مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وفد الحبشة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للاستطلاع على أمر الدعوة :

لمّا بلغ خبر رسول الله إلى الحبشة و هم نصارى ، قدم منهم إلى مكّة عشرون رجلاً ليقفوا على حقيقة الأمر عن كثب ، فوجدوا النبي في المسجد ، فجلسوا إليه و كلّموه و سألوه ، و رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلمّا فرغوا من مسألة رسول الله عمّا أراد ، و دعاهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى الله عزّ و جلّ و تلا عليهم القرآن ، فلمّا سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثمّ استجابوا لله و آمنوا بالنبيّ و صدّقوه و عرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلمّا قاموا عنه ، اعترضهم أبوجهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم : خيّبكم الله من ركب بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم ، و صدّقتموه بما قال ، مانعلم ركباً أحمق منكم ، فقالوا لهم : سلام عليكم لانجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، و لكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيراً ، و فيهم نزل قوله سبحانه :

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَـٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص / ٥٢ ـ ٥٥)(١).

إلى هنا تمّ الفراغ من بيان الحوادث المهمّة في الفترة الواقعة بين بعثته و هجرته وبقيت هناك عدّة حوادث يقف عليها من سبر التفاسير ، فتركنا ذكرها روماً للإختصار.

__________________

(١) السيرة النبويّة ، لابن هشام : ج ١ ص ٣٩٢ ، مجمع البيان : ج ٤ ص ٣٥٨ ، مع اختلاف يسير بين المصدرين.

٢٢١
 &

٢٢٢
 &

(٨) في رحاب الهجرة إلى يثرب

الهجرة في اللّغة هو الخروج من أرض إلى أرض(١) فلو ترك إنسان أرضاً و انتقل إلى أرضٍ اُخرى لغاية من الغايات ، يقال إنّه هاجر ، و لكنّها في مصطلح القرآن هو الإنتقال من أرض إلى أرض لغاية قدسية كحفظ الإيمان و التمكّن من إقامة الفرائض على وجه تكون قداسة الهدف مقوّماً لمفهوم المهاجرة إلى حدٍّ استعمله النبيّ في ترك المحرّمات و نبذ المعاصي و إن لم يكن هناك انتقال من مكان إلى مكان ، بل كان هناك انتقال الرّوح من العصيان إلى الطاعة. قال : «المهاجر من هجر ما حرّم الله عليه»(٢).

و الهجرة في مصطلح أهل السيرة و التاريخ و التفسير من المسلمين هو هجرة الرسول من موطنه إلى يثرب للتخلّص من مؤامرة قريش على سجنه أو قتله أو نفيه. و ليس الرسول بدعاً في ذلك فقد ذكر القرآن مهاجرة لفيف من الأنبياء.

فهذا هو إبراهيم الخليل لمّا اُلقي في النار ، و نجّاه الله سبحانه غادر موطنه ، قال سبحانه حاكياً قصّته :

(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ

__________________

(١) لسان العرب : مادة « هجر».

(٢) جامع الاُصول : ج ١ ص ١٥٤.

٢٢٣
 &

الصَّالِحِينَ) (الصافّات / ٩٧ ـ ١٠٠) فنزل الخليل الأراضي المقدّسة و وهبه سبحانه إسحاق و يعقوب. قال تعالى :

(وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا) (مريم / ٤٩).

و هذا لوط و قد تبع إبراهيم و غادر موطنه كما يحكي عنه قوله سبحانه : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت / ٢٦).

و هذا موسى بن عمران فلمّا وقف على أنّ الملأ يأتمرون به ليقتلوه غادر أرض الفراعنة و نزل مدين. يقول سبحانه : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص / ٢١).

و أمّا النبيّ الأكرم فقد خرج في موسم الحج و لقيه فيه نفر من الخزرج فقال لهم : من أنتم ؟ فقالوا : نفر من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم. قال : أفلاتجلسون أكلّمكم ؟ قالوا : بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزّ و جلّ و عرض عليهم الإسلام ، و تلى عليهم القرآن. قال : و كان ممّا صنع الله بهم في الإسلام أنّ اليهود كانوا معهم في بلادهم ، و كانوا أهل كتاب و علم ، و كانوا هم أهل شركٍ و أصحاب أوثانٍ ، و كانوا قد غزوهم ببلادهم ، و كانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : إنّ نبيّنا مبعوث الآن قد أظلّ زمانه نتبعهُ فنقتلكم معهُ قتل عاد و إرم ، فلمّا كلّم رسول الله اُولئك النفر و دعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض : يا قوم ، تعلموا و الله إنّه النبيّ الذي توعدكم به اليهود ، فلاتسبقنّكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، و قالوا : إنّا قد تركنا قومنا ، و لاقوم بينهم من العداوة و الشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فستقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، و تعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك.

ثمّ انصرفوا عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) راجعين إلى بلادهم ، و قد آمنوا و صدّقوا. فلمّا قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله و دعوهم إلى الإسلام ، حتّى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلّا و فيه ذكر لرسول الله.

٢٢٤
 &

حتّى إذا كان في العام المقبل و أتى الموسم من الخزرجيين اثنا عشر رجلاً بالعقبة ، فبايعوا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على بيعة النساء(١) و ذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب...

يقول عبادة بن الصامت : فبايعنا على أن لانشرك بالله شيئاً و لانسرق و لانزني و لانقتل أولادنا ولانأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا و أرجلنا ، و لانعصيه في معروف. و قال النبيّ : فإن وفّيتم فلكم الجنّة و إن خشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء غفر...

ثمّ إنّ النبي بعث إلى يثرب مصعب بن عمير ليعلّمهم القرآن ، و ذلك باستدعاء أسعد بن زرارة ـ أحد رؤساء الخزرجيين ـ ، فصارت نتيجة ذلك أن وافى النبيّ في العام المقبل في العقبة الثانية وفود من الخزرجيين و الأوسيين ، فبايعوا النبيّ في الشعب...

فتكلّم رسول الله ، فتلا القرآن ، و دعا إلى الله ، و رغَّب في الإسلام. ثمّ قال اُبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم و أبناءكم...

فقام أبوالهيثم بن التيهان ، و قال يا رسول الله : إنّ بيننا و بين الرجال حبالاً وإنّا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك و تدعنا ؟ قال : فتبسمّ رسول الله ثمّ قال : بل الدم بالدم ، و الهدم بالهدم(٢) أنا منكم و أنتم منّي ، اُحارب من حاربتم ، و اُسالم من سالمتم...

ثمّ قال : أخرجوا إليّ منكم اثنيّ عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم ،

__________________

(١) ذكر الله تعالى بيعة النساء في القرآن و قال : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّـهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الممتحنة / ١٢). ترى المماثلة بين بيعة الخزرجيّين و بيعة النساء في الموادّ و المضامين.

(٢) الهدم : الحرمة ، أي ذمتي و حرمتي حرمتكم.

٢٢٥
 &

فأخرجوا منهم اثنيّ عشر نقيباً تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس...

فلمّا انتشرت مبايعة الأوس و الخزرج لرسول الله ، خافت قريش على نفسها خصوصاً بعد ما وقفوا على أنّ المعذّبين في مكّة أخذوا يهاجرون إلى يثرب ، فأذعنوا أنّ النبيّ أيضاً سوف يخرج إليهم و يتّخذها مأوى لنفسهِ و أصحابه ، و ليشنّ عليهم الحرب و ينكّلهم ، فاجتمعوا...

قال ابن إسحاق : «فلمّا رأت قريش أنّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم و رأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنّهم قد نزلوا داراً ، وأصابوا منهم منعة ، فحذروا خروج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إليهم ، و عرفوا أنّه قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة و هي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لاتقضي أمراً إلّا فيها ، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين خافوه...

فتشاوروا فقال قائل منهم : إحبسوه في الحديد و اغلقوا عليه باباً ، ثمّ تربّصوا به ما أصاب من الشعراء الذين كانوا قبله : زهيراً و النابغة حتّى يصيبهُ ما أصابهم ، و قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، و قال أبوجهل بن هشام : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابّاً جليداً نسيباً و سيطاً فينا ، ثمّ نعطي كل فتىٰ منهم سيفاً صارماً ، ثمّ يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً ، فلم يقدر بنوعبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فرضوا منّا بالعقل فعقلناه لهم ، فتفرّق القوم على ذلك و هم مجمعون له ، فأتى جبرئيل و قال : لاتبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال : فلمّا كان عتمة من الليل إجتمعوا على بابه يرصدونه متىٰ ينام فيثبون عليه ، فلمّا رآى رسول الله مكانهم قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي و تسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فخرج عليهم رسول الله ، و أخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، و جعل القوم يتطلّعون فيرون عليّاً علىٰ الفراش متسجّياً ببرد رسول الله ، فيقولون : و الله إنّ هذا لمحمد نائماً عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك ، و حتى أصبحوا ، فقام عليّ

٢٢٦
 &

(رضي الله عنه) عن الفراش»(١)... فباءوا بالفشل وانصرفوا عن إيذاء علي وقتله.

و إلى تلك المؤامرة يشير قوله سبحانه : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال / ٣٠). و فيه تصريح بآرائهم الثلاثة التي أبدوا بها في الندوة ، و أجمعوا على القتل.

عزب عن قريش أنّه سبحانه تعهّد على نفسه نصر أنبيائه و رسله ، فقال سبحانه : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ) (الصافّات / ١٧١ ـ ١٧٢).

أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عليّاً أن يتخلّف بعده بمكّة حتّى يؤدّي عن رسول الله الأمانة التي كانت عنده للناس ، و ليس بمكّة أحد عنده شيء إلّا وضعه رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند علي ، فخرج رسول الله عامداً إلى غار بثور(٢) و بقى فيها ثلاثاً ، و استنفدت قريش طاقتها في الوقوف على محلّه ، و جعلت مائة ناقة لمن يردّه إليها ، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) مع دليله (عبدالله بن أرقط) و معهما أبو بكر فسلك بهما أسفل مكّة ثمّ مضىٰ على الساحل حتّى عارض الطريق أسفل من عسفان حتى قدم قباء باثنتىٰ عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين ، حتّى اشتدّ الضحى و كانت الشمس تعتدل(٣).

و إلى هجرته هذه و اختفائه في الغار و نزول نصرته سبحانه عليه يشير قوله سبحانه :

(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة / ٤٠).

__________________

(١) السيرة النبوية ، لابن هشام : ج ١ ص ٤٢٨ ـ ٤٨٣.

(٢) جبل بأسفل مكّة.

(٣) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٤٨٥ ـ ٤٩٢.

٢٢٧
 &

و الضمير في قوله : (أَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) يرجع إلى النبيّ بشهادة قوله : (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) . فما هي النكتة في افراد الضمير ؟

روى البيهقي عن ابن عباس : كان رسول الله بمكّة فاُمر بالهجرة و اُنزل عليه : (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) (الإسراء / ٨٠)(١).

و قد نقل غير واحد من المفسّرين : إنّ النبيّ لمّا بلغ في هجرته الجحفة تذكّر موطنه ، فنزل عليه الوحي مبشّراً بأنّه سوف يرد إلى موطنه و يزوره ، قال سبحانه : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) (القصص / ٨٥).

روى السيوطي : «لمّا خرج النبي من مكّة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكّة فأنزل الله : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) : إلى مكّة ، و عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال : كل القرآن مكّي أو مدني غير قوله : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ) فإنّها اُنزلت على رسول الله بالجحفة حين خرج إلى المدينة فلاهي مكّية و لامدنية ، و كل آية نزلت على رسول الله قبل الهجرة فهي مكيّة نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان ، و كل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنّها مدنيّة نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان»(٢).

و قد أشار الذكر الحكيم إلى موطنه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بقوله : (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) (محمد / ١٣).

__________________

(١) دلائل النبوّة : ج ٢ ص ٥١٦ ، و أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن ، باب تفسير سورة الإسراء ، الحديث ٣١٣٩.

(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ج ٥ ص ١٣٩ و ١٤٠ ، و مجمع البيان : ج ٧ ص ٢٦٨ و ٢٦٩.

٢٢٨
 &

قدومه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى قباء

قدم النبي حسب ما يذكره ابن هشام قباء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين حين اشتدّ الضحى و كانت الشمس تعتدل ، و أقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاثة ليال و أيامها حتى أدّى عن رسول الله الودائع التي كانت لرسول الله عنده ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

فأقام رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بـ «قباء» في بني أمر بن عوف يوم الإثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء و يوم الخميس ، و أسّس مسجده الذي اُشير إليه في قوله سبحانه : (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة / ١٠٨)(١).

إطلالة على نشأة التاريخ الهجري

المشهور إنّ أوّل من أرّخ بالتاريخ الهجري هو عمر بن الخطاب. يقول اليعقوبي : «و فيها (سنة ١٦ هـ) أرّخ عمر الكتب و أراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ثمّ قال : من المبعث ، فأشار عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يكتبه من الهجرة ، فكتبه من الهجرة»(٢).

و روى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنّه قال : جمع عمر الناس فسألهم من أي يوم يكتب التاريخ ؟ فقال علي بن أبي طالب : من يوم هاجر رسول الله ، و ترك أرض الشرك ، ففعله عمر (رضي الله عنه) ، هذا حديث صحيح الإسناد ، و لم يخرجاه(٣).

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٣ ص ٧٢.

(٢) تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ١٣٥ (طبع النجف).

(٣) مستدرك الصحيحين ، الحاكم : ج ٣ ص ١٤.

٢٢٩
 &

و يظهر من ابن كثير الدمشقي أنّ اليعقوبي و الحاكم لخّصا القصة و كانت هي أطول ممّا ذكراه. حيث نقل عن الواقدي أنّه قال :

«و في الربيع الأوّل من هذه السنة ـ أعني سنة ١٦ ـ كتب عمر بن الخطاب التاريخ و هو أوّل من كتبه.

و أضاف ابن كثير قائلاً : قد ذكرنا سببه في سيرة عمر ، و ذلك انّه رفع إلى عمر صكّ مكتوب لرجل على آخر بدين يحلّ عليه في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها ، أم التي بعدها ؟ ثمّ جمع الناس فقال : ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم ، فيقال : إنّهم أراد بعضهم أن يؤرّخوا كما تؤرّخ الفرس بملوكهم كلّما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده فكرهوا ذلك ، و منهم من قال : أرّخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك ، ولطوله أيضاً ، و قال قائلون : أرّخوا من مولد رسول الله ، و قال آخرون : من مبعثه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، و أشار علي بن أبي طالب و آخرون أن يؤرّخ من هجرته من مكّة إلى المدينة لظهوره لكل أحد ، فإنّه أظهر من المولد و المبعث ، فاستحسن ذلك عمر و الصحابة ، فأمر عمر أن يؤرّخ من هجرة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و أرّخوا من أوّل تلك السنة من محرّمها ، و عند مالك ـ رحمه الله ـ فيما حكاه عن السهيلي(١) و غيره أنّ أوّل السنة من ربيع الأوّل لقدومه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على المدينة ، و الجمهور على أنّ أوّل السنة من المحرّم لأنّه أضبط لئلّا تختلف الشهور ، فإنّ المحرّم أوّل السنة الهلالية العربية(٢).

و لكن الجزم و الإذعان بصحّة هذه النقول مشكل ، و الظاهر أنّ أوّل من أرّخ بالسنة الهجريّة ، هو النبيّ الأكرم حسب تضافر النصوص الموجودة في ثنايا الكتب و ماظفرنا عليه من النصوص تدلّ على كون التأريخ بالهجرة في زمن النبي و بعده.

__________________

(١) كذا في المصدر و الظاهر زيادة كلمة «عن».

(٢) البداية و النهاية : ج ٧ ص ٧٥ و ٧٦. طبع دار الكتب العلميّة.

٢٣٠
 &

١ ـ ما روي عن الزهري : إنّ رسول الله لمّا قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأوّل(١).

٢ ـ ما رواه الحاكم و صحّحه عن عبد الله بن العباس أنّه قال : كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله المدينة ، وفيها ولد عبد الله بن الزبير(٢).

و دلالته على المقصود واضحة ، لأنّه قال : «كان التاريخ في السنة» و لم يقل «من السنة».

٣ ـ إنّ بعض الصحابة كانوا يعدّون بالأشهر من مهاجرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله و سلّم) إلى أواسط السنة الخامسة ، مثلاً أرّخوا تحويل القبلة على رأس سبعة عشر شهراً ، و فرض رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من هجرة الرسول(٣).

٤ ـ ما رواه أبو نعيم عن عهد النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لسلمان الفارسي و هو مؤرّخ بسنة تسع للهجرة ، و هو ينقل عن الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي : إنّه رأى هذا السجل بشيراز بيد سبط لغسّان بن زاذان بن شاذويه بن ماهبنداز ، و هو أخو سلمان ، و هذا العهد بخط علي بن أبي طالب ، مختوم بخاتم النبي ، فنسخ منه ما صورته :

«بسم الله الرّحمن الرّحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله ـ سأله سلمان وصيّة بأخيه ماهبنداز أهل بيته و عقبه...» و في آخر العهد : «و كتب علي بن أبي طالب بأمر رسول الله في رجب سنة تسع من الهجرة ، و حضره أبو بكر ، و عمر ، و عثمان ، و طلحة ، و الزبير ، و عبد الرّحمان ، و سعد ، و سعيد ، و سلمان ، و أبوذر ، و عمّار ، و عيينة ، و صهيب ، و بلال ، و المقداد ، و جماعة آخرون من المؤمنين».

__________________

(١) فتح الباري : ج ٧ ص ٢٠٨ ، و إرشاد الساري : ج ٦ ص ٢٣٣.

(٢) مستدرك الصحيحين ، للحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٣ و ١٤.

(٣) تاريخ الخميس : ج ١ ص ٣٦٨ ، و من راجع الكتب المؤلّفة حول السيرة يجد ذلك بوضوح ، فإنّ أكثر الحوادث في السنين الاُولى بعد الهجرة مؤرّخة بالشهور.

٢٣١
 &

و ذكره أيضاً أبو محمد بن حيّان عن بعض من عني بهذا الشأن : إنّ رهطاً من ولد أخي سلمان بشيراز زعيمهم رجل يقال له (غسّان) بن زاذان معهم هذا الكتاب بخط علي بن أبي طالب في يد غسان ، مكتوب في أديم أبيض مختوم بخاتم النبي و خاتم أبي بكر و علي ـ رضي الله عنهما ـ على هذا العهد حرفاً بحرف إلّا أنّه قال : و كتب علي بن أبي طالب ، و لم يذكر عيينة مع الجماعة(١).

و نقل أيضاً عن أبي كثير بن عبدالرحمان بن عبد الله بن سلمان الفارسي ، عن أبيه ، عن جدّه أنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أملى هذا الكتاب على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ : هذا مافادى محمد بن عبدالله رسول الله فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي ، ثمّ القرظي بغرس ثلاثمائة نخلة و أربعين أوقية ذهب ، فقد برئ محمد بن عبدالله رسول الله لثمن سلمان الفارسي ، و ولاؤه لمحمد بن عبدالله رسول الله و أهل بيته فليس لأحد على سلمان سبيل. شهد على ذلك : أبوبكر الصديق و عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب... و كتب علي بن أبي طالب يوم الإثنين في جمادي الاُولى مهاجر محمد بن عبدالله (صلّى الله عليه و آله وسلّم)(٢).

٥ ـ كتب خالد بن الوليد لأهل دمشق : إنّي قد أمنتهم على دمائهم و أموالهم و كنائسهم... و في آخره شهد أبو عبيدة بن الجرّاح و شرحبيل بن حسنة ، و كتب سنة ١٣(٣).

إلى غير ذلك من النصوص التي جاء بها الفاضل المتتبّع السيّد جعفر مرتضى

__________________

(١) ذكر أخبار اصبهان : ج ١ ص ٥٣.

(٢) المصدر السابق : ج ١ ص ٥٢ ، و الظاهر أنّ المراد من «المهاجر» هو عام الهجرة لامكانها ، و يؤيّد ذلك : إنّ سلمان عرف الرسول إبّان قدومه بالمدينة و آمن و التحق به ، و الظاهر أنّ توصيف أبي بكر بما في الرواية من تلاعب الرواة ، حيث لم يكن يوم ذلك معروفاً به. لاحظ : السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٢١٨ و ٢١٩.

(٣) الأموال لأبي عبيد الثقفي القاسم بن سلام ، ـ (المتوفّى ٢٢٤) : ص ٢٩٧.

٢٣٢
 &

العاملي في مقاله في مجلة الهادي(١) و هذا يعرب عن أنّ التاريخ بالهجرة كان قبل الخليفة ، و غاية ما يمكن تصحيح ما ورد بأنّ الخليفة أرّخ بالهجرة هو أنّ النبيّ أرّخ بالهجرة و لم يشتهر بين الناس لقلّة حاجاتهم إلى التاريخ ، فلمّا انتشر الإسلام خارج الجزيرة مسّت الحاجة إلى تاريخ الكتب و الرسائل الواردة من مختلف الأرجاء ، جمع الخليفة صحابة النبي وأشار الإمام بنفس مافعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

و ممّا يؤسف له أنّ المسلمين نسوا أمجادهم التاريخية و الحضارية التي كرّمهم الإسلام بها ، فعادوا يؤرّخون كتبهم و رسائلهم بالتاريخ المسيحي ، فكأنّهم (نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) و قد رأيت بعيني رسالة لشيخ الأزهر الشيخ محمود عبد الحليم و قد أرّخها بالتاريخ المسيحي الميلادي و لم يذكر ـ حتّى في جنبه ـ التاريخ الهجري ، فإذا كان هذا حال شيخ الأزهر فما ظنّك بغيره ؟

إذا كان ربّ البيت بالدفّ مولعاً

فشيمة أهل البيت كلّهم رقص

و من الواجب على المسلمين أن لايتنازلوا عن أقل شيء ممّا يرجع إلى تاريخهم و حضارتهم و دينهم ، حتى انّ ذكر التاريخ الميلادي جنب التاريخ الهجري نوع ترويج له و مماشاة مع الكفر ، و لم يزل أعداء الدين يتآمرون على الإسلام و المسلمين بمسخ شخصيتهم الإسلاميّة و اقتلاع جذور مبادئها ، و قد شهدنا في بلدنا العزيز إيران مثل ذلك عام ١٣٩٦ هـ ـ ق. فقد قام طاغوت إيران بتبديل التاريخ الإسلامي إلى التاريخ «الشاهنشاهي» المجعول الذي لاسند له ، و فرضه على الناس و عادت الرسائل و الكتب الرسمية تؤرّخ به ، و كادت أن ترسّخ في القلوب لولا أن بدّد الله شمله و أزال ملكه و حاق به العذاب و البلاء بانتصار الثورة الإسلاميّة عام ١٣٩٨ هـ.ق (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا).

__________________

(١) العدد السادس من السنة الخامسة و هو مقال ممتع.

٢٣٣
 &

نزول النبيّ بالمدينة :

خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم الجمعة من «قبا» فأدرك الجمعة في بني سالم بن عوف فكانت أوّل جمعة أقامها بالمدينة ، و كان لايمر على قبيلة إلّا قالوا : أقم عندنا ، فيقول النبيّ خلّوا سبيلها (الناقة) فإنّها مأمورة ، حتّى إذا أتت دار بني مالك بن النجّار ، بركت ناقته على باب مسجده و هو مريد(١) فنزل رسول الله فاحتمل أبو أيّوب رحله فوضعه في بيته ، و سأل عن المربد لمن هو ، فقال معاذ بن عفراء : هو لسهل و سهيل ابني عمرو و هما يتيمان لي و سارضيهما منه ، فاتّخذه مسجداً ، فأمر به رسول الله أن يبني مسجداً ، و نزل رسول الله حتى بنى مسجده و مسكنه ، فعمل فيه رسول الله ليرغّب المسلمين في العمل فيه ، فعمل فيه المهاجرون و الأنصار و دأبوا ، فقال قائل من المسلمين :

لئن قعدنا و النبي يعمل

لذاك منّا العمل المضلّل

و ممّن ساهم في بناء المسجد عمّار بن ياسر و قد أثقلوه باللبن ، فقال : يا رسول الله : قتلوني ، يحمّلون عليّ مالا يحملون ، قالت اُمّ سلمة زوجة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فرأيت رسول الله ينفض وفرته بيده و كان رجلاً جعداً ، و هو يقول : ويح ابن سميّة ليسوا بالذين يقتلونك إنّما تقتلك الفئة الباغية.

و ارتجز علي بن أبي طالب (عليه السلام) يومئذ :

لايستوي من يعمّر المساجدا

يدأب فيه قائماً و قاعداً

و من يرىٰ عن الغبار حائداً

و قد كان بين أصحاب رسول الله من يستنكف العمل ، فهذا الرجز من علي (عليه السلام) كان بقصد التعريض به ، و قد قال ابن إسحاق : إنّ المقصود به عثمان بن عفّان ، و في المواهب اللدنية : إنّ المقصود عثمان بن مظعون.

__________________

(١) الموضع الذي يجفّف فيه التمر.

٢٣٤
 &

فأقام رسول الله بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة التالية حتّى بنىٰ له فيها مسجده و مساكنه ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلّا أسلم أهلها إلّا حيّ من الأوس ، فإنّهم أقاموا على شركهم.

و لأجل استتباب الأمن ، و إضفاء طابع الوحدة السياسية على القبائل التي تستوطن يثرب و ما جاورها كتب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كتاباً بين المهاجرين و الأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم و أقرّهم على دينهم و أموالهم و شرط لهم و اشترط عليهم.

و قد نقل ابن هشام الكتاب برمّته و هو أوّل منشور سياسي أدلى به النبي إبّان نزوله بالمدينة.

و لم يكتف بذلك حتى آخىٰ بين المهاجرين و الأنصار ، فقال : تآخوا في الله أخوين أخوين ، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي ، فكان رسول الله سيّد المرسلين و إمام المتّقين و رسول رب العالمين الذي ليس له نظير من العباد و علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخوين ، و كان حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله و عمّه و زيد بن حارثة مولى رسول الله أخوين ، و إليه أوصى حمزة يوم اُحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ، فهكذا تآخى المهاجرون و الأنصار أخوين أخوين.

فلمّا اطمأنّ رسول الله بالمدينة و التفّ حوله إخوانه من المهاجرين و اجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة و فرضت الزكاة و الصيام و قامت الحدود و فرض الحلال و الحرام ، و شرع الآذان(١).

و لمّا استحكمت شوكة المسلمين ظهرت من أحبار اليهود العداوة حسداً و ضغناً و التحق بهم رجال من الأوس و الخزرج فتظاهروا بالإسلام ، و نافقوا في السرّ و كان هواهم مع اليهود.

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٤٩٤ ـ ٥١٢.

٢٣٥
 &

و كان أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول الله و يشاغبونه ليلبسوا الحقّ بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه.

و كان المجتمع اليهودي عبارة عن مجموع قبائل ثلاث :

١ ـ بني قينقاع.

٢ ـ بني النضير.

٣ ـ بني قريظة.

و كانت تلك القبائل مليئة بالأحبار و هم الذين شنُّوا حرب الاستنزاف الخفيَّة على النبي ، و استمدّوا ممّن إجتمع إليهم من منافقي الأنصار ، و إليك استعراض ما بدر منهم من جدال على ضوء ما ورد في القرآن الكريم.

مجادلة أهل الكتاب

كانت بيئة مكّة قاعدة للشرك و المشركين و لم يكن هناك حبر و لاراهب ، بل و لايهودي و لانصراني إلّا شرذمة قليلة لاتتجاوز عدد الأصابع من أمثال ورقة بن نوفل ، و عثمان بن حويرث اللّذين تنصّرا قبل الإسلام ، و كانت قريش تغط في الكفر و الشرك إلّا اُناس قليل المقتفين أثر الخليل المسمّين بالأحناف(١).

إنّ ما ورد من الآيات حول جدال أهل الكتاب مع النبي ، آيات مدنية تناثر ذكرها في السور الطوال كالبقرة و آل عمران و غيرهما.

كان الجدال محتدماً على قدم و ساق في الفترة التي كانت القبائل الثلاث مقيمة في المدينة ، و بعد ما اُزيلوا عنها اُخمدت نار فتنتهم ، و كان أكثر ما جادلوا فيه ما يرجع إلى النبي و علائمه في العهدين ، و لسنا في هذا المقام بصدد نقل كل حوار

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٢٢٢ ـ ٢٢٤.

٢٣٦
 &

ورد في القرآن الكريم سواء كانت راجعة إلى الأحبار و الرهبان أم إلى غيرهم ، و إنّما الهدف تبيين مادار بين النبي و بين أحبار اليهود في يثرب قبل إجلائهم و إبادتهم ، و كان الكل في السنين الخمس الاُولى إلى أوان حرب الخندق حيث استأصل نسل اليهود في المدينة و لم يبق منهم أحد إلّا كعب القرظي(١).

تنبّؤ القرآن عن شدّة عداوة اليهود :

تنبّأ القرآن الكريم عن قسوة اليهود و شدّة عدائهم كالمشركين بينما كان المسيحيون على خلاف ذلك ، فكانوا أقرب الناس مودّة للّذين آمنوا ، قال سبحانه : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة ٨٢ و ٨٣) و لأجل ذلك نرى أنّه لم يسلم من اليهود و لا من أحبارهم إلّا أقلّ القليل ، كعبد الله بن سلام و كعب الأحبار من الذين دسُّوا بإسلامهم كثيراً من البدع اليهودية بين المسلمين ، بينما نرى أنّه بعد ما انتشر الإسلام في ربوع الأراضي المسيحية ، دخل المسيحيّون أفواجاً في الإسلام و ما ذلك إلّا لأنّه كان فيهم قسّيسون و رهبان ، مالوا إلى الحق و اعتنقوه و صدّقوا به فتبعهم غيرهم.

و هناك سبب آخر لتصلّب اليهود و عدم رضوخهم لدعوة الإسلام ، يتمثّل في حرصهم على زينة الحياة و زبرجها و هو أكبر حجاب بين بصيرة الإنسان ، و الحق الذي يجب أن يتّبع ، قال سبحانه :

__________________

(١) هو والد محمد بن كعب القرظي ، القصّاص الذي ملأت كتب التاريخ و التفسير قصصه ، فتدبّر.

٢٣٧
 &

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة / ٩٦).

الدعوة إلى أصل مشترك بين الشرائع السماوية :

إنّ التوحيد في العبادة هو الأصل المشترك الذي قام عليه صرح الشرائع السماوية ، و من العجب انّ أهل الكتاب الذي يضفون على أنفسهم أنّهم من أنصار لواء التوحيد ، قد انحرفوا عن هذا الأصل الأصيل ، فعاد يتّخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ، فجاء الوحي يدعوهم إلى العودة إلى هذا الأصل ، و الإنضواء تحت رايته الخفّاقة ، قال سبحانه :

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران / ٦٤).

و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من إنحراف اليهود و النصارى عن هذا الأصل المشترك على أبعاده المختلفة (التوحيد في العبادة ـ التوحيد في الربوبية...) نذكر بعض عقائدهم الخرافية حسبما ورد في القرآن الكريم.

الاعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ و علا :

و قد تمخّض الانحراف عن أصل التوحيد ، و بلغ الذروة حيث اتّخذوا لله ابناً باسم عزير و المسيح و هم يضاهئون بذلك قول الكافرين ، و إليه الإشارة في قوله عزّ و جلّ : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّـهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّـهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّـهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ) (التوبة / ٣٠).

٢٣٨
 &

إنّ اليهود اليوم و إن كانت تنكر تلك النسبة و لاتدين بها ولكنّها كانت موجودة في عصر نزول القرآن ، و لأجل ذلك لم تعترض اليهود على النبيّ الأكرم.

و المستفاد من الآية انّ الاعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ و علا ذات خلفيّة تاريخيّة و لعلّ الآية تشير إلى عقيدة التثليث التي كانت تدين بها الهندوكية كما هو الظاهر من آثار آلهتهم المجسّمة المثلّثة(١).

و بما أنّ للتثليث دعامة راسخة في الديانة النصرانية أفاض القرآن القول فيه ، يليق بنا الإسهاب في تناول أطراف هذا الموضوع.

ذاتية التوحيد و ظاهرة التثليث :

لقد تمثّلت ظاهرة التثليث في الديانة النصرانية عصر نزول القرآن في صور مختلفة تناولها القرآن الكريم بالذكر.

فتارة يقولون المسيح هو الله.

و اُخرى يصرّحون بالثالوث المقدّس ، و إنّ هناك ثلاث آلهاتٍ بإسم إله الأب ، و إله الإبن ، و روح القدس.

و ثالثة إنّ المسيح ابن الله.

و لعلّ الجميع تعبيرات متنوّعة عن حقيقة واحدة أو أنّها عبارة عن نظريّات مختلفة يتبنّى كلّ واحد منها طائفة منهم وإليك التوضيح.

أ ـ المسيح هو الله :

يقول سبحانه حاكياً عنهم تلك العقيدة : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ

__________________

(١) لاحظ : الآثار الوثنية في الديانة النصرانية.

٢٣٩
 &

الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (المائدة / ٧٢).

فالآية تعرب عن أنّ المسيح عند طائفة منهم هو الربّ الخالق ، و بعبارة اُخرى : إنّ الله اتّحد بالمسيح اتّحاد الذات ، فصارا شيئاً واحداً و صار الناسوت لاهوتا(١).

و الذين يقولون من النصارى : إنّ الله هو المسيح ابن مريم هم اليعقوبية ، و اللائق بهذا القول هو إنكار التثليث ، و لكن لايخلو مذهب من مذاهب النصارى منه ، و قد ردّ القرآن على ذلك الزعم بما نقله عن المسيح بأنّه قال : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...) فهو يدّل على أنّه عبد مثلهم كما أنّ قوله : (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) يدلّ على أنّ من يجعل لله شريكاً في الوهيّته ، فهو مشرك كافر ، محرّم عليه الجنّة. و في هذا القول مزيد عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية و أنّه (عليه السلام) باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم ، فهم مغفور لهم ، مرفوع عنهم التكاليف الإلهية ، و مصيرهم إلى الجنّة ولايمسّون ناراً.

كيف يقولون ذلك مع أنّه (عليه السلام) كان يقول : (مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)(٢).

ب ـ الله ثالث ثلاثة أو الثالوث المقدّس :

و كان هناك قسم آخر من الانحراف عن خط التوحيد يتجسّد في القول بأنّ الله ثالث ثلاثة كما يحكيه قوله سبحانه :

(لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة / ٧٣) و القائل بهذه

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٢ ص ٢٢٨.

(٢) التبيان : ج ٣ ص ٥٨٧.

٢٤٠