الله مقدما ذلك بتمهيد يتحدث عن قضية الذوق الأدبى ، ومدى الاستناد إلى ارتياح الناس له دون تحديد ، فقال : «وزعم آخرون أن إعجازه من جهة البلاغة ، ووجدت عامة أهل هذه المقالة ، قد جروا فى تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد وضرب من غلبة الظن دون التحقيق له ، وإحاطة العلم به ، ولذلك صاروا إذا ما سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن ، الفائقة فى وصفها سائر البلاغات ، وعن المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة ، قالوا إننا لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم مباينة القرآن غيره من الكلام ، وإنما يعرفه العالمون عن سماعه ضربا من المعرفة لا يمكن تحديده ...
وقد توجد لبعض الكلام عذوبة فى السمع وهشاشة فى النفس ، لا توجد مثلها لغيره ، والكلامان معا فصيحان ثم لا يوقف لشىء من ذلك على علة. قلت : وهذا لا يقنع فى مثل هذا العلم ، ولا يشفى من داء الجهل به ، وإنما هو إشكال أحيل به على اتهام». (٢٢)
فأنت تراه لا يجعل الارتياح النفسى بعض أسباب الاستحسان الأدبى إلا إذا قرن بتعليل ودليل ، وهذا ما نهض للإجابة عنه حين تحدث عن أسلوب القرآن ، فذكر «أن أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها فى نسب البيان متفاوتة ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز المطلق المرسل ، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ، دون النوع الهجين المذموم ، الذى لا يوجد فى القرآن شىء منه البتة ، فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه ، والقسم الثانى أوسطه وأقصده ، والقسم الثالث أدناه وأقربه ، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حفنة ، وأخذت من كل نوع من أنواعها بشعبة ، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتى الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد فى نعوتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة فى الكلام تعالجان نوعا من الوعورة. فكان اجتماع الأمرين فى نفسه ، مع نبو كل منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن ، يسرها الله بلطيف قدرته من أمره ، لتكون آية بينة لنبيه ، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر ربه. (٢٣)
وهذا كلام جيد. والذين تعرضوا له بالتحليل فهموا منه أن الجزالة والعذوبة يجتمعان فى القرآن معا : كلّ فى موضعه على انفراد ، بحيث تكون آية عذبة ، وآية جزلة ، وفق ما تقتضى المعانى : ولكنى أفهم منه ما يدل على امتزاج الرقة بالجزالة فى تعبير واحد. وهو ما فصّلت الحديث عنه فى
