مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فقوله سبحانه : (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) إشارة إلى أنّ كلّاً من الفريقين يتلو في كتابه تصديق ما كفر به ، أي كفر اليهود بعيسى بن مريم و عندهم التوراة فيما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى ، و في الإنجيل ما جاء به عيسىٰ (عليه السلام) من تصديق موسى (عليه السلام) و ما جاء به من التوراة من عند الله و كل يكفر بما في يد صاحبه.

و قوله سبحانه : (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) إشارة إلى أنّ مشركي العرب الذين هم جهّال و ليس لهم كتاب ، هكذا قالوا لمحمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أصحابه : إنّهم ليسوا على شيء من الدين مثل ما قالت اليهود و النصارى بعضهم لبعض(١).

و ربمّا بلغ تجاسرهم بساحة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فطلبوا منه أن يقتدي بإحدى الشريعتين ، قال ابن عباس : إنّ جماعة من اليهود و نصارى نجران ذمّوا أهل الإسلام ، كل فرقة تزعم أنّها أحق بدين الله من غيرها ، فقالت اليهود : نبيّنا موسى أفضل الأنبياء و كتابنا التوراة أفضل الكتب ، و قالت النصارىٰ : نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء و كتابنا الإنجيل أفضل الكتب و كل فريق منهما قالوا للمؤمنين كونوا على ديننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، و قيل : إنّ ابن صوريا قال لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : ما الهدى إلّا ما نحن عليه فاتّبعنا تهتدِ ، و قالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله هذه الآية. (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا).

فرّد الله عليهم بقوله : (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة / ١٣٥).

٨ ـ التشبّث بالكلمات المتشابهة :

كان اليهود لايألون جهداً في إثارة القلاقل و الفتن و الاستهزاء بالنبيّ إلى حدّ

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٤٩ ، و مجمع البيان : ج ١ ص ٣٥٩.

٢٦١
 &

يصرّون على استعمال الكلمات المشتركة بين المعنى الحسن و المعنى القبيح.

فعلى سبيل المثال عندما كان النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يتحدّث ، كان المسلمون يطلبون منه التأنّي في التحدّث فيقولون : «راعنا» ، بمعنى أمهلنا مشتق من مادّة «رعى» ، فحرّفت اليهود هذه اللفظة ، فقالوا : يا محمد راعنا ، و هم يلحدون إلى الرعونة يريدون به النقيصة و الوقيعة و معناه «حمّقنا» ، و لأجل ذلك وافى الوحي و أمر أن يتركوا هذه الكلمة و يستعملوا مكانه «انظرنا» قال سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة / ١٠٤).

و قال العلّامة الطباطبائي في الآية نهي شديد عن قول : «راعنا» ، و هذه الكلمة ذكرتها آية اُخرى و بيّنت معناها في الجملة و هي قوله تعالى : (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) (النساء / ٤٦).

و منه يعلم أنّ اليهود كانوا يريدون بقولهم للنبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : راعنا ، نحواً من معنى قوله : (اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) ، و لذلك ورد النهي عن خطاب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بذلك و حينئذ ينطبق على ما نقل : إنّ المسلمين كانوا يخاطبون النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بذلك إذا ألقى إليهم كلاماً يقولون : «رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللهِ» ، يريدون : أمهلنا و انظرنا حتّى نفهم ما تقول ، و كانت اللفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم ، فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون النبيّ (صلّى الله عليه و آله وسلّم) بذلك ، يظهرون التأدّب معه و هم يريدون الشتم ، و معناه عندهم : اسمع لاأسمعت ، فنزل : (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا...) و نهى الله المؤمنين عن الكلمة و أمرهم أن يقولوا ما في معناه و هو : انظرنا ، فقال : (لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)(١).

__________________

(١) الميزان : ج ١ ص ٢٤٨.

٢٦٢
 &

٩ ـ كتمان الحقائق :

سأل معاذ بن جبل ، و سعد بن معاذ ، و خارجة بن زيد ، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة ، فكتموهم و أبوا أن يخبروهم عنه ، فأنزل الله تعالى فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (البقرة / ١٥٩)(١).

و لو أنّ أحبار اليهود مثل كعب بن الأشرف و كعب بن أسد و ابن صوريا و غيرهم من علماء النصارى بيّنوا للناس ما ورد في التوراة و الإنجيل من أوصافه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لعمّ الإسلام شرق العالم و غربه و يا للأسف رجّحوا الاحتفاظ بمناصبهم على ثواب الآخرة.

١٠ ـ النبيّ الأكرم و بيت المدارس :

دخل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بيت المدارس(٢) على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله ، فقال لهم النعمان بن عمرو و الحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ قال : على ملّة إبراهيم و دينه ، قال : فإنّ إبراهيم كان يهوديّاً. فقال لهما رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فهلمّا إلى التوراة فهي بيننا و بينكم. فأبيا عليه ، فأنزل الله تعالى فيهما : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّـهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (آل عمران / ٢٣ و ٢٤).

و قد رووا أنّ أحبار اليهود و نصارى نجران إجتمعوا عند رسول الله ، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلّا يهوديّاً ، و قالت النصارى من أهل نجران : ما كان إبراهيم

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥١.

(٢) بيت المدارس : هو بيت اليهود يتدارسون فيه كتابهم.

٢٦٣
 &

إلّا نصرانيّاً ، فأنزل الله عزّ و جلّ فيهم : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران / ٦٥ ـ ٦٨)(١).

إنّ ادّعاءهم بأنّ إبراهيم (عليه السلام) كان يهوديّاً أو نصرانيّاً نابع عن جهلهم المطبق بحياة إبراهيم ، فكيف يكون إبراهيم يهوديّاً أو نصرانيّاً و هو والد إسحاق الّذي هو والد يعقوب المعروف بيهودا فما ظنّك بكونه نصرانيّاً ؟

١١ ـ الإيمان غدوة و الكفر عشيّة :

لمّا رأت اليهود أنّ الإسلام ينتشر شيئاً فشيئاً ، فحاولوا تشويه سمعته بالتظاهر بالإنتماء إلى الإسلام صباحاً و الخروج عنه عشيّة حتّى يلبسوا على المسلمين دينهم و يصيروا مثلهم ، فقال جماعة منهم : تعالوا نؤمن بما اُنزل على محمد و أصحابه غدوة و نكفر به عشيّة حتّى نلبس عليهم دينهم لعلّهم يصنعون كما نصنع و يرجعون عن دينه ، فأنزل الله تعالى فيهم : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ و تَكْتُمُونَ الحَقَّ و أَنتُمْ تَعْلَمُونَ * و قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا و جْهَ النَّهَارِ و اكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * و لا تُؤْمِنُوا إِلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ و اللهُ و اسِعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران / ٧١ ـ ٧٣).

١٢ ـ إتّهام النبيّ بأنّه يُؤَلِّهُ نفسه :

اجتمعت الأحبار من اليهود و النصارى من أهل نجران عند رسول الله (صلّى الله

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥٣.

٢٦٤
 &

عليه و آله و سلّم) فدعاهم إلى الإسلام ، فقالوا : أتريد منّا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ و قال رجل من أهل نجران : أو ذاك تريد منّا يا محمد ؟ و إليه تدعونا ؟ فقال رسول الله : معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره فما بذلك بعثني الله و لا أمرني. فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّـهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران / ٧٩ و ٨٠).

و محصّل ما يستفاد من الآية إنّ البشر الذي آتاه الله تعالى الكتاب و الحكم و النبوّة كائناً من كان ـ عيسى كان أم محمد ـ إنّما يدعوكم إلى التلبّس بالإيمان و اليقين بما في الكتاب الذي تعلّمونه و تدرسونه من اُصول المعارف الإلهيّة و الإتّصاف بالملكات و الأخلاق الفاضلة التي يشتمل عليها و العمل بالصالحات حتى تنقطعوا بذلك إلى ربّكم و تكونوا به علماء ربّانيين.

ثمّ إنّ الربّاني منسوب إلى الرب ، زيد عليه الألف و النون للدلالة على التفخيم كما يقال «لحياني» لكثير اللحية و نحو ذلك ، فمعنى الربّاني شديد الإختصاص بالرب و كثير الإشتغال بعبوديّته و عبادته(١).

١٣ ـ سعيهم للوقيعة بين الأنصار :

نزل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مدينة يثرب فوجد الأوس و الخزرج في شقاق ، فآخى بينهما و جعل الجميع صفّاً واحداً في وجه اليهود ، فشقّ ذلك على الكافرين فحاولوا جاهدين أن يشقّوا عرى وحدتهم بوسائل مختلفة ، فمرّ شاس بن قيس ـ و كان شيخاً عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥٤ ، الميزان : ج ٣ ص ٢٧٦.

٢٦٥
 &

الحسد عليهم ـ على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس و الخزرج ، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه فغاظه ما رأى من ألفهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، و قال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذا البلاد ، لا و الله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتىً شابّاً من اليهود كان معهم ، فقال : أعمد إليهم ، فاجلس معهم ثمّ اذكر يوم بعاث و ما كان قبله و أنشدهم بعض ما كانوا تقوّلوا فيه من الأشعار ، ففعل ذلك الشاب ، فتكلّم القوم عند ذلك و تنازعوا و تفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين... فبلغ ذلك رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ! الله الله ! أبدعوى الجاهلية ، و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام و أكرمكم به و قطع به عنكم أمر الجاهلية ، و استنقذكم به من الكفر ، و ألّف به بين قلوبكم ، فعرف القوم أنّها نزعة من الشيطان و كيد من عدوّهم فبكوا و عانق الرجال من الأوس و الخزرج بعضهم بعضاً ثمّ انصرفوا مع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّ الله شاس بن قيس ، فأنزل الله تعالى في شاس بن قيس و ما صنع : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (آل عمران / ٩٨ و ٩٩)(١).

١٤ ـ الحط من شأن مَنْ آمن من اليهود :

قد سبق و أن عرفت أنّ اليهود كانوا ـ و مازالوا ـ أكثر تعصّباً لقوميتهم و دينهم و لأجل ذلك لم يدخل منهم في الإسلام إلّا الأقل القليل مثل عبد الله بن سلام ، و ثعلبة بن سعية ، و أسيد بن سعية ، و أسد بن عبيد و من أسلم من اليهود معهم ، فخاف الملأ من اليهود أن يدخل الإسلام في سائر البيوت ، فنشروا بينهم : ما آمن بمحمد و لااتّبعه إلّا شرارنا و لو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم و ذهبوا إلى غيره ،

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٥٦.

٢٦٦
 &

فأنزل الله تعالى في ذلك : (لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران / ١١٣).

١٥ ـ دعوة المسلمين إلى البخل :

كان الإسلام ينتشر صيته في الربوع و الآفاق بفضل ما كان يمتلكه من مبادئ سامية و قيم مثالية و إيثار معتنقيه النفس و النفيس ، فشق ذلك على اليهود فحاولوا خداع المسلمين حتّى يصدّوهم عن البذل في سبيل نصرة الدعوة المحمدية و خوّفوهم بحلول القحط.

قال ابن هشام : كان رجال من اليهود يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم ينتصحون لهم من أصحاب رسول الله ، فيقولون لهم : لاتنفقوا أموالكم فإنّنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها و لاتسارعوا في النفقة فإنّكم لاتدرون على ما يكون ، فأنزل الله فيهم : (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء / ٣٧).

١٦ ـ تفضيلهم الوثنية على الإسلام :

كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي إختمرت في نفوس يهود المدينة خصوصاً بعد غزوة بدر و أُحد ، فخرجوا من المدينة نازلين بمكة ، فقالت قريش لليهود : يا معشر اليهود إنّكم أهل الكتاب الأوّل و أهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد أفَديننا خير أم دينه ؟ قالت اليهود : بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه ، فنزل القرآن ردّاً عليهم بقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّـهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) (النساء / ٥١ و ٥٢).

و في موقف اليهود هذا من قريش و تفضيلهم وثنيّتهم على توحيد

٢٦٧
 &

محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب) :

«كان من واجب هؤلاء ألّا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش و ألّا يصرّحوا أمام زعماء قريش بأنّ عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي و لو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم لأنّ بني إسرائيل الّذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الاُمم الوثنية بإسم الآباء الأقدمين و الذين نكبوا بنكبات لاتحصى من تقتيل و إضطهاد بسبب إيمانهم بالٰه واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخية ، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم و كل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين ، هذا فضلاً عن أنّهم بإلتجائهم إلى عبدة الأصنام إنّما كانوا يحاربون أنفسهم و يناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام و بالوقوف منهم موقف الخصومة»(١).

١٧ ـ إدّعاؤهم أنّهم أحبّاء الله و أصفياؤه :

أتى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) جماعة من اليهود فكلّموه و كلّمهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و دعاهم إلى الله و حذّرهم نقمته ، فأنزل الله تعالى فيهم : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّـهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (المائدة / ١٨).

١٨ ـ إنكارهم نزول كتاب بعد موسى :

دعا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) اليهود إلى الإسلام و رغّبهم فيه ، و حذّرهم غِيرَ الله و عقوبته ، فأبوا عليه و كفروا بما جاءهم به ، فقال لهم معاذ بن

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٦٢ ، حياة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لهيكل : ص ٣٢٨ ـ ٣٢٩.

٢٦٨
 &

جبل و سعد بن عبادة و عقبة بن وهب : يا معشر اليهود إتّقو الله فوالله إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله و لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه و تصفونه لنا بصفته ، فقال بعضهم : ما قلنا لكم هذا قط و ما أنزل الله من كتاب بعد موسى و لاأرسل بشيراً و لانذيراً بعده ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما :

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة / ١٩)(١).

١٩ ـ رجوعهم إلى النبيّ في حكم الرجم :

إنّ أحبار اليهود إجتمعوا في بيت المدارس ، حين قدم رسول الله المدينة و قد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من اليهود قد أحصنت ، فقالوا : إبعثوا بهذا الرّجل و هذه المرأة إلى محمد فسلوه كيف الحكم فيهما ، و ولّوه الحكم عليهما فإن عمل فيهما بعمل من التجْبية فاتّبعوه فإنّما هو ملك و صدّقوه ، و إن هو حكم فيهما بالرجم فإنّه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه ، فأتوه فقالوا : يا محمد ! هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت فاحكم فيهما ، فقد ولّيناك الحكم فيهما ، فمشى رسول الله حتّى أتى أحبارهم في بيت المدارس ، فقال : يا معشر اليهود ! أخرجوا إليّ علماؤكم ، فاُخرج له عبد الله بن صوريا و غيره ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا ، و قالوا : إنّ عبدالله ابن صوريا أعلم من بقى بالتوراة ، فخلي به رسول الله و كان غلاماً شابّاً من أحدثهم سنّاً ، فألحّ رسول الله عليه المسألة و قال له : أنشدك الله و اُذكّرك بأيّامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أنّ الله حكم في من زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٦٣ ـ ٥٦٤.

(٢) الجَلِد بحبل من ليف مطلي بقار ثمّ تسوّد وجوههما ، ثمّ يحملان على حمارين و تجعل وجوهها من قبل ادبار الحمارين.

٢٦٩
 &

قال : اللّهم نعم ! أما والله يا أبا القاسم إنّه ليعرفونك أنّك لنبيّ مرسل و لكنّهم يحسدونك ، فخرج رسول الله فأمر بهما فرجما في باب مسجده ، ثمّ كفر بعد ذلك ابن صوريا و جحد نبوّة رسول الله ، فأنزل الله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّـهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّـهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة / ٤١ و ٤٢).

و نقل ابن هشام عن ابن إسحاق : إنّه لما حكّموا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فيهما ، دعاهم بالتوراة و جلس حبر منهم يتلوها و قد وضع يده على آية الرجم ، فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ثمّ قال : هذه يا نبيّ الله آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك ، فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : ويحكم يا معشر يهود ! ما دعاكم إلى ترك حكم الله و هو بأيديكم ؟ قال : «فقالوا أما و الله أنّه قد كان فينا يعمل به ، حتّى زنى رجل منّا بعد إحصانه من بيوت الملوك و أهل الشرف فمنعه الملك من الرّجم ثمّ زنى رجل بعده فأراد أن يرجمه فقالوا : لا و الله حتّى ترجم فلاناً ! فلمّا قالوا له ذلك إجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية و أماتوا ذكر الرجم ، و العمل به». قال : فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فأنا أوّل من أحيا أمر الله و كتابه و عمل به ، ثمّ أمر بهما فرجما عند باب مسجده ، قال عبد الله بن عمر : فكنت فيمن رجمهما(١).

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٦٦.

٢٧٠
 &

٢٠ ـ ظلمهم في الديّة :

كانت قبيلة بني النضير يؤدّون الديّة كاملة وبنو قريظة كانوا يؤدّون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ، فنزل قوله سبحانه : (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة / ٤٢).

فحملهم رسول الله على الحق ذلك و جعل الديّة سواء.

٢١ ـ قصدهم الفتنة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

قال جماعة من اليهود : اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فإنّما هو بشر ، فأتوه فقالوا له : «يا محمد إنّك قد عرفت انّا أحبار اليهود وأشرافهم و سادتهم و إنّا إن إتّبعناك إتّبعتك اليهود و لم يخالفنا و إنّ بيننا و بين بعض قومنا خصومة أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم و نؤمن بك و نصدّقك ؟» فأبى ذلك رسول الله ، فأنزل الله فيهم : (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة / ٤٩ و ٥٠).

٢٢ ـ إنكار نبوّة المسيح :

مناصبة اليهود العداء للمسيحيين لها جذور متأصّلة في التاريخ فمذ أعلن المسيح بنبوّته و رسالته قامت اليهود في وجهه و أنكروا رسالته ، يقول سبحانه : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف / ٦).

نعم نرى اليوم تحالف اليهود مع المسيحيين لضمان المصالح المشتركة التي

٢٧١
 &

على رأسها و أهمّها القضاء على الإسلام و إبعاده عن المجتمع و الحياة ، و لأجل ذلك نرى أنّ البابا قام مؤخّراً بزيارة الكنيست اليهودي في روما و أعلن خلال زيارته له براءة اليهود من دم المسيح من أجل توحيد الصف و دعم الجهود الكفيلة بالقضاء على المسلمين و دينهم ، و لكنّهم في الواقع و الحقيقة لازالوا يكنّون نفس العداء التاريخي المتأصّل في نفوسهم.

روي أنّ نفراً من اليهود أتوا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فسألوه عمّن يؤمن به من الرّسل ؟ فقال : اُؤمن بالله ، فعند ذاك جحدوا نبوّة المسيح و قالوا و الله ما نعلم أهل دين قطّ أخطأ في الدّنيا و الآخرة منكم و لاديناً شرّاً من دينكم ، فأنزل الله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) (المائدة / ٥٩)(١).

٢٣ ـ إشراكهم بالله عزّ و جلّ :

إنّ العصبية العمياء ربّما تبلغ بالإنسان حدّاً ينكر ما كان يدين به هو وقومه طيلة قرون إنصرمت ، فهؤلاء اليهود المعاصرون كانوا يفتخرون و يتمجّدون بدين التوحيد ، و أنّهم ضحّوا في سبيله نفسهم و نفيسهم ، و لكنّهم لمّا رأوا أنّ النبيّ الأكرم يدعو إلى هذا المبدأ ، و يتّخد منه الحجر الأساس لدعوته ، عادوا ينكرونه و يروّجون الشرك تشفّياً لغيظهم و حنقهم.

أتى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) جماعة من اليهود فقالوا له : يا محمد أما تعلم مع الله إله غيره ؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : «الله لا إله إلّا هو بذلك بعثت و إلى ذلك أدعوا» ، فأنزل الله فيهم و في قولهم : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّـهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي

__________________

(١) السيرة الحلبية : ج ١ ص ٥٦٧ ، مجمع البيان : ج ٣ ص ٣٢٩ (طبع بيروت).

٢٧٢
 &

بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام / ١٩)(١).

٢٤ ـ سؤالهم عن محين الساعة :

تعلّقت مشيئته الحكيمة بكتمان وقت الساعة ، قال سبحانه : (إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (لقمان / ٣٤) ، و مع ذلك جاء جماعة من اليهود قالوا : أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبيّاً ، فنزل قوله سبحانه : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّـهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف / ١٨٧).

و لم يكن هذا السؤال إلّا تعنّتاً و عناداً لأنّهم هم الذين ذكروا لقريش : إسألوا محمداً عن وقت الساعة فإن خوّل علمها إلى الله سبحانه فاعلموا أنّه نبي...(٢).

هذه نماذج من مناظراتهم و مشاغباتهم التي تنم عن مبلغ لجاجهم و عنادهم و ممّا يصوّر لك طبيعتهم.

٢٥ ـ تهجّمهم على ذات الله عزّ و جلّ :

أتى رهط من اليهود إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقالوا : يا محمّد هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب رسول الله حتّى انتقع لونه ثمّ ساورهم(٣) غضباً لربّه ، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فسكّنه فقال : خفّض عليك يا محمد ، و جاءه عن الله بجواب ما سألوه عنه : (قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٥٦٨.

(٢) قد ذكرنا تفصيل القصّة في ص ٢١٧ ـ ٢٢٠.

(٣) ساورهم : واثبهم و باطشهم.

٢٧٣
 &

فلمّا تلاها عليهم ، قالوا : فصف لنا يا محمد كيف خلقة (الله) ، كيف ذراعه ، كيف عضده ؟ فغضب رسول الله أشدّ من غضبه الأوّل و ساورهم ، فأتى جبرئيل فقال له مثل ما قال له أوّل مرّة ، و جاءه من الله تعالى بجواب ما سألوه يقول الله تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر / ٦٧).

٢٦ ـ طلبهم كتاباً من السماء :

إنّ اليهود كانت جاهلة بحكمة نزول القرآن تدريجيّاً و قد ورد النص بها في غير واحد من الآيات ، قال سبحانه : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان / ٣٢).

إنّ في نزول القرآن تدريجيّاً منجّماً حسب الوقائع و الأحداث لدلالة واضحة على أنّه وحي إلٰهي ينزل شيئاً فشيئاً حسب الحاجات و ليس شيئاً متعلّماً عن ذي قبل من إنس أو جن ، و لكن جهل اليهود بحكمته دعاهم إلى أن يطلبوا عن رسول الله نزول القرآن جملة واحدة من السماء حتّى يروا باُمّ أعينهم أنّه كتاب سماوي اُنزل من عند الله سبحانه و هم يضاهئون في هذا الإقتراح قول المشركين في مكّة(١).

أتى جماعة من اليهود رسول الله ، فقالوا : يا محمد ! إنّ هذا الذي جئت به لحقّ من عند الله ؟ فإنّا لانراه متّسقاً كما تتّسق التوراة ؟ فقال لهم رسول الله : أما و الله لأنّكم لتعرفون أنّه من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة و لو اجتمعت الإنس و الجنّ على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به ، فقالوا : يا محمّد أما يعلّمك هذا انس ولاجن ؟ فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أما والله إنّكم تعلمون أنّه من عند الله و إنّي لرسول الله تجدون ذلك مكتوباً عندكم في التوراة ، فقالوا : يا محمد فإنّ الله يصنع لرسول إذا بعثه ما يشاء و يقدر منه على ما أراد ، فأنزل علينا كتاباً من السماء

__________________

(١) الإسراء / ٩٣ ، و قد مضى تفسيرها.

٢٧٤
 &

نقرأه و نعرفه و إلّا جئناك بمثل ما تأتي به ، فأنزل الله تعالى فيهم و فيما قالوا : (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء / ٨٨).

٢٧ ـ تحويل القبلة إلى الكعبة :

كان النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يصلّي إلى بيت المقدس في المدينة المنوّرة إلى سبعة عشر شهرا(١) من الهجرة ، و كانت اليهود تعيّر المسلمين على تبعيّة قبلتهم و يتفاخرون بذلك عليهم ، فحزن رسول الله ذلك فخرج في سواد الليل يقلّب وجهه في السماء ينتظر الوحي من الله سبحانه و كشف همّه ، فنزل الوحي بقبلة جديدة ، فقطع تعييرهم و تفاخرهم ، قال سبحانه : (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة / ١٤٤).

وروى الصدوق أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) صلّى إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة و تسعة عشر شهراً بالمدينة ثمّ عيّرته اليهود ، فقالوا : إنّك تابع قبلتنا فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً ، فلمّا كان في بعض الليل خرج يقلّب وجهه في آفاق السماء فلمّا أصبح صلّى الغداة فلمّا صلّى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له : (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...) ثمّ أخذ بيد النبي فحوّل وجهه إلى الكعبة و حوّل من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء و النساء مقام الرجال ، فكان أوّل صلاته إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة ، فبلغ الخبر مسجداً بالمدينة و قد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو القبلة ، فكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة فسمّي

__________________

(١) و في رواية الفقية كما سيوافيك تسعة عشر شهراً.

٢٧٥
 &

ذلك المسجد مسجد القبلتين(١).

و قد أثار هذا الأمر أسئلة و اعتراضات من جانب اليهود بل المؤمنين أنفسهم و جاء الذكر الحكيم مجيباً عنها بما يلي :

١ ـ أتى جماعة من اليهود مثل رفاعة بن قيس و كعب بن الأشرف و غيرهما فقالوا : يا محمد ما ولّاك عن قبلتك التي كنت عليها و أنت تزعم أنّك على ملّة إبراهيم و دينه أرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتّبعك و نصدّقك. و إنّما يريدون بذلك فتنته عن دينه ، و هذا هو الاعتراض الذي يتناوله الوحي مشفوعاً بالجواب : (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) و بعبارة اُخرى إنّ التحوّل كان بأمر من الله فكيف يأمر به مع انّه هو الذي جعل بيت المقدس قبلة فكيف ينقض حكمه و ينسخ ما شرعه (و اليهود من القائلين بامتناع النسخ) و إن كان بغير أمر الله فهو انحراف عن الصراط المستقيم.

و أمّا الجواب فهو إنّ جعل بيت من البيوت أو بناء من الأبنية قبلة ليس لاقتضاء ذاتي فيه يستحيل التعدّي عنه ، بل جميع الأجسام و الأبنية بل جميع الجهات من الشرق و الغرب إليه سبحانه على السواء يحكم فيها ما يشاء و كيف يشاء و متى شاء ، و انّ الإعتراض نابع من قلّة عقلهم أو عدم استقامته في درك حقيقة التشريع.

و إلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه : (قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة / ١٤٢).

٢ ـ لمّا كان المقدّر أن تكون الكعبة هي القبلة الأخيرة فما هو السبب في جعل بيت المقدس قبلة اُولى للمسلمين ؟

و الجواب : إنّ المصالح كانت تقتضي أن يصلّي المسلمون إلى القبلة الاُولى في مكّة و المدينة في أوائل البعثة و أوائل الهجرة و ذلك لأنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في مكّة المكرمة و بعد الهجرة بقليل كان مبتلى بالمشركين الذين

__________________

(١) من لايحضره الفقيه ج ١ ص ١٧٨ ح ٣.

٢٧٦
 &

لايصلّون لله سبحانه و لايعبدونه و إنّما يعبدون الأوثان و الأصنام ، فعندئذٍ أمر النبي بالصلاة إلى بيت المقدس (الذي كان الموحّدون من اليهود و النصارى يصلّون إليه) حتّى يتميّز الموحّدون عن المشركين و يكون ذلك سمة التوحيد و علامته ، فكانت الصلاة إلى بيت المقدس وسيلة لتميّز الموحّدين عن المشركين.

و لمّا كانت العرب شديدة الاُلفة بمكّة و قبلتها فأحبّ الله تعالى أن يمتحن القوم بغير ما ألفوا ليميّز من يتّبع الرسول عمّن ينقلب على عقبيه.

و لأجل هذين الوجهين (تميّز الموحّدون عن المشركين و امتحان من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه من العرب الآلفة بمكّة و قبلتها) أمر المسلمون بالصلاة إلى بيت المقدس مؤقّتاً و إلى ذلك يشير قوله سبحانه : (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ) (البقرة / ١٤٣).

ولعلّ قوله : (لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) إشارة إلى الوجه الأوّل.

كما أنّ قوله : (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ) إشارة إلى الوجه الثاني و هو اختبار من يخالف العادة و الاُلفة لأجل إمتثال أمر الرسول ، فإنّ مخالفة العادات و التقاليد كبيرة إلّا على الذين هدى الله.

و الحاصل إنّ جعل بيت المقدس قبلة لأجل تمحيص المؤمنين من غيرهم و تميّز المطيعين من العاصين و المنقادين من المتمرّدين.

و أمّا العدول عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد عرفت أنّه ليس لمكان أو بيتٍ شرفٌ ذاتي بل الحكم يدور مدار المصلحة ، فصارت المصالح مقتضية بأن يتميّز المسلمون من اليهود بتفكيك قبلتهم التي كانوا يصلّون إليها عن قبلة اليهود ، و يميّز المنافق المتظاهر بالإسلام من اليهود عن المؤمن المنقاد الواقعي ، و لأجل ذلك حوّلت القبلة إلى الكعبة.

٣ ـ ما حكم الصلوات التي كان المسلمون قد أدّوها إلى بيت المقدس ؟

٢٧٧
 &

و الجواب : إنّ القبلة قبلة ما لم تنسخ و إنّ الله سبحانه إذا نسخ حكماً نسخه من حين النسخ لا من أصله لرأفته و رحمته بالمؤمنين ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة / ١٤٣).

و أمّا الاقتراح الذي تقدّمت به اليهود إلى النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من رجوعه إلى القبلة السابقة حتّى يتّبعوه و يصدّقوه فإنّما هو وعد مكذوب لايتّبعون قبلته إلى آخر الدهر ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة / ١٤٥).

و المراد من الإيمان في الآية في قوله : (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) هو العمل. قال ابن عباس : قالوا كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ و كان قد مات أسعد بن زرارة و البراء بن معرور و كانا من النقباء.

و بذلك يعلم أنّ ما ذكره سبحانه قبل هذه الآيات من قصّة إبراهيم و أنواع كرامته و كرامة ابنه إسماعيل و دعوتهما للكعبة و مكّة و للنبيّ و الاُمّة المسلمة و بنائهما البيت و الأمر بتطهيره للعبادة ، كل ذلك تمهيد لحادثة تغيير القبلة و اتّخاذ الكعبة قبلة ، فإنّ تحويل القبلة من أعظم الحوادث الدينية و أهم التشريعات التي قوبل بها الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة. فكانت محتاجة إلى ترويض النفوس لقبولها.

٢٨ ـ مباهلة النبيّ نصارى نجران :(١)

لمّا كتب رسول الله إلى ملوك العرب و العجم رسائلة التبليغية و بعث رسله إلى

__________________

(١) نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة ، و بها كان خبر الأخدود و إليها تنسب كعبة نجران ، و كانت بيعة ، بها أساقفة مقيمون منهم السيّد و العاقب اللّذان جاءا إلى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في أصحابها و دعاهم إلى المباهلة و بقوا بها حتّى أجلاهم عمر. و قال زيني دحلان :

٢٧٨
 &

الأقوام و القبائل ، أرسل عتبة بن غزوان ، و عبد الله بن أبي اُميّة و صهيب بن سنان إلى نجران و نواحيه و كتب معهم(١) إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى رفض الأقانيم و الأنداد و التزام التوحيد و عبادة الله تعالى ، و ها نحن نسوق إليك نصّ كتابه :

«بسم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب ، من محمّد النبيّ رسول الله إلى أسقف نجران ، فإنّي أحمد إليكم إله إبراهيم و إسحاق و يعقوب ، أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد و أدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، و إن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم آذنتكم بحرب»(٢).

و لمّا قرأ الأسقف الكتاب فزع و ارتاع و شاور أهل الحجى و الرأي منهم ، فقال شرحبيل ـ و كان ذالبّ و رأي بنجران ـ : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذريّة إسماعيل من النبوّة فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل ؟ و ليس لي في النبوّة رأي لو كان أمر من اُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك.

فبعث الأسقف إلى واحد من بعد واحد من أهل نجران فتشاوروا فكثر اللغط وطال الحوار ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفداً يأتي رسول الله فيرجع بخبره.

فأوفدوا إليه ستّين راكباً و فيهم ثلاثة عشر رجلاً من أشرافهم و ذوو الرأي و الحجى منهم و ثلاثة يتولّون أمرهم : العاقب إسمه عبد المسيح ، أمير الوفد الذي لايصدرون إلّا عن رأيه ، و السيّد و إسمه الأيهم و هو ثمالهم و صاحب رحلهم ، و أبوحارثة بن علقمة أسقفهم الأوّل و حبرهم و إمامهم و صاحب مدارسهم و هو

__________________

نجران بلدة كبيرة واسعة على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن تشتمل على ثلاث و سبعين قرية.

مراصد الإطلاع في معرفة الأمكنة و البقاع ، مادة (نجران).

(١) و كان بخط الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) راجع : صبح الاعشى ج ١ ص ٦٥(طبع بيروت).

(٢) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٦٥ ، دلائل النبوّة ج ٥ ص ٣٨٥ ، البداية و النهاية ج ٥ ص ٥٣.

٢٧٩
 &

الأسقف الأعظم(١).

فجاءوا إلى النبي حتّى دخلوا على رسول الله وقت العصر ، فدخلوا المسجد و عليهم ثياب الحبرات(٢) و أردية الحرير مختّمين بخواتيم الذهب و أظهروا الصليب و أتوا رسول الله فسلّموا عليه ، فلم يرد عليهم السلام و لم يكلّمهم ، فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفّان و عبد الرحمن بن عوف و كان لهما معرفة بهم فوجدوهما في مجلس من المهاجرين ، فقالوا : إنّ نبيّكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له ، فأتيناه وسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا و لم يكلّمنا. فما الرأي ؟

فقالا لعلي بن أبي طالب : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟ قال : أرى أن يضعوا حللهم هذه ، و خواتيمهم ثمّ يعودون إليه ، ففعلوا ذلك ، فسلّموا فردّ عليهم سلامهم ، ثمّ قال : و الذي بعثني بالحق لقد آتيتموني المرّة الاُولى و إنّ إبليس لمعكم(٣).

و كانوا قد أتوا معهم بهديّة و هي بُسَط إلى النبيّ فيها تماثيل و مسوح ، فصار الناس ينظرون للتماثيل ، فقال : أمّا هذه البسط فلاحاجة لي فيها ، و أمّا هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها ، فقالوا : نعم نعطيكها ، و لمّا رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة و الزيّ الحسن ، تشوّقت نفوسهم ، فنزل قوله سبحانه :

(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران / ١٥).

ثمّ أرادوا أن يصلّوا بالمسجد بعد أن حانت وقت صلاتهم ، و ذلك بعد العصر فأراد الناس منهم ، فقال النبي : دعوهم ، فاستقبلوا المشرق فصلّوا صلاتهم فلمّا قضوا صلاتهم ناظروه.

__________________

(١) دلائل النبوّة ج ٥ ص ٣٨٦ ، الدر المنثور ج ٢ ص ٣٨ ، و تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٦٦.

(٢) ثوب من ثياب اليمن.

(٣) السيرة الحلبية ج ٣ ص ٢٣٩.

٢٨٠