٥ ـ شعر التأريخ (١)
إن شعر التاريخ من الصناعات الأدبية التي أولع بها المتأخرون . وشاع استعمالها كثيراً عند شعراء النجف لارتباطها الوثيق بالمناسبات المختلفة التي يراد لتاريخها أن يذكر ويخلد .
ولا يخفى ما لهذا الفن الشعري من تكلف شديد وصنعة ظاهرة ، فهو « يتطلب مهارتين ، مهارة اعداد الجمل التي يكون حاصل جمعها موافقاً للتاريخ المطلوب ، وهي مهارة حسابية لا شأن لفن الشعر فيها ، ومهارة انتقاء تلك الجمل بحيث تحمل
__________________
١ ـ ويسمى أيضاً التاريخ الشعري ، والتاريخ الحرفي . والغرض منه ضبط تاريخ واقعة بأحرف تتألف منها كلمة أو جملة يكون مجموع حروفها بحساب الجمل يساوي التاريخ الذي جرت فيه تلك الواقعة ، يأتي بها الشاعر بعد لفظ « تأريخ » أو ما يشتق منه . ولا يعرف بالتعيين أول من استعمله في الشعر . وقد قال جرجي زيدان في كتابه ( تاريخ آداب اللغة العربية ، ج ٣ ، ص ١٢٤ ) : « انّ هذا النوع من التاريخ شائع اليوم لكنه من محدثات العصور الأخيرة . لم نقف على شيء منه أقدم من أوائل القرن العاشر للهجرة على اثر فتح العثمانيين مصر . ويظهر أنه أقدم من ذلك عند العثمانيين .
ومن أقدم ما وقفنا عليه من ذلك تاريخ فتح القسطنطينية سنة ٨٥٨ هـ . فقد أرخه العثمانيون بقولهم : « بلدة طيبة » ، وأرخ رجل آخر بناء سبيل سنة ٩٦٦ هـ بقوله : « رحم الله من دنا وشرب » . واستخدموا ذلك نظماً قبل هذا التاريخ كقول بعضهم يؤرخ وفاة « ابن المؤيد » سنة ٩٢٢ هـ بقوله :
|
قل للذي يبتغي تاريخ رحلته |
|
( نجل المؤيد مرحومٌ ومبروك ) |
وأرخ شاعر آخر وفاة « محمد باشا » المقتول والي مصر سنة ٩٧٥ هـ بقوله :
|
قتله بالنار نورٌ |
|
وهو في التاريخ ( ظلمه ) » . |
وللشيخ جعفر النقدي رسالة خاصة بحث فيها هذا الفن وأسماه « ضبط التاريخ بالأحرف » ، وفيها « عالج الموضوع علاجاً متيناً واستقصى تأريخه حسب إمكان بحثه واستظهر أن يكون ظهوره أقدم مما ذكره جرجي زيدان ، واستشهد بتأريخ عمله بعض الادباء للأمير تيمور لنك المغولي وقد اثابه عليه الف دينار ذهباً وذلك عام ٨٠٥ هـ وفيه تورية لطيفة ، والتأريخ هو ( الم ، غلبت الروم ، في أدنى الأرض ) « فأدنى » الأرض « ض » والغرض اسمها ضاد وهو ( ٨٠٥ ) . واستشهد بتأريخ آخر أقدم منه وهو بالفارسية عند انقراض الدولة العباسية من العراق وقتل المستعصم العباسي ومادته ( خون ) ومعناه ( دم ) واعتقد ان هذا التاريخ من وضع الخواجة نصير الدين الطوسي » . ( شعراء الغري ، ج ٦ ، ص ٣٧٣ ، ٣٧٤ ) .
