مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

المصلحة و ناجماً عن سوء تدبيره ، و بالتالي كان ذنباً و معصية ، أو أنّ الآية خرجت لبيان أمر آخر ؟ و الصحيح هو الثاني و إليك البيان :

إنّ دراسة الموضوع توقفنا على أنّ إذن رسول الله كان مقروناً بالمصلحة إذ لولاه فلايخلوا حالهم بين أن يكونوا مطيعين أو عاصين ، فلو أطاعوه و ساهموا المسلمين لكان ضررهم أكثر من نفعهم لقوله سبحانه : (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة / ٤٧).

و لأجل أنّ ضررهم كان أكثر من نفعهم ، أمر النبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) أن لايشاركوهم في الجهاد و لو طلبوا منه ، قال سبحانه : (فَإِن رَّجَعَكَ اللَّـهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) (التوبة / ٨٣).

ولو خالفوا و اثّاقلوا إلى الأرض لكان الفساد أعظم ، لأنّ المخالفة الواضحة توجب تهبيط عظمة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن الأعين وربّما تتّخذ خطة عادية للمنافقين في مجالات اُخر.

ولأجل هذا لمّا استأذنوا أذن لهم وما هذا إلّا دفعاً للفاسد أو الأفسد.

وبعبارة اُخرى : أنّهم كانوا عازمين على عدم الخروج مع المؤمنين لغزو الروم ، بل كان لهم في غياب النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) تخطيط ومؤآمرة أبطله النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بتخليف عليّ (عليه السلام) مكانه كما هو مذكور في السيرة ، قال سبحانه : (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ اللَّـهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة / ٤٦).

والآية صريحة في أنّهم كانوا عازمين على ترك الخروج وكان الإستئذان نوع تغطية لقبح عملهم فما كانوا يخرجون إلى الجهاد سواء أذن النبي (صلّى الله عليه و آله

٤٦١
 &

و سلّم) أم لم يأذن ، لكن (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بإذنه حفظ مكانته ومنزلته بين المسلمين.

نعم ، إنّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بإذنه فوّت مصلحة اُخرىٰ وهو التعرّف على المؤمن وتمييزه عن المنافق ، وتمحيص المطيع عن المتمرّد ولولاه لم يعرف الصديق من العدو عاجلاً.

وليس لحن الآية في مجال تفويت هذه المصلحة لحن العتاب والإعتراض ، بل اُسلوبه اُسلوب عطف وحنان ، وأشبه بإعتراض الولي الحميم على الصديق الوفي ، إذا عامل عدوّه الغاشم بمرونة ولينة ، فيقول بلسان الإعتراض : «لماذا أذنت له ولم تقابله بخشونة حتّى تعرف عدوّك من صديقك ومن وفي لك ممّن خانك. على أنّه و إن فات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معرفة المنافق من هذا الطريق لكنّه لم تفته معرفته من طريق آخر ، صرّح به القرآن في غير هذا المورد ، فإنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان يعرف المنافق وغيره من المؤمن من طريقين آخرين.

١ ـ كيفيّة الكلام ، ويعبّر عنه القرآن بلحن القول وذلك إنّ الخائن مهما أصرّ على كتمان خيانته ، تظهر بوادرها في ثنايا كلامه ، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «ما أضمر أحد شيئاً إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه» وفي ذلك يقول سبحانه : (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (محمد / ٣٠).

٢ ـ التعرّف عليهم بتعليم منه سبحانه ، قال : (مَّا كَانَ اللَّـهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) (آل عمران / ١٧٩) والدقّة في الآية تفيد بأنّ الله سبحانه يجتبي من رسله من يشاء ويطلعه على الغيب ، ويعرف من هذا الطريق الخبيث ويميّزه عن الطيّب.

وعلى ذلك فلم يفت النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شيء وإن فاتته

٤٦٢
 &

معرفة المنافق من هذا الطريق ولكنّه وقف عليها من الطريقين الآخرين.

وعلى كل تقدير فاستئذان اُولوا الطول منهم لترك الخروج آية النفاق ، كما أنّ مساهمتهم آية الإيمان ، يقول سبحانه : (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّـهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * لَـٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة / ٨٦ ـ ٨٩).

نعم استثنىٰ سبحانه ذوي الأعذار وهم الضعفاء ، والمرضىٰ والفقراء ، فإنّ هذه الأصناف الثلاثة لا حرج عليهم ولا إثم في قعودهم عن الجهاد الواجب ، قال سبحانه : (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة / ٩١ ـ ٩٣).

الاعتذار بالخوف من نساء الروم

ثمّ إنّ بعضهم اعتذر بأنّه يخشىٰ من نساء بني الأصفر فقال : يا رسول الله : «إئذن لي ولا تفتني فو الله لقد عرف قومي أنّه ما من رجل بأشدّ عجباً بالنساء منّي وإنّي أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر» فأعرض عنه رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وقال : لقد أذنت لك ، فنزلت في حقّه هذه الآية : (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (التوبة / ٤٩).

٤٦٣
 &

والمراد أنّه انّما خشي الفتنة من نسائهم ولكن ما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلّفه عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وجزاؤه جهنّم(١).

ثمّ خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن المدينة وضرب عسكره على ثنية الوداع وخلّف علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه) على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا : ما خلّفه إلّا إستثقالاً له وتخفّفاً منه ، فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب (رضوان الله عليه) سلاحه ثمّ خرج حتّى أتى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وهو نازل بالجرف ، فقال : يا نبي الله ، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني لأنّك استثقلتني و تخفّفت منّي ، فقال : كذّبوا ، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا علي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ؟ إلّا انّه لا نبي بعدي ، فرجع علي إلى المدينة ، ومضى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على سفره(٢).

حديث تخلّف الثلاثة

ثمّ إنّه تخلّف بعضهم لا عن نفاق بل عن توان وهم : كعب بن مالك ومرارة بن ربيع وهلال بن اُميّة. فلمّا قدم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المدينة جاءوا إليه واعتذروا فلم يكلّمهم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و تقدّم إلى المسلمين بأن لايكلّمهم أحد منهم ، فهجرهم الناس حتى الصبيان ، و جاءت نساؤهم إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقلن له : يا رسول الله نعتزلهم ؟ فقال : لا ولكن لايقربوكنّ ، فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال ، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم ، فقال بعضهم لبعض : قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم فهلّا نتهاجر نحن أيضاً ، فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا على ذلك خمسين

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٥١٦.

(٢) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٥٢٠.

٤٦٤
 &

يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى ، فقبل الله توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية(١) :

(وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّـهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبه / ١١٨).

والذي يستفاد من هذا القرار الحاسم الذي أصدره النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في شأن اُولئك ، إنّ الدواء الناجع لعلاج كل تصدّع يطرأ على الجبهة الإسلامية يتمثّل في فرض الحصار وتضييق الخناق على العدوّ ليستأصل كلّياً قبل استفحال أواره ، ، واشتداد شوكته.

وبعبارة اُخرى : نستخلص درساً هامّاً لحياتنا في مستقبلها المصيري من موقف النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) هذا وهو أنّه كلّما شعرت القيادة الإسلامية بخطر يترقّب من أقلّية تسكن داخل البلاد الإسلامية ، فإنّه يجب عليها أن تفرض عليها الحصار الإقتصادي وتستنهض عزائم المسلمين للمجابهة الصارمة مع اُولئك ليرتدعوا عن بكرة أبيهم عمّا كانوا عليه من شطط و إيذاء للمسلمين.

نرى في البلاد الإسلامية أقلّيات مذهبية من غير المسلمين وقد بلغوا الذروة في الثروة وجمع المال وامتصّوا دماء المسلمين في عقر دارهم ، واستنفدوا قواهم وسخّروهم لصالح منافعهم الخاصّة على غفلة من أمرهم ، وما هذه الظاهرة إلّا لأنّ الأكثرية صارت دمية بيد اُولئك لتشتّت المسلمين و إنقسامهم على أمرهم ، فلو قام المسلمون بأعمال السياسة التي قام بها النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في العام التاسع من الهجرة وضربوا الحصار على تلك الأقلّية بأن يقطعوا الأواصر الإقتصادية مع هؤلاء ، لدحضت مخطّطاتهم ولردّ كيدهم إلى نحورهم.

__________________

(١) و نقله القمّي في تفسيره بصورة مفصّلة ، ومن أراد فليرجع إلى ج ٢ ص ٢٧٨ ـ ٢٨٠ ، لاحظ مجمع البيان ج ٣ ص ٧٩.

٤٦٥
 &

هذا ما يرجع إلى الأقلّيات المذهبية في داخل البلاد الإسلامية وأمّا القوى الكافرة الخارجة عنها فيجب كبح جماحهم بشكل آخر وهو :

إنّ المسلمين اليوم يملكون زمام الطاقة الحياتية المتمثّلة في النفط والتي تمثّل عصب الحضارة الحديثة ، فلو أنّهم امتنعوا عن إعطاء ثروتهم النفطية للقوى الكبرى ، لتوقّفت واُصيبت الحياة الصناعية والإقتصادية بشكل رهيب. واضطرّت على أثرها للرضوخ للواقع والإعتراف بحقوق المسلمين المشروعة.

(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) والتفصيل موكول إلى محل آخر.

مسجد ضرار

كان النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على جناح السفر إلى تبوك إذ وفد جماعة من بني غنم ابن عوف وطلبوا منه أن يأتيهم و يصلّي في مسجدهم الذي بنوه في حيّهم وقالوا : إنّا بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة الليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنّا نحب أن تأتينا فتصلّي فيه لنا وتدعوا بالبركة ، فقال لهم : إنّي على جناح سفر ولو قدمنا أتيناكم إن شاءالله.

فلمّا انصرف رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من تبوك وأراد الصلاة فيه نزلت عليه آية في شأن المسجد وهي :

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

٤٦٦
 &

الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة / ١٠٧ ـ ١١٠).

وفي حقيقة الأمر كان إنشاء هذا البناء لأجل غاية خبيثة وأهداف مستبطنة منها بثّ الفرقة والشقاق بين صفوف المسلمين ، ومنها جعل هذا المكان ملجأً لأبي عامر الراهب وهو من أشد محاربي الله ورسوله وكان من قصّته أنّه قد ترهّب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلمّا قدم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) المدينة حسده وحزّب عليه الأحزاب ثم هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام وخرج إلى الروم وتنصّر وهو أبوحنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في واقعة اُحد وكان جنباً فغسّلته الملائكة.

وسمّى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أبا عامر : «الفاسق» ، وقد كان أرسل إلى المنافقين أن استعدّوا و ابنوا مسجداً فإنّي أذهب إلى قيصر وآتي من عنده بجنود واخرج محمداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من المدينة ، فكان المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر ، فبنوا هذا المسجد لتلك الغاية.

فلمّا نزلت الآية أمر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عاصم بن عوف العجلاني ومالك بن الأخشم بهدم المسجد وتحريقه ، وروي أنّه بعث عمّار بن ياسر ووحشي أن يحرقاه وأمر بأن يتّخذ كناسة يلقىٰ فيها الجيف.

وهذه المؤامرة لم تكن الاُولى في تاريخ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فإنّ القوى الكافرة ما برحت تبذل جهودها في البلاد الإسلامية من خلال إنشاء المشاريع الخيرية كالكنائس والمستشفيات وملاجىء الأيتام ومعاهد التربية والتعليم لتأصيل بذور عوامل الإختلاف بين المسلمين ، وتضعيف عقائدهم وافسادهم إلى حد تبلغ بهم فيه إلى مسخ شخصيتهم الإسلامية.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدل على أنّ المشاريع الخيرية أفضل وسيلة للنفوذ إلى أوساط المسلمين وتنفيذ مآربهم العدائية المحاكة ضدّهم.

٤٦٧
 &

وفي الواقع أنّ الخطّة التي تنتهجها القوىٰ الكافرة غالباً للقضاء على الإسلام والمسلمين تكمن في إستغلال الصبغة الدينية التي تدين بها الشعوب الإسلامية لضرب الإسلام والإنسانية باسم الإسلام نفسه وتحت شعارات دينية تنبع من أهدافه في ظاهر أمرها.

وقعة تبوك :

فلمّا انتهى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى تبوك أتاه صاحب أيله(١) وأهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية ، فكتب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لهم كتاباً ، فأقام رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في تبوك بضعة عشر ليلة ولم يجد من العدو فيها أثراً فرجع إلى المدينة قافلاً.

تآمر المنافقين على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

روى المفسّرون أنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عند رجوعه من تبوك فأخبر جبرئيل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بذلك وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم ، وعمّار كان يقود دابّة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وحذيفة يسوقها ، فقال : حذيفة اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحّاهم ، فلمّا نزل قال لحذيفة : من عرفت من القوم ؟ قال : لم أعرف منهم أحداً ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) : إنّه فلان وفلان حتى عدّهم كلّهم ، فقال حذيفة : ألاتبعث إليهم فتقتلهم ؟ فقال : أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم(٢).

روى الواقدي : لمّا كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في بعض

__________________

(١) مدينة في فلسطين.

(٢) مجمع البيان ج ٣ ص ٤٦.

٤٦٨
 &

الطريق مكر به اُناس من المنافقين وائتمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق ، فلمّا بلغ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) تلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه ، فأخبر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خبرهم.

فقال للناس : اسلكوا بطن الوادي فإنّه أسهل لكم وأوسع ، فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) العقبة وأمر عمّار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها وأمر حذيفة بن اليمان يسوق من خلفه ، فبينا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يسير في العقبة إذ سمع حسيس القوم قد غشّوه ، فغضب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) وأمر حذيفة أن يردّهم ، فرجع حذيفة إليهم وقد رأوا غضب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده ، وظنّ القوم انّ رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد اطّلع على مكرهم فانحطّوا من العقبة مسرعين حتّى خالطوا الناس.

وأقبل حذيفة حتّى أتى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فساق به ، فلمّا خرج رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من العقبة نزل الناس فقال النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : يا حذيفة هل عرفت أحداً من الركب الذين رددتهم ؟ قال : يا رسول الله عرفت راحلة فلان وفلان وكان القوم متلثّمين فلم أبصرهم من أجل ظلمة الليل ، فنزلت في حقّهم هذه الآية :

(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّـهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّـهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة / ٦٤ ـ ٦٥)(١).

__________________

(١) المغازي للواقدي ج ٣ ص ١٠٤٢ ـ ١٠٤٣.

٤٦٩
 &
٤٧٠
 &

(١١) البراءة من المشركين

كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لمّا فتح مكّة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة ، وكانت سنّة العرب في الحج أنّه من دخل مكّة وطاف البيت في ثيابه لم يحلّ له امساكها ، وكانوا يتصدّقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف ، فكان من وافىٰ مكّة يستعير ثوباً و يطوف فيه ثم يردّه ، ومن لم يجد عارية و لاكراءً و لم يكن له إلّا ثوب واحد طاف بالبيت عرياناً.

فجاءت امرأة من العرب حسناء جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كراءً فلم تجده ، فقالوا لها : إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدّقي بها ، فقالت : كيف أتصدّق وليس لي غيرها ؟ فطافت بالبيت عريانة ، وأشرف لها الناس ، فوضعت احدى يديها على قبلها والاُخرى على دبرها ، وقالت شعراً :

اليوم يبدو بعضه أو كلّه

فما بدا منه فلا أحلّه

فلما فرغت من الطواف ، خطبها جماعة ، فقالت : إنّ لي زوجاً. وكانت سيرة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلّا من قاتله ، ولا يحارب إلّا من حاربه وأراده ، فكان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لايقاتل أحداً قد تنحّىٰ عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة ، وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلّا الذين قد عاهدهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يوم فتح مكّة إلى مدة ، منهم : صفوان بن اُميّة وسهيل بن عمرو ، فقال الله عزّ وجلّ : (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) ثمّ يقتلون حيثما وجدوا بعد.

٤٧١
 &

هذه أشهر السياحة : عشرين من ذي الحجة ومحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشراً من ربيع الآخر.

فلمّا نزلت الآيات من سورة البراءة دفعها رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم) إلى أبي بكر وأمره أن يخرج إلى مكّة و يقرأها على الناس بمنى يوم النحر ، فلمّا خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقال : يا محمّد لايؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك.

فبعث رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أمير المؤمنين (عليه السلام) في طلب أبي بكر ، فلحقه بالروحاء وأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقال : يا رسول الله أنزل الله فيّ شيئاً ؟ فقال : لا إنّ الله أمرني أن لا يؤدّي عني إلّا أنا أو رجل منّي(١).

هذا مجمل ماروته الشيعة حول حادثة نزول السورة وهو بنفسه جاء في كتب أهل السنّة في مصادر جمّة من حديث وتفسير ، و من أراد التفصيل فليرجع إلى تفسير الطبري والسيوطي في تفسير الآية ، ولكن لإلقاء المزيد من الضوء على تلك الحادثة نبحث عن اُمور :

١ ـ لماذا لم يحجّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه في هذا العام ؟

روى المفسّرون أنّه أقبل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من تبوك فأراد الحج ، فقيل له : إنّه يحضر المشركون فيطوفون عراة ، فقال : لا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك(٢).

و يؤيّد ذلك قصة المرأة التي طافت بالبيت الحرام عريانة كما عرفت.

__________________

(١) تفسير القمي : ج ١ ص ٢٨١ ـ ٢٨٢.

(٢) تفسير الطبري ، ج ١١ ص ٤٤.

٤٧٢
 &

٢ ـ اختلفت الرواية في عدد الآيات التي بعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليّاً (عليه السلام) بها ليقرأها يوم الحجّ الأكبر على المشركين ويرفع الأمان عنهم.

فقد روىٰ الطبري عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا :

بعث رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أبابكر أميراً على الموسم سنة تسع وبعث علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بثلاثين أو أربعين آية من سورة براءة فقرأها على الناس يؤجّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض ، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة أجّل المشركين عشرين من ذى الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشراً من ربيع الآخر(١).

وروى السيوطي في الدر المنثور قال : أخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد السند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي (رضي الله عنه) قال : لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) دعا أبابكر ليقرأها على أهل مكّة ثمّ دعاني فقال لي : أدرك أبابكر فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه(٢).

روى البحراني في تفسيره عن مصادر وثيقة ، روايات تنتهي إلى أبي هريرة وأنس وأبي رافع وزيد بن نفيع وابن عمر و ابن عباس ـ واللّفظ للأخير : إنّه لمّا نزل (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ) إلى تسع آيات أنفذ النبي أبا بكر إلى مكّة لأدائها ، فنزل جبرئيل وقال : إنّه لا يؤدّيها إلّا أنت أو رجل منك ، فقال النبي لعلي : إركب ناقتي العضباء وإلحق أبابكر وخذ براءة منه(٣).

والرواية الثانية والثالثة أوفق بمضمون الآيات وما يمس بالقضية لا يتجاوز الآية العاشرة وربّما تزيد قليلاً ، مضافاً إلى أنّ الرواية الاُولى فيها من الشذوذ ما لا يخفى ، وسيوافيك أنّ عليّاً (عليه السلام) قد قرأ يوم النحر لا يوم عرفة وأنّه رفع الأمان عن

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) الدر المنثور : ج ١٠ ص ١٢٢.

(٣) تفسير البرهان ج ٢ ص ١٠٥.

٤٧٣
 &

المشركين منذ يوم التلاوة وكان يوم العاشر من ذي الحجة لا العشرين منه.

و إليك الآيات العشر الواردة في شأن تلك القصة نسوقها إليك لتقف عن كثب على مضمونها وما ورد فيها حول تلك الحادثة :

قال عزّ من قائل : (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ وَأَنَّ اللَّـهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّـهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّـهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (براءة / ١ ـ ١٠).

٣ ـ لماذا عزل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبابكر عن مهمّة التبليغ :

قد تضافرت النصوص على أنّه لمّا نزلت عشر آيات من أوّل سورة براءة دعا النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أبابكر ليقرأها على أهل مكّة ثّم دعا عليّاً (عليه السلام) فقال له : أدرك أبابكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم ، فخرج علي (عليه السلام) من المدينة فلحق أبا بكر في الجحفة وأخذ

٤٧٤
 &

الكتاب منه ، ورجع أبو بكر إلى المدينة مستاءً فقال للنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : أنزل فيّ شيء ؟ قال : لا ، ولكن جبرئيل جاءني فقال : لن يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك(١).

وهناك صور اُخرى للحديث يقرب بعضها من بعض و يتّحد الكل في إفادة معنى واحد لمضمون القصّة.

قال البغوي في تفسيره : لمّا كانت سنة تسع وأراد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يحج قيل له : إنّه يحضر المشركون فيطوفون عراة ، فبعث أبابكر تلك السنة أميراً على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه أربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم ، ثم بعث بعده عليّاً (كرم الله وجهه) على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذّن بمكّة ومنىٰ وعرفة : أن قد برئت ذمة الله وذمّة رسوله من كلّ مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان. فرجع أبوبكر فقال : يا رسول الله بأبي أنت واُمّي أنزل في شأني شيء ؟ قال : لا ، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهلي(٢).

وعند الرجوع إلى طرق وأسانيد هذه القصة في المجامع الحديثية والتفسيرية المهمّة يظهر بجلاء وجود تواتر معنوي أو إجمالي لوقوع القصة أعني استرداد الآيات من أبي بكر وتشريف أميرالمؤمنين بتبليغها ونزول الوحي المبيّن بأنه لا يبلّغ عنه إلّا هو أو رجل من أهل بيته و إن اشتملت القصة على بعض الخصوصيّات التي تفرّد بها بعض الطرق والمتون(٣).

__________________

(١) الدر المنثور ج ٣ ، ص ٢٠٩ ، كنز العمال ج ١ ص ٢٤٧ ، تاريخ ابن كثير ج ٥ ص ٣٨.

(٢) تفسير البغوي : ج ٢ ص ٢٦٧.

(٣) و قد جمع العلّامة الأميني كافة صور الحديث بطرقه المختلفة المسندة منها و المرسلة في موسوعته الثمينة الغدير و نقله عن ثلاثة و سبعين محدّثاً و مفسّراً و مؤرّخاً لاحظ ج ٦ ص ٣٣٨ ـ ٣٥٠.

٤٧٥
 &

و إلى تلك الفضيلة يشير شمس الدين المالكي (ت ٧٨٠ هـ) في قصيدته :

وإنّ عليّاً كان سيف رسوله

وصاحبه السامي لمجد مشيّد

إلى أن قال :

وأرسله عنه الرسول مبلّغاً

وخصّ بهذا الأمر تخصيص مفرد

وقال هل التبليغ عنّي ينبغي

لمن ليس عن بيتي من القوم فاقتد(١)

وحينئذ يأتي الكلام على الوازع الذي دفع الوحي الإلهي إلى عزل أبي بكر وتنصيب عليّ (عليه السلام) مكانه فقد ذكرت في المقام وجوه نشير إليها :

١ ـ ما ذكره الآلوسي في روح المعاني بقوله : ليس في شيء من الروايات ما يدلّ على أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الخليفة بعد رسول الله دون أبي بكر ، وقوله : «لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل منّي» سواء كان بوحي أو جار على عادة العرب أن لا يتولّى تقرير العهد ونقضه إلّا رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكلّية(٢).

ويؤاخذ عليه :

أوّلاً : بأنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) برّر عزل أبي بكر بأنّه نزل جبرئيل على «أنّه لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك» ولو كانت لما ذكره القائل مسحة من الحق لكان على النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يقول السنّة الجارية عند العرب هي أن لا ينقض العهد إلّا عاقده أو رجل من أهل بيته ، مع إنّا نرى أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لم يذكره أبداً.

وثانياً : إنّ ابن كثير لم يذكر لتلك السنّة العربية مصدراً ولا خبراً عنها في أيّامهم ومغازيهم ، ولو صحّت السنّة لكانت سنّة عربيّة جاهليّة فما وزنها في الإسلام ؟ وما

__________________

(١) نفح الطيب ج ٤ ص ٦٠٣.

(٢) روح المعاني : ج ١٠ ص ٤٥ ، و قد أخذه عن تفسير ابن كثير ، ج ٢ ، ص ٣٣١.

٤٧٦
 &

هي قيمتها عند النبي ؟ وهو (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان ينسخ كل يوم سنّة جاهليّة و ينقض كل حين عادة قوميّة ، وقد قال يوم فتح مكّة : «ألا إنّ كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج»(١).

وثالثاً : لو افترضنا أنّ هذه السنّة كانت سنّة عربيّة محمودة فهل كان رسول الله ذاهلاً عنها وناسياً لها حين سلّم الآيات بيد أبي بكر وأرسله وخرج إلى طريق مكّة ؟ فعندما كان في بعض الطريق ذكر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ما نسيه أو ذكّره بعض من كان عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان الواجب مراعاته ، مع أنّ هذه السنّة لو كانت رائجة لما كان للنبي ولمن حوله أن يغفلوا عنها ثم يتذكّروها ، فهل الذهول عنها إلّا كذهول المقاتل عن سلاحه والحارس عن حربته ؟

ورابعاً : إنّ عليّاً (عليه السلام) لم يبعث لمجرّد نقض العهد وحده ، و إنّما بلّغ أحكاماً لم تكن داخلة في ضمن العهد ، فقال : «يا أيّها الناس لا يحجّ بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدّته... الخ»(٢).

وبالجملة فلم تكن رسالة الإمام علي (عليه السلام) مقصورة على مجرّد تلاوة طائفة من سورة براءة بل تعدّت إلى تبليغ أحكام قرآنية اُخرى نزل بها جبرئيل عن الله سبحانه على رسوله حيث اخبر فيها بأنّه «لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك».

هذا هو التبرير الذي إرتآه ابن كثير وجنح إليه الآلوسي في تفسيره.

وهناك زمزمة اُخرى تفوّه بها صاحب المنار واستحسنها شلتوت في تفسيره حيث قال الأوّل : «إنّ الصدّيق كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال وكان عليّ أسد الله ومظهر جلاله ، ولأجل ذلك فوّض إليه نقض عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر ، فكان هناك عينين فوّارتين يفور من أحدهما صفة الجمال ومن

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٤١٢.

(٢) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٥٤٦.

٤٧٧
 &

الاُخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الذي كان انموذجاً للحشر ومورداً للمسلم والكافر»(١).

وصاحب المنار عندما ينقله عن بعض أهل السنّة يعود فينتقده بقوله : «ولايخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي فإنّه علّل تبليغ علي نبذ العهود عنه بكونه من أهل بيته وهو ينافي أن تكون النكتة المذكورة علّة ، فهو لا يأبىٰ أن تكون حكمة».

وصاحب المنار و إن أتى ببعض الحق ولكن غفل عن البعض الآخر وهو إنّ أهل بيت النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لم يكونوا منحصرين في عليّ وحده ، بل كانوا عدّة كثيرة كعمّه العباس وأبناء أبي طالب كطالب وعقيل وغيرهم ، فلماذا ـ ياترى ـ اختار عليّاً وحده من دونهم ؟

والحق أن يقال : إنّ عزل أبا بكر ونصب عليّ مكانه لم يكن إلّا لأمر سياسي وديني يتلخّص في الأمر التالي :

وهو إنّ نقض و إبرام المواثيق والعهود من الاُمور الحكومية التي يمارسها الحاكم المدني أو الشرعي ولا يحق لغيره التدخّل فيها ، فالنبي الأكرم نوّه بعمله هذا إلى أنّ الإنسان اللائق بهذه المهام في حياته ـ وبطريق أولى بعد وفاته ـ هو علي بلا منازع ، الذي هو منه(٢) فهو اللائق والمسؤول بحكم النيابة عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) للتصدّي لشؤون الخلافة والحكومة و لايختصّ شأن علي بالاُمور السياسية وحده بل هو المبلّغ لأحكام شرعيّة لم يبلّغه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لأجل ظروف قاسية فهو الزعيم للاُمة في الاُمور السياسية و الشرعية.

ومن العجب العجاب مايرى من تساهل الرواة والمؤرّخون في نقل هذه الفضيلة ، ونسوق إليك بعض الصور المختلفة لهذه القصّة في كتب الحديث :

__________________

(١) تفسير المنار ج ١٠ ص ١٩٣ ، تفسير القرآن المجيد للشيخ محمود شلتوت ص ٦١٥.

(٢) نظير ذلك ما ورد في آية المباهلة حيث قال سبحانه : (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ...) (آل عمران / ٦١).

٤٧٨
 &

١ ـ ما يحكى انّ عليّاً اختصّ بتأدية براءة و اُخرى تدلّ على أنّ أبا بكر شاركه فيه ، و اُخرى تدلّ على أنّ أبا هريرة شاركه في التأدية ، و رجال آخرون لم يسمّوا في الروايات.

٢ ـ ما يدل على أنّ الآيات كانت تسع آيات ، و اُخرى عشراً ، و اُخرى ستّة عشر ، و اُخرى ثلاثين ، و اُخرى ثلاثاً و ثلاثين ، و اُخرى سبعاً و ثلاثين ، و اُخرى أربعين ، و اُخرى سورة براءة.

٣ ـ ما يدلّ على أنّ أبابكر ذهب لوجهه أميراً على الحاج ، و اُخرى على أنّه رجع و أوّله بعضهم كابن كثير إنّه رجع بعد إتمام الحج ، و آخرون انّه رجع ليسأل النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عن سبب عزله ، و في رواية أنس انّه (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بعث أبابكر ببراءة ثمّ دعاه فأخذها منه.

٤ ـ ما يدل على أنّ الحجّة وقعت في ذي الحجّة و إنّ يوم الحجّ الأكبر تمام أيّام تلك الحجّة أو يوم عرفة أو يوم النحر أو اليوم التالي ليوم النحر أو غير ذلك ، و اُخرى إنّ أبابكر حجّ في تلك السنة في ذي القعدة.

٥ ـ ما يدل على أنّ أشهر السياحة تأخذ من شوال ، و اُخرى من ذي القعدة و اُخرى من عاشر ذي الحجّة ، و اُخرى من الحادي عشر من ذي الحجّة وغير ذلك.

٦ ـ ما يدل على أنّ الأشهر الحرم هي ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم من تلك السنة ، و اُخرى على أنّها أشهر السياحة تبتدئ من يوم التبليغ أو يوم النزول(١).

٤ ـ مبدأ أمد الهدنة :

إنّ الله سبحانه و رسوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد رفعا الأمان عن المشركين الناقضين للعهود إلّا إنّه تمّ إمهالهم مدّة أربعة أشهر و حيث قال سبحانه :

__________________

(١) الميزان : ج ٩ ص ١٧٥ ، و لاحظ تفسير الطبري ج ٩ ص ٤٢.

٤٧٩
 &

(فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ وَأَنَّ اللَّـهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّـهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (براءة / ٢ و ٣).

و أمّا مبدأ هذه الهدنة هو يوم الحجّ الأكبر الذي هو يوم الإبلاغ و الإنذار.

و الأوفق بسماحة الإسلام أن يبتدأ أمدها من حين الإعلان و الإنذار لا من حين إنشاء الحكم الذي ربّما يتقدّم على إعلامه.

فإذا فرضنا أنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم النحر العاشر من ذى الحجّة كان آخر الأمد هو العاشر من ربيع الآخر.

وأمّا من جعل مبدأ الإنذار يوم العشرين من ذى القعدة فعليه تنتهي الهدنة بمرور عشرين يوماً من ربيع الأول يتوقف.

وعند ذلك يتوجّه سؤال وهو : أنّه إذا كان نهاية الأمد هو العاشر أو العشرين من ربيع الآخر فكان يجب على المسلمين الصبر حتّى ينتهي ذلك الأمر مع أنّه سبحانه يأمر بقتلهم عند انسلاخ الأشهر الحرم أي في نهاية محرّم الحرام و إطلالة شهر صفر ، قال سبحانه :

(فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (براءة / ٥).

والجواب عن ذلك : إنّ المراد من الأشهر الحرم هي الأشهر الأربعة الواردة في الآية المتقدّمة التي حرّم الله سبحانه قتال المشركين فيها وتبتدئ من يوم النحر وتنتهي في يوم العاشر من ربيع الآخر ، واللام في الأشهر الحرم للعهد الذكري إشارة إلى الأربعة المذكورة في الآية المتقدّمة ، وليس المراد منه الأشهر الحرم المعروفة التي حرّم فيها الحرب في الإسلام وما قبله بل تمتد جذوره إلى عهد الأنبياء السالفين لأنّه

٤٨٠