مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فأقبل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حتى إذا حاذى رسول الله ناداه : يا رسول الله اُمرت بقتل قومك ؟ زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا قال : يا أباسفيان : «اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذلّ الله قريشاً» و إنّي انشدك الله في قومك فأنت أبرّ الناس ، وأرحم الناس ، وأوصل الناس. قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان : يا رسول الله ما نأمن سعداً إن يكون منه في قريش صولة. فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : اليوم يوم المرحمة ، اليوم أعزّ الله فيه قريشاً ، ثمّ أمر بدفع الراية إلى علي بن أبي طالب فأخذ عليّ اللواء وذهب بها حتى دخل بها مكة فغرزها عند الركن. وقال أبوسفيان : ما رأيت مثل هذه الكتيبة ، ثم قال : لقد أصبح يا أبالفضل ملك ابن أخيك عظيماً. فقال العباس : ليس بملك ولكنّها نبوّة(١).

ثم إنّ رسول الله لما نزل مكّة واطمأنّ الناس خرج حتى جاء البيت ، فطاف ربّه سبعاً على راحلته. قال الواقدي : «طاف رسول الله بالبيت على راحلته ، آخذ بزمامها ، محمد بن مسلمة ، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً مرصّصة بالرصاص ، وكان هبل أعظمها ، وهو وُجاه الكعبة على بابها ، وإيساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح ، فجعل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كلّما مرّ بصنم منها ، يشير بقضيب في يده ويقول :

«جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا» فيقع الصنم لوجهه(٢).

فلمّا قضى طوافه وقف على باب الكعبة ، وقد اجتمع له الناس في المسجد فقال : «لا اله إلّا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب

__________________

(١) المغازي للواقدي : ج ٢ ص ٨١٩ ـ ٨٢٢ ، يعرب ذلك أنّه ما أسلم و إنّما تفوّه بما تفوّه خوفاً على نفسه و حربه و بقى على هذه الحالة إلى أن لفظت نفسه و هو ابن ثمانية و ثمانين و له كلام عند ما أخذ عثمان بيده زمام الحكم. يعرب عن كفره المستتر. لاحظ تاريخ الخلفاء للسيوطي ، و شرح النهج لابن ابي الحديد.

(٢) المغازي : ج ٢ ص ٨٣٢.

٤٤١
 &

وحده ، ألا كلّ مأثرة ، أو دمٍ ، أو مالٍ يدعى ، فهو تحت قدميّ هاتين إلّا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وفي قتيل الخطأ شبه العمد ، بالسوط والعصا ، ففيه الديّة مغلّظة ، مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها . يا معشر قريش إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية.و تعظّمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب ، ثم تلا هذه الآية : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ...) (الحجرات / ١٣) ، ثم قال : يا معشر قريش ما ترون إنّي فاعل فيكم ؟ قالوا : خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم. قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء.

ثمّ جلس رسول الله في المسجد فقال : أين عثمان بن طلحة ، فدعى له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برّ و وفاء ، ثمّ دخل البيت فرأى فيه صور الملائكة و غيرهم فرأى إبراهيم (عليه السلام) مصوّراً في يده الأزلام يستقسم بها ، فقال : قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ، ما شأن إبراهيم و الأزلام : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران / ٦٧) ، ثمّ أمر بتلك السور كلّها فطمست(١).

مبايعة النساء للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

صالح رسول الله بالحديبية مشركي مكّة على أنّ من أتاه من أهل مكّة ردّه عليهم ، فجاءت (سبيعة) بنت الحرث ، مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ، و النبي بالحديبية.

فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم ، و كان كافراً : يا محمد اُردد عليّ امرأتي ، فإنّك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك ، و هذه طينة الكتاب لم تجف ، فنزل قوله سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّـهُ أَعْلَمُ

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٤١٣ ، و المغازي : ج ٢ ص ٨٣٥. و في الأخير أورد صلة للخطبة.

٤٤٢
 &

بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّـهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الممتحنة / ١٠).

و يستفاد من الآية عدّة أحكام :

١ ـ حرمة إرجاع المؤمنات إلى أزواجهنّ الكافرين كما هو صريح الآية.

٢ ـ لزوم إعطاء مهورهنّ لأزواجهنّ كما هو مفاد قوله : (وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) أي ما أنفقوا عليهنّ من المهر.

٣ ـ حرمة العقد على الكافرة كما هو مفاد قوله : (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) و القدر المتيقّن كما هو مورد الآية كونها عابدة الوثن.

٤ ـ جواز طلب المهور من الكفار إذا ارتدّت امرأة و رجعت إلى الكفّار ، كما هو مفاده من قوله : (وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ) أي إذا لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفّار مرتدّة ، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر كما يسألونكم مهور نسائهم إذا هاجرن إليكم.

ثمّ إنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لمّا فرغ من بيعة الرجال و هو على الصفا جاءته النساء يبايعنه ، فنزلت عليه الآية ، فشرط الله تعالى في مبايعتهنّ أن يأخذ عليهنّ الشروط الستة المذكورة في الآية ، قال سبحانه :

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ :

١ ـ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّـهِ شَيْئًا.

٢ ـ وَلَا يَسْرِقْنَ.

٣ ـ وَلَا يَزْنِينَ.

٤ ـ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ.

٤٤٣
 &

٥ ـ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ.

٦ ـ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ.

٧ ـ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة / ١٢).

روى المفسّرون : إنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بايعهنّ و كان على الصفا ، و كان عمر أسفل منه ، و هند بنت عتبة متنقّبة متنكّرة مع النساء خوفاً أن يعرفها رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فقال : اُبايعكنّ على أن لاتشركن بالله شيئاً . فقالت هند : إنّك لتأخذ علينا أمراً ما رأيناك أخذته على الرجال ، و ذلك انّه بايع الرجال يومئذٍ على الإسلام و الجهاد فقط ، فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : و لاتسرقن. فقالت هند : إنّ أباسفيان رجل ممسك و إنّي أصبت من ماله هنات فلاأدري أيحلّ لي أم لا ؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من مالي فيما مضى و فيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و عرفها فقال لها : و إنّك لهند بنت عتبة. قالت : نعم فاعف عمّا سلف يا نبي الله عفا الله عنك. فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : و لاتزنين. فقالت هند : أوتزني الحرّة ؟ . فتبسّم عمر لما جرى بينه و بينها في الجاهلية ، فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : و لاتقتلن أولادكنّ. فقالت هند : ربيناهم صغاراً ، و قتلتموهم كباراً ، و أنتم و هم أعلم ، و كان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم بدر ، فضحك عمر حتى استلقى و تبسّم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لمّا قال : و لاتأتين ببهتان. فقالت هند : و الله إنّ البهتان قبيح ، و ما تأمرنا إلّا بالرشد و مكارم الأخلاق ، و لمّا قال : ولايعصينك في معروف. فقالت هند : ماجلسنا مجلسنا هذا و في أنفسنا أن نعصيك في شيء(١).

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٥ ص ٢٧٦.

٤٤٤
 &

٨ ـ غزوة حنين

لمّا فتح رسول الله مكّة سارت أشراف هوازن بعضها إلى بعض ، و ثقيف بعضها إلى بعض ، و قالوا : و الله ما لاقى محمد قوماً يحسنون القتال ، فاجمعوا أمركم ، فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم ، فأجمعت هوازن أمرها و تولّى قيادة حشودها «مالك بن عوف النصرى» و هو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلمّا أجمع «مالك» المسير بالناس إلى رسول الله ، أمر الناس أن يجيئوا بأموالهم و نسائهم و أبنائهم حتى نزلوا باوطاس ، و اجتمع الناس به ، فعسكروا و أقاموا بها ، و الإمداد تأتيهم من كل ناحية.

فلمّا سمع بهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعث إليهم «عبدالله الأسلمي» ، و أمره أن يدخل في الناس ، فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبرهم ، فجاء الرجل بخبر اجتماعهم على حرب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فأجمع رسول الله السير إلى هوازن ليلقاهم ، و ذكر له أنّ عند صفوان ابن اُميّة أدراعاً له و سلاحاً ، فأرسل إليه و هو يومئذ مشرك ، فاستعار منه مائة درع ليتقوّى بها على حرب الكفّار ، فأجابه إلى ذلك.

ثمّ خرج رسول الله معه ألفان من أهل مكّة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ، و فتح الله بهم مكّة فكانوا اثنى عشر ألفاً ، و استعمل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عتّاب بن اسيد على مكّة أميراً على من تخلّف عنه من الناس ، ثمّ مضى رسول الله يريد لقاء هوازن ، و صادف في الطريق شجرة عظيمة خضراء ذات أنواط يأتيها الناس كل سنة فيعلّقون أسلحتهم عليها ، و يذبحون و يعكفون عندها ، قال الرواي : فتنادينا من جنبات الطريق يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : الله أكبر قلتم و الذي نفس

٤٤٥
 &

محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى : (اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) إنّها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم.

يقول الواقدي : «خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في اثني عشر ألفاً من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة ، و ألفين من أهل مكّة ، فلمّا ابتعد عن مكّة ، قال رجل من أصحابه : «لو لقينا بني شيبان ما بالينا و لايغلبنا اليوم أحد من قلّة» و لكن لم تغن هذه الكثرة شيئاً ، و هزم المسلمون و فرّوا عن ساحة المعركة ، كما يوافيك ذكره عمّا قريب.

بعث مالك بن عوف عيوناً من هوازن إلى معسكر رسول الله ، فأتوا بخبر كثرة جيش رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فأراد اصطناع خديعة تمكّنه منهم ، فعبّأ أصحابه في وادي حنين ، و هو واد أجوف ذو شعب و مضائق ، و فرّق الناس فيه و أوعز إليهم أن يحملوا على محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أصحابه حملة واحدة عند ما ينحدرون من مضيق الوادي.

يقول جابر بن عبد الله لمّا استقبلنا وادي حنين ، انحدرنا في واد من أودية تهامة في عماية الصبح ، و كان القوم قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه و مضائقه ، و قد أجمعوا و تهيّئوا فماعدوا فو الله ما راعنا و نحن إلّا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد و انهزم الناس راجعين لايلوي أحد على أحد ، و انطلق الناس و قد بقي مع النبيّ نفر من المهاجرين و الأنصار و أهل بيته.

بقى رسول الله على دابّته لم ينزل ، إلّا أنّه جرّد سيفه ، و قد ذكر التاريخ أسماء الذين صمدوا مع رسول الله ، أمثال علي و العباس و الفضل بن العباس و أبي سفيان ابن الحارث ، و ربيعة بن الحارث و أيمن بن عبيد الخزرجي ، و اُسامة بن زيد.

قال البرّاء بن عازب : و الله الذي لا إله إلّا هو ماولّى رسول الله و لكنّه وقف و استنصر ثمّ نزل و هو يقول :

أنا النبي لاكذب

أنا ابن عبد المطلب

٤٤٦
 &

و كان رجل من هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء فيها رأس رمح له طويل أمام الناس إذا أدرك طعن ، قد أكثر في المسلمين القتل ، فشدّ عليه عليّ و أبو دجانة فقطع عليّ يده اليمنى ، و أبو دجانة يده الاُخرى ، و أقبلا يضربانه بسيفيهما فسقط صريعاً.

و زاد الهول مصيبة شماتة أبي سفيان و غيره بالمسلمين ، فقد تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغائن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لاتنتهي هزيمتهم دون البحر ، و انّ الأزلام لمعه في كنانته.

و صرخ في تلك الاثناء جبلة بن حنبل : ألا بطل السحر اليوم.

الانتصار بعد الهزيمة :

أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في تلك الآونة عمَّه العباس أن يصرخ و يقول : يا معشر الانصار يا معشر أصحاب السمرة(١) فصار ذلك سبباً لرجوع الفارين من أصحاب الرسول إليه و القتال بين يديه ، فاجتمع جمع غفير حوله ، حاموا رسول الله و قاتلوا العدو بضراوة ، فنظر رسول الله إلى ساحة المعركة ، و أصحابه يقاتلون ، فقال : الآن حمى الوطيس ، و صارت الحرب طاحنة حتى رأى العدو جمعاً غفيراً من الأسرى مكتّفين عند رسول الله ، فعند ذلك انقلبت كفّة النصر لصالح المسلمين.

و من لطيف ما قيل في تلك الفترة ما أنشدته امرأة مسلمة بقولها :

غلبت خيل الله خيل اللات

و خيله أحق بالثبات

ثمّ إنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) طلب من العباس ، ليناوله حفنة من الحصى ، فألقى بها في وجوه العدو قائلاً : شاهت الوجوه ، و قد استنهض بذلك

__________________

(١) السمرة : شجرة الرضوان.

٤٤٧
 &

عزائم أصحابه إلى حد ما لبث هوازن و لاثقيف حتى فرّوا منهزمين لايلوون على شيء تاركين وراءهم نساءهم و أبناءهم غنيمة للمسلمين ، و قد ذكر أصحاب السير احصاء الغنائم و عدّتها التي استولى عليها المسلمون ، فمن الإبل اثنان و عشرون ألف بعير ، و من الشياء أربعون الفاً ، و من الفضة أربعة آلاف اُوقية ، و قد بلغ عدد الأسرى ستة آلاف ، و قد أمر رسول الله أن تنقل إلى وادي الجعرانة حتى يأمن المسلمون من مطاردة العدو لهم(١).

نظرة تحليلية على انهزام المسلمين بادئ بدء :

إنّ انهزام المسلمين في بادئ الأمر كان ناجماً عن غرور المسلمين بكثرتهم أوّلاً ، و اصطحاب ألفين من المسلمين الجدد الذين أسلموا في فتح مكّة و لم يرسخ إيمانهم بعد ، فانّ فرارهم عن ساحة الحرب ثبّط عزائم المسلمين القدامى.

أضف إلى ذلك انّهم لم يتّبعوا الخطط العسكرية من إرسال الطلائع والعيون مقدمة الزحف لاستطلاع أحوال العدو ومواقعه ، كيف وهم دخلوا في مضيق حنين في غلس الصباح ، والعدو ترصّد في ثكنات خاصة ، ففاجأوهم بالهجوم عليهم من مكامنهم ، وهم على غفلة من أمرهم ، فلو كانوا قد استعانوا بالعيون والجواسيس لما وقعوا فيما وقعوا فيه ، وكان ذلك ناتجاً عن تقصير من اُمراء السرايا ، وحمَلَة اللواء ، وقصور منهم في أداء وظائفهم التي أوكلها النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إليهم الذي كان يرقب الاُمور عن كثب في مؤخّرة الجند ، و إلى ما أشرنا لك يشير قوله سبحانه : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّـهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ غَفُورٌ

__________________

(١) المغازي : ج ٣ ص ٨٨٩ ـ ٨٩٩ ، البداية و النهاية : ج ٤ ص ٣٥٢.

٤٤٨
 &

رَّحِيمٌ) (التوبة / ٢٥ ـ ٢٧).

محاصرة الطائف :

لمّا انهزم العدو بعد انتصار مؤقّت ، التجأ البقية الباقية من جماعة مالك بن عوف إلى حصن لبني ثقيف بالطائف ، وكان حصناً منيعاً يصعب اختراقه ، فتعقّبهم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حتى ذلك الحصن ، وأحاط بهم غير أنّ رجال ثقيف المتحصّنين كانوا من مهرة الرماة ، فتمكّنوا من إصابة جمع من المسلمين بلغ عددهم ثمانية عشر رجلاً ، فأمر النبي قوّاته بالتراجع عن مرمى النبل ، فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة ، وقد أجهد النبي نفسه في خلال تلك المدة في اعمال فنون الحرب المختلفة لاختراق الحصن بالنحو التالي :

١ ـ أمر أصحابه نقب جدار الطائف بالاحتماء بالدبابات المصنوعةً من جلود البقر ، لكن تلك المحاولة لم تتكلّل بالنجاح ، لأنّ ثقيف ألقت بحمم من الحديد على تلك الدبابات فأحرقتها ، ففرّ من كان تحتها من المسلمين ، فرشقتهم ثقيف بالنبل ، فقتلوا منهم رجالاً.

٢ ـ نصب النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المنجنيق بإشارة من سلمان الفارسي بقوله : يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم ، وقد عمل المنجنيق بيده ، فنصبه النبي تجاه حصن الطائف ، أو قدّم المنجنيق يزيد بن زمعة إلى النبي بعد مضي أربعة أيام من قبيلة بني دوس ، إحدى القبائل المقيمة بأسفل مكّة ، فرماهم من دون جدوى لأنّهم قد أعدّوا حصونهم إعداداً يقاوم كل أمثال تلك الأسلحة.

٣ ـ أمر رسول الله بقطع شجر الكروم (العنب) ، وقد كانت قبيلة ثقيف تفتخر بكروم أرضها على جميع العرب ، فانّها جعلت الطائف واحة كأنّها الجنة وسط هذه الصحارى ، كل ذلك رجاء أن يستسلموا و يتركوا التحصّن في حصونهم ، فلمّا رأى ذلك رجال ثقيف نادوا : يا محمد لِمَ تقطع أموالنا ، فأمّا أن تأخذها إن ظهرت علينا ،

٤٤٩
 &

وأمّا أن تدعها لله وللرحم ، فتركها (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

٤ ـ نادى منادى رسول الله أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ ، فخرج من الحصن بضعة عشر رجلاً ، وعلم منهم انّ بالحصون من الذخيرة والمؤنة ما يكفل أمداً طويلاً ، فاستشار النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) نوفل بن معاوية الديلي في المقام عليهم فقال : يا رسول الله : ثعلب في حجر ، إنْ أقمت عليه أخذته ، و إن تركته لم يضرّك ، فأذن الرسول بالرحيل ، و قيل : إنّ الرسول (صلّى الله عليه و آله وسلّم) رأى أنّ الحصار سيطول أمده وانّ الجيوش تودّ الرجوع لاقتسام الفيء الذي كسبوه والذي تركوه في الجعرانة ، والأشهر الحرم قد أذنت ولا يجوز فيها قتال ، لذلك آثر أن يرفع الحصار بعد شهر من وقعه ، وكان ذو القعدة قد هلّ ، فرجع بجيشه معتمِراً وذكر انّه متجهّز إلى الطائف إذا انتهت الأشهر الحرم.

وفد هوازن في الجَعرّانة

وأقفل راجعاً إلى مكة حتى نزل هو والمسلمون الجَعرّانة لاقتسام الغنائم ، وفي تلك الأثناء أتتهم وفد من هوازن وقد أسلموا فقالوا : إنّا أصل وعشيرة وقد أصابنا ما لم يخف عليك ، فامنن علينا منّ الله عليك ، وقال زهير : يا رسول الله إنّ بين الاُسارى عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك ، ولو إنّا أرضعنا الحرث بن أبي شمر الغساني ، أو النعمان بن المنذر ليرجونا عطفه وأنت خير المكفولين ، فخيّرهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بين نسائهم وأبنائهم ، وبين أموالهم ، فاختاروا نساءهم وأبناءهم.

فقال : أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، فإذا أنا صلّيت بالناس ، فقولوا : إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله ، في أبنائنا ونسائنا ، فسأعطيكم وأسأل فيكم ، فلمّا صلّى الظهر فعلوا ما أمرهم به ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، و قال المهاجرون و الأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله ، و قال الأقرع بن حابس : ما كان لي

٤٥٠
 &

ولبني تميم فلا ، وقال عيينة بن حصن : ما كان لي ولفزارة فلا ، وقال عباس بن مرداس : ما كان لي ولسليم فلا ، فقالت بنو سليم : ما كان لنا فهو لرسول الله فقال : وهّنتموني.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : من تمسّك بحقّه من السبي فله بكل إنسان ستّ فرائض من أوّل شيء نصيبه ، فردّوا على الناس أبناءهم ونساءهم.

وسأل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن مالك بن عوف فقيل : إنّه بالطائف. فقال : أخبِروه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة بعير ، فاُخبر مالك بذلك ، فخرج من الطائف سرّاً ولحق برسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) ، فأسلم وحسن إسلامه و استعمله رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل التي حول الطائف ، فأعطاه أهله وماله ومائة بعير ، وكان يقاتل بمن أسلم معه من «ثمالة» و «فهم» و «سلمة» ، فكان يقابل بهم ثقيفاً لا يخرج لهم سرح إلّا أغار عليه حتى ضيّق عليهم(١).

لمّا فرغ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من رد سبايا حنين إلى أهلها ، ركب جواده واتّبعه الناس يقولون : يا رسول الله قسّم علينا فيأنا من الإبل والغنم ، فقام رسول الله إلى جنب بعير ، فاجتزّ وبرة من سنامه ، فجعلها بين اصبعيه ثم رفعها قائلاً : والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدّوا الخياط والمخيط ، فانّ الغلول يكون على أهله عاراً وناراً وشناراً يوم القيامة.

ثم إنّه أعطى المؤلّفة قلوبهم شيئاً كثيراً من الخمس المتعلّق به ، فأعطى أباسفيان ابن حرب وابنه معاوية لكلّ مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وهكذا وعندما فرغ من القسمة بينهم ، جاء رجل من بني تميم يقال له ذوالخويصرة ، فوقف عليه ، فقال : يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله :

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ٢ ص ٤٨٩ و ٤٩٠.

٤٥١
 &

أجل فكيف رأيت ؟ فقال : لم أرك عدلت. فغضب النبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) ثم قال : ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ألا أقتله ؟ فقال : لا ، دعه فانّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية(١).

وقد نزل بهذا الصدد عدة آيات منها :

(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ سَيُؤْتِينَا اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّـهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة / ٥٨ ـ ٦٠).

وقد اختلف المفسّرون في سبب نزولها فمن قائل بأنّها نزلت في حقّ ذي الخويصرة وأمثاله ، إلى قائل من أنّها نزلت في حقّ المؤلّفة قلوبهم.

مشادة الأنصار مع النبي

ولمّا أعطى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ما أعطى من تلك العطايا لقريش ولقبائل العرب ولم يحظ الأنصار بمثل عطيّتهم وجد جمع من الأنصار في أنفسهم شيئاً ، فأرسلوا منهم سعد بن عبادة إلى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يستطلع صدق الأمر ، فقال : قسّمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ٢ ص ٤٩٦ ، البداية و النهاية : ج ٤ ص ٣٣٦ و فيه : دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لايجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.

٤٥٢
 &

قال : يا رسول الله ما أنا إلّا من قومي ، قال : فأجمع لي قومك في هذه الحظيرة ، قال : فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، قال : فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردّهم فلمّا اجتمعوا له أتاه سعد فقال : قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فحمد الله و أثنىٰ عليه بما هو أهله ثم قال : يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلّالاً فهداكم الله ؟ وعالة فأغناكم الله ؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم ؟

قالوا : بلى ، الله ورسوله أمنّ وأفضل ، ثمّ قال : ألاتجيبونني يا معشر الأنصار ؟

قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المنّ والفضل.

قال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقتم و لصدّقتم : أتيتنا مكذّباً فصدّقناك ومخذولاً فنصرناك وطريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك ، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار. اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.

قال : فبكى القوم حتّى أخضلوا لحاهم وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظّاً ثم انصرف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وتفرّقوا(١).

إلى هنا تمّ الحديث عن فتح مكّة وما أعقبه من الأحداث وقد وصفه سبحانه هكذا :

(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّـهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٥٠٠ ، البداية و النهاية ج ٤ ص ٣٥٨.

٤٥٣
 &

السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الفتح / ١ ـ ٤).

وفي الآيات سؤال يستحثّ الجواب عنه وهو أنّه سبحانه جعل فتح مكّة علّة لغفران ما تقدّم من ذنوب النبي وما تأخّر منها ، فيقال :

١ ـ ما هي المناسبة بين العلّة والمعلول : فتح مكّة وغفران الذنوب ، مع أنّه يجب أن يكون بينهما مناسبة ذاتية أو اعتبارية ؟

٢ ـ إنّ النبي الأكرم معصوم من اجتراح الذنوب فما المراد من هذا الذنب ؟

ويجاب عنه : بأنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان متّهماً عند رجال قريش وحلفائها منذ سابق عهدهم به بالكهانة والسحر والجنون والألقاب المزرية المشينة الاُخرى ، وقد سبق أن قلنا بأنّ هذه التهم كانت بمثابة الحرب النفسية لإظهار العداء المقيت بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وكان يصعب على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مجابهتها والقضاء عليها وكفّ ألسنة الناس عن التفوّه بها بأي نحو من أنحاء الإعلام المضادّ إلّا لمن عايشه عن قرب واختبره عن كثب.

ولكنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد منحه الله سبحانه ببركة هذا الفتح المبين حيث تمكّن بعد هدم حصون الشرك والوثنية وتطهير الكعبة من آلهة المشركين والاستيلاء علىٰ مراكز قوّتهم من الظهور بمظهر العظمة إلى أن تلاشت معه جميع قلاع الشرك وخضعت له الرقاب التي تنصب غروراً وكبرياءً في وجهه.

فأثبت بذلك أنّه منزّه عن الكهانة والسحر والجنون لأنّ المنتسب إلى أحد تلك الأصناف أعجز من أن يقوىٰ على تدبير اُمور نفسه الخاصّة. فكيف يقوم بقيادة جيش جرّار عرمرم يخترق الفيافي والصحارى والقفار على الرغم من كثرة العيون والجواسيس المترصّدة في أنحاء الطرق والمعابر ، ثمّ يباغت العدو في عقر داره وهو في غفلة من أمره فما يلبثوا إلّا يسيراً حتّى يسلّموا له وتذلّل له أعناق رؤسائهم ، ويبلغ به الأمر إلى

٤٥٤
 &

أكثر من ذلك فيواصل زحفه إلى ماوراء مكّة على ثبات من أمره وقوّة و شكيمة.

فالمتصدّي لقيادة تلك الجيوش والتسلّط على ما تمكّن منه بالنحو المتقدّم لابدّ وأن يعد من الرعيل الأوّل من قوّاد الجيوش في العالم وأشدّهم حنكة وحكمة ، فكيف يتبادر إلى الأذهان أمثال تلك الأراجيف إذا كان حاله على ما شاهده الناس به من العظمة والبسالة والحكمة ؟

وتمكّن من خلال هذا الفتح من إزالة كل فرية وتهمة مشينة ألصقها كفّار قريش به أو يمكن أن توصف شخصيته بها في المستقبل ، ولذلك وردت الإشارة إلى ذلك بقوله : (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ).

وبذلك يندفع ما تمّ إيراده في السؤالين ، وفي ذلك غنى عن المزيد من الإطالة حيث تبيّن وجود الصلة بين الفتح ومغفرة الذنوب ، كما تبيّن عدم منافاة المغفرة مع العصمة ، فلاحظ.

وفي الختام نقول : إنّه سبحانه قد بشّر النبي الأكرم بالنصر والفتح قبل وقوع الأمر بإنزال سورة النصر. قال سبحانه : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر / ١ ـ ٣).

لمّا فتح رسول الله مكّة قالت العرب : اما اذا أظفر محمد بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به طاقة ، فكان يدخلون في دين الله أفواجاً واحداً واحداً ، اثنين اثنين وربّما تدخل القبيلة بأسرها في الإسلام(١).

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٥ ص ٥٥٣ ـ ٥٥٤.

٤٥٥
 &

٩ ـ غزوة تبوك

كانت بلاد الشام في عصر الرسالة من المناطق التي تخضع لنفوذ إمبراطورية الروم ، وكان شيوخ القبائل تدين بالمذهب المسيحي ، وكانوا أداة طيّعة في أيديها ، ولمّا بلغ أسماع أباطرة الروم خبر استيلاء المسلمين على مكّة ودخول المشركين في الدين الإسلامي أفواجاً ، استشاطوا غضباً وعزموا على حربهم واطفاء نائرتهم ، فأرسلوا إلى رؤساء قبائل «لخم» و «عامله» و «غسّان» و «جذام» يحثّونهم على تكثيف حشودهم و إعداد العدّة لحرب محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ومباغتته في عقر داره ليسهل عليهم إخماد أنفاس تلك الدولة الفتيّة ، ولمّا وصل الخبر إلى النبي الأكرم عن طريق القوافل التجارية عزم على حربهم قبل أن يهاجموه ، وكانت تلك الفترة فترة شاع فيها الفقر والشدّة والفاقة.

وقد أمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالرحيل في الفصل الذي كانت الثمار فيه على وشك الإيناع.

قال ابن هشام : إنّ رسول الله أمر أصحابه بالتهيّؤ وغزو الروم وذلك في زمان من عسرة الناس وشدّة من الحر وجدب من البلاد ، وحين طابت الثمار والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله قلّما يخرج لغزوة إلّا كنّى عنها وأخبر أنّه يريد غير الوجه الذي يقصده إلّا ما كان من غزوة تبوك ، فإنّه بيّنها للناس لبعد الشقّة وشدّة الزمان ، وكثرة العدو الذي يقصده ليتأهّب الناس لذلك اُهبتهم ، فأمر الناس بالجهاز ، وأخبرهم أنّه يريد الروم.

ولمّا تفرّدت به تلك الغزوة عن سائر الغزوات ببعد الطريق ، والاعتياز إلى مؤن

٤٥٦
 &

تكفل حاجة الجند ذهاباً و إيّاباً ، فقد صدرت الأوامر من النبي الأكرم بحشد جميع الإمكانات المتوفّرة لديهم بلا فرق بين الغني والفقير ، ولأجل ذلك ساهم في تدعيم ذلك المجهود الحربي جميع الطبقات والفئات من الرجال والنساء وأصحاب الثروة والعمّال.

وممّن ساهم في تدعيم أمر الجيش عبد الرحمان بن عوف حيث جاء بصرّة من دراهم تملأ الكف ، وفي قبال ذلك أتى من الضعفاء عتبة بن زيد الحارثي بصاع من تمر وقال : يا رسول الله : عملت في النخل بصاعين فصاعاً تركته لأهلي وصاعاً أقرضته ربّي ، وجاء زيد به أسلم بصدقة ، فقال بعض الناس : إنّ عبد الرحمان رجل يحبّ الرياء ، ويبتغي الذكر بذلك و إنّ الله غني عن الصاع من التمر ، فعابوا كلتا الطائفتين : المكثر بالرياء والمقل بالإقلال ، فنزل قوله سبحانه :

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّـهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة / ٧٩ و ٨٠).

والحقّ إنّه يوجد في جميع المجتمعات رجال ، لا يحبّون الخير ولا يساهمون فيه ، بل لا يحبّون أن يساهم فيه أحد و يعيبونهم في المساهمة بأي شكل تحقّقت ، فإن ساهم إنسان بالمال الكثير ، يتّهمونه بأنّه يحب الرياء والذكر ، و إن ساهم بمال قليل حقّروه وأهانوه ، هذه شأن تلك الطبقة التي لا يريدون الخير ولا يطلبونه بتاتاً.

تخاذل بعض المؤمنين عن المناصرة

ـ ومع أنّ الظروف لم تكن مساعدة لحشد الناس بما يقتدر به على حرب العدو الشرس ـ فقد تمكّن النبي من حشد ثلاثين ألف مقاتل ، ولم يكن لهذا النجاح (في استنهاض عزائم العرب وجمع قواهم بهذه المثابة) مثيل في تاريخ العرب ، على

٤٥٧
 &

الرغم من الجهود المكثّفة التي كانت يبذلها المنافقون في تثبيط العزائم و إخماد روح الشهادة والفداء في نفوس المسلمين.

وقد ألمح الذكر الحكيم إلى تثاقل جمع من الصحابة (المؤمنين) عن الإسهام والمشاركة. قال سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة / ٣٨ و ٣٩).

وما هو المراد من قوله سبحانه : (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) و قد جاءت تلك الجملة في آيات اُخرى أيضاً ؟

قال سبحانه : (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ...) (المائدة / ٥٤) وقال تعالى : (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد / ٣٨).

وقد فسّرت الآية بأبناء فارس تارة و بأهل اليمن اُخرى و بالذين أسلموا ثالثة ، والحق إنّ الآية تتمتّع عن سعة وعموم تعمّ الطوائف الذين جاءوا بعد نزول الآية ، واتّسموا بما فيها من الصفات (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...).

نكوص المنافقين عن القتال

كانت وقعة تبوك محكّاً لتمحيص المسلمين ، و ثباتهم على الحق و مفاداتهم الرسول بأنفسهم و أموالهم. كيف و قد كانت المسافة بين المدينة و تبوك تقرب من ستمائة كيلومتراً ، و كانت الركائب المعدّة للمسير تغطّي معشارهم ، و كان زادهم الشعير المسوّس ، و الإهالة السخنة و التمر الزهيد ، ففي خضمّ تلك الظروف

٤٥٨
 &

العصيبة ، سعى المنافقون لإخماد همم المسلمين ، و كسر شوكتهم ، فكشف الله عنهم لقاء تآمرهم على الإسلام ، ما كانوا يبطنونه و يخفونه من ضغائن و أحقاد ، و قد كرّست سورة التوبة ثقلها الأكبر على بيان تآمر اُولئك ، وقد كانوا يتذرّعون بأعذار و ترّهات خاوية ، و يستأذنون من النبي للبقاء في المدينة وعدم المساهمة في الجهاد. نعم ما كانوا يعتذرون به لم يكن سبباً حقيقيّاً لتثاقلهم ، و إنّما السبب فيه هو :

١ ـ علمهم بأنّ النبي لايصيب غنيمة.

٢ ـ بعد الطريق.

٣ ـ شدّة الحر و حمّارة القيظ.

و قد كشف الوحي عن سرّ تثبّطهم و تثاقلهم و ألمع إلى الوجهين الأوّلين بقوله :

(لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة / ٤٢).

و في هذه الآية إلماع إلى السببين الأوّلين اللّذين عاقاهم عن المساهمة :

١ ـ يريد أنّه لو كان في ما دعوتهم إليه منفعة قريبة المنال لم يكن في الوصول إليها عناء كبير لاتّبعوك كما يقول : (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا).

٢ ـ لو كان السفر سفراً هيّناً لاتعب فيه لأسرعوا بالنفر إليه إذ حبّ المال أمر طبيعي خصوصاً إذا كانت سهلة المأخذ قريبة المنال كما يقول : (سَفَرًا قَاصِدًا).

و لمّا بعدت عليهم الشقّة أوّلاً و لم يكونوا مطمئنّين بالوصول إلى المال ثانياً انصرفوا عن المساهمة ، و لكنّهم لحفظ مكانتهم بين المسلمين كانوا يحلفون للرسول بعدم استطاعتهم للخروج ، و هم كاذبون في حلفهم كما يقول سبحانه : (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّـهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

٤٥٩
 &

و قد ألمع إلى السبب الثالث بقوله : (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّـهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة / ٨١).

كان المنافقون يقولون لإخوانهم لاتنفروا في حرّ الصيف و الله سبحانه فنّد آراءهم و سفّه أحلامهم بأنّ نار جهنّم المعدّة للعصاة أشدّ حرّاً من تلك الأيّام ، لأنّ ذلك الحرّ تحتمله الأجسام و أمّا نار جهنّم فتلفح الوجوه و تنضج الجلود ، و على ذلك ينبغي عليهم أن يضحكوا قليلاً و يبكوا كثيراً.

هذه سيرة المنافقين و ضعفاء الإيمان في كل عصر يعتذرون في الصيف بشدّة الحرّ ، و في الشتاء بشدّة البرد ، و لكنّها أعذار ظاهريّة اتّخذوها واجهة لستر ما هو السبب الحقيقي لترك المساهمة.

و التاريخ يعيد نفسه. كان علي (عليه السلام) يأمر أصحابه بالجهاد ضد العدو و هم يتثاقلون إلى الأرض ، يعتذرون بمثل تلك الأعذار ، يقول الإمام : «فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيّام الصيف ، قلتم : هذه حمارة القيظ أمهلنا يُسَبَّخَ عنّا الحرّ ، و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء ، قلتم : هذه صبارّة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، أكلّ هذا فراراً من الحرّ و القرّ ، فإذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرّون فأنتم و الله من السيف أفر ، يا أشباه الرجال و لارجال !...»(١).

إلى هنا وقفنا على الأسباب الواقعيّة التي ثبّطت عزائم المنافقين عن المساهمة في الجهاد ، ثمّ إنّهم كانوا ينتحلون الأعذار الواهية ، ليستأذنوا النبي في القعود والتخلّف ، و كان النبي يأذن لهم ، فتزل الوحي و قال : (عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة / ٤٣).

و هل الآية تدلّ على أنّ إذنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان على خلاف

__________________

(١) نهج البلاغة : الخطبة ٢٧.

٤٦٠