الإنفاق المخصوص ، فبدونه لا تتحقّق هذه الحقيقة.
والإنفاق : إعطاء المال والقوت والكسوة.
وما صدق (ما) في قوله : (مِمَّا تُحِبُّونَ) المال : أي المال النّفيس العزيز على النّفس ، وسوّغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف (من) للتبعيض لا غير ، ومن جوّز أن تكون (من) للتبيين فقد سها لأنّ التبيينية لا بدّ أن تسبق بلفظ مبهم.
والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدّقين ، ورغباتهم ، وسعة ثرواتهم ، والإنفاق منه أي التّصدق دليل على سخاء لوجه الله تعالى ، وفي ذلك تزكية للنّفس من بقية ما فيها من الشحّ ، قال تعالى : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر : ٩] وفي ذلك صلاح عظيم للأمّة إذ تجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتدّ بذلك أواصر الأخوّة ، ويهنأ عيش الجميع.
روى مالك في «الموطأ» ، عن أنس بن مالك ، قال : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا ، وكان أحبّ أمواله بئر حاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب ، فلما نزل قوله تعالى : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جاء أبو طلحة ، فقال : «يا رسول الله إنّ الله قال : (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ، وإنّ أحبّ أموالي بئر حاء وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم فبخ (١) ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال : أفعل يا رسول الله. فجعلها لحسّان بن ثابت ، وأبيّ بن كعب.
وقد بيّن الله خصال البرّ في قوله : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) في سورة البقرة [١٧٧].
__________________
(١) في رواية يحيى بن يحيى عن مالك فبخ بفاء قبل الباء الموحدة ووقع في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك في «صحيح البخاري» بخ بدون الفاء.
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
