مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أنّه كان على خط التوحيد وعلى دين آبائه ، نقل المؤرّخون : إنّ عبدالله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِيرٍ لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض ، فأقام بها حتّى توفّي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ، وليس بين أصحابنا فيه اختلاف(١).

وقد مات ـ رضي الله عنه ـ والنبي جنين في بطن أُمّه.

وأمّا والدته فهي «آمنة بنت وهب» خرجت مع النبي وهو ابن خمس أو ستّ سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدّه ، وهم بنو عدي بن النجار ، ومعها أُمُّ أيمن فأقامت عندهم ، ولمّا خافت على ولدها من اليهود خرجت من المدينة ، فلمّا وصلت إلى الأبواء توفّيت ودفنت فيها(٢).

وبذلك ولد النبي يتيماً وعاش يتيماً و إليه يشير قوله سبحانه و يقول :

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) ؟ (الضّحى / ٦).

ولعلّ الحكمة في تولّده ونشوئه يتيماً أحد الأُمور التالية أو جميعها :

أ ـ إنّ هذا الطفل سيلقى عليه في مستقبل حياته قولاً ثقيلاً كما يقول سبحانه :

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمّل / ٥).

وأيّ قول أثقل من هداية الأُمّة الأُميّة إلى معالم السعادة ، ولا يقوم بهذا العبء الثقيل إلّا الأمثل فالأمثل من الشخصيات التي ملأ روحها الصمود والثبات ، ولا تحصل تلك الحالة إلّا بعد تذوّق مرارة الدهور ومآسي الأيام حتّى يقع في بوتقة الأحداث ويخرج مؤهّلاً لحمل عبء الرسالة وهداية النّاس ، وقد صار كزبر الحديد ، عركته المحن ، وحنَّكته التجارب.

ب ـ ولد يتيماً ونشأ يتيماً حتّى يقف على الوضع المأساوي السائد على الأيتام

__________________

(١) تاريخ الطبري ج ١ ص ٨.

(٢) الاتحاف للبشراوي ص ١٤٤ ، سيرة زيني دحلان ، بهامش السيرة الحلبية ج ١ ص ٥٧.

٦١
 &

في عامّة الأجيال ، ولأجل ذلك يترتّب على قوله : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) قوله : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ).

ج ـ ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ الله عزّ وجلّ أيْتَمَ نَبِيَّه لِئَلّا يكون لأحدٍ عَلَيْه طَاعَة»(١).

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال : «لئلّا يجب عليه حق لمخلوق»(٢).

نعم ربّما يفسّر اليتيم في الآية الكريمة بالوحيد كما يقال الدرّة اليتيمة ولكنّه لايناسب قوله : (فَآوَىٰ) كما أنّه لا يناسب مع ما رتّب عليه من عدم قهر اليتيم.

٢ ـ الهداية بعد الضلالة

الضلالة ضد الهداية فماذا يراد من الضلالة في الآية ؟

هل يراد أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان في فترة من عمره مضطرب العقائد ، منحرف السلوك ، ولم يكن على طريق واضح مطمئن ثم هداه الله بالأمر الذي أوحى به إليه ؟ أو أنّ المراد من الضلالة ، هو الضلالة الذاتية التي تعمّ كُلّ الموجودات الحيّة من النبات والحيوان والإنسان ، لولا هداية الله تبارك وتعالى التي اُشير إليها في قوله سبحانه :

(الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) (طه / ٥٠). وقال : (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) (الأعلى / ٣).

والنبات بما هو موجود ممكن ، ضالّ لايهدي إلى طريق إلّا بهداية الله تبارك وتعالى ، وكذلك الحشرات والحيوانات ، فالنحل بوحي منه سبحانه يسلك سبيل الكمال ، كما أنّ الحيوان بهداية منه سبحانه يقف على طريق الحياة ، والإنسان بما

__________________

(١) علل الشرايع ج ١ ص ١٣١.

(٢) عيون أخبار الرضا ص ٢١٠.

٦٢
 &

أنّه ممكن ضالّ فاقد للهداية ، وإنّما يعرف طرق السعادة بهداية منه سبحانه ، وعلى ذلك فالآية تشير إلى الضلالة الذاتية التي هي من لوزام وجود الإنسان الممكن ولايمكن تحديد ذلك بوقت دون وقت ، بل الإنسان منذ أن خرج من بطن أُمّه يُولَد ضالّاً ، والله سبحانه في الآية المتقدّمة يشير إلى ذاك النوع من الضلالة.

ويؤيّده أنّ مدار البحث في الآيات ما يرجع إلى أيّام طفولته وصباه فتفسيرها بالضلالة بمعنى الحيرة في العقيدة ، وضلال الشعاب التي تتبلور في أيام الشباب وما بعده ، بعيد عن سياق الآيات ويخالف ما هو المعلوم من حال النبي انّه كان موحّداً مؤمناً منذ طفولته إلى شبابه إلى أن أوحى الله إليه سبحانه.

إنّ الضلالة تطلق على معنيين يجمعهما فقد الهداية :

الأول : هيئة نفسانيّة تحيط بالقلب فيكفر بالله سبحانه ، و آياته ، وبيّناته ، وأنبيائه ، ورسله ، أو ببعض منها ، فالضلالة في الكفّار والمنافقين من هذا القسم ، فهم منحرفون في التصوّرات والعقائد ، منحرفون في السلوك والأوضاع.

الثاني : فقد الهداية مع كونه لائقاً بها غير أنّه يكون باب الهداية مسدوداً في وجهه كما هو الحال في الأطفال والأحداث فهؤلاء في أوان حياتهم يفقدون الهداية لولا أنّ الله سبحانه يريهم الطريق من طرق الفطرة وهداية العقل ثمّ الشرع.

فالنبي كان ضالّاً بهذا المعنى أي كان يفقد الهداية الذاتية و إنّما هداه الله سبحانه منذ أن تعلّقت مشيئته بهدايته ، وربّما يذكر مبدأها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلماته وقال : «ولقد قرن الله من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليلاً ونهاراً»(١).

فوزان قوله تعالى : (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ) وزان قوله سبحانه : (الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) وقوله : (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

__________________

(١) نهج البلاغة الخطبة ١١٧ (طبع عبده).

٦٣
 &

الصَّالِحَاتِ) (العصر / ٢ و ٣).

فليس الخسران في الآية أمراً وجوديّاً مثل الخسران الموجود في الكافر والمنافق فإنّ الخسران فيهما ينقلب إلى أمر وجودي وهيئة ظلمانيّة في النفس والروح ، بل المراد هو عدم الهداية الذاتية لغرض أنّ كلّ إنسان ممكن ، وكلّ ممكن غير واجد لشيء من صميم ذاته ، و إنّما يجد ما يجد من جانبه سبحانه.

نعم ، لو عاش وصار شابّاً وكهلاً وأنكر آيات الله ، ودلائل وجوده ، وأنبيائه ، ورسله ، فعند ذلك يتبدّل الخسران بمعنى فقد الهداية إلى هيئة ظلمانيّة تحدق بالقلب وتظلمه. فالضلالة بالمعنى الأوّل تقارن وجود الإنسان منذ أن يفتح عينه على الحياة ، وبالمعنى الثاني تكون مكتسبة.

فتحصل من هذا البحث : انّ الآية لا تمت بحيرة العقيدة ، وضلال الشعاب في فترة من العمر حتّى يستدل بها عليه كونه كافراً قبل البعثة أو في برهة من حياته ، ويحقّق هذا المعنى و يثبّته بوضوح انّ السورة بموضوعها وتعبيرها تعكس لمسة من حنان ، ونسمة من رحمة ، وطائفاً من ودّ ، وكلّها تسلية وترويح وتطمين للنبي ، و انّه سبحانه قام بأمر حياته وهدايته من أوان يتمه وفقده لأبيه ، وهذا يجر إلى القول بأنّه ناظر إلى الهداية أوان الحياة بعد طروء اليتم عليه ، وعندئذ فالضلالة تعتبر أمراً عدميّاً لا أمراً وجوديّاً.

٣ ـ الإغناء بعد العيلولة

يذكر سبحانه من مننه الكبرى على النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انّه كان فقيراً فأغناه الله تعالى بالكسب.

روى ابن هشام : كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه بشيء تجعله لهم ، فكانت قريش قوماً تجّاراً فلمّا بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه بعثت

٦٤
 &

إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار مع غلام لها يقال له «ميسرة» ، فقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منها وخرج في مالها ذلك ، وخرج معها غلامها «ميسرة» حتّى قدم الشام ، ثمّ باع رسول الله سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري(١).

ويظهر ممّا رواه أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار ، انّ عمّه أبا طالب هو الذي أرشده إلى هذا الأمر و أنّه قال لابن أخيه : إنّ هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر النّاس ، وهي تعطي مالها سائر من يسألها التجارة ويسافرون ، فهل لك يا ابن أخي أن تمضي معي إليها ، ونسألها أن تعطيك مالاً تتّجر فيه ؟ فقال : نعم(٢).

وقد صرّح أبو طالب في خطبته خديجة لابن أخيه بأنّه عائل مُقلّ ، فقال : هذا محمّد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلّا رجّح عليه ولا يقاس بأحد منهم إلّا عظم عنه ، وإن كان في المال مقلّاً ، فانّ المال ورق حائل ، وظلّ زائل(٣) ، وهذا يعرب وقت الإغناء ، وانّه تحقّق بعد الاتّجار بمال خديجة.

فهذه الآيات الثلاث تعرب عن الودّ ، والحبّ ، والرحمة والإيناس التي عمّ النبي في أوان حياته والكل ظاهر من خلال الآيات الثلاث :

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ)

٤ ـ تسميته بمحمّد وأحمد

إنّ القرآن الكريم يتفنّن في توصيف النبي وذكره بل في تسميته والإيماء إليه.

فتارة يشير إليه بإحدى الصفات العامّة الشاملة لكل إنسان كما في قوله

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ١٩٩.

(٢) بحار الأنوار ج ١٦ ص ٢٢.

(٣) المصدر نفسه ص ٦ نقلاً من مناقب ابن شهر آشوب ج ١ ص ٢٦.

٦٥
 &

سبحانه : (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) (النجم / ١٠).

وفي إضافة العبد إلى نفسه إلماع إلى تكريمه وتقرّبه منه.

وأُخرى يخاطبه بالألقاب الخاصّة بأنبيائه ورسله فيقول : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) أو (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ).

وثالثة يخصّه بإسميه اللّذين يدعى بهما في الإسلام أعني «محمداً» و«أحمد».

أمّا الأول فقد جاء في مواضع أربعة من القرآن :

١ ـ (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب / ٤٠).

٢ ـ (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (آل عمران / ١٤٤).

٣ ـ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ) (محمد / ٢).

٤ ـ (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح / ٢٩).

وأمّا الثاني فقد جاء في موضع واحد حيث يقول سبحانه :

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف / ٦).

وليس الرسول بدعاً من بين الرسل في كونه ذا اسمين ، فقد سبقه في ذلك ثلّة من الأنبياء كيوشع بن نون وهو ذو الكفل في القرآن ، ويعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل ، ويونس وهو ذو النون في القرآن ، وعيسى وهو المسيح.

ويظهر من الروايات المتضافرة انّ اسمهُ في السماء أحمد ، فقد جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ممّا سألوه انّه لم سمّيت محمداً

٦٦
 &

وأحمد و... ، فقال النبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) : أمّا محمّد فإنّي محمود في الأرض ، وأمّا أحمد فإنّي محمود في السماء(١).

والمراد من السماء عالم الوحي ويؤيّده ما دلّت عليه آية الصف من تبشير المسيح بمجيء نبيّ اسمه أحمد.

«أحمد» من أسمائه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لا ريب في أنّ أحمد أحد أسمائه المعروفة ولا يتردّد في تسميته به من له تتبّع في سيرته وتاريخ حياته ، وهذا أبو طالب شيخ الأباطح يذكره في أشعاره بهذا الإسم.

قال أبو طالب :

أَلا إنّ خير الناس نفساً ووالداً

إذا عدّ سادات البريّة أحمد(٢)

وقال ابن هشام : ولمّا خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه ، قال قصيدته التي تعوّذ فيها بحرم مكّة و بمكانه منها ، وتودّد أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من أنّه غير مسلّم رسول الله ولا تاركه بشيء أبداً حتّى يهلك دونه ، ومن تلك القصيدة قوله :

لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد

وأحببته حبّ الحبيب المواصل

فلا زال في الدّنيا جمالاً لأهلها

وزيناً لمن والاه ربّ المشاكل

فأصبح فينا أحمد في أرومة

تقصّر عنها سورة المتطاول

وقال «حسان بن ثابت» شاعر عهد الرسالة في رثاء النبي (صلّى الله عليه وآله) :

__________________

(١) علل الشرايع ص ٥٣.

(٢) ديوان أبي طالب ص ١٣.

٦٧
 &

مفجعة قد سفّها فقد أحمد

فظلّت لآلاء الرسول تعدد

أطالت وقوفاً تذرف العين جهدها

على طلل القبر الذي فيه أحمد(١)

إلى غير ذلك من القصائد التي طفحت باسمه (صلّى الله عليه وآله) «أحمد» وقد أوعزنا إلى جملة منها في «مفاهيم القرآن»(٢).

٥ ـ تبشير المسيح بالنبي باسم «أحمد»

أخبر القرآن الكريم بأنّ المسيح يوم بعث إلى بني إسرائيل بشّر بالنبي الخاتم باسمه أحمد وقال :

(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...)

ثمّ إنّ رجال الكنائس أمام هذه البشارة على قولين :

تارة يقولون : إنّ المسيح بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد وهذا لا ينطبق على نبي الإسلام ، فإنّ اسمه محمّد بنص القرآن واتّفاق المسلمين.

وأُخرى ينكرون أصل وجود البشارة في الأناجيل ، و إنّه لم يرد أيّ تبشير بهذا.

والوجه الأوّل من السقوط والرداءة بمرحلة لا يستحقّ الجواب ، فقد عرفت أنّ القرآن كما أسماه محمّداً سمّاه أحمد ، و أيضاً كما عرفت انّ الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يدعى منذ نعومة أظفاره بكلا الاسمين وقد أطراه الشعراء وفي مقدّمتهم عمّه البارّ في قصائدهم واسموه بأحمد(٣).

والمهم هو القول الثاني ، ولكن إنكاره لجاج وعناد ، وهنا نذكر مورداً واحداً :

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ١ ص ٢٧٢.

(٢) مفاهيم القرآن ج ٣ ص ٥٥٠ ـ ٥٥٦.

(٣) السيرة النبوية ج ٢ ص ٦٦٧ و ٦٦٩.

٦٨
 &

قد وردت هذه البشارة في أبواب إنجيل يوحنّا ونحن ننقلها عن التراجم العربية المطبوعة عام ١٨٢١ م وسنة ١٨٣١ م وسنة ١٨٤٤ م في مدينة «لندن» فالباب الرابع عشر من إنجيل يوحنّا يتضمّن العبارات التالية :

١ ـ «إنْ كُنْتُم تُحِبُّونِي فَاحفَظُوا وَصَايَاي» (١٥).

٢ ـ «واَنَا اَطْلبُ مِنَ الأبِ فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معُكمْ إلى الأبد» (١٦).

٣ ـ «روح الحَقّ الَّذي لَنْ يطيق العالم أن يقبله لأنّه ليس يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه لأنّه مقيم عندكم وهو ثابت فيكم» (١٧).

٤ ـ «والفارقليط ، روح القدس ، الذي يرسله الأب بإسمي هو يعلّمكم كل شيء وهو يذكّركم كلّما قلته لكم» (٢٦).

٥ ـ «والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون» (٣٠).

وفي الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنّا هكذا :

١ ـ «إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب ، روح الحقّ الذي من الأب ينبثق هو يشهد لأجلي» (٢٦).

٢ ـ «وأنتم تشهدون لأنّكم معي من الإبتداء» (٢٧).

و في الباب السادس عشر من انجيل يوحنّا جاءت العبارات التالية :

١ ـ «لكنّي أقول لكم الحق انّه خير لكم أن أنطلق لأنّي إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم» (٧).

٢ ـ «فاذا جاء ذلك فهو يوبّخ العالم على خطيّة و على برّ و على حكم» (٨).

٣ ـ «أمّا على الخطية فلأنّهم لم يؤمنوا بي» (٩).

٤ ـ «و أمّا على البر فلانّي منطلق إلى الأب و لستم تروني بعد» (١٠).

٦٩
 &

٥ ـ «و أمّا على الحكم فإنّ اركون(١) هذا العالم قددين» (١١).

٦ ـ «و إنّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم و لكنّكم لستم تطيقون حمله الآن» (١٢).

٧ ـ «و إذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلّمكم جميع الحق لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع و يخبركم بما سيأتي» (١٣).

٨ ـ «و هو يمجّدني لأنّه يأخذ ممّا هو لي و يخبركم» (١٤).

٩ ـ «جميع ما هو للأب فهو لي فمن أجل هذا قلت إنّ ممّا هو لي يأخذ ويخبركم» (١٥).

قبل تبيين الاستدلال على دلالة هذه الجمل على البشارة بأحمد ، نقدّم ذكر أمرين.

١ ـ أجمع المؤرّخون على أنّ الأناجيل الثلاثة غير «متّي» كتبت من أوّل يومها باللّغة اليونانيّة ، و أمّا إنجيل متّي فكان عبرياً من أوّل إنشائه ، و على هذا فالمسيح بشّر بما بشر ـ في إنجيل يوحنّا ـ باللّغة العبرية ، و إنّما نقله إلى اليونانيّة كاتب الإنجيل الرابع يوحنّا و كان عليه التحفّظ على اللفظ الذي تكلّم به المسيح في مورد المبشّر به ، لأنّ القاعدة الصحيحة عدم تغيير الاعلام و الإتيان بنصّها الأصلي لاترجمة معناه ، و لكن «يوحنّا» لم يراجع هذا الأصل و ترجمه إلى اليونانيّة ، فضاع لفظه الأصلي الذي تكلّم به المسيح و بقيت ترجمته ، فاللفظ العبراني الذي قاله عيسى (عليه السلام) مفقود ، و اللفظ اليوناني الموجود ترجمة.

وفي غبّ ذلك حصل الاختلاف في المراد منه ، ثمّ مترجموا العربيّة عرّبوا اللّفظ اليوناني بـ «فارقليط».

و أمّا اللفظ اليوناني الذي وضعه الكاتب يوحنّا مكان اللفظ العبري ، فهو مردّد بين كونه «باراكلي طوس» الذي هو بمعنى المُعزّي و المسلِّي و المعين و الوكيل ، أو «بيركلوطوس» الذي هو بمعنى المحمود الذي يرادف أحمد ، و لأجل تقارب

__________________

(١) و في الترجمة المطبوعة في بيروت «رئيس هذا العالم».

٧٠
 &

الكلمتين في الكتابة ، و التلفّظ ، و السماع ، حصل التردّد في المبشّر به ، و مفسّروا إنجيل يوحنّا يصرّون على الأوّل ، و ادعوا أنّ المراد منه هو روح القدس و انّه نزل على الحواريين في اليوم الخمسين بعد فقد المسيح كما ذكر في كتاب «أعمال الرسل»(١).

و إليك نصّه : «لمّا حضر يوم الخمسين (بعد عروج المسيح أو صلبه على زعمهم) كان الجميع معها بنفس واحدة ، و صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت ، حيث كانوا جالسين و ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار ، و استقرّت على كل واحد منهم ، و امتلأ الجميع من روح القدس و ابتدؤا يتكلّمون بألسنة اُخرى ، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا».

و لكن القرائن المفيدة للقطع و اليقين تفيد انّ المراد منه هو الأوّل ، و انّ المسيح بصدد التبشير عن ظهور نبي في مستقبل الأيّام و إليك بيان هذه القرائن :

١ ـ إنّ المسيح قال : «إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي و أنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر».

إنّ هذا الخطاب يناسب أن يكون المبشّر به نبيّاً من الأنبياء ، إذ لو كان «فارقليط» عبارة عن الروح النازل يوم الدار لما كان هناك حاجة إلى هذا التأكيد ، لأنّ تأثيره في القلوب تأثير تكويني ـ كما عرفت من النّص ـ لايمكن لأحد التخلّف عنه و لايبقى في القلوب معه شك ، و هذا بخلاف تأثير النبي فإنّه يؤثّر ببيانه و كلامه في القلوب ، و هو يختلف حسب اختلاف طبائع المخالفين و استعدادهم ، و لأجل ذلك أصرّ على الإيمان به في بعض جمله و هو :

«و الآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون به».

و قد عرفت ممّا نقلناه من كتاب أعمال الرسل انّ تأثير روح القدس كان تأثيراً تكوينيّاً غير خاضع لإرادة الإنسان.

__________________

(١) أعمال الرسل ، الإصحاح الثاني : الجمل١ ـ ٤.

٧١
 &

٢ ـ إنّه وصف المبشّر به بلفظ «آخر» و هذا لايناسب كون المبشّر به روح القدس لعدم تعدّده و اتّحاده بالأب و الابن اتّحاداً حقيقيّاً ، فلايقال في حقّه «فارقليط» آخر ، بخلاف الأنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد الآخر في فترة بعد فترة.

٣ ـ إنّ المسيح قال : «هو يذكّركم كلّما قلته لكم».

إنّ من البعيد نسيان الحواريين تعاليم المسيح في مدة لاتزيد على خمسين يوماً حتى يذكّرهم روح القدس ، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد هو النبي الخاتم الذي ظهر بعد مضي قرون ستّة ، و قد لعبت الأهواء بتعاليم الأنبياء و حرّفت الكنائس و الرهبان ما جاء به المسيح (عليه السلام) .

٤ ـ إنّ المسيح قال : «هو يشهد لأجلي» فلو كان المراد هو نزول الروح يوم الدار بعد خمسين يوماً كانت هذه الشهادة لغواً لعدم حاجة التلاميذ إلى شهادته لأنّهم كانوا يعرفون المسيح حق المعرفة ، و المنكرون للمسيح لم تحضرهم تلك الروح ، و هذا بخلاف ما إذا اُريد منه النبي المبشّر به فإنّ نبيّنا شهد للمسيح و صدّقه و نزّهه عن ادعاء الالوهيّة كما أبرأ اُمّه من تهمة الزنا ، و هذا واضح لمن تدبّر آيات الذكر الحكيم.

٥ ـ إنّ المسيح قال : «إن لم أنطلق ، لم يأتكم الفارقليط ، فأمّا إن انطلقت أرسلته إليكم».

فعلّق مجيئه بذهاب نفسه مع أنّ مجئ الروح غير معلّق على ذهاب المسيح بشهادة أنّه نزل على الحواريين في حضور المسيح ، لمّا أرسلهم إلى الأطراف و الأكناف فنزوله ليس مشروط بذهابه ، فلابد أن يكون المراد منه شخص يكون مجيئه موقوفاً على ذهاب المسيح كما هو الحال في النبي الخاتم لأنّه جاء بعد ذهاب المسيح ، و كان مجيئه موقوفاً على ذهابه لأنّ وجود رسولين ذوي شريعتين مستقلّتين في زمان واحد غير جائز ، بخلاف ما إذا كان الآخر متبعاً لشريعة الأوّل أو يكون كل من الرسل متبعاً لشريعة واحدة فيجوز في هذه الصورة وجود اثنين أو أكثر في زمان

٧٢
 &

واحد و مكان واحد كما ثبت وجودهم بين زمان «الكليم» و «المسيح».

٦ ـ قال المسيح : «إنّه يوبّخ العالم».

و هذا لاينطبق إلّا على نبي الإسلام لأنّه وبّخ العالم من المشركين و اليهود والنصارى توبيخاً لايشك فيه إلّا معاند متكبّر ، بخلاف الروح النازل يوم الدار ، إذ لم يكن هناك وجه للتوبيخ لأنّه لم يكن هناك مخالف للمنهج الصحيح.

٧ ـ قال المسيح :

«إنّ لي كلاماً كثيراً أقوله لكم و لكنّكم لستم تطيقون حمله الآن».

هذا يعرب من أنّ فارقليط يأتي بأحكام لم يكونوا يطيقونها زمان تكلّم المسيح ، هذا لاينطبق على نزول الروح يوم الدار ، لأنّه ما زاد حكماً على أحكام المسيح و أي أمر حصل لهم أزيد من أقواله إلى زمان صعوده ؟

نعم بعد نزول هذا الروح أسقطوا جميع أحكام التوراة ما عدا بعض الأحكام العشرة المذكورة في الباب العشرين من سفر الخروج و أحلّوا جميع المحرّمات.

و هذا بخلاف ما إذا اُريد نبي يزيد في شريعته أحكاماً إلى أحكام موروثة من المسيح و يثقل حملها على المكلّفين ، ضعفاء الإيمان.

٨ ـ إنّ المسيح قال : «لأنّه ليس ينطق من عنده بل يتكلّم بكل ما يسمع و يخبركم بما سيأتي».

هذا يعرب من أنّ فارقليط سيواجه التكذيب فسوف يكذّبه بنو اسرائيل فأراد دعم دعوته و انّه صادق في كل ما يقول و لامجال لمظنّة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار ، على أنّ الروح أحد الثلاثة و بوجهٍ نفسه سبحانه ، فلامعنى لقوله بل يتكلّم بما يسمع ، و هذا بخلاف أن يراد منه نبي من الأنبياء الذين لايتكلّمون إلّا بوحي منه ، قال سبحانه :

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) (النجم / ٣ و ٤).

٧٣
 &

هذه القرائن و غيرها ممّا يظهر للقارئ بعد التدبّر فيما ورد في الإصحاحات الثلاث (الرابع عشر ، الخامس عشر ، و السادس عشر) ، تفيد القطع و اليقين بأن المبشّر به هو نبي لاغير(١).

و ممّا يؤيد ذلك انّ المراد من «الفارقليط» هو النبي هو ما ذكره مؤرّخوا المسيحيين أنّ بعض الناس قبل ظهور النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ادّعى أنّه هو الفارقليط الموعود قالوا : إنّ «منتنس» المسيحي الذي كان في القرن الثاني من الميلاد و كان مرتاضاً شديداً ادّعى في قرب سنة ١٧٧ من الميلاد أنّه هو الفارقليط الموعود الذي وعد بمجيئه عيسى (عليه السلام) و تبعه اُناس كثير و هذا يعرب عن أنّ المتبادر من الفارقليط في القرون الاُولى المسيحية هو النبي المبشّر به. وعن صاحب «لب التواريخ» : إنّ اليهود والمسيحيين من معاصري محمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم)كانوا منتظرين لنبي و كان هذا سبباً لرجوع عدّة من المسيحيين إلى محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الذي ادّعى انّه هو ذاك المنتظر.

إنجيل «برنابا» و التبشير بالنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إنّ الكتاب الذي جاء به المسيح (عليه السلام) كان كتاباً واحداً و هو عبارة عن هديه و الأحكام التي جاء بها و بشارته بمن يجيء بعده ، و إنّما كثرت الأناجيل لأنّ كل من كتب سيرته سمّاه إنجيلاً لاشتماله على ما بشّر و هدى به الناس ، و من تلك الأناجيل ، إنجيل برنابا ، و «برنابا» حواري من أنصار المسيح الذين يلقّبهم رجال الكنيسة بالرسل ، صحبه بولس زمناً بل هو الذي عرّف التلاميذ ببولس بعد ما اهتدى بولس و رجع إلى اُورشليم و لم يكن من هذا الإنجيل أثر في المجتمع المسيحي حتى عُثِرَ في اُروبا على نسخة منه منذ قرابة ثلاثة قرون و هذا هو الإنجيل الذي حرّم

__________________

(١) لاحظ في الوقوف على تلك القرائن و غيرها اظهار الحق ج ٢ ص ٢٨٣ ـ ٢٨٧ ، و أنيس الاعلام في نصرة الإسلام ج ٥ ص ١٧٩ ـ ٢٣٩ ، و لمؤلّف الكتاب الأخير قصّة عجيبة حول الوقوف على مفاد «فارقليط» التي صارت سبباً لاستبصاره ، فراجعه.

٧٤
 &

قرائته. «جلاسيوس الأوّل في أواخر القرن الخامس للميلاد» و هذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة في النقاط التالية :

١ ـ ينكر الوهية المسيح و كونه ابن الله.

٢ ـ يعرّف الذبيح بأنّه إسماعيل لا إسحاق.

٣ ـ و إنّ المسيح المنتظر هو محمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قد ذكر محمداً باللفظ الصريح في فصول وافية الذيول.

٤ ـ إنّ المسيح لم يصلب بل حمل إلى السماء و إنّ الذي صلب إنّما كان «يهوذا» الخائن فجاء مطابقاً للقرآن ، قد قام بترجمته من الإنجليزية إلى العربية الدكتور خليل سعادة و قدّم له مقدّمة نافعة و طبع في مطبعة المنار بتقديم السيد محمد رشيد رضا عام ١٣٢٦ هـ ق.

روى البيهقي : قال أبو زكريا : و لنبيّنا (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خمسة أسماء في القرآن : محمد ، و أحمد ، و عبدالله ، و طه ، و يس.

قال الله عزّ وجلّ في ذكر محمّد : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ...) و قال : (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...) وقال الله عزّ وجلّ في ذكر عبدالله : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّـهِ يَدْعُوهُ) ـ يعني النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ليلة الجن ـ (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) (الجن / ١٩).

و إنّما كانوا يقعون بعضهم على بعض ، كما أنّ اللبد يتّخذ من الصوف ، فيوضع بعضه على بعض فيصير لبداً ، وقال عزّ وجلّ : (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ) (طه / ١ و ٢) و القرآن إنّما نزل على رسول الله دون غيره ، و قال عزّ و جلّ : (يس) يعني يا إنسان و الإنسان هنا العاقل و هو محمد ، إنّك لمن المرسلين.

ثمّ قال : قلت وزاد غيره من أهل العلم ، فقال : سمّاه الله تعالى في القرآن : رسولاً ، نبيّاً ، اُمّيّاً. و سمّاه : شاهداً ، و مبشّراً ، و نذيراً ، و داعياً إلى الله باذنه ،

٧٥
 &

وسراجاً منيراً. و سمّاه : رؤوفاً رحيماً. و سمّاه : نذيراً مبيناً. و سمّاه : مذكّراً ، و جعله رحمة ، و نعمة ، و هادياً. و سمّاه : عبداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كثيرا(١).

أقول : و المراد من الإسم هنا أعم من الوصف ، فإنّ كثيراً منها صفاته ـ صلوات الله عليه ـ لا اسمه بمعنى العلم.

و روى أيضاً بسنده عن محمّد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يقول : إنّ لي أسماء.

أنا محمد ، أنا أحمد ، و أنا الماحي الذي يمحو بي الكفر ، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، و أنا العاقب الذي ليس بعده أحد(٢).

قال العلماء : «كثرة الأسماء دالّة على عظم المسمّىٰ و رفعته و ذلك للعناية به و بشأنه و لذلك ترى المسمّيات في كلام العرب أكثرها محاولة و اعتناء» .

قال النواوي : و غالب هذه الأسماء التي ذكروها انّما هي صفات كالعاقب و الحاشر ، فإطلاق الإسم عليها مجاز ، و نقل الغزالي : «الإتّفاق على أنّه لايجوز أن نسمّي رسول الله باسم لم يسمّه به أبوه و لاسمّا به نفسه الشريفة» أقرّه الحافظ ابن حجر في «الفتح» على ذلك(٣).

قلت : ما ادعاه من الاتّفاق غير ثابت ، و المسألة غير معنونة في كلام الكثير فكيف يمكن ادّعاء الاتّفاق عليه ، و كلّ صفة تنبثق عن تكريمه و توقيره و كان (صلّى

__________________

(١) دلائل النبوّة ج ١ ص ١٥٩ ـ ١٦٠ .

(٢) دلائل النبوّة ج ١ ص ١٥٢ . و أخرجه البخاري كما في التعليقة في كتاب المناقب ، باب ما جاء في أسماء رسول الله.

(٣) دلائل النبوّة ج ١ ص ١٥٥ ، في التعليقة : إنّ جماعة أفردوا أسماء رسول الله بالتصنيف منهم بدر الدين البلقيني ، و كانت قصيدته الميميّة بديعة لم ينسج على منوالها ناسج ، و رتّب السيوطي أسماءه على حروف المعجم في كتابه «الرياض الأنيقة في شرح أسماء خير الخليقة».

٧٦
 &

الله عليه و آله و سلّم) واجداً لمبدئها فيصحّ توصيفه به.

روى البيهقي عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) : «إنّ الله عزّ و جلّ قسّم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسماً ، و ذلك قوله : (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ) و (أَصْحَابُ الشِّمَالِ) فأنا من أصحاب اليمين و أنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين ثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً ، فذلك قوله تعالى : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) فأنا من السابقين ، و أنا خير السابقين. ثمّ جعل الأثلاث : قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، و ذلك قول الله تعالى : (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) و أنا أتقى ولد آدم ، و أكرمهم على الله و لافخر ، ثمّ جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً ، و ذلك قوله عزّ و جلّ : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فأنا و أهل بيتي مطهّرون من الذنوب(١).

٦ ـ اُمّيّة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

القرآن الكريم يصف النبي في غير واحد من الآيات بالاُمّية و يقول : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...) (الأعراف / ١٥٧).

فقد وصف سبحانه نبيّه في هذه الآية بخصال عشر و هي أنّه :

١ ـ رسول ، ٢ ـ نبي ، ٣ ـ اُمّي ، ٤ ـ مكتوب اسمه في التوارة والإنجيل ، ٥ ـ منعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف ٦ ـ وينهى عن المنكر ، ٧ ـ ويحل لهم الطيّبات ، ٨ ـ ويحرّم عليهم الخبائث ، ٩ ـ ويضع عنهم إصرهم ، ١٠ ـ ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.

__________________

(١) دلائل النبوّة ج ١ ص ١٧٠ و ١٧١.

٧٧
 &

ويقول سبحانه أيضاً : (فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف / ١٥٨).

وقد عرفت أنّه سبحانه يصف قوم النبي بالأُمّيين بل العرب جميعاً بهذا الوصف ، كما تعرّفت على معنى الأُمّي عند البحث عن ثقافة قوم النبي وحضارتهم ، فلا حاجة إلى إعادة البحث عن معنى الاُمّي وذكر نصوص أئمّة اللّغة إنّما المهم في المقام نقد الآراء الشاذة في تفسير الاُمّي ، وإليك البحث عنها واحداً بعد آخر :

أ ـ الأُمّي منسوب إلى أُمّ القرى

ربّما يقال : إنّ الأُمّي هو المنسوب إلى «أُمّ القرى» وهي علم من أعلام مكّة كما يشير إليه قوله سبحانه :

(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا) (الشورى / ٧).

وعلى ذلك فلا يدل على أنّ النبي كان أُمّيّاً بمعنى أنّه لا يقرأ ولا يكتب.

يلاحظ عليه :

أوّلاً : انّ أُمّ القرى ليست من أعلام مكّة و إنّما هي كلّية لها مصاديق ، منها مكّة المكرّمة ، يقول سبحانه :

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) (القصص / ٥٩). أي حتّى يبعث في أُمّ القرى وعاصمتها رسولاً.

قال ابن فارس في المقاييس : «كل مدينة هي أُمّ ما حولها من القرى».

ثانياً : لو صحّ كونها من أعلام مكّة ، فالصحيح عند النسبة إليها «هو القروي» لا «الأُمّي»(١).

__________________

(١) راجع شرح ابن عقيل ج ٢ ص ٣٩١ عند البحث عن «ياء» النسب.

٧٨
 &

ثالثاً : لو كان المراد من الأُمّي هو المنسوب إلى أُمّ القرى لكان الإتيان به في ثنايا الخصال العشر إقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة ، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه إيعاز إلى أُمّيّته وعدم قراءته وكتابته ولكن في الوقت نفسه جاء بكتاب عجز كلُّ البلغاء عن معارضته ، واخرسّ الفصحاء عن مباراته.

وعلى الجملة انّ توصيف النبي بالأُمّي وقومه بالأُمّيين ، إيعاز إلى هذه النكتة ، و انّ هذا النبي خرج من قوم غير قارئين ولا كاتبين ولا متحضّرين كما هو أيضاً غير قارئ ولا كاتب ، ومع ذلك أتى بشريعة متقنة وسنن محكمة وكتاب بديع بلا بديل.

ب ـ الأُمّي غير المنتحل لملّة أو كتاب سماوي

وربّما يقال : إنّ الأُمّي هو غير المنتحل لملّة أو كتاب من الكتب السماوية ولو أطلق على العرب أنّهم أُمّيون فالمراد أنّهم غير منتحلين لكتاب من الكتب السماوية ويدل على ذلك أنّه سبحانه يجعل أهل الكتاب في مقابل الأُمّيين ويقول :

(وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران / ٢٠).

يلاحظ عليه : أنّ توصيف العرب بالاُميّيين لا لأجل عدم إنتحالهم لملّة أو كتاب سماوي بل لأجل عدم إقتدارهم على القراءة والكتابة ، فقد كانت الاُمّية بهذا المعنى سائدة عليهم كما كان التعرّف عليهما هو الغالب على أهل الكتاب ، فصحّ لأجل ذلك التقابل بين أهل الكتاب والأُمّيين ويعود معنى الآية : «قل» للطائفتين الأُمّيين غير القارئين والكاتبين وأهل الكتاب الذين لهم اقتدار بهما.

والذي يدل على أنّ هذا هو ملاك التقابل هو أنّه سبحانه يصف بعض أهل الكتاب بالاُميّة و يقول : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة / ٧٨).

٧٩
 &

فالآية بحكم رجوع الضمير «ومنهم» إلى اليهود تقسّم اليهود إلى طائفتين :

طائفة يعلمون الكتاب لثقافتهم وتمكّنهم من القراءة والكتابة وبالتالي تمكّنهم من التطلّع على التوراة والإستفادة منها.

وطائفة فاقدة للثقافة وغير قادرة على القراءة والكتابة وبالتالي جاهلين بكتابهم الذي نزل بلسانهم ، والجهل بلغتهم قراءة وكتابة يلازم جهلهم بسائر اللغات غالباً خصوصاً في بيئة اليهود الذين يقدّمون تعليم لغتهم على سائر اللغات.

فلو كان الاُمّي بمعنى غير المنتحل لكتاب ولا ملّة فما معنى تقسيم أهل الكتاب إلى طائفيتن أمّي وغير أُمّي ؟ .

ج ـ الاُمّي من لا يعرف المتون السامية

الاُمّي عبارة عمّن لم يعرف المتون العتيقة السامية التي كتبت بها زبر الأوّلين من التوارة والإنجيل وإن كان عالماً بسائر اللغات قادراً بقرائتها وكتابتها يقول سبحانه :

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).

فإنّ قوله : «لا يعلمون الكتاب» جملة تفسيريّة لقوله «أُمّيون» فالأُمّي من لايحسن تلاوة الإنجيل والتوراة.

يلاحظ عليه : أنّ إرادة المعنى المذكور من «الأُمّيّين» في الآية لا يثبت أنّ الأُمّي عبارة عمّن لا يعرف اللّغة السامية بل الأُمّي من لا يعرف القراءة والكتابة وذلك يختلف حسب البيئة والظروف.

ففي العصور التي سادت فيها اللّغة السامية التي بها تكتب الدواوين والرسائل ، و عليها لغة دينهم و كتابهم ، يكون الاُمّي عبارة عمّن لايعرف تلك اللغة ، ـ وبحسب الطبع ـ من كان جاهلاً في أمثال تلك الظروف بلغته الواجبة الضرورية ،

٨٠