مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

٢ ـ (هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) و معناه أنّه بشر مأمور لايستطيع القيام بالممكن من هذه الاُمور إلّا بإذنه سبحانه ، شأن كل رسول في إنجاز رسالته.

و بعبارة اُخرى إنّكم إن كنتم تطلبون هذه الاُمور منّي بما أنا بشر ، فالممكن منها خارج عن إطار قدرة البشر ، و إن كنتم تطلبون مني بما انّني رسول مبلغ فلاأستطيع التصرّف بلاإذن و رخصة منه سبحانه ، و على كل تقدير فهؤلاء الجهلة المجادلون ما كانوا ليؤمنوا و لو جاءهم النبي بأضعاف ما لم يطلبوا به. قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (الأنعام / ١١١).

و المراد من قوله : (إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ) هو المشيئة القاهرة التي تجبر الناس على الإيمان بالرسالة ، و عندئذ لايقام لمثل هذا الإيمان وزن و لاقيمة(١).

*       *      *

٤ ـ طلب طرد الفقراء

روى الثعلبي باسناده عن عبدالله بن مسعود قال : مرّ الملأ من قريش على رسول الله و عنده صهيب و خباب و بلال و عمّار و غيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك أفنحن نكون تبعاً لهم ؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم ؟ أطردهم عنك فلعلّك إن طردتهم اتّبعناك ، فأنزل الله تعالى : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ...)(٢).

__________________

(١) لقد بسطنا الكلام في الجزء الرابع من هذه الموسوعة في تحديد الشروط التي يجب للنبي دونها القيام بالمعجزة وبيّنّاه في مفاد الآيات النافية للإعجاز ، لاحظ : ص ٩٥ ـ ١٥٤ من ذلك الجزء.

(٢) مجمع البيان : ج ٤ ص ٣٠٥.

١٨١
 &

قال ابن هشام : و كان رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إذا جلس في المسجد و جلس إليه المستضعفون من أصحابه : خباب و عمّار و أبو فكيهة يسار مولى صفوان بن اُميّة بن محرث و صهيب و أشباههم من المسلمين ، هزأت بهم قريش و قال بعضهم لبعض : هؤلاء أصحابه كما ترون ، أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا بالهدى و الحق ؟ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه ، و ما خصّهم الله به دوننا ، فأنزل الله تعالى فيهم : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَـٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّـهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ * وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام / ٥٢ ـ ٥٤)(١).

و قد ذكر في شأن نزول الآية وجه آخر يناسب كونها مدنيّة لامكيّة ، علماً بأنّ جميع آيات السورة مكيّة و هذا يبعد أن تكون هذه الآية وحدها مدنيّة مع أنّ لحن الآية يناسب كونها مكّية.

و مثله قوله سبحانه : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف / ٢٨).

و السورة مكيّة و مفاد الآية يشبه مفاد الآيات المكيّة ، وقد ذكر في شأن نزولها أيضاً ما يعرب عن كونها مدنيّة ، و إليك النص الدال على ذلك :

روى السيوطي في الدر المنثور : جاء الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصين الفزاري فوجدا النبي قاعداً مع بلال و صهيب و عمّار و خباب في اُناس ضعفاء من المؤمنين فلمّا رأوهم حقّروهم ، فأتوه فخلوا به فقالوا : إنّا نحب أن تجعل

__________________

(١) السيرة النبويّة ، لابن هشام : ج ١ ص ٣٩٢ و ٣٩٣.

١٨٢
 &

لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلاً ، فإنّ وفود العرب ستأتيك فنستحيي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت ، قال : نعم ، قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً ، فدعا بالصحيفة و دعا عليّاً ليكتب و نحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل بهذه الآية : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فألقى رسول الله الصحيفة من يده ، فأتيناه و هو يقول : (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) فكنّا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام و تركنا ، فأنزل الله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) قال : فكان رسول الله يقعد معنا بعد فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم(١).

يقول العلّامة الطباطبائي في هذا الصدد : «استفاضت الروايات على نزول سورة الأنعام دفعةً ، هذا و التأمل في سياق الآيات لايبقي ريباً أنّ هذه الروايات إنّما هي من قبيل ما نسمّيه تطبيقاً ، بمعنى أنّهم وجدوا مضامين بعض الآيات تقبل الانطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فعدّوا القصّة سبباً لنزول الآية لابمعنى أنّ الآية انّما نزلت وحدها دفعة لحدوث تلك الواقعة و رفع الشبهة الطارئة من قبلها ، بل بمعنى أنّ الآية يرتفع بها ما يطرأ من قبل تلك الواقعة من الشبهة كما ترفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من أشباه الواقعة و نظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث الواردة في سبب نزول قوله : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ...) الآية ، فإنّ الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنّها متشابهة فكأنّهم جاءوا إلى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و اقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرّة بعد كرّة و عنده في كل مرّة عدّة من ضعفاء المؤمنين ، و في مضمون الآية إنعطاف إلى هذه الإقتراحات أو بعضها(٢).

__________________

(١) الدر المنثور : ج ٣ ص ١٣ ، و نقله في مجمع البيان عند تفسير الآيتين فلاحظ.

(٢) الميزان : ج ٧ ص ١١٠ بتصرّف يسير.

١٨٣
 &

و يضيف قائلاً : «إنّ ما اقترح المشركون على النبي نظير ما اقترحه المستكبرون من سائر الأمم على رسلهم من أن يطردوا عن أنفسهم الضعفاء و الفقراء من المؤمنين تعزّزاً و تكبّراً و قد حكى الله سبحانه عن قوم نوح فيما حكى من محاجّته (عليه السلام) حجاجاً يشبه ما في هذه الآيات من الحجاج قال تعالى : (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) إلى أن قال : (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّـهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (هود / ٢٧ و ٢٩و٣٠)(١).

__________________

(١) الميزان : ج ٧ ص ١١٠ بتصرّف يسير.

١٨٤
 &

د ـ تعذيب النبيّ و أصحابه

قد كان إيقاع الأذى على الدعاة المصلحين من سنن المجتمعات الجاهلية حيث قد كان أهلها يخالونهم أعداء لأنفسهم و مصالحهم فكانوا يقابلونهم بالإيذاء و الشتم و الضرب و القتل ، فلم يكن النبي فيما لاقاه من الأذى و السب و التنكيل به وبأصحابه بدعاً من الاُمور.

و قد أدار المشركون رحى الشر عليهم طيلة لبثهم في مكة فجاء الوحي يحثّهم على الصبر و الثبات بتعابير و أساليب مختلفة و إليك توضيح ذلك :

١ ـ نزل الوحي مسلّياً بقوله : (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام / ٣٤) و قوله : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) (النحل / ١٢٧).

٢ ـ و محفّزاً تارة اُخرى بتذكيره (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بجَلَد أولي العزم في إداء رسالاتهم بقوله : (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) (الأحقاف / ٣٥).

٣ ـ و ثالثة داعياً له (صلّى الله عليه و آله و سلّم) تفويض الأمر إلى الله و التريّث حتى يأتي موعده بقوله : (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّـهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (يونس / ١٠٩).

٤ ـ و رابعاً مروّضاً له (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في قبال ما يكال إليه من

١٨٥
 &

صنوف الايذاء بقوله : (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) (المزّمّل / ١٠).

٥ ـ و خامساً منبّهاً له (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بتجنّب ما وقع فيه النبيّ يونس بقوله سبحانه : (وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم / ٤٨).

فهذه الآيات و نظائرها تعرب عن عظم درجة الايذاء و الوصب الذي عاناه النبي في سبيل إرساء قواعد دعوته حيث قابلها برحابة صدر وسعة نفس ، و على الرغم من كل ذلك فلم تتحرك شفتاه بطلب انزال العذاب عليهم ، سواء عندما كان في مكة أم بعد مغادرتها إلى المدينة فكان يقابل تزمّت قومه و عنادهم بالحكمة و الموعظة الحسنة ما وجد لذلك سبيلاً.

المضطهدون في صدر البعثة

وقد جاء في كتب السيرة أسماء الذين عذّبوا بيد قريش من صحابة النبي الأكرم و على رأسهم «ياسر» و «سميّة» أبوا عمّار ، و «صهيب» و «بلال» و «خباب» وقد اُستشهد أبو عمّار و اُمّ عمّار بتعذيب المشركين و أمّا عمّار فقد أعطاهم بلسانه ما أرادوا منه و بقي قلبه مطمئن بالإيمان ، و عندما جاء خبر تعذيب قريش لنبي الإسلام (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فلم يزل يلهج بهم و يدعو لهم و يقول : اصبروا آل ياسر موعدكم الجنّة ، و يقول : أبشروا آل ياسر موعدكم الجنّة ، و يقول : اللّهمّ اغفر لآل ياسر و قد فعل.

يقول ابن هشام : و كان بنو مخزوم يخرجون بعمّار و أبيه و اُمّه و كانوا أوّل أهل بيت في الإسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله فيقول : صبراً آل ياسر موعدكم الجنّة ، صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة(١).

__________________

(١) سيرة ابن هشام : ج ١ ص ٣١٩ ـ ٣٢٠.

١٨٦
 &

يروي أبو نعيم عن عثمان بن عفان قال : لقيت رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بالبطحاء فأخذ بيدي فانطلقت معه ، فمرّ بعمّار و اُمّ عمار و هم يعذّبون ، فقال : صبراً آل ياسر فإنّ مصيركم إلى الجنّة.

وروى أيضاً عن مجاهد : أوّل من أظهر الإسلام سبعة ، فعدّ منهم عمّار وسميّة ـ اُمّ عمّار ـ.

و كانوا يلبسونهم أدراع الحديد ثمّ يسحبونهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد و الشمس ، فلمّا كان من العشيّ أتاهم أبوجهل ـ لعنه الله ـ و معه حربة فجعل يشتمهم و يوبّخهم(١).

ثمّ إنّ المشركين أصابوا عمّار بن ياسر فعذّبوه ثمّ تركوه (لأنّه أعطاهم ما يطلبون) فرجع إلى رسول الله فحدّثه بالذي لقي من قريش.

و في رواية : أخذ بنو المغيرة فغطّوه في بئر ميمون و قالوا : اكفر بمحمد ، فتابعهم على ذلك و قلبه كاره.

و في رواية ثالثة : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكى ذلك إلى النبي ، فقال النبي : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، فقال النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فإن عادوا فعد ، فنزل قوله سبحانه : (مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل / ١٠٦).

فأخبر الله سبحانه أنّه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله و له عذاب أليم ، و أمّا من أكره و تكلّم بها لسانه و خالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه فلاحرج عليه ، لأنّ الله سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم(٢).

__________________

(١) حلية الأولياء : ج ١ ص ١٤٠.

(٢) تفسير الطبري : الجزء ١٤ ، ص ١٢٢.

١٨٧
 &

لقد تطرّق إلى بعض القلوب أنّ عمّاراً كفر ، فقال النبي : إنّ عمّاراً ملِئ إيماناً من قرنه إلى قدمه و اختلط الإيمان بلحمه و دمه ، و جاء عمّار إلى رسول الله و هو يبكي ، فقال : ماوراءك ؟ فقال : شر يا رسول الله ، ماتركت حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير ، فجعل رسول الله يمسح عينيه و يقول : إن عادوا لك فعدلهم بما قلت ، و أضاف الطبرسي انّ ياسراً و سميّة أبوي عمّار أوّل شهيدين في الإسلام(١).

إنّ الأساليب التي أنتهجتها و تبنّتها قريش لشل حركة تقدم الدعوة النبويّة لمّا أضحت فاشلة ، أضطرّت إلى اللجوء إلى اسلوب آخر و هو اثارة الضوضاء و الضجيج ، للحيلولة دون بلوغ القرآن إلى مسامع الناس.

إثارة الضوضاء عند تلاوة النبي للقرآن

كان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للنبي و كانت العرب تعرف بفطرتها أنّه كلام فوق كلام البشر ، و أنّ له لحلاوة و أن عليه لطلاوة و أنّ أعلاه لمثمر و أن أسفله لمغدق و أنّه يعلو و ما يعلى عليه(٢).

هكذا وصف القرآن بعض أعداء النبي ، و قد كان الشباب من قريش و غيرها يدركون حلاوة القرآن بذوقهم السليم فيندفعون إلى الإعتناق به حيث كان القرآن يأخذ بمجامع قلوبهم و يوردهم المنهل العذب من الإيمان ، فلم ير أعداء النبي بدّاً من نهي العرب عن الاستماع إليه و قد كان النبي يجهر بالقرآن في الأشهر الحرم في المسجد الحرام ، فاحتالوا بالمكاء و التصفير و التخليط في المنطق على رسول الله حتى لايسمع صوته و لايعلم كلامه ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَـٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصّلت / ٢٦). حتى يصدّوا بذلك

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٣ ص ٣٨٨.

(٢) اقتباس من كلام الوليد بن المغيرة ، راجع مجمع البيان : ج ٥ ص ٣٨٧.

١٨٨
 &

من اَراد استماعه ، فإذا لم يسمع و لم يفهم لايتبعه ، فيغلبون بذلك محمداً(١). فأوعدهم الله سبحانه بقوله : (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) و لقد تحقّق وعده سبحانه في الدنيا يوم بدر فقتل منهم من قتل و أسر منهم من اُسر ، فنالوا جزاء أعمالهم ، و بقي عليهم العذاب الأكبر الذي يجزون به في يوم البعث. يقول سبحانه : (ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّـهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (فصّلت / ٢٧ و ٢٨).

العذر الأخير للإمتناع عن قبول الدعوة

وأقصى ما كان عند قريش من العذر لتبرير عملهم و عدم اعتناقهم لدين النبي ، هو أنّهم كانوا يخافون من مشركي الجزيرة العربيّة حيث إنّهم كانوا على خلاف التوحيد بل على عبادة الأصنام ، فقالوا : لو اعتنقنا دين محمد (صلّى الله عليه و آله وسلّم) و رفضنا الأصنام و الأوثان ، لثار الجميع علينا ، و هذا ما يحكيه عنهم قوله سبحانه : (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا...) (القصص / ٥٧) والآية تعطي أنّهم كانوا واقفين على أنّ دين النبي حق و لكن الذي منعهم عن اتباع الهدى مخافة أن تتخطّفهم العرب من أرضهم و ليس لهم طاقة بهم(٢).

فردّه الوحي بأنّ الله سبحانه جعل بهم مكّة دار أمن و أمان و دفع ضرّ الناس عنهم عندما كانوا مشركين فإذا آمنوا و اعتنقوا دين الله يعمّهم الأمن و السلامة أيضاً لأنّهم في حالة الإيمان أقرب إلى الله سبحانه من حالة الكفر ، فالخالق الذي قطع أيدي الأشرار عن بلدهم قادر في كلتا الحالتين ، و إليه يشير قوله سبحانه : (... أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ

__________________

(١) تفسير الطبري الجزء ٢٤ ص ٧٢.

(٢) التخطّف : أخذ الشيء على وجه الإضطراب من كل وجه ، و المصطلح الدارج هو الإختطاف.

١٨٩
 &

أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص / ٥٧).

كان على هؤلاء أن يعتبروا بأقوام متمرّدين الذين أعطوا المعيشة الواسعة ، فلم يعرفوا حق النعمة و كفروا فعمّهم الهلاك و هذه ديار عاد و ثمود و قوم لوط صارت خالية عن أهلها و هي قريبة منهم ، فإنّ ديار عاد إنّما كانت بالأحقاف و هو موضع بين اليمن و الشمال ، و ديار ثمود بوادي القرى ، و ديار لوط بسدوم و كانت قريش تمر بهذه المواضع في تجارتها ، و إليه يشير قوله سبحانه : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ(١) مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص / ٥٨).

هذا آخر ما كان عندهم من المبرّرات لعدم الإيمان بالدّعوة.

خرافة الغرانيق

كان اللازم علينا ضرب الصفح عن تناول هذه الخرافة التاريخية بالبحث لأَنّا قد اعتمدنا في سرد حوادث السيرة النبوية وفق ما ورد في القرآن الكريم ، فما جاء في خلال آياته نذكره و ما لم يرد نتركه إلى كتب السيرة و التاريخ ، غير أنّ هذه القصة لمّا الصقت بساحة القرآن الكريم القدسيّة بالإستناد إلى بعض الآيات الموهمة لذلك كذباً و زوراً ، فصارت ذريعة في الآونه الأخيرة بيد أعداء الدين من المستشرقين ك‍ «بروكلمان» في كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية ، ص ٣٤ ، و كتاب «الإسلام» لفرويد هيوم ، لزم علينا التطرّق لتلك الخرافة و تحليلها تحليلاً علميّاً مؤيّداً بالبرهان الرصين و الحجّة الدّامغة حتى لا يبقى لمشكك شكّ و لا لمريب ريب إلّا من أخذته العصبية العمياء فانّها داء لا علاج له ، خصوصاً ما نشاهده في المؤامرة الأخيرة التي حاكتها بريطانيا وغيرها من أذناب الكفر العالمي حيث زمّروا و طبّلوا لكتاب «الآيات الشيطانية» لمؤلّفه «سلمان رشدي» و منحوا له جائزة أدبية في ذلك المجال ، و الرجل

__________________

(١) البطر : الطغيان عن النعمة .

١٩٠
 &

هندي الأصل بريطاني الجنسيّة و الدراسة و قد ترجم الكتاب بإيعاز من الدول المستعمرة إلى أكثر اللغات العالميّة مع أنّه ليس بكتاب أدبي و لا علمي و لاتاريخي ، بل أشبه بأضغاث أحلام نسجها الخيال و روّج لها الإستعمار ، و إليك القصّة على وجه الإجمال :

«جلس رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنّى يومئذ أن لايأتيه من الله شيء فينفروا عنه ، فأنزل الله عليه : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ) فقرأه رسول الله حتى إذا بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ) ألقى عليه الشيطان كلمتين :

«تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى و إِنَّ لَشَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْجَى» فتكلّم بها ثمّ مضى فقرأ السورة كلّها فسجد في آخر السورة و سجد القوم جميعاً معه ، و رفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه و كان شيخاً كبيراً لايقدر على السجود ، فرضوا بما تكلّم به ، و قالوا : قد عرفنا أنّ الله يحيي و يميت و هو الذي يخلق و يرزق و لكنّ آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، إذ جعلت لها نصيباً ، فنحن معك. قالا (محمد بن كعب القرظي ومحمد ابن قيس) : فلمّا أمسى أتاه جبرئيل (عليه السلام) فعرض عليه السورة فلمّا بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه ، قال : ما جئتك بهاتين ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : افتريت على الله و قلت على الله ما لم يقل !! فأوحى الله عليه : (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ... ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). فما زال مغموماً مهموماً حتّى نزلت عليه : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّـهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّـهُ آيَاتِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج / ٥٢) ، قال فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة : إنّ أهل مكّة قد أسلموا كلّهم ، فرجعوا إلى عشائرهم و قالوا : هم أحبّ إلينا ، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما يلقي الشيطان»(١).

__________________

(١) تفسير الطبري الجزء ١٧ ، ص ١٣١.

١٩١
 &

و تحقيق القوم في تلك القصّة يتوقّف على البحث عن سند الرواية التي أوردها الطبري في تفسيره و السيوطي في الدر المنثور أوّلاً ، و دراسة متنها و عرضه على العقل و القرآن ثانياً لكي يتجلّى الحق بأجلى مظاهره.

تحليل سند الرواية

إنّ هذه الروايات لايمكن الإحتجاج بها لوجهين :

الأوّل : إنّ أسانيدها تنتهي إلى التابعين الذين لم يدركوا النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

من أمثال :

١ ـ محمد بن كعب القرظي ٢ ـ محمد بن قيس ٣ ـ أبو العالية ٤ ـ سعيد بن جبير ٥ ـ الضحّاك ٦ ـ ابن شهاب.

و لم يدرك واحد منهم النبي قطّ و هم قد ساقوا القصّة من دون أن يذكروا الواسطة بينهم و بينه ، و إليك نصوص علماء الرجال في حقّهم :

الف ـ محمد بن كعب القرظي

قال ابن حجر : قال العجلي : مدني تابعي... ، و قال البخاري : إنّ أباه كان ممّن لم يَثْبُت يوم قريظة فترك ، و ما نقل من قتيبة من أنّه ولد في عهد النبي ، لاحقيقة له ، إنّما الذي ولد في عهده ، هو أبوه ، و قد ذكروا انّه كان من سبي قريظة ممّن لم يحتلم و لم ينبت فخلّوا سبيله ، حكي ذلك البخاري في ترجمة محمد ، و يدلّ على ذلك إنّه مات سنة ١٠٨ هـ ق و قيل : ١١٧ هـ ق و هو ابن ثمان و سبعين سنة ، وجاء عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) من طرق أنّه قال : يخرج من أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لايدرسها أحد يكون بعده. قال ربيعة : فكنّا نقول : هو محمد بن كعب ، و الكاهنان قريظة و النضير ـ إلى أن يقول ـ :

١٩٢
 &

... فكان يقص في المسجد فسقط عليه وعلى أصحابه سقف ، فمات هو وجماعة معه(١).

ب ـ محمد بن قيس

و هو محمد بن قيس المدني قاضي عمر بن عبد العزيز ، روى عن أبي هريرة وجابر ، و يقال : مرسل ، توفّي أيام الوليد بن يزيد. روى عنه أبو معشر . قال ابن معين : ليس بشيء لايروى عنه(٢).

ج ـ ابن شهاب

و هو محمد بن مسلم الزهري ـ كان يدلّس في النادر ـ و هو أحد التابعين بالمدينة ، و قال ابن حجر : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري ، و كنيته أبو بكر و هو من رؤوس الطبقة الرابعة مات سنة خمس وعشرين [بعد المائة] وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين(٣).

د ـ أبو العالية

وهو رفيع بن مهران الرياحي أدرك الجاهلية و أسلم بعد وفاة النبي بسنتين ودخل على أبي بكر وصلّى خلف عمر... حتى قيل : إنّه أدرك عليّاً ولم يسمع منه(٤).

__________________

(١) تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٤٢١.

(٢) تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٤١٤.

(٣) ميزان الإعتدال ج ٤ ص ٤٠ ، و تقريب التهذيب ج ٢ ص ٢٠٧ ، و وفيات الاعلام ج ٤ برقم ٥٦٣.

(٤) تهذيب التهذيب ج ٣ ص ٣٨٤.

١٩٣
 &

ه‍ ـ سعيد بن جبير

فهو سعيد بن جبير الكوفي روى عن ابن عباس و ابن الزبير و غيره ، قتله الحجاج صبراً سنة ٩٥(١).

و ـ الضحّاك

و هو الضحّاك بن عثمان. قال أبو زرعة : ليس بقوي ، و قال أبو حاتم : يكتب حديثه و لايحتج به. مات بالمدينة سنة ثلاث و خمسين(٢).

هؤلاء الذين ينتهي إليهم السند كلّهم تابعون ، نعم رواه الطبري أيضاً عن ابن عباس ، فهو ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، مات سنة ثمان و ستين بالطائف و هو أحد المكثرين من الصحابة ، و لكنّه لم يكن حاضراً في زمن القصة بل لم يكن متولّداً فيه (لأنّ تاريخها يرجع إلى السنة الخامسة من البعثة و هو ولد قبل الهجرة بثلاث سنين) فتكون روايته مقطوعة.

و على كل تقدير فكل ما رواه الطبري في هذا المجال مراسيل أو مقطوعات لايمكن الاحتجاج بها.

الثاني : إنّ الأسانيد تشتمل على رجال ضعاف لايمكن الإحتجاج بهم سوى طريق سعيد بن جبير ، و قد عرفت أنّه أيضاً مرسل.

هذا ما لدى الطبري في تفسيره ، و أمّا ما نقله السيوطي فلايقصر عمّا نقله الطبري في الضعف و الإرسال ، و قد رواه عن «أبي صالح» و أبي بكر بن عبد الرحمان ابن الحارث و «السدي» أيضاً.

__________________

(١) تهذيب التهذيب ج ٤ ص ١١.

(٢) تهذيب التهذيب ج ٤ ص ٤٤٧.

١٩٤
 &

أمّا الأوّل فهو مشترك بين ١٩ شخصاً لم يرو واحد منهم عن النبي فالجلّ لولا الكل تابعون(١).

و أمّا الثاني فهو أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث ولد في خلافة عمر(٢).

و أمّا الثالث فهو محمد بن مروان تابعي. قال ابن معين : ليس بثقة ، قال ابن غير : ليس بشيء و كان كذّابا(٣).

نعم رواه أيضاً عن سعيد بن جبير و ابن عباس و قد عرفت حالهما ، و رواه عن السدي و هو أيضاً تابعي.

مضافاً إلى اشتمال الاسناد على رجال ضعاف ، و أمّا ماذكره السيوطي من أنّه أخرج الطبراني و البزاز و ابن مردويه و الضياء في المختار بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فهو غير صحيح لما عرفت من أنّ المرسل و المقطوع لايوصفان بالصحة على الإطلاق و لو وصفا بالصحّة فالمراد هو الصحّة النسبية ، فلايحتج بها.

إنّ علماء الإسلام و أهل العلم و الدراية من المسلمين ، قد أشبعوا هذه الرواية نقضاً وردّاً و إبراماً فوصفها السيد مرتضى بأنّها خرافة وضعوها(٤).

و قال النسفي عند القول بها : غير مرضي. و قال الخازن في تفسيره : إنّ العلماء وهّنوا أصل القصّة ولم يروها أحد من أهل الصحّة ، و لاأسندها ثقة بسند صحيح ، أو سليم متّصل ، و إنّما رواها المفسّرون و المؤرّخون المولعون بكل غريب ، الملفّقون من الصحف كل صحيح و سقيم ، و الذي يدل على ضعف هذه القصّة اضطراب رواتها و انقطاع سندها و اختلاف ألفاظها(٥).

__________________

(١) راجع تهذيب التهذيب ج ١٢ ص ١٣٠ ـ ١٣١.

(٢) تهذيب التهذيب ج ١٢ ص ١٣٠ ـ ١٣٣.

(٣) تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٤٣٦ برقم ٧١٩.

(٤) تنزيه الأنبياء ص ١٠٩.

(٥) الهدى إلى دين المصطفى ج ١ ص ١٣٠.

١٩٥
 &

و قال القاضي عياض : إنّ هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحّة ولا رواه ثقة بسنده سليم متّصل ، و إنّما أولع به المفسّرون ، و المؤرّخون ، المولعون بكل غريب ، و المتلقّفون من الصحف كل صحيح و سقيم ، و صدق القاضي بكر بن العلا المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء و التفسير ، و تعلّق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته ، و اضطراب رواياته ، و انقطاع أسناده و اختلاف كلماته(١).

وقال أمين الإسلام الطبرسي : أمّا الأحاديث المرويّة في هذا الباب فهي مطعونة و مضعّفة عند أصحاب الحديث ، و قد تضمّنت ما ينزّه الرسل عنه ، فكيف يجوز ذلك على النبي و قد قال سبحانه : (كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) و قال : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ).

و أقصى ما يمكن أن يقال : إنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لمّا تلا سورة والنجم و بلغ إلى قوله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ) علمت قريش من عادته أنّه كان يعيبها ، قال بعض الحاضرين من الكافرين : (تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى) فظنّ الجهّال أن ذلك من قول النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم)(٢).

و قال السيّد الطباطبائي : إنّ الأدلّة القطعية على عصمته تكذّب متنها ، و إن فرضت صحّة سندها ، فمن الواجب تنزيه ساحته المقدّسة عن مثل هذه الخطيئة ، مضافاً إلى أنّ الرواية تنسب إليه أشنع الجهل و أقبحه فقد تلا «تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» و جهل أنّه ليس من كلام الله ، و لانزل به جبرئيل ، و جهل أنّه كفر صريح يوجب الإرتداد ، و دام على جهله ، حتى سجد و سجدوا في آخر السورة ، و لم يتنبّه ثمّ دام على جهله حتى نزل عليه جبرئيل ، و أمره أن يعرض عليه السورة فقرأها عليه و أعاد الجملتين و هو مصرّ على جهله ، حتى أنكره عليه جبرئيل ، ثمّ أنزل عليه آية تثبت نظير هذا الجهل الشنيع و الخطيئة الفاضحة لجميع الأنبياء

__________________

(١) الشفاء ج ٢ ص ١٢٦ .

(٢) الطبرسي مجمع البيان ج ٤ ص ٦١ و ٦٢.

١٩٦
 &

والمرسلين و هي قوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).

لو جاز مثل هذا التصرّف من الشيطان في لسانه بالقائه جملة أو جملتين ، في ثنايا الوحي ، لارتفع الأمن عن الكلام الإلهي ، فكان من الجائز حينئذ أن تكون بعض الآيات القرآنية من إلقاء الشيطان فيلقي نفس هذه الآية (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) فيضعه في لسان النبي و ذكره ، فيحسبها من كلام الله الذي نزل به جبرئيل كما حسب حديث الغرانيق كذلك ـ إلى أن قال : ـ و بذلك يرتفع الاعتماد و الوثوق بكتاب الله من كل جهة ، و تلغى الرسالة و الدعوة النبويّة بالكليّة جلّت ساحة الحق من ذلك(١).

هذا كلّه راجع إلى اسناد الرواية و كلمات العلماء بشأنه ، وأمّا ما يرجع إلى متنها فنشير إلى أمرين كل واحد كاف لإبطال الرواية :

تحليل متن الرواية

١ ـ إنّ هذه الروايات أجمعت على أنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه و آله وسلّم) قرأ سورة والنجم فلمّا بلغ إلى قوله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ) وسوس إليه الشيطان بهاتين الجملتين ثمّ مضى في التلاوة حتى إذا بلغ آية السجدة في آخر السورة ، سجد و سجد معه المشكرون.

فنقول : إنّ الذين كانوا في المسجد كانوا على قدر من الوعي و الدراية فكيف يعقل منهم أنّهم سمعوا هاتين الجملتين ، اللتين تتضمّنان مدح أصنامهم و أوثانهم ، و غاب عن سمعهم ما يتضمّن التنديد و الازراء بشأن آلهتهم ، فإنّه قد جاء بعد هاتين الجملتين المدّعيتين قوله سبحانه : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن

__________________

(١) الطباطبائي : الميزان ج ١٤ ص ٤٣٥ و ٤٣٦.

١٩٧
 &

رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) (النجم / ٢٣).

فهل يتعقّل أن ينسب إلى أوتاد الفصاحة و البلاغة أنّهم أقنعوا بهاتين الجملتين ، وفاتهم ما تضمّنته الآيات الكثيرة التي أعقبتها.

فهذه حجّة بالغة على أنّ واضع القصة كان غافلاً عن تلك الآيات التي ترد على هاتين الجملتين بصلابة.

٢ ـ إنّ وجود التناقض في طيّات الرواية من جهات شتّى دليل واضح على كونها مختلقة حاكتها أيدي القصّاصين.

و أمّا بيان ذلك التناقض فمن وجوه :

أ ـ تروي الروايات أنّ النبي و المسلمين و المشركين سجدوا إلّا الوليد ابن المغيرة فإنّه لم يتمكّن من السجود لشيخوخته ، و قيل : مكانه سعيد بن العاص ، و قيل : كلاهما ، و قيل : اُميّة بن خلف ، و قيل : أبو لهب ، و قيل : المطّلب.

ب ـ تضمّن بعضها أنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قرأها و هو قائم يصلّي ، و تضمّن البعض الآخر أنّه قرأها بينما هو جالس في نادي قومه.

ج ـ يقول بعضها : حدّث بها نفسه ، و آخر : جرت على لسانه.

د ـ يقول بعضها : انّ النبي (صلّى الله عليه و آله وسلّم) تنبّه لها حين تلاوتها ، وآخر : انّه لم يتنبّه إلى المساء حتى جاء إليه جبرئيل فعرضها عليه ثمّ تبيّن له الخطأ ، إلى غير ذلك من وجوه التناقض التي يقف عليها المتتبّع عند التأمّل و امعان النظر في متون الروايات المختلفة التي جمعها ابن جرير و السيوطي في تفسيرهما.

فحصيلة الكلام : إنّ الرواية بشتّى طرقها وصورها لايصحّ الاحتجاج بها لكون اسنادها مراسيل و مقاطيع من جانب ، و كونها متضاربة المضمون من جانب آخر ، والذي يسقط الرواية عن الحجّية أنّها تنتهي إلى قصّاصين نظير محمد بن كعب

١٩٨
 &

القرظي و محمد بن قيس ، و هما مولعان بذكر كل صحيح و سقيم في أنديتهم ومجالسهم ، لأنّ لكل غريب لذّة ، ليس في غيره ، خصوصاً أنّ محمد بن كعب ابن بيت يهودي أباد النبي قبيلته ، و لم يبق منه إلّا نفراً قليلاً ، فمن المحتمل جداً أنّه حاكها على نول الوضع لينتقم من النبي الأكرم و ليشوِّه عصمته ، و الآفة كل الآفة من هؤلاء المستسلمين مثل كعب الأحبار و وهب بن منبه.

ثمّ إنّ الآية التي زعمت الرواية أنّها نزلت في تلك الواقعة أعني قوله سبحانه :

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّـهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّـهُ آيَاتِهِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج / ٥٢). و قد فرغنا من تفسيره في هذه الموسوعة عند البحث عن عصمة الأنبياء فلانعيد(١).

__________________

(١) مفاهيم القرآن ج ٤ ص ٣٧٣ ـ ٤٥٠.

١٩٩
 &
٢٠٠