أولاً : وحدة الوزن والقافية
على الرغم من طول الملحمة التي جاوزت الأربعين ألف بيت ، وتعدد مواضيعها وتنوع مضامينها ، فإننا نرىٰ أنّ الشاعر يلتزم فيها بحراً واحداً وهو الخفيف ، وقافية واحدة وهي الهمزة المكسورة . وقد أجاد الشاعر في اختياره هذا . فكما هو معروف فانّ بحر الخفيف ـ كما يتضح من تسميته ـ خفيف يتصف بالهدوء والرزانة ، الرزانة الباعثة علىٰ الحركة والتواصل لا على السكون والانقطاع . « وأكثر ما استعمل الخفيف عند القدامىٰ في أغراض قريبة من مواطن الأداء النفسي كالتأمل والحكمة والرثاء ، كما استعمل لإبراز الحوار الداخلي ما بين الشاعر وأعماقه . . . » (١) .
وأمّا القافية وهي الهمزة المكسورة فانّها من أفضل القوافي التي يمكن استخدامها في القصائد المطولة ذات النفس الملحمي المديد ، لكثرة مفرداتها وتنوع اشتقاقاتها اللغوية . فلذا كان التنوع اللغوي مشهوداً وملحوظاً في تمام أبيات الملحمة . وكما مرّ سابقاً فانّ الشاعر قد استخدم قافية واحدة فقط لم يحد عنها طوال أجزاء الملحمة الثمانية . ولعل ذلك يعود إلىٰ الإحكام الذي توخاه الشاعر في نسيج قصيدته ، والتناسب الحاصل عادة بين الموسيقىٰ الداخلية والخارجية في مثل هذا النوع من القصائد الموحدة القافية .
وهذا دأب شعراء النجف فانّهم ينظرون « إلىٰ وحدة القافية نظرة اعتزاز ، ويعدونها أصلاً من أُصول الإبداع في القصيدة ، ومظهراً من مظاهر اكتمالها الفني ، ولا يحيدون عن وحدة القافية رغبة في التخلص منها ، بل اتباعاً لنماذج من الشعر العربي وفنونه ، كالموشح والمزدوجات » (٢) .
__________________
١ ـ علي عباس علوان : تطور الشعر العربي الحديث في العراق ، ص ٢٣٧ .
٢ ـ عبد الصاحب الموسوي : حركة الشعر في النجف ، ص ٣٤١ .
