موضع آخر (٢٤) هذه ناحية ، أما الأخرى ، فقد قال الخطابى : إن الأسلوب الأدبى يعتمد على ثلاثة أشياء : لفظ حامل ، ومعنى قائم به ، ورباط له ، فإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه فى غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا ، وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ، أما المعانى فلا خفاء على ذى عقل ، أنها هى التى تشهد لها العقول بالتقدم فى أبوابها ، والترقى إلى أعلى درجات الفضل نحو نعوتها وصفاتها ، وقد توجد هذه الصفات على التفرق فى أنواع الكلام ، أما أن تكون مجموعة فى نوع واحد منه فلم توجد إلا فى كلام العليم القدير ، فتفهّم الآن واعلم أن القرآن صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ فى أحسن مضمون التأليف مضمنا أصح المعانى. وهذا ما بسطه الخطابى إلى أن قال : (٢٥)
«أما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لحام الألفاظ ، وزمام المعانى ، وبها تنتظم أجزاء الكلام ، ويلتئم بعضه فوق بعض ، فتقوم له صورة فى النفس يتشكل بها البيان».
وذلك قول يحدد نظرية النظم ، كما أتى بها عبد القاهر فى (دلائل الإعجاز) تحديدا تتضح به المعالم المتفرقة فى أشتات من قول الجاحظ ومن تلاه ، ولئن أعوزنا أن نثبت اطلاع عبد القاهر على ما كتب الخطابى ، فذلك لا يمنع القول باهتداء الخطابى إلى أصل قوى من أصول الإعجاز ، نهضت عليه صروح أقامها المخالفون ، بعد أن وضع ثابت الأساس ، وقد وجّهت بعض الاعتراضات المغرضة إلى النصوص التعبيرية فى القرآن فنهض الخطابى للرد عليها ، وأفرد لها جزءا من رسالته ، شأنه فى ذلك شأن ابن قتيبة فى (تأويل مشكل القرآن) ، ولكنه توسع عنه فى التعبير لأن تأخره الزمنى أتاح له ما لم يتح لسابقه.
فمما توجهت الشبهة به إلى اللفظ ، وقوف المعترضين عند قوله تعالى : (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ). (٢٦) زاعما أن كلمة افترس أصح من كلمة «أكل» إذ أن الافتراس خاص بالسباع ، أما الأكل فيعم كل آكل من الحيوان والإنسان ، وهو اعتراض تردد أيام الجاحظ ، وأجاب عنه بألمعيته المشهورة ، وجاء الخطابى فأدلى بدلوه فى الدلاء حين قال :
«إن الافتراس معناه فى فعل السبع ، القتل فحسب ، وأصل الفرس دق العنق ، والقوم إنما ادعوا على الذئب أكله أكلا ، إذ أتى على
