مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فقالوا لرسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : إلى ما تدعو ؟ فقال : إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و إنّي رسول الله و إنّ عيسى عبد مخلوق ، يأكل و يشرب ، و يُحدث ، فقالوا : فمن أبوه ؟ فنزل الوحي على رسول الله ، فقال : قل لهم : «ما تقولون في آدم أكان عبداً مخلوقاً يأكل و يشرب و يُحدث و ينكح ؟ فسألهم النبيّ ، فقالوا : نعم ، فقل : فمن أبوه ؟ فبهتوا ، فأنزل الله :

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران / ٥٩ ـ ٦١).

الدعوة إلى المباهلة

فلأجل ذلك قال لهم رسول الله : فباهلوني فإن كنت صادقاً اُنزلت اللّعنة عليكم و إن كنت كاذباً اُنزلت عليّ ، فقالوا : «أنصفت» ، فتواعدوا للمباهلة ، فلمّا رجعوا إلى منازلهم ، قال لهم رؤساؤهم ـ السيّد و العاقب و الأيهم ـ : إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس نبيّاً ، و إن باهلنا بأهل بيته خاصّة لم نباهله فإنّه لايقدّم أهل بيته إلّا و هو صادق ، فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول الله و معه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين ، فقال النصارى : من هؤلاء ؟ فقيل لهم : هذا ابن عمه و صهره علي بن أبي طالب و هذه ابنته فاطمة و هذان ابناه الحسن و الحسين ، ففزعوا ، فقالوا لرسول الله : نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة ، فصالحهم رسول الله على الجزية و انصرف(١).

وروى الطبرسي : و لمّا كان الغد جاء النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) آخذ بيد علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين (عليهم السلام) بين يديه يمشيان و فاطمة (عليها السلام) تمشي خلفه ، و خرج النصارى يتقدّمهم أسقفهم فلمّا رأى

__________________

(١) تفسير القمي ج ١ ص ١٠٤.

٢٨١
 &

النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قد أقبل بمن معه ، سأل عنهم ، فقيل له : هذا ابن عمّه و زوج ابنته و أحبّ الخلق إليه و هذان ابنا بنته من علي (عليه السلام) و هذه الجارية بنته فاطمة ، أعزّ الناس عليه و أقربهم إلى قلبه ، و تقدّم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فجثا على ركبتيه.

قال أبو الحارثة الأسقف : جثا و الله كما جثا الأنبياء للمباهلة ، فسكع و لم يقدم على المباهلة ، فقال السيّد : ادن يا أبا حارثة للمباهلة ، فقال : لا ، إنّي لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة و أنا أخاف أن يكون صادقاً و لئن كان صادقاً لم يحل و الله علينا الحول و في الدنيا نصراني يطعم الماء ، فقال الأسقف : يا أبا القاسم إنّا لانباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به ، فصالحهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على ألفي حلّة من حلل الأواقي قيمة كل حلّة أربعون درهماً فما زاد و نقص فعلى حساب ذلك ، و على عارية ثلاثين درعاً ، و ثلاثين رمحاً ، و ثلاثين فرساً إن كان باليمن كيد ، و رسول الله ضامن حتّى يؤديها و كتب لهم بذلك كتاباً.

و روي أنّ الأسقف قال لهم : إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلاتباهلوا فتهلكوا و لايبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، و قال النبيّ : و الذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة و خنازير ، و لاضطرم الوادي عليهم ناراً ، و لما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلّهم ، قالوا : فلمّا رجع وفد نجران ، لم يلبث السيّد و العاقب إلّا يسيراً ، حتّى رجعا إلى النبيّ ، و أهدى العاقب له حلّة و عصا و قدحاً و نعلين و أسلما(١).

و هناك كلمة قيّمة للزمخشري يقول فيها :

فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلّا لتبيّن الكاذب منه و من خصمه و ذلك أمر يختصّ به و بمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء و النساء ؟

قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله و استيقانه بصدقه حيث تجرّأ على

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٢ ص ٧٦٢ و ٧٦٣ (طبع بيروت).

٢٨٢
 &

تعريض أعزّته و أفلاذ كبده و أحبّ الناس إليه لذلك ، و لم يقتصر على تعريض نفسه له و على ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته و أعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة. و خصّ الأبناء و النساء لأنّهم أعزّ الأهل و ألصقهم بالقلوب ، و ربّما فداهم الرجل بنفسه ، و حارب دونهم حتّى يقتل ، و من ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ، و يسمّون الذادة عنهم بأرواحهم : «حماة الحقائق» و قدّمهم في الذكر على الأنفس (في الآية) لينبّه على لطف مكانهم ، و قرب منزلتهم و ليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها ، و فيه دليل لاشيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام) وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ لأنّه لم يرو أحد من موافق و لامخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك(١).

و من أمعن فيما ورد من سبب النزول و شرحه في كتب الحديث و التفسير يقف على مكرمة و فضيلة عظيمة لأهل البيت (عليهم السلام) في تلك الحادثة ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء» للسيّد شرف الدين (ص ١٩٧ ـ ٢٠٣).

و هناك نكتة اُخرى نقلها الرازي عن بعض معاصريه من الشيعة و لم يناقش في كلامه مع غرامه بنقض المحكمات و هيامه في التشكيكات و الشبهات ، قال :

كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي و كان معلّم الإثنى عشرية و كان يزعم أنّ عليّاً ـ رضي الله عنه ـ أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و استدلّ على ذلك بقوله تعالى : (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) إذ ليس المراد بقوله (وَأَنفُسَنَا) نفس محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لأنّ الإنسان لايدعو نفسه بل المراد غيرها ، و أجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب (رض) فدلّت الآية على أنّ «نفس علي» هي محمد ، و لايمكن أن يكون المراد إنّ هذه النفس هي عين تلك ، فالمراد إنّ هذه النفس مثل تلك النفس ، و ذلك

__________________

(١) الكشاف : ج ١ ص ٣٢٧.

٢٨٣
 &

يقتضي المساواة في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة و في حق الفضل لقيام الدلائل على أنّ محمداً عليه الصلاة و السلام كان نبيّاً و ما كان علي كذلك و لإنعقاد الإجماع على أنّ محمداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان أفضل من علي (رض) فبقى فيما وراءه معمولاً به ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان أفضل من سائر الأنبياء (عليهم السلام) فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء(١).

٢٩ ـ الخلفيّة التشريعيّة لحرمة الأشهر الحرم :

ربّما نقرأ في بعض الصحف و الكتب أنّ عرب الجاهلية هم الذين حرّموا الحرب في الأشهر الحرم و أضفوا عليها مسحة قدسية خاصة ، و ذلك لأنّهم كانوا متوغّلين في الحروب و الغارات و كان تمادي الظاهرة القبليّة الشاذّة موجباً لفكّ عرى الحياة ، و لأجل ذلك استثنوا هذه الأشهر لتقويم أودهم و ضمان أمن طرق التجارة و تيسير أمر زيارة الكعبة.

و لكنّها فكرة خاطئة تخالف ما نستلهمه من القرآن الكريم ، فإنّ الظاهر منه أنّ حرمة الأشهر لها جذور دينية و أنّها جزء من صميم الدين القيّم الذي جاء به إبراهيم (عليه السلام) إلى اُمّته ، قال سبحانه : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّـهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّـهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ...) (التوبة / ٣٦).

فإنّ قوله : (ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ربّما يشير إلى أنّ اتّصاف الأربعة بالحرم جزء من الدين القيّم و تشريعاته.

و على ذلك الأساس فالنبيّ الأكرم أولى بأن يحافظ على حرمتها و يراعي قدسيّتها ، و بذلك يسهل لك القضاء في الحادثة الدموية التي وقعت في مستهلّ

__________________

(١) تفسير الرّازي ج ٨ ص ٨١ (طبع بيروت).

٢٨٤
 &

شهر رجب بيد المسلمين و هي التي استغلّتها قريش للتعيير بالنبيّ و الإزدراء به ، و أنّه هدم قدسيّة تلك الأشهر و إراقة الدم فيها ، و إليك نصّ القصة :

بعث رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفلة من بدر الاُولى و بعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد ، و كتب لهم كتاباً و أمره أن لاينظر فيه حتّى يسير يومين ثمّ ينظر فيه ، فيمضي بما أمره به و لايستكره من أصحابه أحداً.

فلمّا سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فإذا فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف ، فترصد بها قريشاً و تعلم لنا من أخبارهم.

فلمّا نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعاً و طاعة ، ثمّ قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتّى آتيه منهم بخبر ، و قد نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق و من كره ذلك فليرجع ، فأمّا أنا فماض لأمر رسول الله ، فمضى و مضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد.

و سلك إلى الحجاز حتّى إذا كان بمعد فوق «الفرع» يقال له «بحران» أضلّ سعد ابن أبي وقّاص و عتبة بن غزوان بعيراً لهما ، كانا يتعاقبانه ، فتخلّفا عليه في طلبه و مضى عبد الله بن جحش و بقيّة أصحابه حتّى نزل بنخلة ، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيباً و أدماً وتجارة من تجارة قريش ، فيها عمرو بن الحضرمي ، فلمّا رآهم القوم(١) هابوهم و قد نزلوا قريباً منهم ، فأشرف لهم عكاشة ابن محصن و كان قد حلق رأسه فلمّا رأوه أمنوا و قالوا : عمّار لابأس عليكم منهم ، و تشاور القوم فيهم و ذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم :(٢) و الله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم

__________________

(١) المقصود عير قريش.

(٢) المقصود المسلمون.

٢٨٥
 &

فليمتنعنّ منكم به(١) و لئن قتلتموهم لنقتلنّهم في الشهر الحرام ، فتردّد القوم(٢) و هابوا الإقدام عليهم ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم و أجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم و أخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، و استأسر عثمان بن عبد الله و الحكم بن كيسان و أفلت القوم(٣) نوفل ابن عبد الله فأعجزهم و أقبل عبد الله بن جحش و أصحابه بالعير و بالأسيرين حتّى قدموا على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

فلمّا قدموا على رسول الله المدينة ، قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقّف العير و الأسيرين و أبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فلمّا قال ذلك رسول الله ، سقط في أيدي القوم و ظنّوا أنّهم قد هلكوا و عنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ، و قالت قريش : قد استحلّ محمّد و أصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم و أخذوا فيه الأموال و أسروا فيه الرجال.

و قد توقّع اليهود لأجل هذه الحادثة بالمسلمين الشر ، فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّـهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (البقرة / ٢١٧ و ٢١٨).

و الآية الثانية تحكي عن نزول المغفرة لعبد الله بن جحش و أصحابه و ذلك لأجل أنّهم كانوا ذوو سابقة حسنة و بلاء محمود كما يشير إليه قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

__________________

(١) أي يتحصّنون بالحرم.

(٢) المقصود هم المسلمون.

(٣) أي فر من بين أيديهم فلم يتمكنّوا من اللحاق به و القبض عليه.

٢٨٦
 &

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّـهِ).

قال ابن هشام : لمّا تجلّى عن عبد الله بن جحش و أصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن (الآية الاُولى) طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزّ و جلّ فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا...).

فلمّا نزل القرآن بهذا و فرّج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله العير و الأسيرين. و بعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله و الحكم بن كيسان (الأسيرين) ، فقال رسول الله : لانفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا ـ يعني سعد بن أبي وقاص و عتبة بن غزوان ـ فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما ، نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد و عتبة فأفداهما رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) منهم.

فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه و أقام عند رسول الله حتّى قتل يوم بئر معونة شهيداً ، و أمّا عثمان بن عبد الله فلحق بمكّة حتّى مات بها كافراً.

هذا كلّه راجع إلى حكاية القصّة بجزئيّاتها ، و أمّا تحليل الحادثة و توضيح الجواب الذي جاءت به الآية الاُولى فهو بالشكل التالي :

لاشك أنّ عمل عبد الله بن جحش لم يكن خاضعاً للضوابط العسكرية ، فإنّ النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لم يأمره بالقتال بل أمر بإستطلاع أخبار القوم و نقل أخبارهم إليه ، فقتاله كان عصياناً لأوامر قائده أوّلاً و هتكاً لقداسة الشهر ثانياً ، و لأجل ذلك لمّا جاء إلى النبيّ لم يقبل منه العير و الأسيرين و انتظر الوحي الإلهي حتّى وافاه ، و ليس من الصحيح أن يؤاخذ الأمير و رئيس القوم بإجرام واحد من قادة عسكره.

و إليه يشير قوله سبحانه : (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أي إنّ القتال فيه و إن كان صغيراً في نفسه : أمر كبير مستنكر لعظيم حرمته ، و لكن الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أنّ الناقدين أعني قريشاً قد ارتكبوا جريمة أكبر ممّا ارتكبه ذلك القائد

٢٨٧
 &

العسكري و ذلك :

١ ـ إنّهم صدّوا الناس عن سبيل الله و منعوهم عن الطريق الموصل إلى الله تعالى و هو الإسلام ، حيث كان المشركون يضطهدون المسلمين و يقتلون من يسلم أو يؤذونه في نفسه و أهله و ماله فيمنعونه من الهجرة إلى النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

٢ ـ إنّهم كفروا بالله سبحانه.

٣ ـ إنّهم صدّوا عن المسجد الحرام و منعوا المؤمنين من الحج و الإعتمار.

٤ ـ إنّهم أخرجوا النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و المهاجرين.

و كلّ هذه أكبر عند الله من قتال المسلمين المشركين في الشهر الحرام.

٥ ـ و الفتنة أكبر من القتل أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم كما فعلوا بعمّار بن ياسر و بلال و خبّاب بن الأرت و غيرهم ، أكبر من قتل المشركين.

و القتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام لو لم يحفّ بها غيرها من الآثار ، كيف و قد قارنها الصدّ عن سبيل الله ، و الكفر به ، و الصد عن المسجد الحرام و إخراج أهله منه ، فمن وقف على فتنة المشركين لضعفاء المسلمين طيلة ثلاث عشرة سنة و استمرارها بعد هجرته في حقّ المستضعفين القاطنين في مكّة ، يقف على أنّ قتل مشرك و أسر نفرين منهم أهون بكثير ممّا ارتكبوه طوال هذه السنين.

و إلى هذا يشير قوله سبحانه :

(وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّـهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).

٢٨٨
 &

(٩) الإشتباك المسلّح مع اليهود بالمدينة :

١ ـ إجلاء بني قينقاع من المدينة :

قد وقفت فيما سبق على المناظرات و الاحتجاجات التي دارت رحاها بين النبيّ و اليهود ، و اتّضح لك إنّها لم تكن من اليهود بغرض كشف الحقيقة و إنّما كانت مماراة منهم حتّى يشوّهوا الحقيقة على طلّابها و يضعوا العراقيل في وجه انتشار الإسلام و تعاظم قدرة المسلمين ، و قد كان النبيّ الأكرم صابراً على إيذائهم ، و لكنّهم لمّا بلغت جرأتهم إلى حدّ هتكوا عرض امرأة مسلمة و قتلوا رجلاً من المسلمين في سوقهم ، قام النبيّ في وجههم فرفض الميثاق الذي عقدوه بينهم و بين النبيّ لأنّهم بأعمالهم الإجرامية نقضوا بنوده و مضامينه فلم يبقوا له حرمة ، و لكن النبيّ الأكرم أخذ كل طائفة من اليهود بجرمها و لم يأخذ جميع طوائف اليهود بجرم واحدة منها.

فأجلى بني قينقاع لأجل ذينك العملين (هتك حرمة المرأة المسلمة و قتل مسلم) و أبقى الطائفتين الاُخريين على حالهما ، فلمّا همّ بنو النضير بقتل النبيّ الأكرم ، أجلاهم بمؤامرتهم و أبقى بني قريظة على حالها في المدينة إلى أن ارتكبت الثالثة جريمة كبيرة ، فجازاهم بعملهم حسبما يوافيك بيانه.

و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبيّ الأكرم كان يحترم العهود و المواثيق المبرمة بينه و بين سائر الملل و النحل و أنّه لو لم تنقض اليهود عهودها و مواثيقها لما خطا النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) خطوة واحدة في طريق

٢٨٩
 &

الحرب ضدّهم ، و لأجل ذلك يجب علينا دراسة العوامل التي حفّزت النبي إلى إتّخاذ موقف حازم و صارم في وجه اليهود القاطنين في المدينة ، و قبل إيضاحها نذكر لك نص الميثاق الذي عقده النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) معهم إبّان نزوله المدينة.

روى القمّي في تفسيره : و جاءته اليهود ـ قريظة و النضير و قينقاع ـ فقالوا : يا محمّد إلى ما تدعو ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلّا الله و أنّي رسول الله و أنّي الذي تجدونني مكتوباً في التوراة و الذي أخبركم به علماؤكم أنّ مخرجي بمكة و مهاجري في هذه الحرّة ، و أخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال : «تركت الخمر والخمير و جئت إلى البؤس و التمور لنبيّ يبعث في هذه الحرّة مخرجه بمكة ومهاجره هاهنا ، و هو آخر الأنبياء و أفضلهم ، يركب الحمار و يلبس الشملة و يجتزي بالكسرة ، في عينيه حمرة و بين كتفيه خاتم النبوّة ، و يضع سيفه على عاتقه لايبالي من لاقى ، و هو الضحوك القتّال يبلغ سلطانه منقطع الخف و الحافر» فقالوا له : قد سمعنا ما تقول و قد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لانكون لك و لاعليك و لانعين عليك أحداً و لانتعرّض لأحد من أصحابك و لاتتعرّض لنا و لا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك و أمر قومك ، فأجابهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى ذلك و كتب بينهم كتاباً : ألّا يعينوا على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و لا على أحد من أصحابه بلسان و لايد و لابسلاح و لابكراع في السرّ و العلانية ، لابليل و لابنهار ، الله بذلك عليهم شهيد ، فإن فعلوا فرسول الله في حِلٍّ من سفك دمائهم ، و سبي ذراريهم و نسائهم ، و أخذ أموالهم. و كتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة ، و كان الذي تولّى أمر بني النضير حيّي بن أخطب ، فلمّا رجع إلى منزله قال له اُخوته (جديّ بن أخطب و أبو ياسر بن أخطب) : ما عندك ؟ قال : هو الذي نجده في التوراة و الذي يبشّرنا به علماؤنا و لاأزال له عدوّاً لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق ، و صارت في ولد إسماعيل ، و لانكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

وكان الذي ولي أمر قريضة كعب بن أسد ، و الذي ولي أمر بني قينقاع مخيريق و كان أكثرهم مالاً و حدائق ، فقال لقومه : تعلمون أنّه النبيّ المبعوث ؟

٢٩٠
 &

فهلمّوا نؤمن به و نكون قد أدركنا الكتابين ، فلم تجبه قينقاع إلى ذلك(١).

هذا هو نص الميثاق ، و سنوافيك في هذا البحث و ما يتلوه إنّهم كيف ضربوا به عرض الجدار خصوصاً بعد ما بلغهم انتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر فانتابهم الهلع و الخوف ، و ترقّبوا الخطر المحدق بهم ، و قد بلغ النبيَّ أخبار بني قينقاع ، و ما أخذوا يتفوّهون به ضدّه ، فلأجل إتمام الحجة جمعهم رسول الله في سوق بني قينقاع بعد نزوله عن بدر ، فقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً ، فقالوا له : يا محمّد لايغرّنّك من نفسك أنّك قتلت نفراً من قريش ، كانوا أغماراً(٢) لايعرفون القتال ، إنّك و الله لو قاتلتنا لعرفت انّا نحن الناس و إنّك لن تلقى مثلنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) (آل عمران / ١٢ و ١٣)(٣).

و بين ما هم عليه من إظهار العداوة و نقض العهد ، جاءت امرأة نزيعة(٤) من العرب تحت رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع ، و جلست عند صائغ في حُليّ لها ، فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها و لاتشعر ، فخلّى(٥) درعها إلى ظهرها بشوكة ، فلمّا قامت المرأة بدت عورتها ، فضحكوا منها ، فقام إليه رجل من المسلمين فاتّبعه فقتله ، فاجتمعت بنو قينقاع فتحايشوا ، فقتلوا الرجل و نبذوا العهد إلى النبيّ و تحصّنوا في حصنهم(٦).

__________________

(١) البحار ج ١٩ ص ١١٠ ـ ١١١ (طبع بيروت).

(٢) الأغمار جمع الغمر و هو الذي لم يجرّب الاُمور.

(٣) السيرة النبويّة ج ١ ص ٥٥٢ ، مجمع البيان ج ٢ ص ٧٠٦ ، المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦.

(٤) المرأة التي تزوّجت في غير عشيرتها.

(٥) أي جمع بين طرفي الشيء.

(٦) المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦ و ١٧٧.

٢٩١
 &

فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فحاصرهم رسول الله حتّى نزلوا على حكمه.

روى الواقدي : لمّا رجع (رسول الله صلّى الله عليه و آله) من بدر حسدوه فأظهروا الغشّ ، فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال / ٥٨).

قال : فلمّا فرغ جبرئيل قال له رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فأنا أخافهم. فسار رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بهذه الآية حتّى نزلوا على حكمه و لرسول الله أموالهم ، و لهم الذرّية و النساء(١).

فقام عبد الله بن اُبي بن سلول رئيس المنافقين في المدينة بالشفاعة لهم فقال : يا محمّد أحسن في مواليّ ، و كانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليه رسول الله ، فقال : يا محمّد ، أحسن في مواليّ ، فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ، فقال له رسول الله : أرسلني ، و غضب رسول الله حتّى رأوا لوجهه ظللاً ، ثمّ قال : ويحك أرسلني ، قال : لا و الله لاأرسلك حتّى تحسن في مواليّ ، أربعمائة حاسر(٢) و ثلاثمائة دارع ، قد منعوني من الأحمر و الأسود ، تحصدهم في غداة واحدة إنّي و الله امرؤٌ أخشى الدوائر ، فقال رسول الله : هم لك ، فاستعمل رسول الله على المدينة في محاصرته إيّاهم بشير بن عبد المنذر ، و كانت محاصرته إيّاهم خمس عشرة ليلة.

و كان لعبادة بن الصامت مثل الحلف الذي كان لهم من عبد الله بن اُبي ، فجاء عبادة بن الصامت و قال : يا رسول الله أتولّى الله و رسوله و المؤمنين ، و أبرأُ من حلف هؤلاء الكفّار و ولايتهم ، و في تلك القصّة نزلت الآيات التالية :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم

__________________

(١) مغازي الواقدي ج ١ ص ١٨٠.

(٢) الحاسر الذي لادرع له و يقابله الدارع.

٢٩٢
 &

مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (المائدة / ٥١ ـ ٥٣).

فلمّا أصرّ ابن اُبي فيهم تركهم رسول الله و أمر بهم أن يجلوا من المدينة.

و روى الواقدي : كان ابن اُبي أمرهم أن يتحصّنوا و زعم أنّه سيدخل معهم ، فخذلهم و لم يدخل معهم ، و لزموا حصنهم فما رموا بسهم ، و لاقاتلوا حتّى نزلوا على صلح رسول الله و حكمه ، و أموالهم لرسول الله ، فلمّا نزلوا و فتحوا حصنهم ، كان محمّد بن مسلمة هو الذي أجلاهم و قبض أموالهم ، و أمر رسول عبادة بن الصامت أن يجليهم ، فقالت قينقاع : يا أبا الوليد نحن مواليك فعلت هذا بنا ؟

قال لهم عبادة : لمّا حاربتم جئت إلى رسول الله فقلت : يا رسول الله إنّي أبراُ إليك منهم و من حلفهم ، و كان ابن اُبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف ، فقال عبدالله بن اُبي : تبرّأت من حلف مواليك ، فقال عبادة : أبا الحبّاب تغيّرت القلوب و محي الإسلام العهود ، فخرجوا إلى الشام و لحقوا بإذرعات(١) ثمّ هلكوا(٢).

__________________

(١) بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء و عمان «معجم البلدان ج ١ ص ١٦٢).

(٢) السيرة النبويّة ج ١ ص ٤٧ ـ ٤٩ ، المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦ ـ ١٨٠.

٢٩٣
 &

٢ ـ إجلاء بني النضير

قدم أبو براء ، عامر بن مالك على رسول الله المدينة فعرض عليه رسول الله الإسلام و دعاه إليه ، فلم يسلم و لم يبعد من الإسلام ، و قال : يا محمّد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى نجد ، فادعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك ، فقال رسول الله : إنّي أخشى عليهم أهل نجد ، قال أبو براء : أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك ، فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في أربعين رجلا(١) من خيار المسلمين فساروا حتّى نزلوا بئر معونة و هي بين أرض بني عامر ، و حرّة بني سليم ، كلا البلدين منها قريب و هي إلى حرّة بني سليم أقرب.

فلمّا نزلوها بعثوا ابن ملحام بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل ، فلمّا أتاه لم ينظر في كتابه حتّى عدى على الرجل فقتله ، ثمّ استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا : لن نحفر(٢) أبا براء لقد عقد لهم عقداً و جواراً ، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتّى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم ثمّ قاتلوهم حتّى قتلوا من عند آخرهم إلّا كعب بن زيد فإنّهم تركوه وبه رمق ، فرفع من بين القتلى فقدم المدينة.

و كان في مسير القوم عمرو بن اُميّة الضمري و رجل من الأنصار فلمّا اطّلعا على قتل إخوانهم ، قال عمرو بن اُميّة : نخبر رسول الله ، فقال الأنصاري : ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، فقاتل القوم حتّى قتل و اُسر عمرو ابن اُميّة ، و أطلقه عامر بن الطفيل و جزّ ناصيته ، فأقبل عمرو بن اُميّة إلى المدينة

__________________

(١) أو سبعين رجلاً على ما في صحيح البخاري و مسلم.

(٢) أي لاننقض عهده.

٢٩٤
 &

و لقى في مسيره رجلين من بني عامر و قد سألهما ممّن أنتما ؟ فقالا : من بني عامر فأمهلهما حتّى إذا ناما ، عدى عليهما فقتلهما و هو يرى أنّه أصاب بهما الثأر من بني عامر ، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ، فلمّا قدم عمرو بن اُميّة على رسول الله فأخبره الخبر ، قال رسول الله : لقد قتلت قتيلين لاُدِينهما(١).

خرج رسول الله إلى بني النضير يستعينهم في ديّة ذينك القتيلين من «بني عامر» اللذين قتلهما عمرو بن اُميّة الضمري ، فكان بين بني النضير و بين بني عامر عقد و حلف ، فلمّا أتاهم رسول الله يستعينهم في أداء الديّة ، قالوا : نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت ممّا استعنت بنا عليه ، ثمّ خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، و رسول الله إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيرحنا منه ؟ فانتبذ لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فصعد ليلقي عليه صخرة و رسول الله في نفر من أصحابه.

فأتى الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام و خرج إلى المدينة «و كأنّه يريد أن يقضي حاجة و ترك أصحابه في مجلسهم»(٢) فلمّا استلبث النبيّ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلاً المدينة ، فأقبل أصحاب رسول الله حتّى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أراد اليهود من الغدر إليه ، و أمر رسول الله بالتهيّؤ لحربهم ، و السير إليهم ، و استعمل على المدينة ابن اُمّ مكتوم فتحصّنوا في الحصون.

و قد بعث عبد الله بن اُبي بعض أصحابه إلى بني النضير ، فقال لهم : إثبتوا و تمنّعوا فإنّا لن نسلّمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، و إن اُخرجتم خرجنا معكم ،

__________________

(١) أي لأدفع ديّتهما ، و وجهه : إنّ القتل وقع بقبيلة بني سليم لاببني عامر ، فإنّهم و إن لم يدافعوا عن المسلمين و خذلوهم ، و لكنّهم لم يشتركوا في مقاتلتهم ، فكان قتل هذين الرجلين بلاظلامة اقترفاها ، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الرسول كان يقوم بالعدل و لايأخذه في ذلك شيء من الأهواء.

(٢) ما بين القوسين ممّا رواه الواقدي.

٢٩٥
 &

فتربّصوا ذلك من نصرهم ، و لم يكن وعده إلّا خداعاً ، و في ذلك نزل الوحي :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّـهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الحشر / ١١ ـ ١٥) ففي هذه الآيات ملاحم و تنبّؤات غيبية كشف عنها الوحي. و إليك الإشارة إليها :

١ ـ إنّ اليهود لعلاقتهم الشديدة بالحياة لايجرأون على مقاتلتكم خارج حصونهم ، و إنّما يقاتلونكم متمنّعين بحصونهم ، و يكتفون في ذلك برشقهم بالحجارة و نحوها ، كما أشار إليه قوله : (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ).

٢ ـ يستأسدون عند الإجتماع ببعضهم البعض و لكنّهم عند لقاء المسلمين ينتابهم الخوف و الرعب و الهلع ، و يستفاد ذلك من ضم الآيتين أعني قوله : (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) إلى قوله : (لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّـهِ).

٣ ـ إنّهم يتظاهرون بوحدة الكلمة ، و لكنّها وحدة شكلية صورية و قلوبهم شتّى ، و إليه يشير قوله سبحانه : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ).

ثمّ إنّ الذكر الحكيم يصفهم بأنّهم قوم لايعقلون و لايتّخذون العبرة ممّا لاقاه بنو قينقاع ، و إليه يشير قوله : (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ).

ثمّ إنّ الملاحم الواردة فيما سبق من الآيات لاتنحصر بذلك بل تنبّأت بأنّ وعد النصر من جانب المنافقين وعد خاوٍ و مكذوب لايفون به ، و إليه يشير قوله سبحانه : (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ).

٢٩٦
 &

و قد تنبّأ القرآن بكل ما ذكرنا قبل وقوع النصر و غلبة المسلمين عليهم.

روى البيهقي : إنّ النبيّ مضى لأمر الله تعالى فأمر أصحابه فأخذوا السلاح ، ثمّ مضى إليهم و تحصّنت اليهود في دورهم و حصونهم ، فلمّا إنتهى رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى أزقّتهم و حصونهم فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم ، و بالنخل أن تحرق و تقطع ، و كفّ الله تعالى أيديهم و أيدي المنافقين فلم ينصرونهم ، و ألقى الله عزّ و جلّ في قلوب الفريقين الرعب(١).

لم يكن عمل النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) في هذا المجال إلّا إيجاداً للرعب في قلوب الكافرين و التعجيل في استسلامهم ، فإنّ اليهود ما زالوا و لن يزالوا عالقين بالمال و الثروة ، و يحبّونهما كحب الأنفس و الأولاد ، فلم يكن للنبيّ إلّا الإضرار ببعض أموالهم و ثرواتهم لتلك الغاية ، و الشاهد على ذلك أنّ النبيّ لم يقطع إلّا بعض النخيل ، قوله تعالى : (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّـهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (الحشر / ٥) ، و أمّا الدور التي هدمها النبي فكانت عبارة عن الدور الواقعة خارج الحصن بشهادة أنّهم هدموا دورهم بأيديهم عند مغادرة المدينة ، يقول سبحانه : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر / ٢).

فهذا العمل العسكري من النبي و أصحابه كان عملاً تكتيكيّاً لغاية قصوى ، وهو الاستيلاء عليهم بلا إراقة الدم من الجانبين ، و لولا ذلك ربّما طال الحصار و كان من المتوقّع تحقّق الاشتباك الدموي بين الطرفين. فلما رأوا أنّ النبيّ مصمّم على الاستيلاء عليهم ، سألوه أن يجليهم و يكف عن دماءهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلّا السلاح ، فقبل النبيّ ، فاحتملوا من أموالهم ما استقالت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف(٢) بابه ، فيضعه على ظهر بعيره

__________________

(١) دلائل النبوّة ج ٣ ص ١٨١ ، و المغازي للواقدي ، ج ١ ص ٣٧٤ ، و السيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ١٩١.

(٢) نجاف ـ على وزن كتاب ـ : العتبة التي على الباب.

٢٩٧
 &

فينطلق به ، فخرجوا من المدينة إلى خيبر و بعضهم صار إلى الشام.

و من الذين صاروا إلى خيبر سلَّام بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق و حُيي بن الأخطب.

و العجب انّهم خرجوا بنسائهم و أبنائهم و أموالهم و معهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم ، و ماهذا إلّا لأجل إلقاء الستار على خذلانهم فكأنّهم أرادوا بالخروج بهذه الكيفية أنّهم ليسوا بمغلوبين ولامحزونين ، و إنّما يخرجون مع النشاط والسرور لأنّهم ينتقلون إلى أمكنة خصبة بالعطف والحنان(١).

و أمّا الأراضي التي تركوها فجعلها سبحانه نفلاً لرسول الله و لم يجعل فيها سهماً لأحد غيره ، قال سبحانه : (وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُم(٢) عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر / ٦ ـ ٨).

فالآيات الكريمة تحدّد مواضع صرف الأموال التي أفاء الله على رسوله ، فذكر مصارفها المتعدّدة فيها ، و لكنّ النبيّ حسب ما ورد في السيرة قسّمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار إلّا سهل بن حنيف و أبا دجانة الأنصاري ـ سماك بن حرشة ـ ذَكرا فَقْراً فأعطاهما رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) .

و لم يسلم من بني النضير إلّا رجلان. أسلما على أموالهما فأحرزاها.

__________________

(١) قال الواقدي : و مرّوا يضربون بالدفوف ، و يزمّرون بالمزامير... مظهرين ذلك تجلّداً ، المغازي للواقدي ج ١ ص ٣٧٥.

(٢) فما أوجفتم : أي ما حرّكتم و أتعبتم في السير ، قال سبحانه : (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ).

٢٩٨
 &

و قد نزلت سورة الحشر في هذه القصة و الله سبحانه يمنّ على المؤمنين ، بأنّه سبحانه سلّطهم على الكافرين عن طريق إيجاد الرعب في قلوبهم ، كما يبيّن بأنّهم جوزوا بسوء أعمالهم ، قال سبحانه :

(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّـهِ فَأَتَاهُمُ اللَّـهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّـهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ و رَسُولَهُ و مَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر / ٢ ـ ٤).

وبإجلائهم لم تبق في المدينة طائفة من اليهود ، إلّا قبيلة بني قريظة ، و كان النبي يحترم عهودهم ماداموا حافظين عليها. و لمّا ظهرت منهم بادرة النقض ، أخذهم النبيّ أخذ عزيز مقتدر ، كما سيبيّن في الفصل القادم.

٢٩٩
 &

٣ ـ إبادة بني قريظة

لقد أجلى النبيّ الأكرم قبيلتي بني قينقاع ، و بني النضير ، و جزاهم بأعمالهم الإجرامية ، و كانت فكرة تأليب العرب على النبي و المسلمين فكرة اختمرت في نفوس رؤساء بني النضير ، و قبلهم بني قينقاع ، نظراء حيي بن أخطب و سلّام بن أبي الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبي حقيق ، الذين نزلوا حصن خيبر ، فأرادوا درك ثأرهم من المسلمين بتأليب الأحزاب عليهم ، فقدموا إلى قريش ، و دعوهم إلى حرب رسول الله و قالوا : إنّا سنكون معكم عليه ، حتّى نستأصله ، و قد سألتهم قريش و قالوا : يا معشر يهود : إنّكم أهل الكتاب الأوّل ، و أهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن و محمد. أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحقّ منه(١).

و لم يكتف زعماء بني النضير بتأليب قريش على النبي الأكرم بل خرجوا إلى غطفان و كلّ من له عند المسلمين ثأر ، حرّضوهم على الأخذ بثأرهم ، و يذكرون لهم متابعة قريش إيّاهم على حرب محمد ، فاتّفقوا على الخروج و الحضور في المدينة في يوم واحد ، و أحاطوا المدينة رجالاً و ركباناً و قد بلغ عددهم عشرة آلاف ، و كان قد بلغ النبي مؤامرتهم فضرب الخندق على المدينة حتّى يكون كالحصن لها حائلاً بينه و بينهم ، و قد طال الحصار على المدينة قرابة شهر ، و وقع هناك اشتباك بينهم وبين العدوّ على وجه سنذكره في مغازي النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم).

و قد أدركت الأحزاب المؤلّفة من قريش و غطفان و يهود خيبر و على رأسهم حيي بن أخطب أنّ الانتصار على محمد أمر غير ميسور ، مادام الخندق يحول بينه و

__________________

(١) قد مرّ نقل هذا الخطأ الفاحش في مناظرات النبيّ مع اليهود ، فلاحظ.

٣٠٠