مفاهيم القرآن - ج ٧

الشيخ جعفر السبحاني

مفاهيم القرآن - ج ٧

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٨٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

المقالة هم جمهور النصارى من الملكانية و اليعقوبية ، و النسطورية و المقصود أنّه أحد الثلاثة : الأب و الإبن و روح القدس أي أنّه ينطبق على كل واحد من الثلاثة و هذا لازم قولهم : إنّ الأب إله ، و الإبن إله ، و الروح إله ، و هو ثلاثة و هو واحد ، و يمثّلون لذلك بقولهم : إنّ زيد بن عمرو إنسان فهناك اُمور ثلاثة هي زيد ، و ابن عمرو و الإنسان ، و هناك أمر واحد و هو المنعوت بهذه النعوت.

و يلاحظ عليه : أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة ، و إنّ المنعوت إن كان واحداً حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتباريّة غير حقيقيّة ، فالجمع بين هذه الكثرة العددية و الوحدة العددية كما في المثال بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقّله.

و لأجل ذلك التجأ دعاة النصارى في الآونة الأخيرة إلى القول بأنّ مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف و هي لاتخضع للموازين العلميّة(١).

و قد ردّ الذكر الحكيم على ذلك بقوله : (وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ...) ببيان أنّ الله سبحانه لايقبل بذاته المتعالية ، الكثرة بوجه من الوجوه ، فهو تعالى ذاته واحد و إذا اتّصف بصفاته الكريمة و أسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئاً ، و لا الصفة إذا اُضيفت إليها أورثت كثرة و تعدّداً ، فهو تعالى أحديّ الذات لاينقسم لا في خارج و لافي وهم و لا في عقل.

و يستفاد من قوله : (وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بحكم الإتيان بلفظ (منهم) المشعرة بالتبعيض ـ ، إنّ هناك طائفة لايعتقدون بالتثليث و لايقولون في المسيح إلّا إنّه عبد الله و رسوله كما عليه مسيحيّة الحبشة بعضهم أو جلّهم.

__________________

(١) الميزان : ج ٤ ص ٧٠.

٢٤١
 &

مشكلة الجمع بين التوحيد و التثليث :

إنّ المسيحيين يعتبرون أنفسهم موّحدين و إنّهم من المقتفين أثر التوحيد الذي جاءت به جميع الشرائع السماوية ، و من جانب آخر يعتقدون بالتثليث اعتقاداً جازماً ، و هذان لايجتمعان إلّا أن يكون أحد الوصفين حقيقيّاً و الآخر مجازيّاً ولكنّهم ياللأسف يقولون بكونهما معاً حقيقيين ، و لأجل ذلك أصبحت عندهم : ١ = ٣ و هو محال ببداهة العقل.

و القرآن الكريم ينسب التثليث إلى أقوام آخرين كانوا قبل المسيح و المسيحيّة و هؤلاء إنّما اتّبعوا اُولئك ، و لعلّ الثالوث الهندي هو الأصل حيث يعتقدون بأنّ الإله الواحد له مظاهر ثلاثة : «برهما» : «الموجد» ، و «فيشفو» : «الحافظ» ، و «سيفا» : «المميت» فقد دان بتلك العقيدة المسيحيّون بعد رفع المسيح آماداً متطاولة ، و لمّا جاء المتأخّرون منهم و رأوا أنّ الوحدة الحقيقية لاتخضع للكثرة كذلك حاولوا أن يصحّحوه بوجهين :

الأوّل : تفكيك المسائل الدينية عن المسائل العلميّة و أنّ الدين فوق العلم وأن مسألة ١ = ٣ و إن كانت باطلة حسب القوانين الرياضية المسلّمة و لكنّ الدين قبلها و نحن نعتقد بها . و لكنّه عذر أقبح من ذنب فكيف نعتنق ديناً يتصادم مع أوضح الواضحات و أبده البديهيّات.

الثاني : إنّ المعادلة الرياضية السابقة ليست باطلة و ذلك لوجود نظائرها في الخارج ، فإنّ الشمس لها جرم و لها نور و لها حرارة و مع ذلك فهي شيء واحد.

و هذا الاستدلال يكشف عن جهل مطبق بحقيقة الوحدة المعتبرة في حقّه سبحانه فإنّ المقصود منها في حقّه هو الوحدة الحقيقية التي لاكثرة فيها لاخارجاً و لاذهناً و لا وهماً و أين هو من وحدة الشمس التي هي وحدة اعتبارية لاحقيقية حيث تتركّب من جرم و نور و حرارة و كل منها ينقسم إلى انقسامات.

و على كلّ تقدير فماذا يريدون من قولهم (إنّه إِله واحد) و في الوقت نفسه

٢٤٢
 &

ثلاثة ، فهل يريدون أنّ هناك أفراداً متميّزة و متشخّصة من الإله الصادق هو عليهم صدق الكلّي على الأفراد ؟

أو يريدون أنّ هناك فرداً واحداً ذا أجزاء و ليس لكل واحد منها استقلال و لاتشخّص و إنّما يتشكّل الإله من تلك الأجزاء ؟

فالفرض الأوّل يستلزم تعدّد الإله تعدّداً حقيقيّاً و هو لايجتمع مع التوحيد بحال من الحالات.

و الفرض الثاني لايخلو إمّا أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء واجبة الوجود أو ممكنة ، فعلى الأوّل تلزم منه كثرة الإله (واجب الوجود) و هم يدّعون الفرار منه.

و على الثاني يلزم أن يكون واجب الوجود محتاجاً في تحقّقه و تشخّصه إلى أجزاء ممكنة و هو كما ترى.

و لأجل ذلك نرى أنّ الذكر الحكيم ينادي ببطلان التثليث بأيّ نحو يمكن أنّ يتصوّر بقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّـهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا) (النساء / ١٧١).

إنّ الآية تركّز على أنّ نسبة الالوهيّة إلى المسيح من آثار الغلوّ في حقه فلو تنزّه القوم عن هذا التمادي الفكري المفرط لوقفوا على سمة المثالية فيه و نفوا عنه مقام الالوهية.

و الآية تصف المسيح بالصفات الخمس :

١ ـ عيسى ابن مريم ٢ ـ رسول الله ٣ ـ كلمته ٤ ـ ألقاها إلى مريم ٥ ـ روح منه. إنّ بعض هذه الصفات المسلّمة في حقّ المسيح تشهد بعبوديّته و تنفي الوهيّته وإليك مزيد من التوضيح حولها :

٢٤٣
 &

١ ـ عيسى ابن مريم : و قد ورد في الذكر الحكيم ذكره عشر مرّات و بنوّته لمريم التي لاتنفك عن كونه جنيناً رضيعاً في المهد صبيّاً يافعاً و... لدليل واضح على بشريّته.

٢ ـ رسول الله : و معناه مبعوثه و مرسله و ليس نفسه.

٣ ـ كلمة الله : و قد أطلق القرآن لفظ الكلمة على المسيح كما أطلقه على جميع الموجودات الإمكانية و قال : (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) (الكهف / ١٠٩).

و أمّا إطلاق الكلمة على الموجودات الإمكانية لأجل وجود التشابه بين الكلمة و الموجود الإمكاني فإنّ الكلمة تكشف عمّا يقوم في ذهن المتكلّم من المعاني فهكذا الموجودات الإمكانية عامّة ، و خلقة المسيح على وجه الإعجاز خاصّة تكشف هي الاُخرى عن علم و قدرة وسِيعَين و كمال لامتناه يكمن في ذاته سبحانه و لأجل ذلك يعد القرآن المسيح و جميع العوالم الإمكانية كلمات الله سبحانه.

٤ ـ ألقاها إلى مريم : إنّ الإلقاء إلى رحم الاُم آية كونه مخلوقاً و قد ذكر تفصيله في سورة مريم ، الآية ١٦ إلى ٣٦ و اختتمها بقوله : (ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) (مريم / ٣٤).

٥ ـ و روح منه : إنّ هذا التعبير ربّما وقع دليلاً على تطرّف فكرة الالوهيّة في حقّ المسيح و هم يتخيّلون إنّ (منه) تبعيضية و لكنّها ابتدائية مثل قوله سبحانه : (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) (الجاثية / ١٣) و المعنى انّ السموات و ما في الأرض جميعاً ناشئ منه و حاصل من عنده ، و مبتدأ منه ، فذوات الأشياء تبتدئ منه بإيجاده لها من غير مثال سابق و كذلك خواصّها و آثارها. قال تعالى : (اللَّـهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (الروم / ١١).

أضف إلى ذلك انّ ذلك التعبير لايفوق في حق آدم حيث قال : (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر / ٢٩).

٢٤٤
 &

فقد وصف آدم (عليه السلام) بلفظة «من روحي» و لم يقل أحد بأنّه جزء من الإله.

ثمّ إنّه سبحانه ختم تلك الصفات بقوله : (فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ).

سمات العبودية في المسيح :

إنّ الذكر الحكيم يستدل على عبوديته بوجوه ثلاثة :

١ ـ كيفيّة خلق المسيح و اُمّه.

٢ ـ طبيعة عيشهما في المجتمع.

٣ ـ تصريح المسيح بعبوديّته.

هذه هي الوجوه التي يستدلّ بها القرآن الكريم على عبوديّته ، أمّا الأوّل فقد بسط الذكر الحكيم في تناولها في سورة مريم كما مرّ و هذه الآيات تلقي الضوء على كيفيّة خلقه إلى أن توّج بالرسالة ، فيقول سبحانه :

(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) إلى أن يقول : (ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).

و لو تمّسك الخصم على عدم بشريته بأنّه ولد من غير أب فهو محجوج بخلقة آدم فقد خلق من غير اُمّ و والد ، قال سبحانه : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران / ٥٩).

و أمّا الثاني فيلمح إليه ما ورد بأنّ المسيح و اُمّه كانا يعيشان شأنهما كشأن سائر بني آدم و لايحيدان عنها قيد شعرة ، قال سبحانه : (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ

٢٤٥
 &

الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ) (المائدة / ٧٥) فمن الممتنع أن يكون آكل الطعام إلٰه العالمين.

و أمّا الثالث فيشير إليه قوله سبحانه : (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّـهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء / ١٧٢).

و ليس بوسع إنسان أن ينكر عبادة المسيح و هي آية وجود المعبود له و هناك كلمة قيّمة للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا في مناظرته مع الجاثليق ، قال الإمام : يا نصراني والله إنّا لنؤمن بعيسىٰ الذي آمن بمحمد و ما ننقم على عيسىٰ شيئاً إلّا ضعفه و قلّة صيامه و صلاته.

قال الجاثليق : أفسدت و الله علمك و ضعّفت أمرك و ما كنت أظن إلّا انّك أعلم أهل الإسلام.

قال الرضا : و كيف ذلك ؟

قال الجاثليق : من قولك إنّ عيسىٰ كان ضعيفاً قليل الصيام و الصلاة و ما أفطر عيسىٰ يوم قط و ما نام بليل قط و ما زال صائم الدهر قائم الليل.

قال الرضا : فلمن كان يصوم و يصلّي ؟

فخرس الجاثليق و انقطع(١) الحديث.

إنّ الذكر الحكيم يصرّح بأنّ المسيح سوف يعترف يوم البعث بعبوديّته على رؤوس الأشهاد و انّه لم يأمر قطّ الناس بعبادة نفسه :

(وَإِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّـهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة / ١١٦).

__________________

(١) الاحتجاج : ج ٢ ص ٢٠٣ و ٢٠٤.

٢٤٦
 &

و قال عزّ اسمه حاكياً عنه : (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة / ١١٧).

ج ـ المسيح ابن الله :

قد طرأت أزمة حادّة على خط التوحيد من قبل المشركين و اليهود و النّصارى بزعم وجود الابن أو البنت لله سبحانه ، فتارة جعلوا بينه و بين الجِنَّة نسباً ، و اُخرىٰ اتّهموه بأنّه اتّخذ من الملائكة اناثاً ، و ثالثة نسبوا إليه الولد بصورة مطلقة ، و قد جاء الجميع في الذكر الحكيم مشفوعاً بالردّ و النقض :

١ ـ الجن : (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) (الصافّات / ١٥٨).

و أمّا ما هذا النسب ، فيحتمل أن يكون المراد نسب البنوّة و الاُبوّة و لأجل ذلك كان جماعة من العرب يعبدون الجن ، كما ورد في قوله سبحانه : (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ...) (سبأ / ٤١).

٢ ـ الملائكة : (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) (الإسراء / ٤٠) و لأجل ذلك كان جماعة أيضاً من العرب تعبد الملائكة ، و بما أنّهم كانوا يتخيّلون الملائكة على أنّهم خلقوا بصور جذّابة جميلة خالوهم اناثاً ، قال سبحانه : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا) (الزخرف / ١٩).

٣ ـ المسيح : و قد اشتهر النصارى بأنّهم جعلوا «المسيح» ابناً لله تعالى ، و هذه الفكرة الخاطئة و إن لم تكن منحصرة فيهم ، بل كان لليهود أيضاً مثل تلك الفكرة في حقّ «عزير» لكن النصارى أكثر ، اشتهاراً بهذه النسبة ، غير نافين عن أنفسهم هذا العار ، و اليهود يؤوّلون الفكرة بأنّه ولد فخري لاحقيقي.

و القرآن الكريم يندّد بتلك الفكرة في غير واحد من الآيات مشيراً إلى براهين

٢٤٧
 &

عقلية محتاجة إلى التوضيح ، و إليك نقل الآيات مع توضيح مضامينها :

١ ـ البقرة / ١١٦ ـ ١١٧ :

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

تريك هذه الآية كيف أنّهم نسبوا إلى الله ولداً من غير فرق بين أن يكون الناسب يهوديّاً أو مسيحيّاً ، و لكنّ الآيتين تتضمّنان ردّاً لهذه النسبة ، يستفاد من الإمعان في الجمل التالية :

١ ـ سبحانه. ٢ ـ بل له ما في السموات و الأرض كل له قانتون.

٣ ـ بديع السموات و الأرض. ٤ ـ و إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون.

و إليك شرح هذه الجمل التي يعد كل واحد منها بمثابة ردّ و نقض للفكرة الخاطئة المصرّحة بالبنوّة لله عزّ و جلّ.

أ ـ «سبحانه» : و هذه الكلمة تفيد تنزيه الله سبحانه من كل نقص و عيب وشائنة ، و لأجل ذلك يأتي هذا اللفظ في آية اُخرى بعد بيان تلك النسبة الخاطئة ، قال تعالى : (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ) (يونس / ٦٨).

و اللفظة تفيد انّ اتّخاذ الولد نقص و عيب على الله تعالى ، يجب تنزيهه عنه ، و ذلك لأنّ اتّخاذ الولد إمّا لغاية اشباع الغريزة الجنسية أو لأجل الاستعانة بالولد أيّام الهرم و الكهولة ، أو لأجل ابقاء النسل و إدامته التي تعد نوع بسط وجود للشخصية ، و الكل غير لائق بساحته سبحانه.

و يمكن أن يكون اللفظ مشيراً إلى أمر آخر و هو أنّ اتّخاذ الابن فرع التوالد و التناسل و هو من شؤون الموجودات المادية حيث ينتقل جزء من الأب إلى رحم الاُم فتتّحد نطفة الأب مع البويضة في رحم الاُمّ فتخصّبها فينتج عن ذلك نشأة الجنين و الله سبحانه أعلى و أجل و أنبل عن أن يكون جسماً أو جسمانيّاً.

٢٤٨
 &

ب ـ (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) :

إنّ هذه الجملة مشعرة ببرهان دامغ و هو أنّ كل ما في الكون قانت لله و خاضع لسلطته و مسخَّر و مقهور له و من هذا شأنه لايتصوّر أن يكون له ولد و ذلك لأنّ الولد يكون مماثلاً للوالد ، فكما هو واجب الوجود يكون الولد مشاطراً له في ذلك ، و ما هو كذلك لايمكن أن يكون مقهوراً و مسخَّراً لموجود من الموجودات.

ج ـ (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) :

أي انّه سبحانه خالق مبدع لهما و ما فيهما و المراد من الإبداع هو خلقهما بلامثال سابق و لامادّة متقدّمة ، فيكون المجموع مسبوقاً بالعدم ، و ما هو كذلك كيف يمكن أن يكون ولداً لله سبحانه ؟ لما عرفت من أنّ الولد يماثل الوالد في الالوهيّة و وجوب الوجود ، و هو لايجتمع مع كون السموات و الأرض و ما فيهما مخلوقاً حادثاً مسبوقاً بالعدم.

د ـ (وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) :

و هذه الآية تفيد أنّ سنّة الله تبارك و تعالى في الإيجاد و الإنشاء و الخلق ، و أنّه لو أراد إيجاد شيء فإنّه يوجد بلاتريّث أو تلبّث ، و لكنّ الولد إنّما يتكوّن من إلتقاء النطفتين في رحم الاُم ثمّ يتكامل تدريجيّاً على امتداد أمد بعيد و هذا لايجتمع مع ما مرّ ذكره في السنّة الحكيمة.

ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي جعل الجمل الثلاث مشيرة إلى برهانين (لا إلى ثلاثة براهين كما أوضحناه) فقال :

إنّ قوله : (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ...) يشتمل على برهانين ينفي كلّ منهما الولادة و تحقّق الولد منه سبحانه ، فإنّ اتّخاذ الولد هو أن يجزّىٔ موجود طبيعي بعض أجزاء وجوده و يفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فرداً من نوعه مماثلاً لنفسه ، و هو سبحانه منزّه عن المثل بل كل شيء ممّا في السموات و الأرض مملوك له قائم الذات به قانت ذليل عنده ذلّة وجودية ، فكيف يكون شيء من الأشياء ولداً له

٢٤٩
 &

مماثلاً نوعيّاً بالنسبة إليه ؟ و هو سبحانه بديع السموات و الأرض ، إنّما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق فلايشبه شيء من خلقه خلقاً سابقاً و لايشبه فعله فعل غيره في التقليد و التشبيه و لا في التدريج و التوّصل بالأسباب إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق و لاتدريج ، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتّخاذ الولد ؟ و تحقّقه يحتاج إلى تربية و تدريج فقوله : (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) برهان تام ، و قوله : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) برهان آخر تام(١).

٢ ـ الأنعام / ١٠٠ ـ ١٠٢ :

(وَجَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ) (الأنعام / ١٠٠).

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنعام / ١٠١).

(ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام / ١٠٢).

و في هذه الآيات إشارات إلى بطلان النظرية القائلة بكون الجن شركاء لله سبحانه و خرق بنين و بنات له بغير علم ، و إليك بيانها :

أ ـ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ) : و قد مرّ توضيح تلك الجملة في القسم الأوّل من الآيات.

ب ـ (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : و قد تقدّم معناه أيضاً.

ج ـ (أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ) : و هذه الجملة تشير إلى أنّ إتّخاذ الإبن يستلزم اتّخاذ الزوجة حتى يقع جزء من الزوج في رحم الزوجة و الله

__________________

(١) الميزان : ج ١ ص ٢٦١.

٢٥٠
 &

سبحانه منزّه ، عن أن تكون له زوجة.

د ـ (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) : فإذا كان هو خالق كل شيء ، و الكل مخلوق له فلايتصوّر كون المخلوق ولداً ، لأنّ الولد يشاطر الوالد في الطبيعة و النوعيّة فإذا كان سبحانه واجب الوجود لاستغنى عن العلّة و الخالق و لترفّع عن حيّز الإمكان ، و المفروض خلافه.

٣ ـ يونس / ٦٨ :

(قَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

و هذه الآية تشتمل على مثل ما اشتملت عليه الآيات السابقة و إليك تفصيل جملها :

أ ـ (سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ) : و قد عرفت أنّ اتّخاذ الولد إمّا لغاية إشباع الغريزة الجنسية أو لاستعانة به في أيّام الكهولة أو لبسط نفوذ الشخصية ، و الله غني عن الجميع.

ب ـ (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) : و فيه إشارة إلى أنّ كل ما في الكون مقهور و مسخّر فكيف يكون شيء منه ولداً له مع لزوم المماثلة بين الولد و الوالد.

ج ـ (إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) : و هو إشارة اُخرى إلى أنّه إنّما تبنّوا هذه الفكرة تقليداً بلا علم و برهان ، و قد تقدّم في الآيات السابقة (بغير علم سبحانه).

٤ ـ الكهف / ٤ و ٥ :

(وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّـهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا).

٢٥١
 &

و في هذه الآية اكتفاء ببرهان واحد و هو أنّ القوم يتفوّهون بذلك بلا علم لهم ولا لآبائهم.

٥ ـ مريم / ٣٥ :

(مَا كَانَ لِلَّـهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) و في الآية إشارة إلى برهانين : أحدهما قوله : (سُبْحَانَهُ) و الثاني : (إِذَا قَضَىٰ) ، و قد مرّ تفسيرهما فلانعيد.

٦ ـ مريم / ٨٨ ـ ٩٥ :

(و قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ و لَدًا)

(لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا)

(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)

(أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا)

(وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا)

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا)

(لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا)

(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)

و قد ركّزت الآيات على برهانين :

أحدهما قولهُ : (وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا) و هذه الجملة واقعة مكان لفظة (سُبْحَانَهُ) في الآيات السابقة.

و ثانيهما قوله : (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا) و هو يفيد نفس ما يفيده قوله : (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) في الآيات السابقة ، و المعنى بعد التطبيق واضح و محصّله أنّ من في الكون عبد

٢٥٢
 &

مسخّر لله سبحانه ، و هو لايجتمع مع كون واحد منهم ولداً له ، لأنّه يقتضي المماثلة و المشاركة في الوجوب و الإستغناء عن العلّة مع أنّ المفروض كونه ممكناً.

٧ ـ الأنبياء / ٢٦ و ٢٧ :

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ).

(لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).

فلفظة (سُبْحَانَهُ) مشيرة إلى أنّ اتّخاذ الولد ملازم للنقص و العيب و هو سبحانه منزّه عنه.

و قوله : (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) إشارة إلى ما مرّ من أنّ العبودية لاتجتمع مع البنوّة لأنّ مقتضى البنوّة ، المشاركة و المسانخة مع الوالد في الطبيعة ، و المفروض وجوب وجود الوالد فيكون الولد واجباً و هو محال.

٨ ـ المؤمنون / ٩١ :

(مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ).

و الآية تشير إلى أنّ اتّخاذ الولد ينافي التوحيد و الوحدانية لأنّ الولد يجب أن يكون مماثلاً للوالد على نحو ما مرّ ذكره و عندئذ يكون إلهاً مثله ، و المفروض أنّه ليس معه إله.

٩ ـ الزمر / ٤ :

(لَّوْ أَرَادَ اللَّـهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).

و في الآية إشارة إلى دحض تلك العقيدة المنحرفة باُمور ثلاثة :

أ ـ (سُبْحَانَهُ)

٢٥٣
 &

ب ـ (الْوَاحِدُ) .

ج ـ (الْقَهَّارُ) .

أمّا الأوّل : فدلالته على نفي البنوّة مثل الآيات السابقة.

و أمّا الثاني : أعني كونه واحداً ، فهو يدلّ على نفي البنوّة لأنّ اتّخاذ الإبن يستلزم المماثلة بين الأب و الولد ، فيلزم تعدّد الإله و واجب الوجود.

وأمّا الثالث : أعني كونه قهّاراً و غيره مقهوراً عليه فدلالته مثل دلالة قوله : (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا) و قوله : (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) و قوله : (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) و ذلك لأنّ اتّخاذ الإبن يستلزم أن يكون له مماثل من ذاته لأنّ الولد يماثل الوالد في النوعية و الطبيعة فيلزم أن يكون الولد واجب الوجود ، و المفروض أنّه مقهور و مسخّر لله سبحانه.

و أنت إذا قارنت هذه الآيات بعضها ببعض لوقفت على أنّ الجميع في المادة و المعنى و كيفيّة الإستدلال مصبوب في قالب واحد بينها كمال الإئتلاف و التناسب ، و العبارات الواردة في المقام و إن كانت مختلفة المواضع و لكنّ المؤدّى والمعنى واحد ، و تلك الآيات نزلت على النبيّ في ظروف مختلفة و أجواء متباينة والنبيّ لم يزل بين كونه منهمكاً في الحرب ، و هادئ البال في الصلح و السلم ، ومع ذلك يتكلّم على نسق واحد مع كونه أمّيّاً لم يقرأ قطّ و لم يكتب. صدق الله العليّ العظيم حيث قال : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء / ٨٢).

قسمة ضيزي :

و من عجائب اُمورهم أنّهم اتّخذوا لأنفسهم البنين و نسبوا إلى الله عزّ و جلّ الإناث من الملائكة ، قال سبحانه : (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا) (الإسراء / ٤٠).

٢٥٤
 &

و قال تعالى : (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ) (الزخرف / ١٦).

و قال تعالى : (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ) (النجم / ٢١ ـ ٢٢).

ثمّ إنّه سبحانه أبطل ادّعاءهم بكون الملائكة إناثاً و قال : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (الزخرف / ١٩) فكيف يدّعون ما لم يشهدوه ؟!

إلى هنا تمّ حوار القرآن مع اليهود و النّصارىٰ في اتّخاذه سبحانه ولداً من الإنس و الجنّ و الملائكة ، و قوّة البرهان القرآني و إتقانه و تعاضد بعضه بعضاً يدلّ على أنّه وحي إلهي نزل به الروح الأمين على قلبه ، و أنّىٰ للإنسان الغارق في الحياة البدائيّة أن يأتي بمثل ذلك لولا كونه مسدّداً بالوحي ، مؤيّداً بالمدد الغيبي منه سبحانه.

و إليك بقية المناظرات الواردة في القرآن الكريم.

اليهود و نقض المواثيق و العهود

حطّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) رحاله بالمدينة ، و التفّ حوله الأوس و الخزرج ، ففشىٰ أمر الإسلام و شاع خبره و ذكره بين الناس و القبائل القاطنة بأطراف المدينة ، و كان ذلك بمثابة جرس إنذار لليهود ينبئ عن إقتراب اُفول شوكتهم في المدينة و ماوالاها بل في شبه الجزيرة العربية برمّتها.

و كانت اليهود في سابق عهدها تفتخر على سائر الاُمم بأنّها تقتفي أثر التوحيد و أنّ لهم كتاباً سماويّاً يجمع بين دفّتيه الأحكام الإلهية ، و لكنّ تلك المفخرة أوشكت أن تذهب أدراج الرياح بدعوة النبيّ الأكرم الناس كافّة إلى التوحيد الأصيل و نزول القرآن عليه ، فما كانت لهم بعد إذ ذاك ميزة يمتازون بها على العرب.

و كانت اليهود لفرط حبّهم للدنيا و زبرجها تمكّنوا من السيطرة على مقاليد أزمّة

٢٥٥
 &

إدارة التجارة ، و كان وجود الشقّة السحيقة بين الأوس و الخزرج ، و النزاعات القبلية بينهما ، خير معين للإنفراد بإدارة دفّة القوافل التجارية ، غير أنّ تلك الأرضية التي فسحت لهم المجال لتسلّم زمام التجارة فيما مضىٰ كادت تنعدم بالاُخوّة الإسلامية التي جاء بها الإسلام ، فصار المتصارعان متصافيين متآخيين متآلفين في مقابل اليهود و أطماعهم.

كلّ ذلك صار سبباً لتحفيز اليهود لإثارة الشبهات حول رسالة الرسول الأكرم و بثّ السموم و تشوية معالم الرسالة الجديدة ليضعضعوا أركان الإيمان الفتي في قلوب المؤمنين بالإسلام ، و قد غاب عن خلدهم أنّ سنّة الله الحكيمة تتكفّل بنصر رسله. قال سبحانه :

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر / ٥١).

و إليك نماذج من أسئلتهم و شبهاتهم التي أثاروها حول الرسالة النبويّة :

١ ـ إفشاء علائم النبوّة :

إنّ أوّل خطوة خطوها لأجل إيقاف مدّ الصحوة الدينية و الإيمان برسالة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه و آله و سلّم) هو إصدار مرسوم يقضي بكتمان علائم نبوّته التي وردت في التوراة حتى لاتقع للمسلمين ذريعة يتمسّكون بها ضدّهم في عزوفهم عن قبول الدعوة ، و هذا ما يحكي عنه الذكر الحكيم بقوله :

١ ـ (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة / ٧٦).

و روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين ، إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فنهاهم كبراؤهم عن ذلك و قالوا : لاتخبروهم بما

٢٥٦
 &

في التوراة من صفة محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فيحاجّوكم به عند ربّكم(١).

و ردّ سبحانه عليهم بقوله : (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (البقرة / ٧٧) فالله سبحانه يحتجّ بكتابهم عليهم سواء تفوّهوا بسمات النبيّ الأكرم المذكورة في التوراة أم لم يتفوّهوا بها ، على الرغم من أنّهم كانوا يستفتحون و يستنصرون على الأوس و الخزرج برسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) قبل مبعثه فلمّا بعثه الله من بين العرب و لم يكن من بني إسرائيل ، كفروا به و جحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل و بشر بن البراء بن معرور : يا معشر اليهود اتّقوا الله و أسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك ، و تصفونه و تذكرون أنّه مبعوث ، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه و ما هو بالذي كنّا نذكر لكم ، فأنزل الله تعالى قوله :

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة / ٨٩).

٢ ـ السؤال عن الروح الأمين :

إنّ نفراً من أحبار اليهود جاءوا رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فقالوا : يا محمداً أخبرنا عن أربع نسألك عنهنّ ، فإن فعلت ذلك اتّبعناك و صدّقناك و آمنّا بك ، فقال لهم رسول الله : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدّقنّني ؟ قالوا : نعم ، قال : فسألوا عمّا بدا لكم... و ممّا سألوا عنه نوم النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ـ فقالوا : كيف نومك ؟ فقال : تنام عيني و قلبي يقظان. قالوا : فأخبرنا عمّا حرّم إسرائيل على نفسه ؟ قال : حرّم على نفسه لحوم الإبل و ألبانها ، فصدّقوه في الإجابة عن هٰذين السؤالين ، ثمّ قالوا له : فأخبرنا عن الروح ،

__________________

(١) مجمع البيان : ج ١ ص ٢٨٦ (طبع بيروت).

٢٥٧
 &

قال : أنشدكم بالله و بأيّامه عند بني إسرائيل هل تعلمونه جبرئيل و هو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللّهمّ نعم ، و لكنّه يا محمد لنا عدوّ و هو ملك إنّما يأتي بالشدّة و سفك الدماء و لولا ذلك لاتّبعناك ، فأنزل الله عزّ و جلّ فيهم : (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) (البقرة / ٩٧ و ٩٨)(١).

و ما ذكرنا من شأن النزول يؤيّد ما ذكرناه سابقاً من أنّ المقصود من الروح في قوله سبحانه : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) (الإسراء / ٨٥) هو الروح الأمين لا الروح الإنسانية ، و أنّ ما اُثير حولها في التفاسير المختلفة مبني على تفسير الروح بالروح الإنسانية و هو غير صحيح.

و على أي تقدير فنصب العداء لجبرئيل نصب للعداء له سبحانه ، لأنّ جبرئيل مأمور من جانبه و مبلّغ عنه هو و جميع الملائكة : (لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم / ٦).

٣ ـ إنكار نبوّة سليمان (عليه السلام) :

إنّ رسول الله لمّا ذكر سليمان بن داود في المرسلين ، قال بعض أحبارهم : ألا تعجبون من محمد (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يزعم أنّ سليمان بن داود كان نبيّاً ، و الله ما كان إلّا ساحراً ، فأنزل الله تعالى في ذلك : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) (البقرة / ١٠٢)(٢).

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٥٤٣. مجمع البيان : ج ٢ ص ٣٢٤ (طبع بيروت).

(٢) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٤٠. مجمع البيان : ج ٢ ص ٣٣٦ (طبع بيروت).

٢٥٨
 &

٤ ـ كتابه إلى يهود خيبر :

كتب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى يهود خيبر بكتاب جاء فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى و أخيه والمصدّق لما جاء به موسى على أنّ الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة ، و أنّكم لتجدون ذلك في كتابكم : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

و إنّي انشدكم بالله ، و انشدكم بما أنزل عليكم و انشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المنّ و السلوى ، و انشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون و عمله إلّا أخبرتموني : هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإن كنتم لاتجدوني ذلك في كتابكم فلاكره عليكم (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) فأدعوكم إلى الله و إلى نبيّه(١).

٥ ـ إنكار أخذ الميثاق منهم :

إنّ أحد أحبار اليهود قال لرسول الله : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه و ما أنزل الله عليك من آية بيّنة فنتّبعك لها ، و قد كانوا ينكرون العهد الذي أخذه الأنبياء عليهم أن يؤمنوا بالنبيّ الاُمّي.

فأنزل الله سبحانه في ردّهم : (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ * أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (البقرة / ٩٩ و ١٠٠).

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٥٤٤ ـ ٥٤٥.

٢٥٩
 &

و لفظة «كلّما» تفيد التكرّر فيقتضي تكرّر النقض منهم(١).

٦ ـ الاقتراحات التعجيزيّة :

و قد كان اليهود قد تقدّموا باقتراحات تعجيزيّة على غرار ما بدر من المشركين فقد سألت العرب محمداً (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أن يأتيهم بالله فيروه جهرة ، فنزل قوله سبحانه : (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (البقرة / ١٠٨).

و قال رافع بن حريملة لرسول الله : يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فيكلّمنا حتى نسمع كلامه ، فنزل قوله سبحانه : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(٢).

٧ ـ تنازع اليهود و النصارى عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

لمّا قدم أهل نجران من النصارى على رسول (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء ، و كفر بعيسىٰ و بالإنجيل ، فقال رجل من أهل نجران من النصارىٰ لليهود : ما أنتم على شيء ، وجحد نبوّة موسى و كفر بالتوراة ، فأنزل الله في ذلك قوله :

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّـهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة / ١١٣).

__________________

(١) مجمع البيان : ج ١ ص ٣٢٧.

(٢) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٤٩.

٢٦٠