تملك الروسيا لخليج فارس وخليج السويس وبذلك تسقط من يدها مستعمراتها في الهند ، ودولة النمسا تخشى علو كعب الصقالبة بجوارها فيظهرون عليها وتتلاشى فيما بينهم مع سابقيّة التآلف بين العثمانيين والهنكاريين الذين هم قسم مستقل من مملكة النمسا ، حتى أن رئيس الدولة يلقب بإمبراطور النمسا وملك هنكاريا وهذا التآلف جاء من مساعدة العثمانيين لهم عندما كان قسم النمسا قاهرا لهنكاريا ومستبدّا عليها في التصرفات السياسيّة ، غير أنه منع كل من الدولتين مانع من إنفاذ قصدها بالفعل.
فأما دولة إنكلتره فإنها لما كانت دولة حريّة بحتة لم يكن في قدرتها التصرف إلّا على طبق إرادة الأمة ، وأمتها منقسمة إلى حزبين أحدهما : يسمى حزب المحافظين ، والثاني : يسمى حزب الأحرار ، وتقدم بسط هذه التسمية في الكلام على إنكلترا ، وكان الحزب الثاني مضادّا لإنتصار دولته للدولة العليّة حتى أنه لما كان بيده زمام التصرف في سنة ١٢٨٨ ه وانتهزت الروسيا الفرصة من حرب جرمانيا وفرنسا فطلبت تغيير معاهدة باريس فيما يتعلق بتقوية شأنها في البحر الأسود ساعدت إذ ذاك دولة إنكلترا على ذلك المطلب وغير شرطه ، وفي هاته النازلة المتكلم عليها كان التصرف بيد حزب المحافظين لكن الحزب الآخر مضاد لهم وكاد أن يجذب إليه الحزب الآخر فلم يكن في وسع زعماء هذا الحزب الذين بيدهم زمام تصرف الدولة أن يخالفوهم بالمرة ، سيما والباعث على إنفاذ سياستهم مع المخالفة لم يحصل في هاته المسألة كما يفقهه البصير ، وأضف إلى ذلك عدم تحقق محالف ذي قوة بريّة معتبرة يمكن لإنكلترا أن تتعاضد معه للإنتصار للدولة العليّة لأن فرنسا الوحيدة لمثل ذلك لم يكن في وسعها الإرتباك في الحرب لما تقدم في الفصل الثالث من المقصد في الكلام على فرنسا ، وهذا السبب المتعلق بفرنسا ذاته هو الذي نكص دولة النمسا عن إنفاذ قصد الهنكاريين في معاضدة الدولة العليّة ، حيث أن الموازنة الأوروباوية تغيرت وتحالف الأباطرة الثلاثة أي إمبراطور ألمانيا والروسيا والنمسا ، إمّا حقيقة وإما حكما على مساعدة بعضهم ونفعهم كما بينته الحوادث ، فلأجل الجواذب المتباينة المشار إليها غاية ما استطاعته كل من إنكلترا والنمسا لكبح الروسيا أن عقدوا مؤتمرا في الاستانة للإتفاق ما بين الدول الموقعين على معاهدة باريس على ما ينصلح به الحال ويرجع السلم بين الدولتين المتنافرتين ، فأرسى أمرهم فيه على أن طلبوا من الدولة العليّة ما يأتي :
أولا : تغيير حدود الجبل الأسود بإعطائه بعض أراضي من المملكة العثمانيّة.
ثانيا : تشكيل لجنة من مرخصي الدول الأورباويّة لتعيين تلك الحدود الجديدة.
ثالثا : إبقاء حكومة الصرب على الحالة السالفة بأن تكون لا لها ولا عليها ، وتتقرر حدودها من جهة بوسنة عملا بمقتضى الخط السلطاني الصادر سنة ١٢٣٢ ه.
رابعا : الولاة الذين يتعينون إلى بوسنة وهرسك والبلغار ينتخبون من جانب الباب العالي مع موافقة دول أوربا في ذلك وإبقائهم في مأمورياتهم مدة خمس سنين.
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
