(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ : بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر ، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم ، وقوله (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلّا أذى ، فالأذى ضرّ خفيف ، فلمّا انتفى الضرّ الأعظم الّذي يحتاج في دفعه إلى شديد مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق ، كان انتفاء ما بقي من الضرّ هيّنا ، وذلك بالصّبر على الأذى ، وقلّة الاكتراث به ، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّا عظيما. وفي الحديث : «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يدعون له ندّا وهو يرزقهم».
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : (لا يَضُرُّكُمْ ـ بكسر الضاد وسكون الراء ـ من ضاره يضيره بمعنى أضرّه. وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وأبو جعفر ، وخلف ـ بضم الضاد وضم الراء مشدّدة ـ من ضرّه يضرّه ، والضمّة ضمّة اتباع لحركة العين عند الإدغام للتخلّص من التقاء الساكنين : سكون الجزم وسكون الإدغام ، ويجوز في مثله من المضموم العين في المضارع ثلاثة وجوه في العربية : الضمّ لاتباع حركة العين ، والفتح لخفّته ، والكسر لأنّه الأصل في التخلّص من التقاء الساكنين ، ولم يقرأ إلّا بالضمّ في المتواتر.
[١٢١ ، ١٢٢] (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢))
وجود حرف العطف في قوله : (وَإِذْ غَدَوْتَ) مانع من تعليق الظرف ببعض الأفعال المتقدّمة مثل (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ) [آل عمران : ١١٨] ومثل (يَفْرَحُوا بِها) [آل عمران : ١٢٠] وعليه فهو آت كما أتت نظائره في أوائل الآي والقصص القرآنية ، وهو من عطف جملة على جملة وقصة على وذلك انتقال اقتضابي فالتقدير : واذكر إذ غدوت. ولا يأتي في هذا تعلّق الظرف بفعل ممّا بعده لأنّ قوله : (تُبَوِّئُ) لا يستقيم أن يكون مبدأ الغرض ، وقوله : (هَمَّتْ) لا يصلح لتعليق (إِذْ غَدَوْتَ) لأنّه مدخول (إذ) أخرى.
ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين ، المنافقين ، ولمّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدا ، ودخيلتهما
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
