جميع حركات وسكنات رسول الله صلىاللهعليهوسلم تشريعيّة للأمة إلّا ما قام الدليل على اختصاصه به عليه الصلاة والسلام ، وهكذا أعمال خلفائه الراشدين من بعده ، ومن المقرر في كتب الأصول أن الأدلة الشرعيّة لا تثبت بمجرد النقل بل لا بد أن يكون النقل على الوجه المعتبر وهو روايته أي الدليل بالتواتر أو الشهرة أو الأفراد على ما هو مبسوط في كل منها ، وبهذا يتبين غلط من يزعم أن الإمام أبا حنيفة رضياللهعنه كان غير عالم بالسير الذي هو تاريخ سيرة رسول الله سيدنا محمّد صلىاللهعليهوسلم وعلى آله وكذلك سيرة خلفائه الراشدين من بعده وهم سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضياللهعنهم ، لأن كل ذلك يتوقف عليه كثير من مسائل الاجتهاد كمعرفة الناسخ والمنسوخ من الأقوال والأفعال وكذلك نفس الأدلة التي يستند إليها المجتهد ، فمن تمشدق بحكايات عن أبي يوسف (١) أو محمّد فيما سلمه أمامهم أبو حنيفة رضياللهعنهم أجمعين ، ليس هو إلّا جهول بمقام الاجتهاد وبمعاني الكلام وارتباط العلوم ببعضها ولا غرابة حينئذ في فحش غلط وكذب مؤرخي غير المسلمين فيما ينسبونه بهتانا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم في بعض سيره وصفاته ، لأنهم يظنون أن تاريخ ذلك العصر خصوصا ما يتعلق بالنبي صلىاللهعليهوسلم هو مثل سائر التواريخ التي تتوقف على مجرد الرواية مع عدم المانع العقلي ، وقد عرفت أن الأمر عندنا ليس كذلك بل هو مشروط بما ذكرناه فلا يغتر مسلم بما يذكره الإفرنج الآن في تواريخهم في هذا الموضوع. وننبه على الخصوص أبناء أوطاننا المعجبين بأحوال الإفرنج على الإطلاق لإنكبابهم على تعاليمهم وعدم فتح بصائرهم في حقائق معارف المسلمين حتى جرهم ذلك إلى استحسان طريقة التاريخ عند الإفرنج مطلقا مع أنها في نفس الأمر ليست مطابقة للواقع في الموضوع الذي ذكرناه ، ثم أن هاته الطبقة من العرب لما كتب الله لها أن تسود على الأرض ويعم حكمها فيها في الطول والعرض ، وأنجز لها وعده في أقرب مدة بحيث أنها في خلافة سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه المتوفي سنة ٢٧ هجرية ، امتدّ حكمها من جبال القوقاز إلى المحيط الغربي جهة إسبانيا ومراكش ، وكان ذلك إحدى معجزاته عليه الصلاة والسلام حيث قال : «وزويت لي الأرض فأوريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي مقدار ما زوي لي منها» (٢) فكان الأمر كذلك ولم يتوغل ملك الأمة في الجنوب وفي الشمال مثل ما توغل في المشرق والمغرب كما قاله حجة الإسلام الغزالي في
__________________
(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي ، أبو يوسف (١١٣ ـ ١٨٢ ه) فقيها حافظا للحديث. صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه. ولد بالكوفة. مات في خلافته ببغداد وهو أول من دعي «قاضي القضاة». الأعلام ٨ / ١٩٣ مفتاح السعادة ٢ / ١٠٠ البداية والنهاية ١٠ / ١٨٠ الجواهر المضيئة ٢ / ٢٢٠ تاريخ بغداد ١٤ / ٢٤٢ الفهرست لابن النديم (٢٠٣) وفيات الأعيان ٢ / ٣٠٣ الإنتقاء (١٧٢) مرآة الجنان ١ / ٣٨٢ وشذرات الذهب ١ / ٢٩٨.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣٩٥٢) والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢ / ٢١٠ وابن كثير في البداية والنهاية ٦ / ٢٩٩ والقاضي عياض في الشفا ١ / ٥١٩.
![صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار [ ج ٢ ] صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2396_safwat-aletebar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
