مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

(قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا(١) أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (القصص / ٤٩).

ويدلّ على هذه الحقيقة مضافاً إلى ذلك ما روي عن أبي السكيت أنّه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) :

«لماذا بعث الله موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا ، و يده البيضاء ، و آلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمداً ـ صلى الله عليه وآله وسلّم وعلى جميع الأنبياء ـ بالكلام والخطب ؟ .

فقال أبو الحسن (عليه السلام) : إنّ الله لمّا بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم. و انّ الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج النّاس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجّة عليهم.

وانّ الله بعث محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام. وأظنّه قال : الشعر ، فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجّة عليهم»(٢).

أضف إلى ذلك انّ نبوّة الرسول الأكرم نبوّة خالدة ورسالته رسالة أبدية فهو خاتم الأنبياء والمرسلين كما أنّ كتابه خاتم الكتب ، ورسالته خاتمة الرسالات ، فيجب أن تقترن الرسالة الأبديّة بمعجزة خالدة حتّى تتمّ الحجّة على مرّ الأجيال والعصور ، و لا يختلق الجاهل عذراً يبرّر له رفضه لتلك الرسالة بعد رحيل الصادع بها ، وتباعد العهد وطول الشقّة الزمنيّة.

__________________

(١) الضمير راجع إلى التوراة و القرآن.

(٢) الكافي : ج ١ «كتاب العقل و الجهل» الرواية ٢٠.

١٦١
 &

كلّ ذلك كان حافزاً لدعم دعوة النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالقرآن الكريم الّذي ما أفلت نوره منذ أن بزغ نجمه في أوّل مرّة.

٧ ـ لماذا لا ينزلّ عليه ملك ؟!

وهذا الاعتراض يحكيه عنهم قوله سبحانه : (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) (الأنعام / ٨) وما كانوا يقصدون به أنّه لماذا لا ينزل الملك إليه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فإنّه كان يدّعي نزول الملك عليه والقرآن أيضاً يصدّقه في ذلك بقوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشعراء / ١٩٣ و ١٩٤).

وقال سبحانه : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير / ١٩ ـ ٢١) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الوحي ينزل على النّبيّ بتوسّط الملك ، ومع هذا التصريح فما معنى قوله : (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) ؟.

أقول : إنّ الاقتراحات الّتي تقدّم بها المشركون في نزول الملك معه أو إليه كانت على أنحاء :

الأوّل : إنّهم كانوا يطلبون المشاركة في امتيازات مقام النبوّة و يقولون : إنّه لو صحّ نزول الملك على النبيّ فلماذا لا ينزل علينا مباشرة على جهة الاستقلال ؟ وقد ورد في ذلك آيات نحو قوله تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا) (الفرقان / ٢١) وقال سبحانه : (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّـهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (فصّلت / ١٤).

إنّ هذا القسم من الآيات مبني على اعتقادهم بأنّه لا يصحّ لأحد من البشر ولو كان أرقاهم عقلاً وخلقاً وأدباً أن يكون رسولاً وواسطة بين الله و عباده ، لأنّهم يأكلون ويشربون وفي ذلك قال سبحانه حاكياً عنهم : (مَا هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا

١٦٢
 &

لَّخَاسِرُونَ) (المؤمنون / ٣٣ ـ ٣٤).

الثاني : كانوا يطلبون أن ينزل مع النبيّ ملك يصدّقه ، وقد ورد هذا المعنى في عدّة آيات ، قال سبحانه : (وَقَالُوا مَالِ هَـٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (الفرقان / ٧) فالغاية من نزول الملك إلى النبي كونه نذيراً معه ومصدّقاً له ، قال سبحانه : (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف / ٥٣) وقال سبحانه : (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (هود / ١٢).

وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه : (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) (الأنعام / ٨).

ويحتمل أن يكون المراد مشاهدة الملك معه فقط سواء أنذر معه أو لا ؟ فيدخل في القسم الثالث الآتي.

ثمّ إنّ انزال الملك مع النبيّ ليصدّق دعوته و ينذر معه يتصوّر على وجهين :

أ ـ أن ينزل الملك بصورته الواقعية ـ وسيوافيك في القسم الثالث ـ إنّ نتيجة ذلك هو موت المنذرين لأنّهم لا يحتملون رؤيته ومشاهدته بحسب طاقتهم البشريّة إلّا بالانسلاخ عن الماديّة والانتقال إلى مرحلة أعلى منها.

ب ـ أن ينزل الملك لا بصورته الواقعيّة بل يتمثّل بصورة إنسان ، وهذا لا يفيد شيئاً لأنّهم باستطاعتهم أن يتّهمونه بأنّه بشر مثل النبيّ وليس بملك.

وبعبارة اُخرى : لو جعله ملكاً في صورة بشر لجزموا ببشريّته لأنّهم لا يدركون منه إلّا صورته الظاهرية وصفاته البشريّة التي تمثّل بها ، وحينئذ لا يصدّقونه ويرجع الأمر كما كان في بادئ ذي بدء ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) (الأنعام / ٩) أي لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما

١٦٣
 &

لحق ، وهذا احتجاج عليهم بأنّ الّذي طلبوه لا يزيدهم بياناً بل يكون الأمر عبثاً ولغواً لا طائل وراءه(١).

الثالث : كانوا يطلبون مشاهدة الملك عياناً على أن يكون الإتيان بالملك ، احدى معاجزه مثل قوله سبحانه : (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّـهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا) (الإسراء / ٩٢) ، قال سبحانه : (لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الحجر / ٧) ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (الأنعام / ١١١).

ويردّ القرآن على هذا الاحتجاج : (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) (الأنعام / ٨) أي يكون هلاكهم قطعيّاً على ما يوضّحه النص التالي :

إنّ نفوس المتوغّلين في عالم المادّة لا تطيق مشاهدة الملائكة لو نزلوا عليهم واختلطوا بهم لكون ظرفهم غير ظرف الملائكة فلو ارتفع الناس إلى المرتبة الوجودية للملائكة لم يكن ذلك إلّا انتقالاً منهم من حضيض المادة إلى ذروة ما وراءها وهو الموت كما قال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا) (الفرقان / ٢١ و ٢٢)(٢). قال ابن عباس : ولو أتاهم ملك في صورته لأهلكناهم ثمّ لا يؤخّرون(٣).

٨ ـ التفاؤل بغلبة فارس على الروم

قد نشبت حرب دامية بين الروم و الفرس ، والنبيّ والمسلمون بمكّة حوالي سنة سبع من البعثة ، فغلبت الفرس على الروم فتفاءلت بذلك قريش بحجّة أنّ الفرس

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٢ ص ٧٦ و ٧٧.

(٢) الميزان : ج ٧ ص ١٦.

(٣) دلائل النبوّة للبيهقي : ج ٢ ص ٣٣٢.

١٦٤
 &

وثنيّون والروم أهل كتاب ، فقالوا : الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس وأنتم تزعمون أنّكم ستغلبون بالكتاب الّذي اُنزل على نبيّكم فسنغلبكم كما غلبت فارسُ الروم ، فأنزل الله سبحانه : (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّـهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم / ١ ـ ٥).

والآية تتضمن خبراً غيبياً بل خبرين حيث يخبر عن غلبة الروم على الفرس أوّلاً في بضع سنين أي في مدة لا تتجاوز تسع سنين ، وانّه في ذلك اليوم ينزل النصر على المؤمنين أيضاً وقد تحقّق الخبران يوم ظهر المسلمون على مشركي قريش يوم بدر. قال عطية : وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال : التقينا مع رسول الله ومشركي العرب ، و التقت الروم وفارس فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على المجوس ، ففرحنا بنصر الله إيّانا على مشركي العرب ونصر أهل الكتاب على المجوس ، وذلك قوله : (يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّـهِ)(١).

٩ ـ طلب رفع العذاب

لمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من الناس إدباراً فقال : اللّهمّ سبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام ، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكّة فقالوا : يا محمّد ، إنّك تزعم أنّك بعثت رحمة وأنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم ، فدعا رسول الله فسقوا فأطبقت عليهم سبعاً ، فشكى الناس كثرة المطر ، فقال : اللّهمّ حوالينا ولا علينا ، فانحدرت السحابة عن رأسه فسقي الناس حولهم(٢).

وروى السيوطي : انّ قريشاً لمّا استعصيت على رسول الله وأبطأوا عن الإسلام قال : اللّهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأصابهم جهد وقحط حتّى أكلوا العظام

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٤ ص ٢٩٥.

(٢) دلائل النبوّة : ج ٢ ص ٣٢٦.

١٦٥
 &

فجعل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع فأنزل الله : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الدخان / ١٠ و ١١) فأتي النبيّ فقيل : يا رسول الله استسق الله لمضر ، فاستسقى لهم فسقوا فأنزل الله : (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) (الدخان / ١٥) ، فلمّا أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله : (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (الدخان / ١٦) فانتقم الله منهم يوم بدر(١).

١٠ ـ كيف يمكن إحياء العظام البالية ؟

مشى اُبيّ بن خلف إلى رسول الله بعظم بال قد اُرفت فقال : يا محمّد إنّك تزعم أنّ الله يبعث هذا بعدما أرم ؟ ثمّ فتّه بيده ، ثمّ نفخه في الريح ، فقال رسول الله : نعم أنا أقول ذلك ، يبعثه الله و إيّاك بعدما تكون هكذا ثمّ يدخلك الله النار ، فأنزل الله تعالى فيه : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) (يس / ٧٨ ـ ٨٠)(٢).

١١ ـ هل المسيح حصب جهنّم ؟!

جلس رسول الله مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث ، حتّى جلس معهم في المجلس وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلّم رسول الله ، فعرض له النضر بن الحارث ، فكلّمه رسول الله حتّى أفحمه ثمّ تلى عليه وعليهم : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ

__________________

(١) الدر المنثور : ج ٦ ص ٢٨.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٣٦١ و ٣٦٢. و سيوافيك جميع حججهم الواهية حول المعاد في الجزء المختص به بإذن الله ، و لذلك آثرنا في المقام الإختصار.

١٦٦
 &

هَـٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) (الأنبياء / ٩٨ ـ ١٠٠).

فأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتّى جلس فقال الوليد بن مغيرة لعبد الله ابن الزبعري : والله قد زعم محمّد إنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنّم. فقال عبد الله بن الزبعري : أمّا والله لو وجدته لخصمته ، فسلوا محمداً أكلُّ ما يعبد من دون الله في جهنّم مع من عبده ؟ فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيراً ، والنّصارى تعبد عيسى بن مريم ، فعجب الوليد ومع من كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنّه قد احتجّ وخاصم ، فذكر ذلك لرسول الله من قول ابن الزبعري. . . . فأنزل الله تعالى عليه : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) (الأنبياء / ١٠١ و ١٠٢) أي عيسى بن مريم و عزيراً ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتّخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله.

فنزل فيما يذكرون أنّهم يعبدون الملائكة ، وإنّهنَّ بنات الله : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. . . ـ إلى قوله ـ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (الأنبياء / ٢٦ ـ ٢٩).

ونزل في ما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنّه يعبد من دون الله ، وعجب الوليد ومن حضر من حجّته وخصومه (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. . . إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) (الزخرف / ٥٧ و ٥٩ ـ ٦١).

*       *      *

١٦٧
 &

خاتمة المطاف :

دعاء النّبيّ على سبعة من قريش

استقبل رسول الله البيت فدعا على نفر من قريش سبعة فيهم أبو جهل ، واُميّة ابن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن أبي معيط ، قال عبد الله بن مسعود : اُقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر ، قد غيّرتهم الشمس وكان يوماً حارّا(١).

وقد نزلت آيات في حقّهم وحقّ غيرهم تقدّم بعضها وإليك البقية الباقية منها :

١ ـ لمّا أرادت قريش البطش بالنبيّ أخذوا يتناولونه بالنبز واللمز والهمز وصور الاستهزاء المختلفة وجعل القرآن ينزل في قريش يخبر عن أعمالهم وعدائهم ، فمنهم من سمّي لنا ، ومنهم من لم يسمّ ، وممّن سمّي لنا من قريش عمّه أبو لهب بن عبد المطلب وامرأته اُم جميل بنت حرب بن اُميّة ، حمّالة الحطب ، وإنّما سمّاها الله تعالى حمّالة الحطب ، لأنّها كانت ـ تحمل الشوك فتطرحه على طريق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ حيث يمرّ ، فأنزل الله تعالى فيهما : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)(٢).

٢ ـ إنّ اُميّة بن خلف كان إذا رأى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) همزه و لمزه ، فأنزل الله تعالى فيه : (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّـهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) (الهمزة / ١ ـ ٩)(٣).

__________________

(١) دلائل النبوة : ج ٢ ص ٣٣٥.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام : ج ١ ص ٣٥٥.

(٣) المصدر السابق : ج ١ ص ٣٥٦.

١٦٨
 &

٣ ـ لقى أبو جهل بن هشام رسول الله فقال له : والله يا محمّد لتتركنّ سب آلهتنا أو لنسبنّ إلهك الذي تعبد ، فأنزل الله تعالى : (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ فَيَسُبُّوا اللَّـهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام / ١٠٨)(١).

لمّا نزل قوله سبحانه : (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) (المدثر / ٢٦ ـ ٣٠) ، قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم اُمّهاتكم أتسمعون ابن أبي كبيشة يخبركم بأنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنّم ، فقال أبو الأسد الجمحي : أنا أكفيكم سبعة عشر ، عشرة على ظهري ، وسبعة على بطني ، فاكفوني أنتم اثنين ، فنزل قوله : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) (المدثر / ٣١)(٢).

لمّا ذكر الله عزّ وجلّ شجرة الزقوم ترهيباً بها و قال : (أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) (الصافات / ٦٢ ـ ٦٨).

قال أبو جهل : يا معشر قريش ، هل تدرون ما شجرة الزّقوم الّتي يخوّفكم بها محمّد ؟ قالوا : لا ، قال : عجوة يثرب بالزبد ، والله لئن استمكنّا منها لنتزقمنّها تزقّماً. فأنزل الله تعالى فيه : (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) (الدخان / ٤٣ ـ ٤٦).

__________________

(١) المصدر السابق : ج ١ ص ٣٥٧.

(٢) لاحظ مجمع البيان : ج ٥ ص ٣٨٨. و الميزان : ج ٢٠ ص ١٧٠ ، و المقصود ما أخبرنا عن عدّتهم انّها تسعة عشر إلّا ليكون فتنة للذين كفروا ، و في الوقت نفسه يكون سبباً لاستيقان أهل الكتاب ، لأنّهم يجدونه موافقاً لما جاء في كتابهم كما يكون سبباً لزيادة إيمان المؤمنين بسبب ما يجدون من تصديق أهل الكتاب ذلك.

١٦٩
 &

قال ابن هشام : المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص ، أو ما أشبه ذلك ، فيما أخبرني أبا عبيدة : قال : كان عبد الله بن مسعود والياً لعمر بن الخطاب على بيت مال الكوفة وأنّه أمر يوماً بفضة فاُذيبت فجعلت تلوّن ألواناً ، فقال : هل بالباب من أحد ؟ قالوا : نعم. قال : فادخلوهم ، فاُدخلوا ، فقال : إنّ أدنىٰ ما أنتم راوون شبهاً بالمهل كهذا(١).

٤ ـ إنّ اُبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط كانا متصافيين ، حَسَناً ما بينهما ، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسمع منه ، فبلغ ذلك اُبيّاً ، فأتى عقبة فقال (له) : ألم يبلغني إنّك جالست محمّداً و سمعت منه ! وجهي من وجهك حرام أن اُكلّمك ـ واستغلظ من اليمين ـ إن أنت جلست إليه أو سمعت منه ، أو لم تأته فتتفل في وجهه. ففعل ذلك عدو الله عقبة بن أبي معيط لعنه الله. فأنزل الله تعالى فيهما : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. .) إلى وقوله تعالى : (لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) (الفرقان / ٢٧ ـ ٢٩).

٥ ـ ابن أخنس بن شريف الذهبي حليف بني زهرة ، كان من أشراف القوم وممّن يستمع منه ، وكان يصيب من رسول الله ويرد عليه ، فأنزل الله تعالى فيه : (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) (القلم / ١٠ ـ ١٣).

قال ابن هشام : ولم يقل «زنيم» لعيب في نسبه وإنّ الله لا يعيب أحداً بنسب ولكنّه حقّق بذلك نعته ليعرف. والزنيم : العديد (الدعيّ) للقوم(٢).

٦ ـ إنّ العاص بن وائل كان من أعداء النبيّ وكان خبّاب بن الأرتّ ، صاحب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قيناً بمكّة يعمل السيوف ، و كان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً عملها له حتى كان عليه مال ، فجاءه يتقاضىٰ ، فقال له :

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٣٦٢ و ٣٦٣.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٣٦٠.

١٧٠
 &

يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أنّ في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب ، أو فضّة ، أو ثياب ، أو خدم ؟ قال خباب : بلى. قال : فانظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فاقضيك هنالك حقّك ، فوالله لاتكون أنت و صاحبك يا خبّاب آثر عند الله منّي ، و لاأعظم حظّاً في ذلك. فأنزل الله تعالى فيه : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) (مريم / ٧٧ ـ ٨٠).

٧ ـ وقف الوليد بن المغيرة مع رسول الله و رسول الله يكلّمه و قد طمع في إسلامه ، فبينما هو في ذلك إذ مرّ به ابن اُم مكتوم الأعمى فكلّم الأعمى رسول الله و جعل يستقرئه القرآن ، فشقّ ذلك منه على رسول الله حتى أضجره و ذلك انّه شغله عمّا كان فيه من أمر الوليد و ما طمع فيه من إسلامه ، فلمّا أكثر عليه انصرف عنه عابساً و تركه ، فأنزل الله تعالى فيه : (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ) (عبس / ١ ـ ١٢)(١).

وما ذكره ابن هشام و غيره و إن كان ينطبق على ظاهر الآيات و لكنّه لايتفق مع خلق النبي الذي وصفه سبحانه بقول : (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

وفي بعض الروايات إنّ العباس المتولّي ، رجل من بني اُميّة ، كان عند النبي فدخل على النبي ابن اُم مكتوم فعبس الرجل و قبض وجهه فنزلت الآيات.

قال العلّامة الطباطبائي : و ليست الآيات ظاهرة الدلالة على أنّ المراد بها هو النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بل خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه ، بل فيها ما يدل على أنّ المعني بها غيره ، لأنّ العبوس ليس من صفات النبي (صلّى الله عليه

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٣٦٣ ، و أكثر التفاسير نقلوا هذا المضمون.

١٧١
 &

وآله و سلّم) مع الأعداء فضلاً عن المؤمنين به و الموالين له ، و على كلّ تقدير ، فإنّ توصيفه بأنّه يميل للأغنياء و يعرض عن الفقراء لايتناسب مع أخلاقه الكريمة كما عن المرتضى ـ رحمه الله ـ.

وقد أوضحنا الحال في الجزء الخامس من هذه الموسوعة(١).

٨ ـ كان العاص بن وائل السهمي ـ إذا ذكر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ـ قال : دعوه ، فإنّما هو رجل أبتر لاعقب له ، لو مات لانقطع ذكره و استرحتم منه ، فأنزل الله في ذلك : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ما هو خير لك من الدنيا و ما فيها ، و الكوثر : العظيم.

إنّ هذه الآية تتضمّن خبراً غيبيّاً و هو أنّه سيكثر نسل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و إنّ تعيير العدو يرجع إلى نفسه ، و على الرغم من أنّ أهل بيته لاقوا من الاُمّة مالاقوا من القتل و التشريد و التنكيل ، و مع ذلك نجد نسل الرسول قد بلغ من التصوّر ما بلغ. قال الرازي : «فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالم ممتلئ منهم ولم يبق من بين اُميّة في الدنيا أحد يعبأ به ، ثمّ انظر كم فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر و الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام) و النفس الزكية وأمثالهم»(٢).

هذا ما يقوله الرازي في القرن السابع أو أواخر القرن السادس ، و نحن في أوائل القرن الخامس عشر ، و قد ملأ العالم نسل البتول ، و هذه بلاد المغرب و تونس والجزائر و مصر و الشام و تركيا و إيران و العراق زاخرة بالشرفاء من أبناء الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فصدق قول الله العلي العظيم : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).

إنّ منصب نقابة الطالبين في عصر الرضا (عليه السلام) و بعده إلى عصر الشريف الرضي الذي تصدّر هذا المنصب عام ٣٨٠ هـ ، لأوضح دليل على كثرة

__________________

(١) مفاهيم القرآن : ج ٥ ص ١٣٠ عند البحث عن عصمة النبي.

(٢) مفاتيح الغيب : ج ٨ ص ٤٩٨ (طبع مصر ـ ١٣٠٨).

١٧٢
 &

الطالبيين من نسل البتول إلى حد عيّن لهم نقيب كالإمام الرضا والشريف الرضي ، و المسؤولية الملقاة على عاتقه ، ضبط مواليدهم و وفياتهم و أنسابهم و القيام بمهام اُمورهم و هدايتهم و إرشادهم إلى ما فيه صلاح دنياهم و آخرتهم على حد ما ذكره الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية(١).

__________________

(١) الأحكام السلطانية : ص ٨٢ ـ ٨٦.

١٧٣
 &

ج ـ الاقتراحات الباطلة لقبول الرسالة

الدارج و المألوف بين الدبلوماسيين إذا كانوا بصدد رفع ما بينهم من خصومة ومرافعة ، هو الجلوس على طاولة المفاوضات و إبداء بعض التنازلات عن المصالح الجزئية لقاء الحفاظ على مصالح اُخرى أكثر أهميّة بالنسبة لهم مع سعيهم الحثيث للحفاظ على حرمة الاُصول المبدئية للطرفين.

و لكن القوم لتشبّثهم بما كانوا عليه ، و غربتهم عن العلم باُصول دعوة الأنبياء وأهدافها السامية ، كانوا يطلبون من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) اُموراً مختلفة : منها ما يضاد الاُصول التي بنيت عليها الشرائع السماوية ، و منها ما يدخل في المحالات بالذات ، و منها ما هو خارج عن نطاق وظائف الرسل و الأنبياء ، و لايمت بصدق دعوتهم و رسالتهم ، و إليك جملة من هذه الطلبات التي تقدّموا بها على ضوء الكتاب العزيز :

١ ـ التشريك في العبادة

روى المفسرون أنّ نفراً من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي ، و العاص ابن أبي وائل ، و الوليد بن المغيرة و غيرهم ، قالوا : اتبع ديننا نتبع دينك ، و نشركك في أمرنا كلّه ، تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة ، فإن كان الذي جئت به خيراً ممّا بأيدينا كنّا قد شركناك فيه و أخذنا بحظّنا منه ، و إن كان الذي بأيدينا خيراً ممّا في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا و أخذت بحظّك منه ، فقال (صلّى الله عليه و آله وسلّم) : معاذ الله أن اُشرك به غيره. قالوا : فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك و نعبد إلهك فقال : حتى انظر ما يأتي من عند ربي ، فنزل : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فعدل رسول الله

١٧٤
 &

(صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى المسجد الحرام و فيه الملأ من قريش ، فقام على رؤوسهم ، ثمّ قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك ، فآذوه و آذوا أصحابه ، قال ابن عباس : و فيهم نزل قوله : (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّـهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) (الزمر / ٦٤)(١).

وروى أبو حفص الصائغ عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قالوا : نعبد إلهك سنة و تعبد إلهنا سنة ، فأنزل الله عليه : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ...)(٢).

نظراً لابتعاد هؤلاء عن النبوّة و الأنبياء يخالون أنّ برامج الأنبياء في رسالاتهم برامج بشرية يسوغ لهم المساومة فيها و إبداء التنازلات عنها ، و لأجل ذلك نزل الوحي رادّاً على تلك الفكرة الخاطئة و قال : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

إنّ الدعوة إلى التوحيد في العبادة و رفض عبادة الغير هو الحجر الأساس الذي تهدف إليه الدعوة الإلهية المتمثّلة في رسالات الأنبياء ، و لم يبعث نبي قط إلّا و كان هذا هو المحور المهمّ في صلب دعوته ، فكيف يخوّل له التنازل عن هذا الأصل الأصيل. قال سبحانه : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل / ٣٦).

و يعرب أيضاً عن وجود مثل هذا الاقتراح قوله سبحانه : (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الأسراء / ٧٣ ـ ٧٥).

هذه الآيات تفصح عن شدة مكر المشركين و تماديهم في إنكار التوحيد حيث

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٥ ، ص ٢٥٢.

(٢) السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٣٦٢ ، بحار الأنوار : ج ٧ ص ٢٣٩.

١٧٥
 &

أرادوا أن يفتنوا النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن بعض ما اُوحي إليه أن يميل إلى الركون إليهم بعض الميل ، و لكنّهم لم يحظوا بما كانوا يصبون إليه و يرمون تحقيقه من ميل النبي إليهم وافتتانه عن بعض ما اُوحي إليه و الشاهد على ذلك أمران :

١ ـ قوله سبحانه : (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) و هو صريح في أنّه لم يتحقّق الإفتتان.

٢ ـ قوله عزّ و جلّ : (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) و المراد من التثبيت هو العصمة و لأجل ذلك قال : (لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) ولم يقل : «كنت» و المراد القرب من الركون و إنّه لولا التثبيت لقرب ركونه إليهم ولكنّه لم يحصل القرب فضلاً عن الركون لأجل التثبّت.

٢ ـ تبديل القرآن بغيره

و قد كان من جملة الإقتراحات التي قدّمت للنبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) أزاء قبول دعوته هو تبديل القرآن لأنّه يشتمل على تخطئة ما كانوا هم و آباؤهم عليه من الاعتقاد و العمل ، فاقترحوا عليه أن يأتي بقرآن خالي من ذلك ، قال سبحانه في محكية عنهم : (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ) (يونس / ١٥).

و هذا الإقتراح على غرار ما سبق ينبع عن جهل بمبادئ النبوّة و الرسالة التي يتحمّلها الرسول من خلال دعوته و ابلاغه و ليس له حق في تحويره و إبداله بل هو مأمور لاتتجاوز وظيفته حد الإبلاغ. قال سبحانه مشيراً إلى هذا الجواب : (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس / ١٥).

فهذه الآية تفسّر حقيقة النبوّة و تبيّن حدود وظيفة النبي ، فإنّه خاضع للوحي وليس له إِلّا إبلاغ ما يوحى إليه و إنّ تبديل الموحى إليه عمل إجرامي لايغتفر

١٧٦
 &

وعصيان للرب موجب للثبور و الخسران.

ثمّ إنّه سبحانه يرشد النبي إلى أن يستدل عليهم بأنّ القرآن ليس كلامه و إنّما هو وحي يوحى إليه من خلال تسليط الضوء على سيرته بينهم حيث عاش فيهم عمراً و لم يسمعوا منه شيئاً ممّا يشبه القرآن ، فلو كان القرآن حصيلة فكره و نتاج عقله لبدر منه شيء طيلة أربعين سنة من عمره المنصرم إذ (مَا أَضْمَرَ أحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي صَفَحَاتِ وجْهِهِ وَ فَلَتَاتِ لِسَانِهِ)(١).

فامساكه في هذه الحقب و الأعوام عن التفوّه بما يماثل ذلك لأوضح دليل على أنّه وحي اُوحي إليه في حاضر دعوته فكيف تقترحون عليه أن يأتي بقرآن غيره هذا إذ ليس القرآن رهن إشارته وطوع اختياره و إرادته حتى يأتي بطائفة منه و يعزف عن طائفة اُخرى و إليه يشير قوله سبحانه :

(قُل لَّوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (يونس / ١٦).

فهؤلاء القوم مرضى القلوب و الضمائر و ضعفاء العقول و البصائر ، يقترحون على الطبيب الإلهي أن يكتب لهم الوصفة العلاجية لدائهم المزمن حسبما تشتهي أنفسهم و أهواؤهم.

٣ ـ شروط تعجيزية

قد بلغ عناد القوم و لجاجهم في وجه الدعوة المحمديّة حدّاً كانوا يقترحون عليه اُموراً تارةً تدخل في حيّز المستحيلات و لاتتعلّق بها القدرة و إن بلغت ما بلغت ، و اُخرى اُموراً ممكنة و لكنّها خارجة عن نطاق وظائف النبي في دعوته ورسالته و تضاد أهدافها و لاتمت بالاستدلال على صدقها بصلة و لاتعد دليلاً على

__________________

(١) مقتبس من كلام لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قصار حكمه (رقم ٢٦) من نهج البلاغة.

١٧٧
 &

ربّانيّة رسالته(١).

و قد تعرّض القرآن الكريم لهذه الشروط المستحيلة أو الصعبة بأشكالها المختلفة في ضمن الآيات التالية :

(وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ :

١ ـ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا

٢ ـ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا

٣ ـ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا

٤ ـ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّـهِ

٥ ـ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا

٦ ـ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ

٧ ـ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ

٨ ـ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ).

هذا تصوير لجملة شروط القوم ، و أمّا الجواب عنها فقد أوجزه في كلمتين :

١ ـ (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي

٢ ـ هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) (الأسراء / ٩٠ ـ ٩٣)

هذه مطالبهم و إليك تفصيل القول فيها :

إنّ هذه المطالب بين محال لاتدخل في نطاق القدرة ، و بين ما هو خارج عن وظيفة الرسول و رسالته ، و بين ما هو يضادّ أهداف دعوته ، أو لايمت بصلة إلى صدق دعوته ، كما سبق ذكره ، و إليك بيانها بمزيد من التفصيل :

__________________

(١) لاحظ السيرة النبويّة : ج ١ ص ٢٩٦ و ٢٩٧ و ٣٠٩.

١٧٨
 &

أمّا الأول : أعني تفجير الينبوع من الأرض فهو يحتمل معنيين :

١ ـ أن يفجّر الينبوع من الأرض وفق رغبتهم لنفسه حتى يكون رجلاً ثريّاً.

٢ ـ أن يفجّر الينبوع من الأرض لأجل هؤلاء حتى تصبح أراضيهم و مراتعهم مخضرّة مزهرة يانعة الثمار.

أمّا الاحتمال الأول : فلايعد دليلاً على صدق الدعوة ، و لو اُريد الثاني فهو على خلاف السنّة الإلهية فقد تعلّقت مشيئته الحكيمة بتحصيل هذه المواهب المادّية عن طريق الكدح و الجد في ظل أعمال الطاقات البشرية ، بالإضافة إلى أنّه خارج عن وظائف الرسالة ، فإنّ الأنبياء قد بعثوا لهداية الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين باراءة الطريق الموصل إليها ، و أمّا القيام بتفجير الينبوع من الأرض فهو أمر خوّل إلى الناس أنفسهم.

و أمّا الثاني : فهو أن يكون للنبيّ جنّة من نخيل و عنب تجري الأنهار خلالها فلاصلة له بصدق الدعوة إذ أقصى ما يستدلّ به على أنّه رجل عاقل عارف بشؤون الفلاحة والتجارة أو رجل له مكانة مرموقة في المجتمع و لاتدلّ كثرة الأموال و الانتعاش الإقتصادي على صدق الدعوة ، و قد مرّ تحقيق ذلك في تفسير قوله : (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ).

و أمّا الثالث : أعني اسقاط السماء على رؤوسهم فهو يضادّ هدف الدعوة ، لأنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعث لهداية الناس و رحمة بهم لا لإهلاكهم ، نعم يمكن تصوّر ذلك إذا تمّت الحجّة عليهم و لم يبق لهم عذر في عدم قبول الدعوة ، فربّما يشملهم العذاب و هو خارج عن موضوع البحث.

أمّا الرابع : أعني الإتيان بالله فهو طلب أمر محال ، فهؤلاء كانوا يطلبون رؤية الله سبحانه قبيلاً و مواجهة. و الله فوق الزمان و المكان لايحيط به شيء ، و لايمكن أن تراه العيون بمشاهدة الأبصار و إنّما تراه القلوب بحقائق الإيمان.

١٧٩
 &

و أمّا الخامس : أعني الإتيان بالملائكة قبيلاً و مشاهدتهم بانقلاب الغيب شهوداً فهو من المعاجز التي لو تحقّقت و لم يترتب عليها منهم إيمان و إذعان لعمّهم العذاب و لاينظرون ، و قد مرّ ذلك في تفسير قوله : (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) (الأنعام / ٨).

و أمّا السادس : و هو أن يكون له بيت من ذهب فلاصلة له بصدق الدعوة.

و أمّا السابع : و هو الرقي في السماء فهو أشبه باقتراح الصبيان و لو فرض تحقّقه عن طريق الإعجاز لما آمنوا به بشهادة قولهم في الإقتراح الثامن : (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ). حيث صرّحوا بأنّ رقيه في السماء غير كاف في إيمانهم و إذعانهم بل يجب أن يقترح عليه أمراً ثامناً و هو أن ينزّل عليهم كتاباً يقرأونه ، و لعلّ مقصودهم أن ينزّل كتاباً فيه اسمه و رسالته.

إنّ هذه الإقتراحات التعجيزية أوضح شاهد على أنّ القوم لم يكونوا بصدد كشف الحقيقة و تحرّي الواقع و الصدق ، و لو افترضنا أنّ النبي قد امتثل لبعض اقتراحاتهم الممكنة لوجدناهم يأتون بحجج واهية اُخرى بقصد التعجيز لاغير ، و لأجل ذلك يقول سبحانه في حق هؤلاء و أشباههم : (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الأنعام / ٧).

ويقول سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّـهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) (الرعد / ٣١). و هذه الآية و نظائرها تدلل بشواهد صادقة لايشوبها الريب على أنّ القوم لم يكونوا بصدد الوقوف على الحقيقة و استكشافها و لأجل ذلك كانوا يقترحون على النبي اُموراً تنم عن روح العناد و المكابرة ، و أمّا الذكر الحكيم فقد أجاب عنه بوجهين :

١ ـ (سُبْحَانَ رَبِّي...) و لعلّه جواب عن قولهم : أو يأتي بالله ، و الله سبحانه منزّه عن المادّة و آثارها و ليس للبشر يصحّ رؤيته بحاسة الأبصار. قال سبحانه : (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام / ١٠٣).

١٨٠