وأما القسم الشمالي : فهو مملكة غسان أي الجهة الموالية للشام والعراق ، فهاته كثيرا ما حدثت بها دول مستقلة ذات شأن لكنها لم تبلغ مقام دول اليمن ، وفي أكثر الأحوال تكون هاته المملكة تابعة لصاحب ملك الشام كالرومان وغيرهم ، وفي أكثر الأحوال أيضا تكون رؤساؤهم منهم وإن كانوا تابعين لغيرهم.
وأما القسم الثالث : وهو الوسط الشامل للحجاز ونجد وتهامه ، فالحجاز منه في أغلب الأوقات إن لم نقل في كلها كان منفردا. وأما غيره فيكون تارة تابعا للجنوب وتارة للشمال وتارة ينفرد بنفسه مثل الحجاز ، والحجاز الذي هو بيت القصيد مع كونه كان منفردا عن الخضوع لغيره ، إلّا أن يكون خضوعا إسميّا بمعنى الادلاء بالبيعة لبعض ملوك اليمن العظيمي الملك فإنه في نفسه لم تكن به دولة ملكيّة قط وإنما جميع السكان منقسمون إلى قبائل كل قبيلة خاضعة إلى رؤسائها فقط ، ولا سلطة لواحدة على أخرى إلّا ما يكون على طريق الظلم والعدوان ، وقد انفردت قبيلة قريش من بين سائر قبائل العرب بالمجد والفضل لما لها من المزيّة باختصاصها بالسكنى حول بيت الله الحرام الذي لم يزل معظما عند الجميع منذ بناه سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل أبو العرب ، وكانت سائر القبائل العربيّة تحجه من جميع الآفاق اليمن والشام وغيرهما وتعظم أهله وتكرمهم ، واختص بمزيد الشفوف على قريش بنو هاشم منهم فكانوا هم سدنة البيت وهم حماته.
وقد تقررت في قبائل العرب أكثر شيم المكارم لا سيما قريش فكانوا أبعد الخلق عن تحمل الضيم وكانوا أحرص الناس على حفظ المجد وحماية النسب ، فيحفظون أنسابهم ويتفاخرون بها ويكرمون الضيف ويتنافسون في البذل والكرم ويحمون الجوار ويوفون بالعهد ولهم اليد البيضاء في الشجاعة والرماية والفروسيّة ، والإعتناء بتربية الخيل الجياد والإبل ، ويتفاخرون بالعدل ويستقبحون الظلم وإن افتخروا به في قهرهم به لأعدائهم ، والحاصل أنهم اقتنوا أكثر سمات الفضائل ومكارم الأخلاق حسب ما يرشد إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) ويؤكد ذلك حلف الفضول ، الذي قال فيه صلىاللهعليهوسلم : «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعي به في الإسلام لأجبت» (٢) الخ ، وذلك أن قريشا تحالفوا على أن لا يجدوا مظلوما إلّا انتصروا إليه حتى يردوا ظلامته ويأخذون حق الضعيف من القوي ، ولتنافسهم في سمات الكمال حدثت بين القبائل المشاحنات على استحصالها وتمكنت العداوة بينهم وصاروا على قلوب شتى.
__________________
(١) أخرجه الإمام مالك في موطأه برقم (٩٠٤) والقاضي عياض في الشفا ١ / ٢٠٧ والسيوطي في الدرر المنتثرة (٥٨).
(٢) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٦٧ والقرطبي في تفسيره ٦ / ٣٣ و ١٠ / ١٦٩ وابن كثير في البداية والنهاية ٢ / ٢٩١.
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
