مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وسلّم) للحيلولة دون بلوغ أهدافه التي كان يطمح لإقرارها و تثبيت اُسسها في برهة زمنية قياسية ، فكانت لهم ردود فعل مثبّطة نشير إليها.

قد وقفت على الدوافع الروحية الباعثة على مخالفة النبي الأكرم غير أنّها تبلورت في الاُمور التالية :

١ ـ إكالة التهم للنبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

٢ ـ الاستنكار والاحتجاج بالاُمور الواهية.

٣ ـ الاقتراحات الباطلة كشروط لقبول الرسالة.

٤ ـ ايقاع الأذىٰ على النّبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأصحابه.

وإليك بيان هذه الاُمور واحداً تلو الآخر حسبما يستفاد من آيات القرآن الكريم :

١٤١
 &

الف ـ اكالة التهم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

كان اسلوب تحطيم الشخصيات عن طريق إكالة التّهم إليهم أقدم حربة بيد الجهّال يطعنون بها على المصلحين ، وقد استعملها مشركوا عصر الرسالة في بدء الدعوة ولم تكن الفرص تسنح لهم بقتله واغتياله ، فحاولوا اغتيال شخصيّته ليسقطوه عن أعين الناس ، فإنّ نجاح المصلح في نشر دعوته يكمن في اتّسامه بالقداسة والطهارة والعقلية الرزينة ، فلو افتقد المصلح تلك ـ السمات عن طريق الاتّهام بما يضادها ـ ذهب سعيه أدراج الرياح وأصبحت جهوده سدىٰ ، فلأجل ذلك اختارت قريش القيام بشن حرب نفسيّة ضروس لا هوادة فيها للحطّ من قيمته وكرامته والحيلولة دون نفوذ كلمته.

ولكنّهم مهما بذلوا من جهود لإنجاح مؤامراتهم لم تتجاوز تهمهم عن الكهانة والسحر والجنون وأشباهها لأنّ النّبي قد كان في الطهارة النفسيّة والأمانة المالية وسائر الصفات الكريمة على حدّ حال دون إلصاق تهم اُخرى به ككونه خائناً سارقاً قاتلاً غير عفيف ، وهذا أحد الدلائل البارزة المشرقة على أنّه كان فوق التهم المشينة المزرية ، وكانت حياته طيلة أربعين سنة مقرونة بالصلاح والفلاح والأمانة ، ولو كانت هناك أرضية صالحة لتوصيف النبيّ بها ، لما أمسكوا عنها.

نعم قام العدو باتّهامه باُمور يشكل اثباتها كما يشكل نفيها عن المتهم ، وهذه هي الطريقة المألوفة عند بني الشياطين لمس كرامة المصلحين حيث يشنّون عليهم بمثل هذه التّهم لغاية اسقاطهم عن أعين النّاس. يقول سبحانه : (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذاريات / ٥٢).

١٤٢
 &

هكذا كانت سيرة الأعداء في طرد المصلحين عن الساحة.

ثمّ إنّ التّهم الّتي حكاها القرآن عن لسان أعداء النبيّ تتلخّص في العناوين التالية :

١ ـ الكهانة : وهي في اللغة عبارة عن اتّصال الإنسان بالجن ليتلقّى منهم أنباء الماضين وأخبار اللّاحقين ومن خلالها يتمكّن من التنبّؤ بالمستقبل ، يقول سبحانه مشيراً إلى تلك التّهمة وردّها : (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الحاقة / ٤٢).

٢ ـ السحر : وهو قوّة نفسانيّة للساحر يقدر معها على إنجاز اُمور خارقة للعادة مموّهة ، ومن تلك الاُمور التفريق بين المرء وزوجته والوالد وولده بل بين أفراد العائلة كافّة. قال سبحانه : (وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (ص / ٤).

٣ ـ المسحورية : والمراد منه تأثّره بسحر الآخرين ، وإنّ هناك ساحراً أو سحرة سحروا النبيّ و أثّروا فيه. يقول سبحانه حاكياً عن المشركين : (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) (الفرقان / ٨). ثمّ يردّه بقوله سبحانه : (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) (الفرقان / ٩) والمراد من قوله (ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ) أي وصفوك بالمسحورية ، وقد اتّهم بنفس تلك التهمة النبيّ صالح. قال سبحانه حاكياً عن أعدائه : (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) (الشعراء / ١٥٣) وممّا يجدر ذكره أنّ اتّهام النبيّ بالمسحورية ليست تهمة مستقلّة تغاير الجنون جوهراً بل هي نفس التهمة ولكنّها صيغت بلفظ أكثر أدباً ، وهذه شيمة الدهاة حيث يمزجون السم بالعسل.

٤ ـ الجنون : ومفهومه غني عن البيان وقد مضىٰ أنّها تهمة شائعة تُلصق بالمصلحين من جانب خصومهم من غير فرق بين النبيّ وغيره ، وبين نبيّنا وسائر الأنبياء كما عرفت(١). قال سبحانه نقلاً عن المشركين : (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر / ٦) ، قال تعالى : (وَمَا صَاحِبُكُم

__________________

(١) الذاريات / ٥٢

١٤٣
 &

بِمَجْنُونٍ) (التكوير / ٢٢) ، وقال عزّ من قائل : (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) (الطور / ٢٩) والمبرّر لهم بوصفه بالجنون ومؤاخذتهم له ، وقوفه لوحده في وجه الرأي العام المتمثّل في الشرك. والسذّج من النّاس يصفون من يتبنّىٰ الفكر الذي لا يوافقه عليه الرأي العام وهو يريد تطبيقه في المجتمع ، بأَنّه مجنون لا يعرف قدر نفسه ومنزلته وسوف يهدر دمه لا محالة.

ما أسخف هذه التهم إذ كيف يتّهمون من هو أرجحهم عقلاً وأبينهم قولاً منذ ترعرع إلى أن بلغ أشدّه بالجنون والكهانة مضافاً إلى ما في هذا من التناقض والاضطراب ، فإنّ الكهنة كانوا من الطبقة العليا بين الناس يرجع إليهم القوم في المشاكل والمعضلات وأين هو من الجنون ؟ فكيف جمعوا بين كونه كاهناً ومجنوناً ؟

ولقد لمسنا ذلك في حياتنا القصيرة في مجتمعنا ورأينا كيف رمي رجال الإصلاح بنظائر هذه التهم وما ذلك إلّا لأنّهم قاموا في وجه المستعمرين والناهبين لثروة أقطار العالم الإسلامي ، فما كان نصيبهم جرّاء مقاومتهم تلك ، إلّا اتّهامهم بالجنون والتدهور العقلي ، والغربة عن الواقع والحياة.

٥ ـ التعلّم من الغير : إنّ أعداء النبيّ من قريش وغيرهم وقفوا على مدى عظمة تعاليمه وسموّها ، ولكن الحالة النفسية قد صدّتهم عن تصديق قوله والإذعان برسالته الإلهية وانتسابه إلى الوحي والسماء ، فقاموا بتزوير آخر وهو أنّه مُعَلّم ، قد تلقّى تعاليمه من غيره. يقول سبحانه : (وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ) (الدخان / ١٣ و ١٤).

وأمّا من هو المعلّم الذي كان قد علّم النبي وغذّاه بتلك المبادئ والقيم فلم يذكروه ، ولكن اقتران هذه التهمة بتهمة الجنون يدلّ على أنّ المعلّم المزعوم هو الجن فهو عن طريق صلته بهم تلقّى رسالته عنهم ـ و بالتالي ـ اُصيب في عقله فصار معلّماً مجنوناً بزعمهم.

وهناك احتمال آخر وهو أنّه تلقّى مبادءه عن بشر آخر ، وقد اُشير إليه في قوله

١٤٤
 &

سبحانه : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل / ١٠٣).

قال ابن عباس : قالت قريش : إنّما يعلّمه بلعام (و كان قينا بمكّة روميّاً نصرانياً) و قال الضحّاك : أرادوا به سلمان الفارسي(١) قالوا إنّه يتعلّم القصص منه ، و قال مجاهد و قتاده : أرادوا به عبداً لبني الحضرمي روميّاً يقال له يعيش أو عائش صاحب كتاب ، أسلم و حسن إسلامه ، و قال عبد الله بن مسلم : كان غلامان في الجاهلية نصرانيّان من أهل عين التمر ، اسم أحدهما يسار و اسم الآخر خير ، كانا صيقلين يقرآن كتاباً لهما بلسانهم و كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ربّما مرّ بهما و استمع لقراءتهما ، فقالوا : إنّما يتعلّم منهما ، ثم ألزمهم الله تعالى الحجّة وأكذبهم بأن قال : لسان الذي يضيفون إليه التعليم و يميلون إليه القول ، أعجميّ لايفصح و لايتكلّم بالعربية ، فكيف يتعلّم منه من هو في أعلى طبقات البيان ؟ و هذا القرآن بلسان عربي مبين ، فإذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله و هو بلغتهم فكيف يأتي الأعجمي بمثله ؟(٢)

قال ابن هشام : قالوا : إنّما يعلّمه رجل باليمامة يقال له الرحمان و لن نؤمن به أبداً ، فنزل قوله سبحانه : (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) (الرعد / ٣٠)(٣)

روى ابن هشام : إنّ النضر بن الحارث كان إذا جلس رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مجلساً ، فدعا فيه إلى الله تعالى و تلا فيه القرآن ، و حذّر فيه قريشاً ما أصاب الاُمم الخالية ، خلّفه في مجلسه إذا قام ، فحدّثهم عن رستم و اسفنديار و ملوك فارس ثم يقول : و الله ما محمد بأحسن حديثاً منّي و ما حديثه إلّا أساطير

__________________

(١) كيف يقول ذلك مع أنّ سلمان أدرك النبي في مهجره ، لا في موطنه.

(٢) مجمع البيان ج ٣ ص ٣٨٦.

(٣) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٣٣١.

١٤٥
 &

الأوّلين ، اكتتبها كما اكتتبتها ، فأنزل الله فيه : (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان / ٥ و ٦).

و نزل فيه : (وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّـهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الجاثية / ٧ و ٨)(١).

٦ ـ كذّاب : و ما وصفوه به إلّا لأجل أنّه كان يكافح عقيدتهم و يقارع دينهم. قال سبحانه حاكياً عنهم تلك التهمة : (وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (ص / ٤).

فلماذا لايكون عندهم كذّاباً و قد رفض الآلهة المتعدّدة و جعلها إلهاً واحداً. قال سبحانه حاكياً عنهم : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص / ٥).

٧ ـ مفتر : و إنّما وصفوه به لأنّه ينسب تعاليمه إلى السماء. يقول سبحانه حاكياً عنهم : (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النحل / ١٠١) و يقول أيضاً : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) (الفرقان / ٤). و هذه الآية تعبّر عن أنّهم كانوا يتّهمونه بأنَّ القرآن ليس من صنعه وحده بل هناك قوم أعانوه عليه ، فربّما كانوا يفسّرونه بشكل آخر و هو انّ القرآن ليس شيئاً جديداً بل هي أساطير الأوّلين تملىٰ عليه بكرة و أصيلاً ، كما قال سبحانه : (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).

و قد أدحض الوحي هذه التهمة و كشف عن زيفها بأمرين :

الأوّل : لو صحّ قولكم إنّ هذا الكتاب من صنع محمد فنسبه إلى الوحي فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، فإنّه لبشر مثلكم و أنتم بشر مثله. قال سبحانه :

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام : ١ ص ٣٥٧.

١٤٦
 &

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّـهِ وَأَن لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (هود / ١٣ و ١٤).

الثاني : كيف تقولون بأنّه استنسخ هذه الأساطير بإملاء الغير مع أنّه ما تلىٰ كتاباً ، و لاخطّ صحيفة ، فكيف تتّهمونه بالاستنساخ و الاستكتاب ؟ قال سبحانه : (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت / ٤٨ و ٤٩).

٨ ـ مفتر أو مجنون : ـ على ترديد بينهما ـ ربّما كان القوم يتردّدون في توصيف النبي بين كونه عاقلاً مفترياً على الله سبحانه أو مجنوناً معدم العقل و الشعور ، و هذه شيمة الدهاة في استنقاص فضل الأشخاص حيث يكيلون التهم على مخالفيهم الأقوياء بلسان التردّد و عدم الجزم ، لدفع نسبة شناعة التهمة عن أنفسهم كما يحكي عنهم سبحانه : (أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ) (سبأ / ٨).

٩ ـ شاعر : إنّ القوم كانوا اُسود الفصاحة و فرسان البلاغة و قد أدركوا بفطرتهم سموّ القرآن و علوّ مرتبته في ذلك المجال ، و من جانب كانوا في العداء و الحسد على مرتبة صدّتهم عن الاعتراف بكونه كتاباً منزّلاً من السماء ، حاولوا أن يفسّروه بالشعر فوصفوه بالشاعر و قالوا : (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (الطور / ٣٠) و حاصل هذه التهمة انّه شاعر و «أعذب الشعر أكذبه» ، فلنصبر عليه و لنتربّص به صروف الدهر و أحداثه فسيكون حاله حال زهير و النابغة وأضرابهم ممّن انقرضوا و صاروا كأمس الدابر.

وقد ردّ سبحانه على تلك التهمة يأمر نبيّه بقوله : (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَـٰذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور / ٣١ ـ ٣٤).

١٤٧
 &

إنّ الله سبحانه أمر النبي أن يتهدّدهم ويتوعّدهم باُمور :

أ ـ (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) : انتظروا وتمهّلوا في ريب المنون فإنّي متربّص معكم منتظر قضاء الله فيّ وفيكم وستعلمون لمن تكون حسن العاقبة والظفر في الدّنيا والآخرة.

ب ـ (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَـٰذَا) ؟ أي هل تأمرهم عقولهم بنشر هذه التّهمة ، فإنّ التهم الثلاث لا تجتمع بحسب مدّعاهم في آن واحد ، فإنّ المجنون من زال تعقّله وإدراكه ، فكيف يقوىٰ على انشاء الشعر الرصين ، وكيف يكون قوله حجّة في الإخبار عن المغيّبات ؟.

وقصارى القول : إنّ هؤلاء المتحاملين كانوا قد فقدوا رشدهم فأخذوا يتخبّطون في تهمهم وكلامهم من دون وعي.

ج ـ (أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) : بل الحقّ ، إنّ الذي حملهم على ما يقولون هو عنادهم وعتوّهم عن الحقّ وطغيانهم.

د ـ (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي أنّ عقولهم لم تأمرهم بهذا ولم تدعهم إليه بل حملهم الطغيان على تكذيبك ، ولأجل ذلك يقولون : افتعل القرآن من تلقاء نفسه.

ه‍ ـ (بَل لَّا يُؤْمِنُونَ) أي قصارى القول : إنّهم لا يؤمنون ولا يصدّقون بذلك عناداً وحسداً واستكباراً ، وإنّما هذه تهم اتّخذوها ذريعة إلى التمويه وستروا بها عداءهم وعنادهم.

و ـ (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) أي إن كان شاعراً فلديكم الشعراء الفصحاء ، أو كاهناً فلديكم الكهّان الأذكياء ، وإن كان قد تقوّله فلديكم الخطباء الّذين يحضرون الخطب ويجيدون إنشاء القول في كلّ فنون الكلام ، فليأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين فيما يزعمون ، فإنّ أسباب التحدّي بالقول متوفّرة لديكم كما هي متوفّرة لديه ، بل فيكم من طالت مزاولته للخطب والأشعار وكثرة الممارسة لأساليب النظم والنثر وحفظ أيّام العرب ووقائعها أكثر من محمّد (صلّى الله عليه وآله

١٤٨
 &

و سلّم)(١).

وقال سبحانه ردّاً على هذه الفرية : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (يس / ٦٩) فأين القرآن من الشعر وأين محمّد من الشعراء ؟ .

١٠ ـ أضغاث أحلام : والمراد منه تخاليط أحلام رآها في المنام ، ويحكي عنهم سبحانه بقوله : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الأنبياء / ٣ ـ ٥).

بيّن سبحانه في هاتين الآيتين اقتسامهم القول في النبيّ ، فقال بعضهم أخلاط أحلام قد رآها في النوم ، وقال آخرون : بل اختلقه من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله ، وقال قوم : بل هو شاعر وما أتى به شعر ، يخيّل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ، مضافاً إلى أنّهم استبعدوا أن يكون بشر مثلهم نبيّاً.

وهذا الإضطراب والتردّد في القول دأب المحجوج المغلوب على أمره ، لايتردّد إلّا بين باطل وأبطل ويتذبذب بين فاسد وأفسد منه.

فلو بنىٰ على تحليل القرآن بواحد من هذه الوجوه ، فكونه سحراً ـ مع كونه فاسداً ـ أقرب من كونه أضغاث أحلام ، فأين هذا النظم البديع من تخاليط الكلام التي لا تضبط ؟ وادّعاء كونها مفتريات أبعد وأبعد ، لأنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد اشتهر بالأمانة والصدق ، مضافاً إلى أنّهم أعرف النّاس بالفرق بين النظم والنثر ، فكيف يصفونه بالشعر ؟ كما أنّهم يفرّقون بين الغايات التي يصاغ له الشعر والغايات التي يشدها القرآن كيف يتّهمونه بالشعر مع أنّهم يعلمون أنّه لم ينشد شعراً وما اجتمع بالشعراء ولا حام حوله مدىٰ أربعين سنة ؟(٢).

__________________

(١) تفسير المراغي : ج ٢٥ ص ٣٢.

(٢) تفسير المراغي : ج ١٧ ص ٧.

١٤٩
 &

إنّ المتمعّن في أحوال النبيّ ينتهي من خلال هذه التهم إلى أنّه كان رجلاً صالحاً طاهراً ديّناً عفيفاً نقي الجيب مأموناً على المال والعرض والنفس ، لم يدنّس نفسه بفاحشة ولم يتجاوز حقّ أحد قط بل كانت حياته حياة إنسان مثالي ، فلأجل ذلك لم يجد الأعداء سبيلاً إلى رميه بهذه التهم ، فحاولوا أن يتّهموه باُمور نفسيّة يعسر إثباتها كما يعسر نفيها ، وأمّا انّهم كيف اتّهموه بالسحر ؟ فيقول ابن هشام :

«إنّ الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش فقال : إنّه قد حضر الموسم ، وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فاجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضاً ، ويرد قولكم بعضه بعضاً ، قالوا : فأنت ياأبا عبد شمس ، فقل وأقم لنا رأياً نقول به ، قال : بل أنتم فقولوا و أسمع ، قالوا : نقول كاهن ، قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول مجنون ، قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ، قالوا فنقول : شاعر ، قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر ، قالوا : فنقول ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولاعقدهم ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ أصله لعذق ، وإنّ فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلّا عرف أنّه باطل ، و انّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس حين قدموا الموسم ، لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه ، وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة في ذلك من قوله : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي خصيماً (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَـٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (المدّثّر / ١١ ـ ٢٥).

١٥٠
 &

وأنزل الله في النفر الذين كانوا يصنّفون القول في رسول الله وفيما جاء به من الله تعالى : (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الحجر / ٩٠ ـ ٩٣)(١).

*       *      *

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٢٧٠.

١٥١
 &

ب ـ الاستنكار والاحتجاج بالاُمور الواهية

قد اطّلعت على الظنون والشبهات التي نسجها القوم على نول التّهم وعرفت إجابة القرآن عنها ، فهلمّ معي ندرس استنكارات القوم الباطلة التي جعلوها سدّاً في وجه الإذعان برسالته ، وهاتيك الإحتجاجات و إن كانت قد صدرت من أفواه رجال طعنوا في السن ولكنّها أشبه شيء بمنطق الّذين لا يعون ما يقولونه و إليك سردها واحدة واحدة :

١ ـ لماذا لم ينزل القرآن على رجل مُثْرٍ ؟!

إنّ الوليد بن المغيرة كان رجلاً مثرياً معروفاً في مكّة ومثله عروة بن مسعود الثقفي في الطائف ، فكان من حججهم الواهية على النّبي أنّه لماذا لم ينزل ما تدّعيه من القرآن عليهما ونزل عليك ؟ فهما مثريان وأنت معوز فقير ، فبما أنّ الرجلين كانا عظيمي قومهما و من أصحاب الأموال الطائلة في البلدين ، فدخلت الشبهة عليهم حتّى اعتقدوا أنّ من كان كذلك فهو أولى بالنبوّة. قال سبحانه حاكياً عنهم : (لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف / ٣١) فهؤلاء وإن كانوا صادقين في أنّ شأن القرآن أن ينزّل على من له مكانة مرموقة يمتاز بها عن الآخرين ، ولكنّهم أخطأوا في جعل السموّ والعظمة في الثروة والمال لأنّ نزول الوحي رهن كون المنزول عليه رجلاً تقيّاً طاهر النفس ، صامداً في تحمّل أعباء الرسالة الإلهيّة ، لايخاف من مواجهة الملك ، ولايخفى عليك أنّه لاصلة لهذه الشروط بالغنى والفقر ، أو الثروة وخلو اليد ، والقرآن يردّ على تلك الفرية بقوله : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ

١٥٢
 &

بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف / ٣٢) والمعنى أنّهم لا يملكون النبوّة الّتي هي رحمة الله ولطفه الّذي يختصّ به من يشاء من عباده حتّى يمنعوك منها ، فيعطوها من شاءوا ، فهم عاجزون عن قسمة ما هو دون النبوّة بمراحل وهو معيشتهم في الحياة الدّنيا فنحن قسمناها بينهم ، فكيف يتدخّلون فيما هو أرفع منزلة منها بما لا يقدّر قدره ، ألا وهي النبوّة الّتي هي من شؤون الباري جلّ وعلا ؟

٢ ـ الرسالة الإلهيّة فوق طاقة البشر

كان عرب الجاهليّة يزعمون : انّ الرسالة الإلهيّة فوق قدرة البشر وإنّما هي شؤون الملك ، وإليه يشير قوله سبحانه : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ) (الأنبياء / ٣) وقال سبحانه : (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّـهُ بَشَرًا رَّسُولًا) (الاسراء / ٩٤) ويظهر من غير واحد من الآيات إنّ تلك الظاهرة الفكرية كانت تدور في أذهان أقوام نوح وثمود وعاد من قبل ، حيث اعترضوا على رسلهم بأنّهم بشر مثلهم ، قال سبحانه حاكياً عنهم : (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (إبراهيم / ١٠ و ١١) ويلوح من بعض الآيات إنّ بعض اليهود المعاصرين للنبيّ الأكرم كانوا يتذرّعون بهذه الحجّة الواهية كما يحكي عنهم بقوله : (وَمَا قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) يقولون ذلك بصلافة ووقاحة في الوقت الذي كانوا يعتقدون بنبوّة موسىٰ وكتابه ، وإليه يشير قوله سبحانه : (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) (الأنعام / ٩١).

و القوم على جهل بسرّ لزوم كون الرسول بشراً لاملكاً ، و لو كانوا على إحاطة به و منصفين في الحكم لما احتجّوا بمثل تلك الحجّة الواهية ، إذ يترتّب على وجود المماثلة النوعية بين الرسول و المرسل إليه ما لا يترتّب على عدمها و ذلك لاُمور :

١٥٣
 &

أوّلاً : المسانخة و المماثلة أساس ترتكز عليه القيادة ، فلو عدمت لانتفت الغاية المنشودة ، فإنّ القائد إذا كان مشاكلاً للمقود يكون واقفاً على حدود طاقات المرسل إليهم و غرائزهم و طبائعهم و ميولهم ، فيبادر إلى معالجة ما يعانونه من تخلّف و جهل و انحطاط كما يقوم بتنمية طاقاتهم و استعداداتهم في مجالي المادة و المعنى ، إذ يحسّ منهم ما يحسّ من نفسه ، فأين طبيعة الملك من فطرة الإنسان ، فالملك مخلوق على نمط خاص لايحيد عنه فلايتمكّن من العصيان ، و أمّا البشر فقد خلق مخيّراً بين الطاعة و المخالفة إن شاء امتثل و آمن ، و إن شاء ارتدّ و كفر.

و بعبارة ثانية : إنّ الإنسان جبل على غرائز متضادّة سائدة عليه ، ففيه الشهوة و الغضب و هما من الميول السفلية في كيان ذاته ، كما فيه الميول العلوية التي تجرّه إلى الخير و الإحسان و التجافي عن الطبيعة و التوجّه إلى ماوراءها ، فالإنسان المثالي هو من يقوم بتعديل تلك الفطريّات المتضادّة ، و أمّا الملك فقد جبل على سلوك الخير و الطاعة ، فلايقدر على الخلاف و العصيان ، فهل يدرك هذا الموجود المفارق موقف الإنسان الذي خلق هلوعاً.

وثانياً : إنّ القائد كما يهدي بكلامه و مقاله ، يهدي بفعله و عمله ، فهو قدوة في مجالي القول و العمل ، و الدعوة بالفعل أرسخ في القلوب من الدعوة بالقول ، وهذا يقتضي وجود السنخية بين الرسول و المرسل إليهم حتّى يكون الرسول في الغرائز الباعثة إلى الشرّ و العصيان ، مثل المرسل إليهم في ذلك المجال ، و بالتالي يكون سلوكه طريق الخير و الصلاح حجّة على المرسل إليهم ، و لولا السنخيّة لما تمّت الحجّة و بقى مجال للاعتراض.

و إلى بعض ما ذكرنا يمكن أن يشير قوله سبحانه : (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّـهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) (الاسراء / ٩٤ و ٩٥) أي لو وجد

__________________

(١) نهج البلاغة : الكتاب رقم ٤٥.

١٥٤
 &

في الأرض ملائكة يمشون كما يمشي البشر ، و يقيمون فيها كما يقيم و يسهل الاجتماع بهم ، و تتلقّي الشرائع منهم ، لنزّلنا عليهم من السماء رسلاً من الملائكة للهداية و الإرشاد و تعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه ، و لكن طبيعة الملك لاتصلح للاجتماع بالبشر ، فلايسهل عليهم التخاطب و التفاهم معهم ، لبعد ما بين الملك و بينهم ، و من ثمّ لم نبعث ملائكة ، بل بعثنا خواص البشر ، لأنّ الله قد وهبهم نفوساً زكيّة ، و أيّدهم بأرواح قدسية ، و جعل لهم ناحية ملكية بها يستطيعون أن يتلقّوا من الملائكة ، و ناحية بشرية بها يبلّغون رسالات ربّهم إلى عباده(١).

و قد نبّه سبحانه إلى عظيم هذه الحكمة و جليل تلك النعمة بقوله : «لَقَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ...) (آل عمران / ١٦٤) و قوله : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة / ١٢٨). و قوله : (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة / ١٥١) إلى غير ذلك من الآيات التي وقع التنصيص فيها بكون الرسول من جنس البشر.

٣ ـ نبذ سنّة الآباء

التشبّث بسيرة الآباء من الاُمور الجبلية للبشر ، خصوصاً فيمن يعيش في واحات الصحراء بعيداً عن الحضارة و أسبابها ، فقد كان العرب متعصّبين على مسلك آبائهم تعصّباً حال بينهم و بين الإيمان بالرسول بحجّة انّه يدعوا إلى خلاف سيرة آبائهم ، و في ذلك يقول سبحانه : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة / ١٠٤) وقد عرفت الكلام في ذلك عند البحث عن الدوافع الروحيّة التي منعتهم عن الإيمان إجمالاً.

__________________

(١) تفسير المراغي : ج ١٥ ص ٩٧.

١٥٥
 &

و على ضوء ذلك كانوا يتعجّبون من جعل الآلهة المتعدّدة إلهاً واحداً ، فقد كان للعرب أصنام منصوبة على سطح الكعبة ، كاللات و العزّى و هبل ، و يعكفون على عبادتها ، فقال لهم النبي : يا معشر العرب ، أدعوكم إلى عبادة الله ، و خلع الأنداد والأصنام ، و أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله ، فقالوا : أنَدَع ثلاثمائة و ستين إلٰهاً و نعبد إلهاً واحداً ، و إليه الإشارة في قوله سبحانه : (وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص / ٤ و ٥)(١).

روى المفسّرون أنّ أشراف قريش و هم خمسة و عشرون منهم : الوليد بن المغيرة و هو أكبرهم ، و أبوجهل ، و اُبي و اُميّة ابنا خلف ، و عتبة و شيبة ابنا ربيعة ، و النضر بن الحارث ، أتوا أباطالب ، و قالوا : أنت شيخنا و كبيرنا و قد أتيناك لتقضي بيننا و بين ابن أخيك ، فإنّه سفّه أحلامنا وشتم آلهتنا ، فدعا أبو طالب رسول الله وقال : يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك ، فقال : ما ذا يسألونني ؟ قالوا : دعنا وآلهتنا ، ندعك و إلٰهك ، فقال : أتعطوني كلمة تملكون بها العرب و العجم ؟ فقال أبو جهل : لله أبوك ، نعطيك ذلك عشر أمثالها ، فقال : قولوا لا إلٰه إلّا الله ، فقاموا وقالوا : أجعل الآلهة إلٰهاً واحداً ، و روي أنّ النبي استعبر ثمّ قال : يا عمّ والله لو وضعت الشمس في يميني و القمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو اُقتل دونه ، فقال له أبوطالب : امض لأمرك فوالله لاأخذلُك أبدا(٢).

٤ ـ الدعوة إلى الحياة الاُخروية

كانت عرب الجاهلية خصوصاً المترفين منهم يخافون من سماع أخبار البعث والنشور ، و انّ الإنسان سيبعث بعد موته و يحاسب و يجزى حسب أعماله ، و كان

__________________

(١) مناقب ابن شهر آشوب : ج ١ ص ٤٩ ، بحار الأنوار : ج ١٨ ص ١١٥ ، و لاحظ تاريخ الطبري : ج ٢ ص ٦٦.

(٢) مجمع البيان : ج ٨ ص ٤٦٥.

١٥٦
 &

هذا أحد الدوافع للإعراض عن الدعوة ، و قد جاء في الذكر الحكيم ما ذكروه في هذا المجال من الحجج الواهية ، و سنوافيك به عند البحث عن المعاد في الذكر الحكيم و نكتفي في هذا المقام ببعض الآيات ، فقال سبحانه : (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (السجدة / ١٠) ، و قال سبحانه : (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) (الإسراء / ٩٨) ، و قال سبحانه : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (سبأ / ٧).

و تعرب الآية الاُولى عن أنّهم كانوا يظنّون إنّ الموت فناء للإنسان و اعدام واضمحلال له ، فكيف يمكن احياؤه ثانياً ؟ و القرآن يجيب عنه بقوله سبحانه : (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة / ١١). إنّ الوفاء في الآية بمعنى الأخذ ، و حاصل الجواب : انّ ملك الموت الذي وكّل بكم يأخذكم فلاتضلّون في الأرض ثمّ إلى ربّكم ترجعون.

وبعبارة ثانية : إنّ الإنسان مركّب من جسم و روح فما يبقى في الأرض هو جسمه و ليس حقيقته و واقعيّته ، و أمّا حقيقة الإنسان فهي روحه و نفسه و هي محفوظة عندنا يأخذها ملك الموت فما بقي فهو غير حقيقته ، و ما هو واقعية الإنسان (الروح) ، و النفس فهي محفوظة عند الله غير ضالة في الأرض.

قال العلّامة الطباطبائي : «أمر سبحانه رسوله أن يجيب عن حجّتهم المبنيّة على الاسبتعاد بأنّ حقيقة الموت ليس بطلاناً لكم و ضلالاً منكم في الأرض ، بل ملك الموت الموكّل بكم يأخذكم تامّين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم بمعنى قطع علاقتها من الأبدان ، و أرواحكم تمام حقيقتكم ، فأنتم أي ما يعني لفظة «كم» محفوظون لايضل منكم شيء من الأرض ، و إنّما تضلّ الأبدان وتتغيّر من حال إلى حال ، و قد كانت في معرض التغيّر من أوّل كينونتها ، ثمّ إنّكم محفوظون حتّى ترجعوا إلى ربّكم بالبعث و رجوع الأرواح إلى أجسادها»(١).

__________________

(١) الميزان : ج ١٦ ص ٢٥٢.

١٥٧
 &

و تعرب الآية الثانية عن أنّ سبب الإنكار هو تخيّل قصور القدرة و عدم إمكان البعث ، فكيف يمكن إحياء العظام الرميمة ؟ فردّ عليه سبحانه بقوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (الإسراء / ٩٩) فليس احياء العظام الرميمة أكبر و أعظم من خلق السموات و الأرض ، فالقادر على خلقهما قادر على احيائهما من جديد(١).

٥ ـ طلب المشاركة في امتيازات النبوّة

كان المشركون ـ لأجل قصور معارفهم عن درك مقام النبوّة السامي ، يطلبون المشاركة في أمر النبوّة ، فكان الوليد بن المغيرة يقول : لو كانت النبوّة حقّاً لكنت أولى بها منك ، لأنّي أكبر سنّا و أكثر منك مالاً ! و قال أبوجهل : زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى صرنا كفرسي رهان. قالوا منّا نبيّ يوحى إليه ، و الله لانؤمن به و لانتبعه أبداً إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه(٢).

وإلى هذه الحجّة الواهية يشير قوله سبحانه حاكياً عنهم : (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّـهِ) (الأنعام / ١٢٤).

إنّ كلامهم هذا ينمّ عن حقد دفين و عناد مستبطن فردّ عليهم سبحانه بقوله : (اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام / ١٢٤). فهو سبحانه أعلم منهم و من جميع الخلق بمن يصلح لتنفيذ رسالاته ، و يعلم من له الأهلية بتحمّل أعباء الرسالة.

٦ ـ المطالبة بمثل ما اُوتي سائر الرسل

كان المشركون المتواجدون في عصر الرسالة بلغ مسامعهم بأنّ الكليم موسى

__________________

(١) قد جمعنا مجموع شبهاتهم الواهية في إمكان المعاد و تحقّقه في الجزء المختص بالمعاد و قد اكتفينا بهذا المقدار هنا روماً للإختصار.

(٢) مجمع البيان : ج ٢ ص ٣٦٢ (ط صيدا).

١٥٨
 &

بعث بمعاجز مثل العصا إذا رمى بها في مجال التحدّي تنقلب ثعباناً ، و بإدخال اليد في الجيب إذا أخرجها منه تكون بيضاء للناظرين ، فاعترضوا عليه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بأنّه يجب أن تكون حجّة رسالته كحجج الكليم موسى (عليه السلام) و قد حكى ذلك منهم سبحانه بقوله : (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ) (القصص / ٤٨).

و في آية اُخرى : (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّـهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الأنعام / ٣٧). و ربّما يحتجّ بهذا الإعتراض من في قلبه مرض من المستشرقين ، فيجب علينا تناوله بشيء من الدراسة و التحليل لرفع ما فيه من الإيهام و الإبهام و ذلك من خلال جوابين مستفادين من القرآن الكريم :

أ ـ إنّ هذا الإعتراض كان لمحض اختلاق المعاذير ، و الشاهد على ذلك انّ هؤلاء المشركين وصفوا ما اُوتي الكليم بالسحر أيضاً ، فقد روى المفسّرون أنّ المشركين بعثوا رهطاً إلى رؤوس اليهود في عيد لهم فسألوهم عنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة ، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : (سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) و إليه يشير قوله سبحانه : (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) (القصص / ٤٨).

و يظهر من الآيات الواردة بعد هذه الآية أنّهم رجعوا إلى أهل الكتاب واستفتوهم في أمره و عرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه ، فأجابوا عنه بتصديقه والإيمان به ، فساء ذلك المشركين و اُغلظ عليهم بالقول و أعرض الكتابيّون عنهم وقالوا : سلام عليكم لانبتغي الجاهلين. قال سبحانه : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ... وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص / ٥٢ ـ ٥٥)(١).

__________________

(١) لاحظ التفاسير.

١٥٩
 &

ب ـ إنّ هؤلاء جاهلون بالحكمة في اختلاف المعاجز و الآيات التي تنزل على أنبياء الله تعالى و يزعمون أنّه يجب أن تكون معاجز الجميع على حد سواء مع أنّ المصالح تقتضي أن تختلف معاجز الأنبياء ذاتاً و سنخاً حتى تتم الحجّة على المرسل إليهم ، و تفصيل القول في ذلك إنّه يجب أن تكون معجزة كل نبي مجانسة للفن الرائج في عصره حتى إذا عرضت على مهرة ذلك الفن و خبرائه ، أذعنوا بتفوّقه على قدراتهم و طاقاتهم ، وأنّ الذي جاء به مدّعي النبوّة فوق حدود العلم و الفن الذي تمرّسوا فيه ، و هذا يقتضي كون المعجزة مسانخة لما برعوا فيه في ذلك العصر إذ لو كان مغايراً و مفارقاً لما تمّت الحجة و لما اُلزموا بها إذ بوسعهم أن يعترضوا ويقولون : لاخبرة بشأن ما أتيت به ، فكيف لنا التحدّي و المناجزة أو التصديق بأنّ ما جئت به معجزة إلهية تفوق قدرة البشر ؟ فاقتضت المصلحة تسانخ المعاجز للفنون الرائجة في عصر كل نبي.

و قد بلغ فن السحر و الشعبذة في عصر الكليم موسى الذروة و القمّة كما اكتسب الطب في عصر المسيح أهميّة بالغة ، فجاء الكليم موسى بالعصا و اليد البيضاء فأبطل سحرهم و أثبت أنّ ما أتى به معجزة تفوق حد السحر و إن كان بينهما مشاكلة في الصورة و لكنّها تباينه بالذات ، كما أنّ المسيح بابراء الأكمه و الأبرص و احياء الموتى كان قد أثبت أنّ ما أتى به فوق علمهم و طاقتهم و براعتهم ، و خارج عن الموازين الطبيعية التي كانوا يعتمدونها في الإبراء و المداواة.

فنفس تلك المصلحة تتطلّب أن تكون معجزة النبي الأكرم مشابهة لما برع فيه العرب في العصر الجاهلي لأنّه كان قد راج بينهم انشاء الخطب البليغة الفصيحة ونظم الشعر و التحدّي بينهم في ذلك ، فجاء بكتاب متحدّياً بصريح نصّه : (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة / ٢٣ و ٢٤).

وإلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه في ذيل الآية التي نبحث عنها :

١٦٠