وافتتاح الكلام ببيان بعض وسائل البرّ إيذان بأنّ شرائع الإسلام تدور على محور البرّ ، وأنّ البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرم حقيقته إلّا ما يفضى إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النّفسانيّة. فالمقصود من هذه الآية أمران : أوّلهما التّحريض على الإنفاق والتّنويه بأنّه من البرّ ، وثانيهما التنويه بالبرّ الّذي الإنفاق خصلة من خصاله.
ومناسبة موقع هذه الآية تلو سابقتها أنّ الآية السّابقة لمّا بينت أنّ الّذين كفروا لن يقبل من أحدهم أعظم ما ينفقه ، بيّنت هذه الآية ما ينفع أهل الإيمان من بذل المال ، وأنّه يبلغ بصاحبه إلى مرتبة البرّ ، فبين الطرفين مراتب كثيرة قد علمها الفطناء من هذه المقابلة. والخطاب للمؤمنين لأنّهم المقصود من كلّ خطاب لم يتقدّم قبله ما يعيّن المقصود منه.
والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه : إذ الخير قد يعظم بالكيفية ، وبالكميّة ، وبهما معا ، فبذل النّفس في نصر الدّين يعظم بالكيفية في ملاقاة العدوّ الكثير بالعدد القليل ، وكذلك إنقاذ الغريق في حالة هول البحر ، ولا يتصوّر في مثل ذلك تعدّد ، وإطعام الجائع يعظم بالتعدّد ، والإنفاق يعظم بالأمرين جميعا ، والجزاء على فعل الخير إذا بلغ كمال الجزاء وشموله كان برّا أيضا.
وروى النّوّاس بن سمعان عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنّه قال : «البرّ حسن الخلق والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطّلع عليه الناس» رواه مسلم.
ومقابلة البرّ بالإثم تدلّ على أنّ البرّ ضدّ الإثم. وتقدّم عند قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [البقرة : ١٧٧].
وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحبّ غاية لانتفاء نوال البرّ ، ومقتضى الغاية أنّ نوال البرّ لا يحصل بدونها ، وهو مشعر بأنّ قبل الإنفاق مسافات معنوية في الطريق الموصلة إلى البرّ ، وتلك هي خصال البرّ كلّها بقيت غير مسلوكة ، وأنّ البرّ لا يحصل إلّا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب ، فظهر ل (حتّى) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها : لأنّه لو قيل إلّا أن تنفقوا ممّا تحبّون ، لتوهّم السامع أنّ الإنفاق من المحبّ وحده يوجب نوال البرّ ، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات الّتي أشعرت بها (حتّى) الغائية.
و (تنالوا) مشتقّ من النوال وهو التّحصيل على الشيء المعطي.
والتّعريف في البرّ تعريف الجنس : لأنّ هذا الجنس مركّب من أفعال كثيرة منها
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
