القانون الجديد الذي اقتضته أراء رجال دولتنا التي نتجت عنهم بحريتهم ، حيث استندوا إلى تلك الأمنيّة وقد تيسر لنا في هذا اليوم الإعلان به. ولما كان هذا اليوم من الأيام السعيدة فإنه يلزمني أن نذكر الآن المقدس المرحوم والدنا ونصفه بعنوان محيي الدولة ، وأن نذكر مقاصده الحسنة ولا شك أنه كان سعى بنفسه في إدخال السلطنة في العهد القانوني الذي سنستظل به الآن ، ولو توفرت مدة تأسيس التنظيمات الخيريّة الأسباب المتوفرة الآن لكان والدنا المرحوم أسس إذ ذاك أحكام هذا القانون الأساسي ، ولكن العزة الإلهيّة قدرت أن يكون هذا التبديل السعيد الذي هو الكفالة العظمى لخير رعايانا في مدة ولايتنا ولله المنة على ذلك.
ومن المعلوم المقرر أن أصول إدارة الدولة صارت مغايرة للتبديلات المتتابعة التي وقعت شيئا فشيئا في تصرفاتنا الداخليّة وفي زيادة خلطتنا مع الدول الأحباب وغاية مرغوبا إزالة جميع الأسباب المانعة للأمة وللبلاد من الإنتفاع بالنتائج الطبيعيّة التي لهم حق فيها كما يلزم ، وأن نرى جميع رعايانا قد جاوزوا الحقوق التي من علائق الأمم المهذبة بحيث يكون كلهم متعاضدين بنيّة سالمة في التقدم والألفة والإتحاد ، فكان من الواجب اتخاذ طريقة نافعة مستقيمة للحصول على المقصد المذكور ووقاية حقوق الدولة ومحو الخطيئات والغلطات الناتجة من الأعمال الغير المباحة الناشئة من وجود التصرف الإستبدادي بيد نفر واحد أو بعض أنفار ، وأن نمنح حقوقا متساوية لجميع الطوائف المركبة منهم الأمة وأن نجعلهم في حالة يمكنهم معها الإنتفاع بخير الحرية والعدل والتسوية ولا فرق بينهم في ذلك ، وهذا هو الوجه الوحيد الصالح لحماية جميع المصالح وضماناتها وهذه القواعد الكليّة أنتجت وجوب عمل آخر مفيد للغاية وهو وجوب تقييد أساس إدارتنا بصورة شوريّة قانونيّة ولذلك لما أصدرنا خطنا عند صعودنا على كرسي السلطنة قررنا لزوم إحداث مجلس للأمة (١) وقد اشتغلت جمعيّة خاصة مشكلة من رجال دولتنا وأهل العلم والمتوظفين الأعيان في تأسيس أصول هذا القانون بغاية التدقيق ، ثم وقع التأمل منها بمجلس وزرائنا والموافقة عليها وهذا القانون اشتمل على إثبات الحقوق الراجعة للذات السلطانيّة وحريّة جميع الرعايا العثمانيين السياسيّة والعرفيّة وتسويتهم لدى الأحكام السياسيّة والعرفيّة أيضا ، وبيان مسؤوليّة الوزراء والمتوظفين ومتعلقات وظيفتهم وحق مجلس الأمة في الإحتساب على أعمالهم ، واستقلال المجالس الحكميّة في خدمتها والمعادلة بين دخل الدولة وخرجها معادلة حقيقيّة وقسمة التصرفات الحكميّة بالأوطان مع بقاء النظر الأعلى فيها للدولة ، وجميع هذه الأصول المطابقة لأحكام الشريعة المطهرة ولضروريات الوقت ولمرغوبنا قابلت النيّة الحسنة التي شأنها تحقيق خير الجميع ، حيث أن ذلك غاية المراد وقد جعلت إتكالي على الله وعلى أمداد رسوله في ذلك وأنطت لعهدتهم هذا القانون بعد أن وافقت عليه بإمضائي السلطاني ويقع العمل به حالا بحول الله في جميع جهات السلطنة ، فالآن إرادتنا أنكم تعلنوا بهذا
__________________
(١) في الأصل «برلمنتو».
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
