تفطّن حيي بن أخطب فتيل الفتنة بأنّ في امكانه أن يتّصل ببني قريظة القاطنين في داخل المدينة و يحرّضهم على نقض عهدهم مع النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و المسلمين ، فعند ذلك تنقطع الميرة و المؤونة و المدد أوّلاً ، و ينفتح الطريق لدخول يثرب من قلاع بني قريظة ثانياً.

و خال حيي بن أخطب بأنّه جاء بمكيدة محكمة ، فعرضت فكرته على قريش و غطفان فحبّذاها و سارعا إلى انجازها فذهب بنفسه يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة و قد أغلق كعب دونه باب حصنه إذ عرف أنّه حيى بن أخطب ، و لكنّه آخر الأمر فتح باب قلعته و اعتنق نظريّته و نقض عهده مع الرسول ، و أوجد ذلك قلقاً شديداً بين المسلمين ، و قد ذكرنا تفصيله عند البحث عن أهل الكتاب ، و لكنّه سبحانه دفع شرّهم بحدوث الاختلاف بين المشركين و بني قريظة فآل الأمر إلى انجلاء الأحزاب من ساحة القتال من دون نتيجة و إليك بيانه :

انقسام المشركين على أنفسهم :

إنّ نعيم بن مسعود أتى رسول الله فقال : يا رسول الله إنّي قد أسلمت و إنّ قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت. فقال رسول الله : إنّما أنت فينا رجل واحد فادخل بين القوم خذلانا إن استطعت فإنّ الحرب خدعة ، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة و كان لهم نديماً في الجاهلية فقال : يا بني قريظة قد عرفتم ودّي إيّاكم و خاصّة ما بيني و بينكم قالوا : صدقت لست عندنا بمتّهم ، فقال لهم : إنّ قريشاً و غطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم فيه أموالكم و أبناؤكم و نساؤكم لاتقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره ، و إن قريشاً و غطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه

٣٧٧
 &

وقد ظاهرتموهم عليه و بلدهم و أموالهم و نساؤهم بغيره فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، و إن كان ذلك لحقوا ببلادهم ، و خلّوا بينكم و بين الرجل ببلدكم و لاطاقة لكم به إن خلا بكم فلاتقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه ، فقالوا له : أشرت بالرأي.

ثمّ خرج حتّى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب و من معه من رجال قريش : قد عرفتم ودّي لكم و فراقي محمداً و انّه بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّاً أن اُبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عنّي ، فقالوا : نفعل. قال : تعلَّموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم و بين محمّد و قد أرسلوا إليه : إنّا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش و غطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثمّ نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم نعم ، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلاتدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً.

ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال : يا معشر غطفان إنّكم أصلي و عشيرتي و أحبّ الناس إليّ و لا أراكم تتّهموني ، قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتّهم ، قال : فاكتموا عنّي ، قالوا : نفعل ، فما أمرك ؟

ثمّ قال لهم مثل ما قال لقريش و حذّرهم ما حذّرهم.

فلمّا كانت ليلة السبت من شوّال سنة خمس أرسل أبو سفيان بن حرب و وجهاء غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ، فقالوا لهم لسنا بدار مقام ، قد هلك الخف و الحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمّداً ، فأجابوا أنّ اليوم يوم السبت لانعمل فيه شيئاً و مع ذلك لسنا بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمّداً ، فإنّنا نخشى إن اشتدّ عليكم القتال تتركوننا في بلادنا و لاطاقة لنا بذلك منه ، فلمّا رجعت إليهم الرسل بما قالته بنو قريظة ، قالت قريش و غطفان : و الله إنّ الذي حدّثكم به نعيم بن مسعود لحق ، فارسلوا إلى بني قريظة : إنّا لاندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا ، فإن كنتم تريدون

٣٧٨
 &

القتال فاخرجوا فقاتلوا ، فقالت بني قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلّا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها و إن كان غير ذلك تفرّقوا إلى بلادهم و خلّوا بينكم و بين محمّد في بلدكم ، فارسلوا إلى قريش و غطفان : إنّا و الله لانقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً ، فأبوا عليهم.

فلمّا كان ليلة السبت بعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم و تطرح آنيتهم ، و لمّا انتهى إلى رسول الله ما فرّق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلاً.

فذهب حذيفه و رجع بقوله : دخلت في القوم و الريح و جنود الله تفعل بهم ما تفعل لاتقرّ لهم قدراً و لاناراً و لابناءً ، فقال أبوسفيان : يا معشر قريش إنّكم و الله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع و الخف و اخلفنا بنو قريظة و لقينا من شدّة الريح ماترون ما تطمئن لنا قدر و لاتقوم لنا نار فارتحلوا فإنّي مرتحل.

و بذلك اختلفت الأحزاب و لم يبق منهم أحد و أصبح الصبح و لم ير منهم شيء ، فرجع المسلمون إلى منازلهم شاكرين.

هذا خلاصة ما أفادته كتب السير و التواريخ(١) و إليك تحليل ما ورد حول تلك الواقعة من الآيات و لا محيص لمفسّر عن الوقوف بما جاء في كتب السيرة فإنّها كالقرائن المنفصلة لفهم معنى ما تضمّنته الآيات الشريفة و نحن نذكر الآيات الواردة حول هذه الغزوة كاملة ثمّ نعقّبها ، بما تسنح به الفرصة من التحليل و التوضيح.

__________________

(١) راجع السيرة النبويّة ج ٢ ، و مغازي الواقدي ج ٢ ، و بحار الأنوار ج ٢٠ ، ومجمع البيان ج ٤.

٣٧٩
 &

غزوة الأحزاب في الذكر الحكيم :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّـهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّـهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّـهِ مَسْئُولًا * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّـهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّـهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَرَدَّ اللَّـهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّـهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب / ٩ ـ ٢٧).

٣٨٠