جبنا ، واليقين شكّا ، ولذلك نهوا عنه. وأمّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار. والوهن والحزن حالتان للنفس تنشئان عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة. فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد ، كما ينهى عن النسيان ، وكما ينهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرينّ فلانا في موضع كذا أي لا تتركه يحلّ فيه ، ولذلك قدّم على هذا النّهي قوله : (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) [آل عمران : ١٣٧] إلخ ... وعقب بقوله : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وقوله : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنّصر المستقبل ، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة.
والتّعليق بالشرط في قوله : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علم الله أنّهم مؤمنون ولكنّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة ، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم : إن علمتم من أنفسكم الإيمان ، وجيء بإن الشرطية الّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها ، إتماما لهذا المقصد.
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١))
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ).
تسلية عمّا أصاب المسلمين يوم أحد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب ، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب ، وقد سبق أنّ العدوّ غلب. والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة البقرة [٢١٤](مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ). والقرح ـ بفتح القاف في لغة قريش ـ الجرح ، وبضمّها في لغة غيرهم ، وقرأه الجمهور : بفتح القاف ، وقرأه حمزة والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف : بضمّ القاف ، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته ، بل هو استعارة للهزيمة الّتي أصابتهم ، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار ، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد ، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر ، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة.
والقوم هم مشركو مكة ومن معهم.
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ٣ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2907_altahrir-wal-tanwir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
