القديم ، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق ، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلا عن تغيّر الموصوف ، فعلم الله بأن القمر سيخسف ، وعلمه بأنّه خاسف الآن ، وعلمه بأنّه كان خاسفا بالأمس ، علم واحد لا يتغيّر موصوفة ، وإن تغيّرت الصّفة ، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين ، إلّا أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التّصريح بتغيّر التعلّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث ، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة ، نظرا لكون صفة العلم لا تتجاوز غير ذات العالم تجاوزا محسوسا. فلذلك قال سلفهم : إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا ، فعند خسوف القمر كذلك علم الله أنّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل ، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال ، قالوا : ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنّه تحقّق خسوفه بعلم جديد ، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنّما هو لطريان الغفلة عن الأول. وقال بعض المعتزلة مثل جهم بن صفوان وهشام بن الحكم : إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق ، وأمّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات ، ويلزمه عدم سبق العلم.
وقال أبو الحسين البصري من المعتزلة ، رادّا على السلف : لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنّه خسف لأمور ثلاثة : الأوّل التغاير بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غير حقيقة كونه وقع ، فالعلم بأحدهما يغاير العلم بالآخر ، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما. الثّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع ، وشرط العلم بكونه وقع الوقوع ، فلو كان العلمان شيئا واحدا لم يختلف شرطاهما. الثّالث أنّه يمكن العلم بأنّه وقع الجهل بأنّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم (هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التّغير في علم الله تعالى بالمتغيّرات ، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالما بالمعلومات الّتي ستقع ، بشرط وقوعها ، فيحدث العلم بأنّها وجدت عند وجودها ، ويزول عند زوالها ، ويحصل علم آخر ، وهذا عين مذهب جهم وهشام. وردّ عليه بأنّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالما بأحوال الحوادث ، وهذا تجهيل. وأجاب عنه عبد الحكيم في «حاشية المواقف» بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني ، فلا جهل فيه ، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
