مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

(٥) بعثته ونزول الوحي إليه

«بَعَثَ اللهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ الأَكْرَم عَلَى حِينِ فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجعَةٍ مِنَ الاُمَمِ ، وَاعْتِزَامٍ مِنَ الفِتَنِ وَانتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ ، وَتَلَظٍّ مِنَ الحُروبِ ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ، ظَاهِرةُ الغُرورِ ، عَلى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وإياسٍ مِنَ ثَمرِهَا ، وَاغوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ مَنَار الهُدى ، وَظَهَرتْ اَعلامُ الرَّدى ، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأَهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبَها ، ثَمَرُهَا الفِتْنَةُ ، وَطَعَامُهَا الجِيفَةُ ، وَشِعارُهَا الخَوْفُ ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ»(١).

بعث على رأس الأربعين من عمره ، وبُشّر بالنبوّة والرسالة ، وأمّا الشهر الذي بعث فيه ، ففيه أقوال وآراء ، فالشيعة الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعث في سبع وعشرين من رجب.

روى الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : لا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنّه اليوم الذي نزلت فيه النبوّة على محمّد (صلّى الله عليه و آله و سلّم)(٢).

وروى أيضاً عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال : بعث الله عزّ وجلّ محمّداً رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب(٣).

روى المفيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : في اليوم السابع والعشرين من رجب نزلت النبوّة على رسول الله ، إلى غير ذلك من الروايات(٤).

وأمّا غيرهم فمن قائل بأنّه بعث في سبعة عشر من شهر رمضان أو ثمانية عشر أو أربع وعشرين من هذا الشهر أو في الثاني عشر من ربيع الأوّل.

__________________

(١) إقتباس من كلام الإمام أمير المؤمنين في نهج البلاغة الخطبة ٨٥ ، طبعة عبده.

(٢) و (٣) البحار ج ١٨ ص ١٨٩ ـ نقلاً عن الكافي و أمالي ابن الشيخ.

(٤) البحار ج ١٨ ص ١٨٩ ـ نقلاً عن الكافي و أمالي ابن الشيخ.

١٠١
 &

وبما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت ، كيف وهم نجوم الهدى ومصابيح الدجى وأحد الثقلين اللذين تركهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعده ، فيجب علينا الوقوف دون نظرهم ولا نجتازه ، نعم دلّ الذكر الحكيم على أنّ القرآن نزل في شهر رمضان قال سبحانه : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...) (البقرة / ١٨٥).

وقال سبحانه : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر / ١).

وقال سبحانه : (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) (الدخان / ٣).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على نزوله في شهر رمضان.

والإستدلال بهذه الآيات على أنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعث في شهر رمضان مبني على إقتران البشارة بالنبوّة ، بنزول القرآن وهو بعد غير ثابت ، فلو قلنا بالتفكيك وانّه بعث في شهر رجب ، وبشّر بالنبوّة فيه ، ونزل القرآن في شهر رمضان ، لما كان هناك منافاة بين بعثته في رجب ، ونزول القرآن في شهر رمضان.

ويؤيّد ذلك أي عدم اقتران النبوّة بنزول القرآن ، ما نقله غير واحد عن عائشة : إنّ أوّل ما بدء به رسول الله من النبوّة حين أراد الله كرامته ، الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) رؤيا في نومه إلّا جاءت كفلق الصبح ، قالت : وحبّب الله تعالى إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحبّ إليه من أن يخلو وحده(١).

لكن الظاهر من ذيل ما روته عائشة أنّ النبوّة كانت مقترنة بنزول الوحي والقرآن الكريم ، ولنذكر نص الحديث بتمامه ثمّ نذيّله ببيان بعض الملاحظات حوله. روى البخاري : «كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يخلو بغار حراء ، فيتحنّث فيه وهو التعبّد في الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاء الحقّ وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثمّ أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣ ، السيرة النبوية ج ١ ص ٣٣٤.

١٠٢
 &

فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّني الثالثة ثمّ أرسلني ، فقال : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)(١).

و في هذه الرواية تأمّلات واضحة :

١ ـ ما هو المبرّر لجبرئيل أن يروّع النبي الأعظم ، و أن يؤذيه بالعصر إلى حدٍّ أنّه يظن انّه الموت ، يفعل به ذلك و هو يراه عاجزاً عن القيام بما يأمره به ، و لايرحمه و لايلين معه ؟

٢ ـ لماذا يفعل ذلك ثلاث مرات لاأكثر و لاأقل ؟

٣ ـ لما ذا صدّقه في الثالثة ، لا في المرّة الاُولى و لا الثانية مع أنّه يعلم أنّ النبي لايكذب ؟

٤ ـ هل السند الذي روى به البخاري قابل للإحتجاج مع أنّ فيه الزهري وعروة ؟

أمّا الزهري فهو الذي عرف بعمالته للحكام ، و إرتزاقه من موائدهم ، و كان كاتباً لهشام بن عبدالملك و معلّماً لأولاده ، و جلس هو و عروة في مسجد المدينة فنالا من علي ، فبلغ ذلك السجاد (عليه السلام) حتى وقف عليهما فقال : أمّا أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك ، فحُكِم لأبي على أبيك ، و أمّا أنت يا زهري فلو كنت أنا وأنت بمكّة لأريتك كن أبيك(٢).

أمّا عروة بن الزبير الذي حكم عليه ابن عمر بالنفاق وعدّه الاسكافي من التابعيين الذين يضعون أخباراً قبيحة في عليّ (عليه السلام)(٣).

نعم رواه ابن هشام و الطبري في تفسيره و تاريخه(٤) بسند آخر ينتهي إلى

__________________

(١) صحيح البخاري ج ١ ص ٣.

(٢) أي بيت أبيك.

(٣) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ص ٢٢٣.

(٤) السيرة النبوية ج ١ ص ٢٣٥ ، تفسير الطبري ج ٣٠ ص ١٦٢ ، و تاريخه ج ٣ ص ٣٥٣.

١٠٣
 &

أشخاص يستبعد سماعهم الحديث عن نفس الرسول الأكرم و دونك أسماؤهم :

١ ـ عبيد بن عمير ، ترجمه ابن الاثير ، قال : ذكر البخاري أنّه رأى النبي و ذكر مسلم أنّه ولد على عهد النبي و هو معدود من كبار التابعين يروي عن عمر و غيره(١).

٢ ـ عبد الله بن شداد ، ترجمه ابن الأثير قال : ولد على عهد النبي ، روى عن أبيه و عن عمر و علي(٢).

٣ ـ عائشة ، زوجة النبي ، حيث تفرّدت بنقل هذا الحديث و من المستبعد جداً أن لايحدّث النبي هذا الحديث غيرها مع تلهّف غيرها إلى سماع أمثال هذا الحديث.

نعم ورد مضمون الحديث في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) ، و نقله من أعلام الطائفة ابن شهر آشوب في مناقبه(٣) أو المجلسي في بحاره(٤).

لكن الكلام في صحّة نسبة التفسير الموجود إلى الإمام العسكري (عليه السلام) و أمّا المناقب فإنّه يورد الأحاديث و التواريخ مرسلة لامسندة ، و المجلسي اعتمد على هذه المصادر التي عرفت حالها.

و بذلك يظهر أنّه لا دليل على أنّ البشارة بالنبوّة كانت مقترنة بنزول القرآن ، وبذلك ينسجم نزول القرآن في شهر رمضان مع كون البعثة في شهر رجب ، نعم أورد العلّامة الطباطبائي على هذه النظرية بقوله : إذا بعث النبي في اليوم الثاني و العشرين من شهر رجب و بينه و بين شهر رمضان أكثر من ثلاثين يوماً فكيف تخلو البعثة في هذه المدّة من نزول القرآن ؟ على أنّ سورة العلق أوّل سورة نزلت على رسول الله و أنّها

__________________

(١) اُسد الغابة ج ٣ ص ٣٥٣.

(٢) نفس المصدر ج ٤ ص ١٨٣.

(٣) مناقب آل أبي طالب ج ١ ص ٤٠ ـ ٤٤.

(٤) بحار الأنوار ج ١٨ ص ١٩٦.

١٠٤
 &

نزلت بمصاحبة البعثة(١).

يلاحظ على ما ذكر :

١ ـ انّ الوجه الأوّل من كلامه مجرّد استبعاد ، فأيّ إشكال في أن يكون النبي قد بشّر بالنبوّة و نزِّل القرآن بعد شهر و بضعة أيام ؟

٢ ـ و أمّا الوجه الثاني فلأنّ الروايات نطقت بأنّها أوّل سورة نزلت و ليس فيها ما يدلّ على اقتران نزولها بأوّل عهد البعثة.

سؤال و إجابة :

إذا كان القرآن نازلاً في شهر رمضان فإنّ معناه أنّ مجموعه نزل في هذا الشهر مع أنّه نزل قرابة مدّة ثلاثة و عشرين سنة فكيف التوفيق بين هذين الأمرين ؟

و أمّا الإجابة فقد اُجيب عنه بأجوبة نذكرها واحداً تلو الآخر.

الأوّل : إنّ للقرآن نزولين : نزول دفعي و قد عبّر عنه بلفظ الإنزال الدال على الدفعة ، و نزول تدريجي و هو الذي يعبّر عنه بالتنزيل. قال سبحانه : (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود / ١) فإنّ هذا الإحكام في مقابل التفصيل ، و التفصيل هو جعله فصلاً فصلاً ، و قطعة قطعة ، و الإحكام كونه على وجه لايتفصّل فيه جزء من جزء و لايتميّز بعض من بعض ، لرجوعه إلى معنى واحد ، لاأجزاء و لافصول فيه ، فعلى ذلك فالقرآن نزل دفعة واحدة على قلب النبي الأعظم ، ثم صار ينزل تدريجياً حسب المناسبات و الوقائع و الأحداث(٢).

و على ذلك فلا مانع من نزول جميع القرآن في شهر رمضان نزولاً دفعياً ، ثمّ نزوله نحو ما في بضعة و عشرين سنة.

__________________

(١) تفسير الميزان ج ٢ ص ١٣.

(٢) الميزان ج ٢ ص ١٤ ـ ١٦.

١٠٥
 &

و يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره مبني على الفرق بين «الإنزال» و «التنزيل» ، و إنّ الأوّل عبارة عن النزول الدفعي ، و الثاني عن النزول التدريجي مع أنّه لادليل عليه ، فإنّ الثاني أيضاً استعمل في النزول الدفعي. قال تعالى حاكياً عن المشركين : (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ) (الاسراء / ٩٣).

و قال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) (الفرقان / ٣٢) فلو كان التنزيل هو النزول التدريجي فلماذا وصفه بقوله : «جملة واحدة...».

الثاني : إنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى البيت المعمور حسب ما نطقت به الروايات الكثيرة ثمّ صار ينزل تدريجياً على الرسول الأعظم.

روى حفص بن غياث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال سألته عن قول الله عزّ و جلّ : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) و إنّما اُنزل في عشرين بين أوّله وآخره ، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) : «نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور ثمّ نزل في طول عشرين سنة»(١).

و لو صحّت الرواية يجب التعبّد بها ، و إلّا فما معنى نزول القرآن الذي هو هدى للناس إلى البيت المعمور ، و أي صلة بهذا النزول بهداية الناس الذي يتكلّم عنه القرآن و يقول : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) ؟

قال الشيخ المفيد :

«الذي ذهب إليه أبو جعفر(٢) حديث واحد لايوجب علماً و لاعملاً ، و نزول

__________________

(١) البرهان في تفسير القرآن ج ١ ص ١٨٢ ، و الدر المنثور ج ٦ ص ٣٧٠.

(٢) مراده الصدوق ، و قد ذهب إلى أنّ القرآن قد نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور ، ثمّ انزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة.

١٠٦
 &

القرآن على الأسباب الحادثة حالاً يدلّ على خلاف ما تضمّنه الحديث ، و ذلك انّه قد تضمّن حكم ما حدث ، و ذكر ما جرى على وجهه ، و ذلك لايكون على الحقيقة إلّا لحدوثه عند السبب ،... الخ.

ثمّ استعرض آيات كثيرة نزلت لحوادث متجددة(١).

الثالث : إنّ القرآن يطلق على الكلّ و الجزء ، فمن الممكن أن يكون المراد بنزول القرآن في شهر رمضان هو شروع نزوله في ليلة مباركة و هي ليلة القدر ، فكما يصحّ نسبة النزول إليه في شهر رمضان إذا نزل جملة واحدة ، تصحّ نسبتة إليه إذا نزل أوّل جزء منه في شهر رمضان و استمرّ نزوله في الأشهر القادمة طيلة حياة النبي.

فيقال : نزل القرآن في شهر رمضان أي بدأ نزوله في هذا الشهر ، و له نظائر في العرف ، فلو بدأ فيضان الماء في المسيل يقال جرى السيل في يوم كذا و إن استمرّ جريانه و فيضانه عدّة أيام.

و هذا هو الظاهر من صاحب «المنار» حيث يقول : و أمّا معنى إنزال القرآن في رمضان مع أنّ المعروف باليقين أنّ القرآن نزل منجّماً في مدّة البعثة كلّها ، فهو أنّ ابتداء نزوله كان في رمضان ، ذلك في ليلة منه سمّيت ليلة القدر أي الشرف ، و الليلة المباركة كما في آيات اُخرى. و هذا المعنى ظاهر لاإشكال فيه ، على أنّ لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كلّه و يطلق على بعضه.

الرابع : إنّ جملة القرآن و إن لم تنزل في تلك الليلة ، لكن لمّا نزلت سورة الحمد بها و هي تشتمل على جلِّ معارف القرآن ، فكأنّ القرآن اُنزل فيه جميعاً فصحّ أن يقال : إنّا اَنزلناه في ليلة القدر.

يلاحظ عليه : أنّه لو كانت سورة الحمد أوّل سورة نزلت على رسول الله لكان حق الكلام أن يقال : قل بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدلله رب العالمين ، أو يقال :

__________________

(١) تصحيح الإعتقاد ص ٥٨.

١٠٧
 &

بسم الله الرحمن الرحيم ، قل : الحمد لله ربّ العالمين(١).

و هذا يعرب عن أنّ سورة الحمد ليست أوّل سورة نزلت على النبي.

هذه هي الوجوه التي ذكرها المفسّرون المحقّقون و الثالث هو الأقوى.

أوّل ما نزل على رسول الله :

ذكر أكثر المفسّرين أنّ أوّل سورة نزلت على رسول الله هي سورة العلق ، و تدل عليه روايات أئمّة أهل البيت. روى الكليني عن الصادق (عليه السلام) قال : أوّل ما نزل على رسول الله (بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ...) و آخر سورة هو قوله : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ...) ومثله عن الإمام الرضا (عليه السلام)(٢).

و لعلّ المراد نزول آيات خمس من أوّلها لاجميع السورة.

لأنّ قوله سبحانه في نفس تلك السورة : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ...) لايناسب أن تكون أوّل ما نزل ، بل هو حاك عن وجود تشريع للصلاة ، ووجود من يقيمها حتّى واجه نهي بعض المشركين ، و هذا لايتّفق مع كونه أوّل ما نزل.

أساطير و خرافات

دلّت الأدلة العقلية و الآيات القرآنية على أنّ الأنبياء مصونون عن الخطأ والاشتباه في تلقّي الوحي أوّلاً ، و ضبطه ثانياً ، و إبلاغه ثالثاً و أنّهم لايشكّون فيما يلقى في روعهم من أنّه ربّ العالمين و أنّ ما يعاينونه رسول إله العالمين ، و الكلام كلامه ، لايشكّون في ذلك طرفة عين و لايتردّدون بل يتلقّونه بنفس مطمئنة.

__________________

(١) الميزان ج ٢ ص ٢١ ـ ٢٢.

(٢) البرهان في تفسير القرآن ج ١ المقدّمة الباب الخامس عشر ص ٢٩ ، و تاريخ القرآن للزنجاني ص ٣٠.

١٠٨
 &

هذا هو القرآن الكريم يذكر كيفيّة بدء نزول الوحي إلى موسى و إنّه تلقّاه بلاتردّد و لاتريّث ، بذكره في سور مختلفة :

يقول : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ *... اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) (طه / ١١ ـ ٣٥).

ترى أنّ الكليم عندما فُوجئ بنزول الوحي ، تلقّاه بصدر رحب ، و لم يتردّد في أنّه وحيه سبحانه و أمره ، و لذلك سأل سبحانه أن يشرح له صدره ، و ييسر له أمره ، و يحلّ العقدة التي في لسانه ، و يجعل له وزيراً من أهله ، يشدّ به أزره و يشركه في أمره.

يقول سبحانه : (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (النحل / ٨ ـ ٩).

و جاءت هذه القصة في سورة القصص على وفق ما وردت في السورتين(١).

و من لاحظ هذه الآيات يقف على أنّ موقف الأنبياء من الوحي هو موقف الإنسان المتيقّن المطمئنّ إليه ، و هذه خاصّة تعمّ جميع الأنبياء (عليهم السلام).

نرى أنّه سبحانه يذكر رؤية النبي الأكرم ، و مواجهته لمعلّمه الذي وصفه القرآن بـ‍ «شديد القوى».

يقول : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ

__________________

(١) القصص ٢٩ ـ ٣٥.

١٠٩
 &

مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ) (النجم / ٤ ـ ١٢).

فأيّ كلمة أصرح في توصيف إيمان النبي و إذعانه في مجال الوحي و مواجهة أمينه من قوله سبحانه : (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) أي صدق القلب عمل العين. و يحتمل أن يكون المراد ، ما رآه الفؤاد.

قال العلّامة الطباطبائي :

فالمراد بالفؤاد ، فؤاد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و ضمير الفاعل في «ما رأى» راجع إلى الفؤاد ، و الرؤيا رؤيته و لابدع في نسبة الرؤية و هي مشاهدة العيان إلى الفؤاد ، فإنّ للإنسان نوعاً من الإدراك الشهودي وراء الإدراك بإحدى الحواسّ الظاهرة ، و التخيّل و التفكّر بالقوى الباطنة كما أنّنا نشاهد من أنفسنا أنّنا نرى و ليست هذه المشاهدة العيانية رؤية بالبصر و لامعلوماً بالفكر ، و كذا نرى من أنفسنا أنّنا نسمع و نشمّ و نذوق و نلمس ، و نشاهد أنّنا نتخيّل و نتفكّر ، و ليست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواسّ الظاهرة أو الباطنة(١).

فالله سبحانه يؤيّد صدق النبي فيما يدّعيه من الوحي و رؤية آيات الله الكبرى ، سواء كانت بالعين أو بالفؤاد.

و على كل تقدير فهذه الآيات و غيرها تدلّ على أنّ الأنبياء و غيرهم لايشكّون و لايتردّدون فيما يواجهون من الاُمور الغيبيّة.

و على ضوء ذلك تقف على أنّ ما ملأ كتب السيرة و بعض التفاسير في مجال بدء الوحي و أنّه تردّد النبي و شكّ عندما بشّر بالنبوّة و شاهد ملك الوحي و امتلأ روعاً و خوفاً إلى حدّ حاول أن يلقي نفسه من شاهق ، و عاد إلى البيت فكلّم زوجته فيما واجهه ، و عادت زوجته تسلّيه و تقنعه بأنّه رسول ربّ العالمين ، و إنّ ما رآه ليس إلّا أمراً حقّاً.

إذ كل ذلك أساطير و خرافات ، تناقض البراهين العقليّة و ما يتلقّاه الإنسان

__________________

(١) الميزان ج ١٩ ص ٣٠.

١١٠
 &

من قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم ، و قد دسّها الأحبار و الرهبان و سماسرة الحديث و القصّاصون في كتب القصص و السير و الحديث ، و نحن نكتفي في المقام بما ذكره البخاري في صحيحه و ابن هشام في سيرته ، فإنّ استقصاء كل ما ورد حول هذا الموضوع من الروايات المدسوسة يدفع بنا إلى تأليف رسالة مفردة ، و لكن فيما ذكرنا غنىً و كفاية. قال البخاري :

(بعد ذكر نزول أمين الوحي عليه في جبل حراء) «فرجع بها رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) فقال : زمّلوني زمّلوني ، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ـ و أخبرها الخبر ـ : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلّا و الله ما يخزيك الله أبداً إنّك لتصل الرحم ، و تحمل الكَلّ و تكسب المعدوم ، و تقري الضيف ، و تعين على نوائب الحقّ ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة ، و كان امرئ تنصّر في الجاهلية ، و كان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، و كان شيخاً كبيراً قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى ياليتني فيها جذعاً ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أمخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأتِ رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي ، و إن يدركني يومك ، أنصرك نصراً مؤزّراً ثم لم ينشب(١) ورقة أن توفّي و فتر الوحي»(٢).

هذا ما لدى البخاري ، و أمّا صاحب السيرة النبوية فبعدما ذكر مسألة الغتّ ينقل عن النبي أنّه قال :

«فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول :

__________________

(١) أي لم يلبث.

(٢) صحيح البخاري ج ١ ص ٣.

١١١
 &

يا محمد ، أنت رسول الله و أنا جبرئيل ، قال : فوقفت أنظر إليه ، فما أتقدّم وما أتأخّر ، و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال : فلاأنظر في ناحية منها إلّا رأيته كذلك ، فما زلت واقفاً ، ما أتقدّم أمامي ، و ما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكّة و رجعوا إليها ، و أنا واقف في مكاني ذلك ، ثم انصرف عنّي و انصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها ، فقالت : يا أبا القاسم ، أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكّة و رجعوا إليّ ، ثمّ حدّثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا ابن عمّ و اثبت ، فو الذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الاُمّة».

ثمّ يذكر انطلاق خديجة إلى ورقة بن نوفل ، و ما أجابها به ورقة بنفس النص الذي ذكره البخاري ثمّ يذكر لقاء النبي ورقة بن نوفل ، و هو يطوف بالكعبة ، فسأله ورقة بما رأى و سمع ، فأخبره النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فقال له ورقة : والذي نفسي بيده إنّك لنبيّ هذه الاُمّة.

ثمّ عقّبه بذكر ما قامت به خديجة من امتحان صدق نبوّته فذكر أنّها قالت لرسول الله : أي ابن عمّ ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا إذا جاءك ؟ قال : نعم. قالت : فإذا جاءك فاخبرني به ، فجاءه جبرئيل ، فقال رسول الله لخديجة : هذا جبرئيل قد جاءني ، قالت : قم يا بن عمّ فاجلس على فخذي اليسرى ، قال : فقام رسول الله فجلس عليها ، قالت : هل ترى ؟ قال : نعم ، قالت : فتحوّل فاجلس على فخذي اليمنى ، فجلس على فخذها اليمنى ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فتحوّل واجلس في حجري ، فتحوّل فجلس في حجرها ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، فتحسّرت و ألقت خمارها و رسول الله جالس في حجرها ، ثم قالت له : هل تراه ؟ قال : لا.

قالت : يا ابن عم اثبت و ابشر ، فو الله هذا ملك و ما هذا بشيطان(١).

و قال الطبري ـ بعد ما ذكر نزول جبرئيل إليه و تعليم آيات من سورة العلق ـ

__________________

(١) السيرة النبوية ج ١ ص ٢٣٧ ـ ٢٣٩ ، و تاريخ الطبري ج ٢ ص ٤٩ ـ ٥٠.

١١٢
 &

ثمّ دخلت على خديجة و قلت : زمّلوني زمّلوني حتى ذهب عنّي الروع ، ثمّ أتاني وقال : يا محمد ، أنت رسول الله.

قال : لقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدّى لي حين هممت بذلك ، فقال : يا محمد ، أنا جبرئيل و أنت رسول الله ، ثمّ قال : اقرأ ، قلت : ما اقرأ ؟ قال : فأخذني فغتني ثلاث مرات حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ قال : اقرأ باسم ربّك الذي خلق ، فقرأت فأتيت خديجة ، فقلت : لقد أشفقت على نفسي ، فأخبرتها خبري فقالت : ابشر فو الله لايخزيك الله أبداً ، و والله إنّك لتصل الرحم ، و تصدق الحديث ، و تؤدّي الأمانة ، و تحمل الكل ، و تقري الضيف ، و تعين على نوائب الحقّ ، ثمّ انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد ، فقالت : اسمع من ابن أخيك ، فسألني فأخبرته خبري ، فقال : هذا الناموس الذي اُنزل على موسى بن عمران... .

نظرة تحليلية حول هذه النصوص :

إنّ هذه النصوص التاريخية التي نقلها المشايخ كالبخاري و ابن هشام و الطبري ، و تلقّاها الآخرون من بعدهم على أنّها حادثة متسالم عليها تضاد ما يستشفه الإنسان من التدبّر في حالات الأنبياء في القرآن الكريم و تناقض البديهة العقلية ، و إليك بيان ما فيها من نقاط الضعف و علائم الجعل و التهافت :

١ ـ إنّ النبوّة كما عرفت منصب إلهي لايفيضه الله إلّا على من امتلك زخماً هائلاً من القدرات الروحية و القوى النفسية العالية حتّى يقوى على معاينة الوحي ، ومشاهدة الملائكة ، فعندئذٍ فلا معنى لما ذكره البخاري : «لقد خشيت على نفسي» أفيمكن أن ينزل الوحي الإلهي على من لايفرّق بين لقاء الملك ، و لقاء الجنّ و مكالمتهما حتى يخشى على نفسه الجنون أو الموت ؟

٢ ـ و أسوأ منه ما ذكره الطبري من أنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) همّ أن يرمي بنفسه من حالق من جبل ، فندم عليه و رجع عنه حين سمع كلام جبرئيل : يا محمد أنا جبرئيل.

١١٣
 &

إنّ هذا الكلام يعرب من أنّ نفسه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لم تكن نفساً مستعدّة لتحمّل الوحي على حدٍّ ، همّ أن يقتل نفسه بالإلقاء من حالق ، و هل هذا هو إلّا نفس الجنون الذي كان المشركون يصفونه به طيلة بعثته ، فواعجباً نسمعه من أعوانه و أنصاره و من لسان زوجته.

٣ ـ إنّ قول خديجة لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : كلّا و الله ما يخزيك الله أبداً ، تعرب من أنّها كانت أوثق إيماناً بنبوّته من نفس الرسول. فهل يمكن التفوّه بذلك ، و ما حاجة النبي الأعظم الذي قال تعالى في حقّه : (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء / ١١٣) إلى هذا التسلّي ؟

و هل يصحّ و يتعقّل للنبيّ أن يشكّ في رسالة نفسه حتى يستفتي زوجته فيزول شكّه بتصديقها ؟

٤ ـ ذكر البخاري : انّ خديجة انطلقت مع رسول الله إلى ورقة ، فأخبره رسول الله بما وقع ، فأجاب ورقة بما ذكره ، و انّ ما نزل عليه هو الناموس الذي نزّله الله على موسى.

و معنى هذا أن يكون ورقة أعلم بالسرّ المودع في قلب رسول الله من نفسه ، كما أنّ معنى ذلك انّ كلّاً من الزوجين كانا شاكّين في صحّة الرسالة ، فانطلقا إلى متنصّر قرأ وريقات من العهدين حتى يستفتياه ليزيل عنهما حجاب الشكّ و غشاوة الريب.

٥ ـ إنّ معنى ما ذكره البخاري من أنّ ورقة أخبر النبي بأنّه : يسخر منك قومك ، و تعجّب الرسول من هذا الكلام و قال : أوَمخرجي هم ؟ كون المرسل إليه أعلم من الرسول و أفضل منه.

٦ ـ إنّ ما ذكره ابن هشام من «انّ الرسول كلّما رفع رأسه إلى السماء لينظر ما رأى إلّا رجلاً صافّاً قدميه في اُفق السماء ، فلاينظر في ناحية من السماء إلّا رآه فيها» يشبه كلام المصابين في عقولهم و شعورهم ، و المختلّين في أفكارهم ، فلايرون في

١١٤
 &

كل جهة إلّا الصورة المتخيّلة ، لطغيانها على مخيّلتهم و شعورهم ، أعاذنا الله من إكالة الشنائع بمقام النبوّة ، بنحو لايليق بساحة العاديين من الناس فضلاً عن النبي الأكرم خاتم النبيّين.

٧ ـ انظر إلى امتحان خديجة لبرهان النبوّة فإنّ ظاهرها أنّها كانت شاكّة في نبوّة زوجها ، و لكنّها استحصلت اليقين على الوجه الذي سمعته في كلام ابن هشام والطبري ، و لكن أي صلة بين رفع الخمار و إلقائه و عدم رؤية جبرئيل ، و هل لرفع الخمار و تعرية شعر الرأس تأثير في غياب أمين الوحي عن البيت ؟

نرى أنّه سبحانه ينقل في غير سورة من سور القرآن الكريم مكالمة الملائكة زوجة الخليل و تبشيرها بالولد. فهل يمكن لنا أن نقول بعد ذلك : إنّ زوجة الخليل لو كانت مكشوفة الرأس لامتنعت الملائكة من دخول بيت الخليل (عليه السلام)(١).

٨ ـ إنّ ورقة بن نوفل على حدّ تصريح نصّ الرواية كان بادى بدئه نصرانيّاً بعد ما كان مشركاً ، فمقتضى الحال أن يشبّه الرسول الأعظم بالمسيح الذي كان يعتقد بنبوّته ، لابالكليم. أو ليس هذا يعرب عن لعب يد الأحبار في الخفاء في اصطناع هذه الأحاديث و دورهم في تشويش صفاء رسالة الرسول الأعظم بأمثال هذه الأساطير و المهاترات و الخرافات ؟

٩ ـ نحن على ثقة و يقين بأنّ النبوّة منصب إلهي لايتحمّله إلّا الأمثل و الأكمل فالأكمل من الناس ، و لايقوم بأعباء مهامّها إلّا من امتلك قدرة روحيّة خاصّة تبعث في نفسه الإذعان و التسليم ، و الانقياد حينما يتمثّل له رسول ربّه و أمين وحيه ، فلاتأخذه المسكنة و لايستولي عليه الخوف عند سماع كلامه و وحيه ، و قد درسنا وضع الكليم عندما فوجئ بالوحي فما حاق به الروع و لاأحاط به الخوف ، و لاهمّ بإلقاء نفسه... إلى غير ذلك ممّا ورد في هذه الروايات ، و بما أنّ القرآن هو المرجع الفصل في تمييز الصحيح من الزائف في جملة هذه الروايات ، يحتّم علينا إعراض

__________________

(١) لاحظ هود / ٧١ ـ ٧٣ ، الذاريات / ٢٩.

١١٥
 &

الصفح عنها ، و ضربها عرض الجدار ، مضافاً إلى ما فيها من التناقض و الاختلاف في حكاية القصّة كما هو معلوم لمن تدبّر فيها و تأمّل نصّها.

فرية انقطاع الوحي و فتوره

وقفت على ما في الروايات السابقة من الوضع و الدسّ بهدف تشويه صفاء صورة رسالة النبي الأكرم فهلمّ معي نتناول فريّة اُخرىٰ حيكت على المنوال السابق ، و للغاية نفسها ، و هي مسألة انقطاع الوحي بعد نزول آيات من سورة العلق ، أو سورة المدّثّر ، أو سورة الحمد على اختلاف في أوّل سورة نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قد حازت هذه الفرية على نصيب من الإهتمام و التقدير في كتب السيرة و التفسير حتى إنّ الدكتور محمد حسين هيكل ، أرسلها إرسال المسلّمات في كتابه بقوله : «انتظر هداية الوحي إيّاه في أمره ، و إنارة سبيله ، فإذا الوحي يفتر ، و إذا جبرئيل لاينزل عليه ،... إلى أن قال : و قد روي أنّ خديجة قالت له : ما أرىٰ ربّك إلّا قد قلاك ، و تولّاه الخوف و الوجل ، فهما يبعثانه من جديد ، يطوي الجبال و ينقطع في حراء يرتفع بكل نفسه ابتغاء وجه ربّه ، يسأله : لم قلاه بعد أن اصطفاه ، و لم تكن خديجة بأقلّ منه إشفاقاً و وجلاً. و يتمنّى الموت صادقاً لولا أنّه كان يشعر بما اُمر به ، فيرجع إلى نفسه ، ثمّ إلى ربّه ، و لقد قيل : إنّه فكّر في أن يلقي بنفسه من أعلى حراء أو أبي قبيس و أيّ خير في الحياة ، و هذا أكبر عمله فيها يدوي و ينقضي ، و انّه لذلك تساوره هذه المخاوف ، إذ جاءه الوحي بعد طول فتوره إذ نزل عليه بقوله تعالى : (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (سورة الضحى)(١).

هذا ما يذكره رجل مثقّف في القرن العشرين في حقّ النبي الأكرم ، فما ظنّك

__________________

(١) حياة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ص ١٣٨.

١١٦
 &

بغيره ممّن سبقه من الذين يتعبّدون بالروايات و لايحيدون عن شاذّها و سقيمها قيد أنملة أو قدر شعرة ، و أصل هذه الفرية يرجع إلى كتب السيرة و التفسير ، و إليك ما يذكره واحد من اُولئك من أمثال الطبري حيث يصرّح في تفسيره بما نصّه :

١ ـ عن ابن زيد : إنّ هذه السورة نزلت على رسول الله تكذيباً من الله قريشاً في قيلهم لرسول الله لمّا أبطأ عليه الوحي : «قد ودّع محمداً ربّه و قلاه» .

٢ ـ عن ابن عبدالله : لمّا أبطأ جبرئيل على رسول الله ، فقالت امرأة من أهله أو من قومه : ودّع الشيطان محمداً ، فأنزل الله عليه : (وَالضُّحَىٰ... ـ إلى قوله ـ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ).

٣ ـ عن جندب البجلي : أبطأ جبرئيل على النبي حتّى قال المشركون ودّع محمداً ربّه ، فأنزل الله : «وَالضُّحَىٰ...» ، و عنه قالت امرأة لرسول الله : ما أرى صاحبك إلّا قد أبطأ عنك ، فنزلت هذه الآية.

و في رواية اُخرى عنه : ما أرى شيطانك إلّا قد تركك.

٤ ـ عن عبدالله بن شدّاد : إنّ خديجة قالت للنبي : ما أرىٰ ربّك إلّا قد قَلاك ، فأنزل الله «وَالضُّحَىٰ».

٥ ـ و عن قتادة : إنّ جبرئيل أبطأ عليه بالوحي ، فقال ناس من الناس : ما نرى صاحبك إلّا قد قلاك فودّعك ، فأنزل الله : (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ).

٦ ـ عن ضحّاك : مكث جبرئيل عن محمّد ، فقال المشركون : قد ودّعه ربّه.

٧ ـ عن ابن عروة ، عن أبيه قال : أبطأ جبرئيل على النبي ، فجزع جزعاً شديداً ، و قالت خديجة : أرىٰ ربّك قد قلاك ، ممّا نرى من جزعك ، قالت : فنزلت «وَالضُّحَىٰ»(١).

يلاحظ على هذه الروايات و على فرية فترة انقطاع الوحي عدّة اُمور :

١ ـ إنّ هذه الروايات التي ملأت التفاسير و كتب السير ، رويت عن اُناس

__________________

(١) تفسير الطبري ج ٣٠ ص ١٤٨.

١١٧
 &

لايركن إليهم كقتادة و الضحّاك فإنّهما كانا يأخذان تفسير القرآن عن أهل الكتاب(١). وجلّها بل كلّها مرسلة غير مسندة إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

٢ ـ إنّها اختلفت في القائل الذي شَمِت برسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) بقوله : «ودّعك ربّك» فربّما يسند إلى امرأة من أهله أو قومه و اُخرى إلى المشركين ، و ثالثة إلى طائفة من الناس ، و رابعة إلى زوجته خديجة.

إنّ نسبة هذا القول إلى زوجته الطاهرة التي آمنت به يوم بعثته ، و قد عرفت فضائله و ملكاته النفسيّة عن كثب ، بعيداً جداً.

٣ ـ إنّها اختلفت في مدة الفترة. قال ابن جريج : احتبس عنه الوحي اثنى عشر يوماً ، و قال ابن عباس : خمسة عشر يوماً ، و قيل : خمسة و عشرين يوماً ، و قال مقاتل : أربعين يوما(٢) ، و في فتح الباري : انّه كان ثلاث سنين(٣) كما في السيرة الحلبية و فيها أيضاً : إنّها كانت سنتين و نصفاً ، و على قولٍ : سنتين ، إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة التي تحكي عن اضطراب في الرواية و النقل.

٤ ـ اختلفت الرواية في سبب الفترة و انقطاع الوحي. فتارة زعموا أنّ سببها هو أنّ اليهود سألوا رسول الله عن مسائل ثلاث : عن أصحاب الكهف و عن الروح و عن قصّة ذي القرنين ، فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : سأخبركم غداً و لم يستثنِ ، فاحتبس عنه الوحي ، فقال المشركون ما قالوا ، فنزلت(٤).

و اُخرى قالوا : إنّ عثمان أهدى إليه عنقود عنب ، و قيل : عذق تمر ، فجاء سائل فأعطاه ، ثمّ اشتراه عثمان بدرهم ، فقدّمه إليه (صلّى الله عليه و آله و سلّم)

__________________

(١) لاحظ آلاء الرحمن في تفسير القرآن ، ج ١ ، ص ٤٦ ، يقول : إنّ الضحّاك بن مزاحم فقد ضعّفه يحيى بن سعيد ، و كان يروي عن ابن عباس ، و أنكر ملاقاته له حتى قيل : إنّه ما رآه قط ، و أمّا قتادة فقد ذكروا : انّه مدلّس.

(٢) تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ٩٢.

(٣) السيرة الحلبية ج ١ ص ٢٦٢.

(٤) روح المعاني ج ١٠ ص ١٥٧ ، نقله عن جمع من المفسرين.

١١٨
 &

ثانياً ، ثمّ عاد السائل فأعطى و هكذا ثلاث مرّات ، فقال (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ملاطفاً لاغضبان : أسائل أنت يا فلان أم تاجر ؟ فتأخّر الوحي أيّاماً فاستوحش فنزلت.

و ثالثة : رووا عن ابن أبي شيبة في مسنده و الطبراني و ابن مردويه من حديث خولة ، و كانت تخدم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن جرواً دخل تحت سرير رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فمات و لم تشعر به ، فمكث رسول الله أربعة أيّام لاينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ! ما حدث في بيت رسول الله ؟ جبرئيل لايأتيني ! فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير من هذا اليوم ، فأخذ برده فلبسها وخرج ، فقلت في نفسي لو هيّأت البيت و كنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل فلم أزل به حتى بدا لي الجرو ميّتاً ، فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار ، فجاء النبي ترعد لحيته ، و كان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة ، فقال يا خولة دثّريني ، فأنزل الله تعالى : (وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ)(١).

و رابعة : انّ المسلمين قالوا : يا رسول الله مالك لاينزل عليك الوحي ؟ فقال : وكيف ينزل عليّ و أنتم لاتنقّون رواجبكم ، و في رواية : براجمكم ، و لاتقصّون أظفاركم ، و لاتأخذون من شواربكم ، فنزل جبرئيل بهذه السورة ، فقال النبي : ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبرئيل : و أنا كنت أشدّ إليك شوقاً ، و لكنّي عبد مأمور ، ثمّ أنزل عليه : (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) (مريم / ٦٤)(٢).

إنّ الإضطراب في أسباب فتور الوحي يعرب عن عدم صحّة الرواية.

أمّا الأوّل : فلو صحّ فيلزم كون زمان انقطاع الوحي في العام السابع من البعثة لأنّ قريشاً أرسلت النضر بن الحارث و ابن أبي معيط إلى أحبار اليهود يسألانهم عن النبي الأكرم ، و قالا لهم : إنّكم أهل التوراة و قد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ، فقالت لهم أحبار اليهود : سلوهُ عن ثلاث نأمركم بهنّ ، فجاؤوا إلى رسول الله ، و قالوا : يا محمّد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ، قد كانت لهم قصّة عجب ،

__________________

(١) روح المعاني ج ١٠ ص ١٥٧.

(٢) تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ٩٣ ، و مجمع البيان ج ١٠ ص ٥٥ (طبع صيدا).

١١٩
 &

و عن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض و مغاربها ، و أخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال لهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أخبركم بما سألتم عنه غداً و لم يستثن ، فانصرفوا عنه(١).

نحن ننزّه ساحة النبي الأكرم الذي نشأ نشأة الأنبياء في عالم ملئ بالطهر والقداسة ، أن يخبرهم على وجه قاطع بأنّه سيجيبهم غداً على أسئلتهم تلك فمن أين علم أنّه سبحانه ينزل الوحي عليه غداً ؟ أو أنّه سبحانه يجيب عن أسئلتهم عن طريق الوحي ؟

و أمّا الثاني : فهو أشبه بالقصص الموضوعة ، فهل من المعتاد أن يباع عنقود عنب ثلاث مرّات في السوق ، و مثله عذق تمر ؟ و لعلّ الجاعل كان يهدف إلى إختلاق الفضائل لعثمان فحسب أنّ هذا الموضع مناسب له.

و أمّا الثالث : فبعيد جدّاً ، إذ كيف يمكن أن يموت الجرو تحت سرير النبي أو في زاوية من البيت و لايلتفت إليه ؟ على أنّ ظاهر الرواية أنّ انقطاع الوحي كان بعد تلقّي النبي لنزول الوحي مدّة مديدة حيث إنّ خولة قالت : «و كان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة» فإنّ ذلك يعرب عن أنّ الحادثة كانت في أزمنة متأخّرة من بدء البعثة ، مع أنّ المشهور انّها كانت في بدء البعثة ـ أي بعد نزول سورة العلق أو آيات منها ـ.

و أمّا الرابع : فهو أشبه بحمل النبي وزر الغير ، فإنّ عدم قصّ المسلمين شواربهم ، أو عدم تنظيف رواجبهم لايكون سبباً لانقطاع الوحي ، قال سبحانه : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) (الأنعام / ١٦٤).

هذه الوجوه كلّها تدفع بنا إلى القول : بأنّ مسألة انقطاع الوحي فرية تاريخيّة صنعتها يد الجعل و الوضع لغاية أو غايات خاصّة ، و لم يكن هناك أيّة فترة ، و إنّما المسألة كانت بصورة اُخرى :

__________________

(١) السيرة النبويّة لإبن هشام ج ١ ، ص ٣٠١.

١٢٠