مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

هي أنّه تعلّقت مشيئته سبحانه على نزول الوحي نجوماً ـ أي فترة بعد فترة ـ حسب المقتضيات و الأسباب الموجبة لنزوله أوّلاً ، و تثبيت فؤاد النبي بذلك ثانياً ، قال سبحانه مشيراً إلى مشيئته الحكيمة :

(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) (الأسراء / ١٠٦). و قال سبحانه مشيراً إلى أنّ من بواعث نزول الوحي تدريجيّاً كونه سبباً لتثبيت فؤاده : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان / ٣٢) فعلى ضوء ذلك لم يكن هناك إلّا مسألة طبيعية على صعيد الوحي و هو نزوله تدريجيّاً لادفعة واحدة ، غير أنّ المشركين الجاهلين بمشيئته سبحانه و أسرار نزول الوحي تدريجيّاً ، كانوا يترقّبون نزول الوحي عليه دوماً و في كل يوم و ساعة ، أو نزول مجموع الشريعة دفعة واحدة كما نزلت التوراة على موسى. قال سبحانه : (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف / ١٤٥). فلمّا شاهدوا خلاف ما كانوا يترقّبونه من مدّعي النبوّة انصرفوا إلى اتّهام النبي بأنّه ودّعه ربّه الذي ينزّل عليه الوحي أو الشيطان الذي يلهمه على حدّ تعبيرهم.

فحصيلة البحث : انّه لم يكن هناك انقطاع و لافتور و لاسبب من الأسباب المذكورة في الروايات بل كان مجرّد توهّم توهّموه.

ثُمّ إنّ المعروف بين المفسّرين أنّ سورة الضحى حسب الترتيب النزولي ، السورة الحادية عشرة ، و كانت الاُولى هي العلق ، فالقلم ، فالمزّمّل ، فالمدّثّر ، فلهب ، فالتكوير ، فالأعلى ، فالإنشراح ، فالعصر ، فالفجر ، فالضحى(١).

و الظاهر ممّن ينقل مسألة انقطاع الوحي و فتوره أنّها نزلت في بدء الوحي بعد انقطاعه أي نزل بعد العلق أو بعد المدّثّر مع أنّها نزلت متأخّرة ، و كان الوحي ينزل على النبي تترى حسب مقتضيات الظروف و المناسبات و الوقائع و الأحداث.

__________________

(١) تاريخ القرآن للزنجاني ص ٣٦.

١٢١
 &

نعم ذكر اليعقوبي أنّ سورة «الضحى» هي السورة الثالثة ، و لعلّه متفرّد في ذلك القول(١).

مراحل الدعوة الثلاث

نزل الأمين جبرئيل مبشّراً النبي الأكرم بالنبوّة و الرسالة ، و ألقى على عاتقه مقاليد مهامّها هداية الاُمّة ، التي يصوّرها قوله سبحانه : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزّمّل / ٥).

و قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (المدّثّر / ١ ـ ٣) و أيّ مسؤولية أثقل من مسؤولية هداية الاُمّة الغارقة في ظلمات الجهل و أوحال عبادة الأصنام و الأوثان ، المنغمسة في الدنيا ، المعرضة عن الآخرة ، فقام الرسول مؤدّياً رسالته مستضيئاً بهدى الوحي قد قطعت رسالته مراحل ثلاث حتّى تكلّلت بالنجاح وبلغت الغاية المنشودة ، و إليك تبيين هذه المراحل التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع متفرّقة.

المرحلة الاُولى : السرّية في الدعوة

إتّخذ الرسول الدعوة السرّية خطوة اُولى خطاها في سبيل تحقيق إنجاح الدعوة الإلهيّة ، و لم يكن الغرض من التركيز على السرّيّة في الدعوة الخوف على نفسه وصيانتها من كيد الأعداء ، بل هذه هي الخطّة الرائجة بين الدعاة المخلصين ، فلايجهرون بالدعوة ، و لايعلنونها بادئ بدء ، بل يبدأون بعرض الدعوة سرّاً على الأفراد الذين يطمئنّون لهم ـ و لأجل ذلك ـ بدأ الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالدعوة السرّية إلى الاسلام فدخل تحتها عدّة من الشباب ، فتعلّموا الفرائض و السنن سرّاً و كانوا يذهبون إلى شعاب مكّة فيقيمون الفرائض فيها.

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ، ص ٣٣.

١٢٢
 &

وهذه الثلّة القليلة الّتي تشرّفت باعتناق الإسلام ، هم الذين يعبّر عنهم القرآن الكريم بقوله : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (الواقعة / ١٠ و ١١).

فكان النبي الأكرم يعرض دعوته على من يتفرّس فيه علائم قبول الإسلام ولذلك لمّا هبط من غار حراء عرضه على زوجته خديجة وابن عمّه علي ، وقد تمكّن الإسلام بذلك في قلوب عدّة سجّلت أسماؤهم في التاريخ(١) مثل زيد بن حارثة وعثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون وغيرهم. يقول ابن هشام في تفسير قوله : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته ، من النبوّة فحدّث أي اذكرها ، فادع إليها ، فجعل رسول الله يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوّة سرّاً إلى من يطمئنّ إليه من أهله(٢).

وليس في الذكر الحكيم آية تكشف عن أحداث هذه المرحلة غير ما ذكرنا من الآيتين ، فمن أراد التفصيل فيجب عليه أن يرجع إلى كتب السيرة النبويّة ، ولنكتف ببعض ما جاء في المقام :

١ ـ روى ابن هشام عن ابن إسحاق أنّه ذكر بعض أهل العلم : انّ رسول الله كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من أبيه ومن جميع أعمامه وسائر قومه فإذا أمسيا رجعا ومكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا... . ثم أسلم زيد بن حارثة وكان أوّل ذكرٍ أسلم وصلّى بعد علي بن أبي طالب(٣).

٢ ـ روى الطبري عن جابر قال : بعث النبي يوم الاثنين وصلّى علي يوم الثلاثاء ، وروي عن زيد بن أرقم قال : أوّل من أسلم مع رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) علي بن أبي طالب ، ويقول علي : أنا عبد الله وأخو رسوله أنا الصّدّيق الأكبر

__________________

(١) السيرة النبوية ج ١ ص ٢٤٧ ـ ٢٦٢.

(٢) السيرة النبويّة ج ١ ص ٢٤٣.

(٣) السيرة النبويّة ج ١ ص ٢٤٦.

١٢٣
 &

لا يقولها بعدي إلّا كاذب مفترٍ صلّيتُ مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين(١).

ولعلّ بعض هذه السنين يرجع إلى ما قبل البعثة حيث إنّ الرسول كان يتعبّد لله سبحانه في غار حراء في كل سنة.

٣ ـ يقول ابن إسحاق : وكان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إذا صلّوا ذهبوا في الشعاب فاستخْفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينا سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحاب رسول الله في شعب من شعاب مكّة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون ، فناكروهم ، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلاً من المشركين بلَحى بعير ، فشجَّه ، فكان أوّل دم أهريق في الإسلام(٢).

اتّخاذ النبي دار الأرقم مركزاً لنشر الدعوة.

كان النبي يؤدّي رسالته مستخفياً من قريش بمكّة و يعرض الإسلام لمن يطمئن إليه ، وقد ألجأته الظروف إلى اتّخاذ بيت لتبليغ تعاليمه ، وإقامة المؤمنين فيها فرائضهم ، وقد وقع الإختيار على دار الأرقم بمكّة على الصفا(٣) مركزاً لهذه المهمّة فدخل (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأصحابه مستخفين فيها بعد وقوع الصدام بين سعد ابن أبي وقّاص وبعض المشركين ، فكان (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأصحابه يقيمون الصلاة بها ويعبدون الله فيها إلى أن أمره الله تعالى بالإعلان عنها ، فامتثل صادعاً بما اُمر ، وقد اختلفت كلمة أصحاب السيرة في مدّة هذه المرحلة بين ثلاث سنين إلى خمس سنين ، كما اختلفوا في مدّة اقامتهم في دار زيد بن الأرقم بين كونه

__________________

(١) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٥٦ ، و فيه نصوص اُخرى على أنّه عليه السلام أوّل من آمن برسول الله.

(٢) السيرة النبويّة ج ١ ، ص ٢٦٢.

(٣) هي المعروفه الآن بدار الخيزران عند الصفا ، اشتراها الخليفة المنصور و أعطاها ولده المهدي ، ثمّ أعطاها المهدي للخيزران اُمّ ولديه : موسى الهادي و هارون الرشيد. لاحظ : السيرة الحلبيّة ج ١ ، ص ٢٨٣.

١٢٤
 &

شهراً أو أزيد ، كما اختلفت كلمتهم في عدد المؤمنين بالنبي في تلك المرحلة فقد أنهاه ابن هشام في سيرته معتمداً على سيرة ابن إسحاق بما يربو على خمسين بين رجل وامرأة و إن كان الأكثر هم الرجال ، ولأجل أن يقف القارئ على هؤلاء الأشخاص وأسمائهم نستعرض ذكرهم إجمالاً على النحو التالي.

١ ـ خديجة بنت خويلد (زوجة النبي). ٢ ـ علي بن أبي طالب. ٣ ـ زيد بن حارثة. ٤ ـ أبو بكر. ٥ ـ عثمان بن عفّان . ٦ ـ عبد الرحمن بن عوف. ٧ ـ الزبير بن العوّام. ٨ ـ سعد بن أبي وقّاص. ٩ ـ طلحة بن عبيد الله. ١٠ ـ أبو عبيدة. ١١ ـ أبوسلمة. ١٢ ـ أرقم. ١٣ ـ قدامة بن مظعون. ١٤ ـ عبد الله بن مظعون. ١٥ ـ عبيدة بن الحارث. ١٦ ـ سعيد بن زيد. ١٧ ـ امرأته (فاطمة بنت الخطاب). ١٨ ـ أسماء بنت أبي بكر. ١٩ ـ خباب بن الأرت. ٢٠ ـ عمير بن أبي وقاص. ٢١ ـ عبد الله بن مسعود. ٢٢ ـ مسعود بن القارئ. ٢٣ ـ سليط بن عمرو. ٢٤ ـ حاطب بن عمرو. ٢٥ ـ عيّاش بن أبي ربيعة. ٢٦ ـ أسماء بنت سلامة. ٢٧ ـ خنيس بن حذافة. ٢٨ ـ عامر بن ربيعة. ٢٩ ـ عبد الله بن جحش. ٣٠ ـ أبو أحمد بن جحش. ٣١ ـ جعفر بن أبي طالب. ٣٢ ـ أسماء بنت عميس. ٣٣ ـ حاطب بن الحارث. ٣٤ ـ حطّاب بن الحارث ٣٥ ـ معمّر بن الحارث. ٣٦ ـ سائب بن عثمان بن مظعون. ٣٧ ـ مطلب بن أزهر. ٣٨ ـ زوجته (رملة بنت أبي عوف). ٣٩ ـ نعيم بن عبد الله. ٤٠ ـ عامر بن فهيرة. ٤١ ـ خالد بن سعيد. ٤٢ ـ اُميّة بنت خلف. ٤٣ ـ أبو حذيفة. ٤٤ ـ واقد بن عبد الله. ٤٥ ـ خالد بن بكير. ٤٦ ـ عامر بن بكير. ٤٧ ـ عاقل بن بكير. ٤٨ ـ اياس بن بكير. ٤٩ ـ عمّار بن ياسر ٥٠ ـ صهيب بن سنان(١).

هذا ما ذكره ابن هشام ، وقد ذكر في ثنايا كلامه ممّن آمن في تلك الفترة عائشة بنت أبي بكر ، وهو غير صحيح جدّاً لأنّها ولدت في السنة الرابعة من البعثة ، وقد عقد عليها النبي في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين وهي بنت ست سنين ، وبنى بها رسول

__________________

(١) السيرة النبويّة ، ج ١ ، ص ٢٦٢.

١٢٥
 &

الله وهي بنت تسع بالمدينة في شوال في السنة الاُولى من الهجرة ، فكيف تكون من المؤمنات في المرحلة السرّية ؟(١).

أضف إلى ذلك انّ أبا ذر من السابقين إلى الإسلام وقد أخرج ابن سعد في الطبقات عن طريق أبي ذر ، قال : كنت في الإسلام خامساً ، وفي لفظ أبي عمرو وابن الاثير : «أسلم بعد أربعة» ، وفي لفظ آخر يقال : «أسلم بعد ثلاثة» ، ويقال : «بعد أربعة» ، وفي لفظ الحاكم : «كنت رابع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع» ، وفي لفظ أبي نعيم : «كنت رابع الإسلام ، أسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع» ، وفي لفظ المناوي : «أنا رابع الإسلام» ، وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن أبي وضّاح البصري : «كان إسلام أبي ذر رابعاً أو خامساً»(٢).

وقد ذكر الشيخان في الصحيحين وابن سعد في طبقاته كيفيّة إسلامه ومن أراد فليرجع إليهما.

المرحلة الثانية : دعوة الأقربين

إجتازت الدعوة المحمّدية المرحلة السرّية إلى مرحلة ثانية بعد ما آمن به جماعة من قريش وغيرهم ودخل الناس في الإسلام آحاد من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكّة ، فتحدّث به القريب والنائي ، فعندئذٍ أمر سبحانه بدعوة الأقربين ، بقوله : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (الشعراء / ٢١٤ ـ ٢١٦).

إنّ المعاجلة والمسارعة لدعوة العشيرة الأقربين قبل البدء بإعلان الدعوة العامّة يمكن أن يكون فيها سرّ إجتماعي وتوضيحه بما يلي :

__________________

(١) لاحظ : أعلام النساء ج ٣ ص ١١ نقلاً عن طبقات ابن سعد و سنن النسائي و صحيح البخاري و شرح الزرقاني على المواهب و السمط الثمين.

(٢) الغدير ج ٨ ص ٣٠٨ ـ ٣٠٩.

١٢٦
 &

أوّلاً : إنّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّ قومه سوف يجابهونه بالعنف والشدّة ويتآمرون للقضاء عليه قبل تمكّنه من تحقيق اُمنيته ، فصيانة الدعوة من مكائد الأعداء مرهونة بوجود قوّة داخلية تحصّنها من غوائلهم ولا يمكن تصوّرها إلّا في قومه وعشيرته من آل هاشم.

وثانياً : إنّ إنقياد قومه لدعوته وعشيرته لدعوته لدليل واضح على قداسته ونزاهته وصدق كلامه وانّهم ما رأوا منه إلا الصدق والصلاح طيلة أربعين سنة ، فأجابوا دعوته وصدّقوا كلامه. فإنّ الإنسان مهما كان فطناً مهتمّاً بستر عيوبه وزلّاته لا يتمكّن من سترها عن بطانته وخاصّته ، فإيمان البطانة وقبولهم دعوته دليل واضح على صفاء سريرته ، فلأجل ذلك بدأ بدعوة العشيرة قبل إعلان الدعوة العامّة ، وهذا بطبيعة الحال يكون مؤثّراً في إعداد الأرضية الصالحة لقبول المرحلة الاُخرى. وبعبارة ثانية : إنّ ضمان نجاح المصلحين في الدعوة العامّة يكمن في نجاحهم في دعوة اسرتهم ، فلو افترضنا أنّ الداعي لم ينجح في دعوة اسرته ، يكون حظّ نجاحه في الدعوة العامّة طفيفاً لأنّ رفض الاُسرة لدعوة المصلح وعدم إيمانها به ، سوف يتّخذ ذريعة إلى تقوّل الآخرين وسخريتهم بأنّه لو كان الصادع محقّاً في كلامه فاسرته أولى بقبول دعوته.

وقد نقل المفسّرون وأهل السير في تفسير قوله سبحانه : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) كيفيّة دعوة الاُسرة ، و إليك نصّ ما ذكره الطبري في تاريخه عن عليّ (عليه السلام) : لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله فقال لي : يا علي ! إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً و عرفت أنّي متى أبدأهم بهذا الأمر أرىٰ منهم ما أكره ، فصمّمت عليه حتى جاءني جبرئيل ، فقال : يا محمد إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام و اجعل عليه رجل شاة و املأ لنا عِسّاً من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب(١) ، حتى اُكلّمهم و اُبلّغهم ما اُمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له و هم يومئذ أربعون رجلاً ، يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبوطالب و حمزة و العبّاس و أبولهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي

__________________

(١) و في البداية و النهاية ج ٣ ص ٤٠ «بني هاشم» و هو الأصح.

١٢٧
 &

صنعت لهم ، فجئت به ، فلمّا وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) حذية من اللحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال : خذوا باسم الله ، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة و ما منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم ، ثمّ قال : اسق القوم ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً ، و أيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يكلّمهم بدره أبولهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم ، فتفرّق القوم و لم يكلّمهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فقال في الغد : يا علي إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قدسمعت من القول فتفرّق القوم قبل أن اُكلّمهم ، فعد لنا بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم ـ إلى أن قال ـ : ففعلت ، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ، ثمّ قال : اسقهم ، فجئتهم بذلك العس ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً ، ثمّ تكلّم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقال : يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة ، و قد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، و قلت ـ و إنّي لأحدثهم سنّاً و أرمضهم عيناً و أعظمهم بطناً و أحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ؟ فأخذ برقبتي ثمّ قال : إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا ، قال : فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع(١).

هذا هو النصّ الذي رواه الطبري حول حادثة بدء الدعوة و قد ذكره غيره ، فمن أراد الوقوف على مصادر الحديث فليرجع إلى كتاب الغدير(٢).

إنّ الحديث يستفاد منه اُمور عن تاريخ بدء الدعوة نشير إليها بالنقاط التالية :

١ ـ إنّ الخلافة تتمشّى مع النبوّة جنباً إلى جنب و إنّهما لايفترقان أبداً لأنّ النبيّ يوم صدع بالرسالة أعلن خلافة عليّ (عليه السلام) و كانت الخلافة تعدّ إكمالاً

__________________

(١) تاريخ الطبري ج ١ ص ٦٣.

(٢) الغدير ج ٢ ص ٢٧٨ ـ ٢٨٤.

١٢٨
 &

لوظائف الرسالة و إنّ الخليفة يقوم بتكميل وظائف النبي حيث يبيّن ما أجمله و يفصّل ما أوجزه.

٢ ـ إنّ عليّاً في ذاك اليوم و إن كان صغيراً لايتجاوز عمره الحلم لكنّه كان في القوّة و المقدرة على حدّ قام بتضييف مجموعة كبيرة تربو على أربعين نفراً فقد صنع لهم طعاماً و دعاهم إلى الضيافة ، و هذا العمل كما يكشف عن مرحلة من النضوج البدني يكشف عن تفتّح عقله و شعوره حيث قام بأمر لايقوم بأعبائه إلّا الرجال الكبار.

٣ ـ إنّ الطبري في تاريخه نقل القصّة كما مرّ و لكنّه جنى على الحقيقة في تفسيره ، فذكر القصة و لكنّه عندما وصل إلى قوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي حرّفه و جاء مكانه بقوله : «فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و كذا و كذا»(١).

فما معنى هذا التحريف أهكذا تصان الأمانة التاريخية و يتحفّظ في نقل الحديث ؟!

وإن تعجب فعجب عمل ابن كثير فإنّه وضع تاريخه على غرار تاريخ الطبري حذو النعل بالنعل ، و لكنّه لمّا وصل إلى هذا المقام من تاريخه أعرض عن نقل نصّ الطبري في تاريخه و اعتمد على النصّ الذي ذكره الطبري في تفسيره ، و ما هذا إلّا لأنّه رآه دليلاً قاطعاً على خلافة علي و وصايته ، و أعجب منه عمل محمد حسين هيكل في تاريخه فإنّه ارتكب جناية مفضوحة و أثبت الحديث في الطبعة الاُولى من كتابه و اكتفى منه بسؤال النبي بقوله : «فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم» و أغفل ذكر جواب النبي لعلي عندما قام ، و لم يذكر منه شيئاً ، لكنّه في الطبعة الثانية أسقط جميع ما يرجع إلى أمير المؤمنين من كلام

__________________

(١) تفسير الطبري ج ١٩ ص ٧٤ ، و قد رواه العلّامة الأميني في غديره : ٢ / ٢٧٩ ـ ٢٨٤.

و العلّامة السيد جعفر مرتضى في كتابه : الصحيح من سيرة النبي ج ٢ ص ١٢ عن مصادر كثيرة تعرب عن تضافر الرواية و تواترها.

١٢٩
 &

النبي(١).

٤ ـ إنّ ابن تيميّة لمّا رأى دلالة الحديث على خلافة الإمام علي (عليه السلام) عكف على المناقشة في سند الحديث ، و انّه يشتمل في رواية الطبري على أبي مريم الكوفي ، و هو مجمع على تركه ، و قال أحمد : ليس بثقة ، و اتّهمه ابن المديني بوضع الحديث(٢).

و لكنّه ترك توثيق الآخرين لأبي مريم ، فقد قال ابن عدي : سمعت ابن عقدة يثني على أبي مريم و يطريه و تجاوز الحدّ في مدحه ، و اثنى عليه شعبة ، و قال الذهبي : كان ذا اعتناء بالعلم و بالرجال(٣).

و أظنّ إنّ تضعيف الرجل لغاية تشيّعه و حبّه للوصي ، فإنّ التشيّع بالمعنى العام (من يحب عليّاً و يبغض أعدائه الذين خرجوا عليه في حروبه الثلاثة) أحد المضعّفات عند القوم ، و مع ذلك فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن الشيعة كثيراً ، و قد قام العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين بوضع قائمة لأسماء ، من روى عنهم الشيخان و غيرهما في صحيحيهما من الشيعة(٤).

على أنّ أحمد قد روى الحديث بسند آخر وجميع رجاله رجال صحاح بلاكلام ، و هم عفّان بن مسلم ، عن أبي عوانه ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبي صادق (مسلم الكوفي) ، عن ربيعة بن ناجذ(٥) و بهذا السند و المتن أخرجه الطبري في تاريخه و غيره(٦).

__________________

(١) لاحظ حياة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) الطبعة الاُولى : ص ١٠٤ ـ و الطبعات الاُخر : ص ١٤٢.

(٢) منهاج السنّة ج ٤ ص ٨١.

(٣) الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج ٢ ص ١٤.

(٤) المراجعات : ص ٤٢ ـ ١٠٥ ، و ما جاء فيها يشكّل رسالة أسماها شيخ الأزهر سليم البشري : «أسناد الشيعة في أسناد السنة».

(٥) مسند أحمد ج ١ ص ١٥٩.

(٦) تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣.

١٣٠
 &

٥ ـ و هناك مناقشات أو مشاغبات لابن تيميّة حول الحديث نبعت من مَوقفه تجاه فضائل الإمام أمير المؤمنين ، فإنّه يردّ كثيراً من فضائل علي (عليه السلام) ويضعّفه جزافاً و ممّا قال في حق الحديث :

«إنّ مجرّد الإجابة للمعاونة على هذا الأمر لايوجب أن يكون المجيب وصيّاً و خليفة بعده ، فإنّ جميع المؤمنين أجابوه إلى الإسلام و أعانوه على هذا الأمر ، و بذلوا أنفسهم و أموالهم في سبيله ، كما أنّه لو أجابه الأربعون أو جماعة منهم فهل يمكن أن يكون الكل خليفة له ؟»(١).

إنّ هذا الإشكال يرجع إلى أمرين :

الأوّل : إنّ مجرّد الإجابة للمعاونة لايلازم أن يكون المجيب وصيّاً ، و لكنّه غفلة عن التدبّر في الرواية ، فإنّه لم يجعل مطلق الإجابة دليلاً على كون المجيب وصيّاً حتى يقال : إنّ جميع المؤمنين أجابوا إلى الإسلام بل جعل الإجابة من العشيرة فقط علّة للوصاية ، فلايشمل المؤمنين الخارجين عن دائرة إطارهم.

الثاني : لو افترضنا انّ الكل أجابوه ، فهل يكون الكل خليفة ؟

و الجواب : انّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّه لايجيبه غير علي ، لأنّهم لم يكونوا مطّلعين على مبادئ رسالته ، و خصوصيّات شريعته ، فلايبادرون بالإجابة بخلاف عليّ (عليه السلام) فإنّه قد نشأ و تربّى في أحضان النبي و تغذّى بلبانه ، و قد صلّى مع النبي قبل الناس بسنين ، فكان سبقه أمراً طبيعيّاً بالنسبة له.

إنّ كتب السيرة تذكر أنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خاطبهم في هذا الإجتماع بقوله : «إنّ الرائد لايكذب أهله ، و الله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم ، و لو غررت الناس جميعاً ما غررتكم ، و الله الذي لا إله إلّا هو ، إنّي لرسول الله إليكم خاصّة و إلى الناس عامّة ، و الله لتموتنّ كما تنامون ، و لتبعثنّ كما تستيقظون ، و لتحاسبنّ بما تعملون ، و لتجزونّ بالإحسان إحساناً ، و بالسوء سوءاً ، فإنّها الجنّة أبداً

__________________

(١) منهاج السنة : ص ٨٣.

١٣١
 &

والنار أبداً. يا بني عبد المطلب ما أعلم شابّاً جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة» ، فتكلّم القوم كلاماً ليّناً غير أبي لهب ، فإنّه قال : «يا بني عبد المطلب هذه و الله لسوأة خذوا على يديه و امنعوه عن هذا الأمر بحبس أو غيره قبل أن يأخذ على يده غيركم ، فإن التمسوه حينئذ ذلّلتم و إن منعتموه قتلتم» ، فقالت اُخته صفيّة عمّة رسول الله اُمّ الزبير : «أي أخي ! أيحسن بك خذلان ابن أخيك ؟ فو الله ما زال العلماء يخبرون أنّه يخرج من ضئضئ (الأصل) عبد المطلب نبي فهو هو» قال أبولهب : «هذا و الله الباطل و الأماني ، و كلام النساء في الحجال ، فإذا قامت بطون قريش و قامت العرب معها بالكلاب فما قوّتنا بهم ؟ فو الله ما نحن عندهم إلّا أكلة رأس» ، فقال أبوطالب : «والله لنمنعنّه ما بقينا»(١).

و هل النبي خطب بهذه الخطبة في الدعوة الاُولى أو الثانية ؟ فلو صحّت فهي بالدعوة الاُولى ألصق لما تضافر أنّ أبالهب لم يكن مدعوّاً في الدعوة الثانية ، و يظهر من سيرة زيني دحلان أنّه خطب بها في الدعوة الاُولى ، فلمّا أصبح رسول الله بعث إلى بني عبد المطلب فحضروا و كان فيهم أبو لهب ، فلمّا أخبرهم بما أنزل الله عليه ، أسمعه أبولهب ما يكره و قال : تبّاً لك ، ألهذا جمعتنا ؟ و أخذ حجراً ليرمي به ، وقال : ما رأيت أحداً جاء بني أبيه و قومه بأشرّ ممّا جئتهم به ، فسكت رسول الله و لم يتكلّم في ذلك المجلس.

الدعوة العامة و كسح العراقيل الماثلة أمامه

كان للدعوة السرية أوّلاً و دعوة الاُسرة ثانياً دور خاص في استقطاب لفيف من الناس و استمالة قلوب طائفة منهم إلى الإسلام ، و قد أوجد هذا الإقبال أرضيةً صالحةً لمرحلة ثالثة من الدعوة و هي التي يصحّ وصفها بالدعوة العامّة ، و كانت تهدف إلى توسيع نطاقها ، فقام النبي الأكرم بها امتثالاً لقوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحج / ٩٤).

__________________

(١) سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبيّة ج ١ ص ١٩٤.

١٣٢
 &

إنّ هذه الآية تناسب الدعوة العامّة بقرينة قوله : (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر / ٩٥).

نقل الطبري عن سعيد بن جبير أسماء المستهزئين برسول الله و هم خمسة : الوليد بن المغيرة ، و العاص بن وائل ، و أبو زمعة ، و الحرث بن عيطلة ، و الأسود بن قيس ، و كلّهم هلكوا قبل بدر(١).

وقد حكى أصحاب السير خطبة النبي في بدء تلك المرحلة ، قالوا :

١ ـ دعا النبي جميع قريش و هو قائم على الصفا و قال : إن أخبرتكم انّ خيلاً تخرج من صفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذّبوني ؟ قالوا : و الله ما جرّبنا عليك كذباً ، فقال : «يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار فإنّي لاأغني عنكم من الله شيئاً إنّي لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد».

٢ ـ و في رواية : «إنّ مثلي و مثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله أن يسبقوه إلى أهله فجعل يهتف : يا صباحاه ! يا صباحاه ! أتيتم أتيتم أنا النذير العريان(٢) الذي ظهر صدقه»(٣).

٣ ـ و في رواية : دعا قريشاً فخصّ و عمّ و قال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني زهرة أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار ، يا صفيّة عمّة محمد أنقذي

__________________

(١) تفسير الطبري ج ١٤ ص ٤٩.

(٢) العريان : الذي أقبل عرياناً ينذر بالعدو. إنّه لايتّهم بخلاف الذي لم يجرّد فإنّه قد يتّهم والمعنى أنا النذير الذي لا اتّهم.

(٣) سيرة زيني دحلان ، على هامش السيرة الحلبيّة ج ١ ص ١٩٤ ـ ١٩٥ ، و البداية و النهاية ج ٣ ص ٣٨ ، و تاريخ الخميس ج ١ ص ٢٨٨.

١٣٣
 &

نفسك من النار ، فإنّي لاأملك لكم من الله شيئا(١).

ولو كان المراد من فاطمة هي فاطمة بنت النبي فالرواية بأجمعها أو خصوص هذه الجملة موضوعة لأنّها ولدت في السنة الخامسة من الهجرة ، وقد جاء في تاريخ الخميس توصيفها بـ (بنت محمد) حيث قال : «يا صفيّة بنت عبد المطلب ، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنكم من الله شيئاً ، سلاني من مالي ما شئتم» .

ولذلك احتمل زيني دحلان أنّ فاطمة من خلط الرواة وانّما ذكرت في حديث آخر وقع بالمدينة جاء فيه الزوجات والبنات وقال لهن : «لا أغني عنكنّ من الله شيئاً» حثّاً لهنّ على صالح الأعمال.

__________________

(١) تاريخ الخميس ج ١ ص ٢٨٨ ، و سيرة زيني دحلان على هامش السيرة الحلبية ج ١ ص ١٩٣.

١٣٤
 &

(٦) الإيجابيات والسلبيات تجاه الدعوة المحمّدية

لم تكن الدعوة المحمّدية بدعاً من الرسالات السماويّة ، فقد واجهت ما واجهته سائر الرسالات فحظيت بالقبول من بعض ، بينما حاربتها الأكثرية الساحقة ، شأنها شأن ما سلفها من الدعوات الإصلاحية حذو القذة بالقذّة ، ومن سَبَر تاريخ الأنبياء وتاريخ الدعوات الإصلاحية بإمعان يقف على أنّ النجاح لم يكن حليفهم خصوصاً في الوهلة الاُولى من دعوتهم بل كان الناس على مفرق طريقين ، فهم بين مؤمن بالدعوة ومصدّق لها ومستنفد طاقته في سبيلها ومضحٍّ بنفسه ونفيسه ، ومكذّب عنود يضع في طريق دعوة المصلحين الموانع والعراقيل الكفيلة بصدّهم عمّا يطمحون إليه من الغايات المنشودة.

وكانت هذه المجابهة والمحاربة المستميتة مع المصلحين وليدة حالة من الجهل والإنحطاط الفكري والثقافي ، وكلّما كان القوم أبعد غوراً في تعصّبهم لآبائهم وأجدادهم وما كانوا يدينون به من العقائد الشنيعة والسخيفة كانت المكافحة أشدّ والمنابذة أقوى.

ولمّا كانت الدعوة الإصلاحية سواء كانت سماوية أم أرضية ، وضعية تؤدّي إلى تفويت مصالح بعض الطبقات الخاصّة كالإقطاعيين وذووا رؤوس الأموال الطائلة ، لم تحظ الدعوة في أغلب صورها وحالاتها بقبول الرأي العام ، وهذه هي الظاهرة المألوفة غالباً ، فترى أنّ المسيطرين على المجتمع في كافّة الأجيال و الأحقاب كانوا على طرف نقيض من الدعوة الإصلاحية ، وكان التصويب بالإذعان والإيمان مختصّاً بالطبقة المحرومة المقهورة المستضعفة.

١٣٥
 &

هذا هو جون. اف.كندي الذي تربّع على منصّة الحكم بالولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٦٠ م ، بعد أن انتخب رئيساً بالغالبية العظمى ، فلقد كان صاحب نظرة خاصّة في الملوّنين الأمريكيين ، وكان بصدد اصلاح حياتهم المليئة بالبؤس والشقاء عن طريق منحهم بعض الحقوق والحريات استلهاماً من الفطرة الإنسانية ، ولكن ما أن طلع نجمه إلّا وقد اُغتيل من جانب المتعصّبين العنصريين بشكل لم يعهد التاريخ له مثيل إلّا القليل النادر ، فعلى الرغم من عظمة جهاز الاستخبارات الأمريكية وسطوته لم يعرف قاتله ولم يعثر له على أثر أو خبر يذكر ، وكان التخطيط قد دبّر ليلاً.

وتصوّر لنا هذه الظاهرة في محكية عن قوم نوح بقوله تعالى : (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود / ٢٧).

هذه هي الظاهرة الملموسة في حياة الأنبياء وما لاقوه في سبيل انجاح دعوتهم ، وعلى ضوء ذلك فلا ينتابك العجب عندما تلقي بنظرة خاطفة على حياة الرسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في بدء دعوته حيث كان الإيمان والانطواء تحت راية الرسالة مختصّاً برجال أحرار الفطرة أصفياء الطوية لم يعم بريق زخارف الدنيا وزينتها بصائرهم فلبّوا دعوة الرسول بصدر رحب.

إذا عرفت ذلك فلنركز على أمرين :

١ ـ ما هي الدوافع الروحيّة الباعثة على مخالفة النّبي الأكرم ؟

٢ ـ ماذا كان ردود فعل لهذه الدوافع ؟

١٣٦
 &

الف : العراقيل و الموانع تجاه دعوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

ظلّ النبي الأكرم في موطنه قرابة ثلاثة عشر عاماً ولم يكن النصر حليفه وما كان ذلك إلّا نتيجة الموانع والعراقيل التي حيكت ضدّه ، وإليك لمحة خاطفة عنها :

١ ـ إنّ الرسالة المحمدية كسائر الرسالات الإلهية كانت تهدف إلى انتشال المستضعفين من حضيض التخلّف المادي والمعنوي ، والرقي بهم إلى حالة الإزدهار الحضاري ، ومن المعلوم أنّ تلك الخطّة ما كانت تنسجم مع مطامع أصحاب السلطة والثروة الذين يسيطرون على المجتمع بسطوتهم وجبروتهم ويمتصّون دماء المحرومين بلا هوادة ، يقول سبحانه :

(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام / ٥٢).

روى الثعلبي في تفسيره باسناده عن عبد الله بن مسعود ، قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين وقالوا : يا محمد ! أرضيت بهؤلاء من قومك ، أفنحن نكون تبعاً لهم ، أهؤلاء الذين منّ الله عليهم ؟ اطردهم عنك ولعلّك إن طردتهم اتّبعناك(١).

٢ ـ التعصّب المقيت لسيرة الآباء والأجداد أمر جبلي للبشر يتنامى في اطار حياتهم القبلية ، وكانت دعوة النبي على خلاف سيرتهم ولذلك اهتمّوا بمكافحته ومنازعته قائلين : بأنّ دعوتك تضاد سيرة آبائنا ، ولم يكتفوا بذلك حتى استدلّوا على صحّة سيرتهم بأنّه لولا مشيئة الله سبحانه لما عبد الآباء الأصنام والأوثان ، يقول سبحانه حاكياً عنهم : (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٣٠٥ ، طبع صيدا.

١٣٧
 &

وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النحل / ٣٥) ، وقال سبحانه : (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف / ٢٢) ويظهر من غير واحد من الآيات أنّ تلك الظاهرة الروحية لم تزل تعرقل خطى الدعوة في أكثر الرسالات السماوية ، قال سبحانه : (وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف / ٢٣ و ٢٤).

٣ ـ لقد كانت الاُمّية والإنحطاط الثقافي متفشّية في شبه الجزيرة العربية آنذاك خصوصاً في أُمّ القرى وما حولها ، فكانت العقلية الإنسانية التي تميّز الحق من الباطل والصالح من الفاسد متدهورة جدّاً. وهذا هو البلاذري يعكس لنا صورة هذا التدهور الثقافي بقوله في كتابه :

«دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً كلّهم يكتب : عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. . .»(١).

وقال ابن خلدون :

«إنّ عهد قريش بالكتابة والخط العربي لم يكن بعيداً بل كان حديثاً وقريباً بعهد الرسول وقد تعرّفوا عليها قبيل ظهور الإسلام»(٢).

فإذا كان هذا مبلغ تعرّفهم على الكتابة والقراءة ، فليكن هذا مقياساً لثقافتهم ومدى ازدهار قواهم العقلية.

٤ ـ ارتكزت الدعوة المحمّدية على دعامتين أصيلتين :

أ ـ اختصاص العبودية لله سبحانه ورفض عبادة غيره.

__________________

(١) فتوح البلدان : ص ٤٥٧.

(٢) مقدمة ابن خلدون : ص ٣٤٨.

١٣٨
 &

ب ـ الاعتقاد بيوم الحساب وأنّ وراء الحياة الدنيوية ، حياة اُخرى تجزى فيها كل نفس بما عملت من خير وشر ، وانّ الناس في ذلك اليوم على فئتين : فئة ضاحكة مستبشرة وفئة بائسة مكفهرّة ، وانّ الظالمين والمتجاوزين سوف يحاسبون فيها أشدّ الحساب ودقيقه.

يقول سبحانه : (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس / ٣٣ ـ ٤٢).

ويقول عزّ اسمه في سورة اُخرى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ) (الحج / ١ و ٢).

كانت هذه النداءات الربّانيّة تبعث الرعب والهلع في قلوب المشركين ، لأنّهم يجدون أنفسهم أمام عذاب أليم لا مناصّ منه ولا مفرّ عنه ، وبما أنّهم كانوا يعانون من تبنّي هذه الفكرة بل من سماعها واحتمال صدقها ، فجنحوا إلى إراحة أنفسهم من هذا العذاب الآجل بإنكار الدعوة وتكذيبها من الأساس.

إنّ هؤلاء الجناة كانوا معتادين أن ينحروا للأصنام طلباً لمحو سيئاتهم ، ثم تتركهم في القتل والنهب وارتكاب الفحشاء وغيرها في مستقبل حياتهم ، وأمّا الدعوة التي لاتقبل الرشوة والمهادنة وترفض القرابين والنحور فلا تحقّق أملهم ولا تلقي إليهم بالضوء الأخضر حتّى يقترفوا ما يشاءوا.

٥ ـ إنّ المترفين والملأ كانوا يكافحون دعوة الأنبياء وينابذونها والقرآن قد سجّل أعمالهم الإجرامية في غير واحد من الآيات ، قال سبحانه : (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) (الأعراف / ٨٨).

١٣٩
 &

ويقول سبحانه في حق المترفين : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) (سبأ / ٣٤).

إنّ طبيعة الترف وانبساط النعمة والعيش الرغيد تؤدّي إلى الجموح والطغيان والتغافل عن كل ما من شأنه أن يحول بينه وبين شهواته وميوله وغرائزه ، يقول سبحانه : (إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) (العلق / ٦ و ٧).

أين هذه الفكرة من طبيعة الشريعة السماوية التي تفرض على الإنسان الاعتدال في الشهوات وسلوك الجادة القويمة ، فلا ينسفها من رأس ولا يرخي لها العنان.

فلأجل ذلك نرىٰ أنّ الملأ في عصر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأصحاب المجون والترف عارضوا النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وخالفوا لمّا رأوا أنّه يريد أن يضع حدوداً في طريق ميولهم والحيلولة دون اشباع نهم غرائزهم المستعرة ، فلذلك قاموا بتكثيف الجهود في وجه الدعوة المحمّدية.

٦ ـ إنّ الحسد والتنافس والتنازع من العوامل التي تصطنع حجباً أمام البصائر فلا تتمكّن من رؤية الحقائق على ما هي عليه و مثله الكبر والغرور فيصدّان الإنسان عن رؤية الحقيقة بل يبعثان إلى اختلاق أعذار واهية للتنكّب عن قبول الحقّ والإذعان به ، فنحن نرىٰ ذلك العامل في وجه الدعوة النبويّة حيث انّ قريشاً كانت تشعر بأنّ النبوّة مقام شامخ إلٰهي يستعقب عزّة الصادع بها وقومها على القبائل الاُخر ، فكان ذلك رادعاً عن قبول عدّة من أكابر قريش الدعوة الإلهيّة قائلين : لماذا لم ينزل هذا القرآن على الوليد بن المغيرة وهو أحقّ به من النبي بزعمهم.

يقول سبحانه : (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف / ٣١ و ٣٢).

هذه هي الموانع التي اصطنعتها قريش في وجه الرسول (صلّى الله عليه و آله

١٤٠