فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب ، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل ، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعا لظلم الظالم كان موقعه أفضل ، وفائدته أكمل ، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشّجاعة وإباء الضيم والنجدة. قال ودّاك بن ثميل المازني :
|
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم |
|
لأية حرب أم بأي مكان |
ولكنّه إذا كان تأييدا لظالم أو قاطع طريق ، كان فيه دخل ومذمّة ، فإذا كان إظهارا لحقّ المحقّ وإبطال الباطل ، استكمل المحمدة ، ولذلك فسّر النّبيء صلىاللهعليهوسلم نصر الظالم بما يناسب خلق الإسلام لمّا قال : «انصر أخاك ظالما ومظلوما» فقال بعض القوم : هذا أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ فقال : «أن تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه».
(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١))
رجوع إلى تسلية المؤمنين ، وتطمينهم ، ووعدهم بالنّصر على العدوّ. والإلقاء حقيقته رمي شيء على الأرض (فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ) [الشعراء : ٤٤] ، أو في الماء (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ) [القصص : ٧] ويطلق على الإفضاء بالكلام (يُلْقُونَ السَّمْعَ) [الشعراء : ٢٢٣] وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقيا ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) [المائدة : ٦٤] وهو هنا مجاز في الجعل والتّكوين كقوله : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) [الأحزاب : ٢٦].
والرعب : الفزع من شدّة خوف ، وفيه لغتان الرعب ـ بسكون العين ـ والرعب ـ بضم العين ـ وقرأه الجمهور ـ بسكون العين ـ وقرأه ابن عامر، والكسائي ـ بضم العين ـ.
والباء في قوله : (بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ) للعوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم : هذه بتلك ، وقوله تعالى : (جَزاءً بِما كَسَبا) [المائدة : ٣٨] ، وهذا جزاء دنيوي رتّبه الله تعالى على الإشراك به ، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثارا خبيثة ، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له ، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل ، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرب النّفس متحيّرا في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض ، فيكون لكلّ قوم صنم هم أخصّ به ، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
