من ذلك فليمحه(١) .
فهكذا كان حال السنة في عصر الصحابة .
ولما وَصَلَتِ النوبة إلى عصر التدوين رأينا أئمة الحديث أمثال البخاري ومسلم والترمذي يطرحون أو يقطعون أكثر ما انفلت من أيدى هؤلاء من الأحاديث بسبب مخالفتها لشروطهم ؛ لأنهم اشترطوا لصحة الحديث ـ إضافة إلى الاتصال والوثاقة في الإسناد ـ أن لا يكون مضمون الحديث مخالفاً لمذهب أهل السنة والجماعة ، وأن لا تكون فيه علة خفية ، وكانت طريقة معرفة تلك العلة تشخيص هؤلاء المحدثين ؛ فإذا كان الحديث مخالفا لمذهبهم يحكمون بشذوذه وضعفه ولو كان جميع رجال السند من الثقات .
وقد اعترف البخاري فيما حكي عنه قائلاً : لم أخرج في هذا الكتاب إلّا صحيحاً ، وما تركت من الصحيح كان أكثر(٢) .
فبدل أن يجعلوا السنة معيارا لصحة الرأي والمذهب تراهم يجعلون المذهب ميزاناً لصحة الحديث ، حتى وصل الأمر إلى توصيف من لم يذكر في تأليفه ما يخالف المذهب بالأضبطية والأدقية ، واتهام من أورد شيئاً مخالفاً لمذهبهم في كتبه بكونه من أهل الخلاف وتوصيفه بالسذاجة والجهالة .
كنت أتساءل في نفسي : إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لمن يريد الوقوف على الحقيقة أن يصل إلى هدفه ؟ وكيف يمكنه أن يميز الحق من الباطل إذا كان ميزان التمييز وطريقة التحقيق هو نفس المذهب ؟!
_____________________
١ ـ كنز العمال : ١٠ / ٢٩٢ ح : ٢٩٤٧٦ ، جامع بيان العلم وفضله : ١ / ٢٧٥ ح : ٣٤٥ .
٢ ـ صحيح البخاري ( المقدمة ) / ٨ ـ ٩ .
