وكان أعظم همهم وغاية تفاخرهم هو البلاغة في لغتهم التي بها يعبرون عن خصال فضائلهم ومناط تنافسهم ، حتى صاروا يعقدون لذلك أسواقا كسوق عكاظ فيفيضون إليه من كل فج عميق ، وتأتي القبائل بما لديها من البضائع والتجارة ويقع بينهم تعارف ورواج في المتجر ، ولكن موضوع أصل الاجتماع هو عرض كل قبيلة كلام فحول فصحائها من نثر ونظم فتنصب لأصحاب البلاغة واللسان الطلق المنابر وينشد كلّ منهم ما لديه من القصائد التي كان تأنق في إحضارها ، حتى ربما بلغ الحال بأحدهم أن لا يظهر قصيدته إلّا بعد التروّي والتدبر فيها وإصلاحها مدة العام والعامين ، حتى كانت لهم قصائد تسمى بالحوليّة وقد يكون الإنشاد ارتجالا مع الإبداع والاغراب من مصاقعهم في أغراض شتى من نصائح وحكم وصفة مكارم الأخلاق ، أو في الشجاعة والبطش والحروب ، أو في الغزل والنسيب أو المفاخرة والمدح والذم إلى غير ذلك مما اشتهر أمره في الآفاق بين سائر الأمم إلى الآن ولا زال يضرب به المثل فيما كان للعرب من سعة اللغة وكمال الإدراك فيما خاضوا فيه ، من مناهج الكلام ، وكانت لهم حكام مسلم إليهم الإنصاف ومعترف لهم بكمال الخبرة والإحاطة بأساليب البلاغة وجزالة المعنى ودقة المدرك فيحكمون بتفضيل بعض الكلام على بعض ، وربما بلغ الحال من العناية بالكلام البليغ أن يكتب في صحائف مونقة ويعلق في داخل الكعبة التي هي مناط تعظيمهم قديما وحديثا ولو في الجاهليّة ، دلالة على أن ذلك الكلام قد بلغ الغاية القصوى في المهيع الذي هو بصدده لما احتوى عليه من الفصاحة ، ومن ذلك المعلقات السبع الشهيرة ، غير أنهم مع هاتيك الكمالات قد تناسوا دين آبائهم إبراهيم وإسماعيل عليهمالسلام ولم يبق فيهم من آثاره إلّا اعتقاد الخالق والإعتراف له بالوجود كما يرشد إليه قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [الزمر : ٣٨] و [لقمان : ٢٥]. وكذلك تعظيمهم للبيت الحرام ، ثم تفرقوا في بقيّة العقائد على أنحاء شتى باطلة من وثنيّة ومجوسيّة ودهريّة وكتابيّة أي متنصرين أو متهودين مستغرقين في الضلال الذي عم جميع أطراف الأرض في ذلك العصر ، بحيث لم يكن بها من يعبد الله على حق إلّا عدد من أفراد مخصوصين.
وبينما كان أهل الأرض في ذلك الظلام الحالك وإذا بنور الله قد سطع وكشف عن البصائر الحجب ببعثه رسول الله سيدنا ومولانا محمّد صفوة بني هاشم سادة العرب ، فانقلب الكون حينئذ إلى طور آخر في سائر الأحوال المتعلقة بالدين والدنيا وظهر في العالم عصر جديد عمّ اعتداله واستقامته أغلب المعمور من الأرض في سنين قليلة ، والكلام على تفاصيل زمن البعثة وما سبقه وما لحقه من مكملات دعائم الدين الإسلامي قد بسط ووقر في مجلدات عظيمة من كتب السير والتاريخ لا تمكن الإحاطة بها هنا ، وشهرتها غنيّة عن البيان. وإنما الذي ينبغي التنبيه عليه هنا لمن لم يكن خبيرا هو أن تاريخ ذلك العصر أعني عصر البعثة وعصر الخلفاء الراشدين يلزم فيه من القيود ما لا يلزم في غيره من التواريخ وهو صحة السند واتصاله ، بحيث يصح أن يكون معتمدا لانبناء الأحكام الشرعيّة عليه. لأن
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
