نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ولقد كنّا في حيرة تفرض أسئلة عديدة لا يمكن الإجابة عنها إذا لم ترفع الحصانة المفروضة عن أولئك ، فلماذا لم يقم أبو بكر وعمر اللذين وعلى حدّ علمنا نعهد فيهما الشجاعة وحبّ التضحية وسرعة الطاعة والاستجابة لأمر الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟.

هل كان حبّهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تعلمناه أم كانت الحقيقة مغايرة لما تعلمناه ؟.

أغنياء أم فقراء :

ولقد كنّا نقرأ ونتعلم أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف كانوا من أغنياء المسلمين ، وكانوا يضعون كل أموالهم بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكنّا نقرأ ونتعلّم كيف أنّ عثمان بن عفان كان يجهّز الجيوش من أمواله ، وأنّه تبرّع بقافلة كاملة محمّلة بالقمح والبرّ لوجه الله تعالى ، فقد تعلّمنا عنهم أنّهم كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله تعالى ، وقرأنا عن أحوالهم الماليّة بعد وفاتهم ، ووجدنا أنّهم كانوا من أصحاب الملايين. فلماذا إذن ومع وجود كلّ هذه الأموال كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعاني من الجوع ومن قلّة المال ؟. ولماذا كانت أم المؤمنين عائشة تقول : إنّه لم توقد نار في بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولفترات طويلة (١) ؟ ولماذا كان يخرج من بيته في ليال عديدة وهو يربط حجراً على بطنه الشريف من شدة الجوع ؟ (٢).

لماذا كان أهل بيت الرسول فاطمة وعليّ والحسن والحسين في أغلب حياتهم مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جياعاً كما تصف الآيات في سورة الدهر (٣) وغيرها

__________________

(١) أنظر مسند أحمد ٦ : ١٠٨ ، المستدرك ٤ : ١٠٦ وغيرها.

(٢) أنظر شرح نهج البلاغة ٩ : ٢٣٠ ، الطبقات الكبرى ٧ : ٤٢٣ ، الجرح والتعديل ٩ : ٣١٦.

(٣) أنظر تفسير الكشف والبيان للثعلبي ١٠ : ٩٨ ـ ١٠١ ، تفسير الكشاف ٤ : ٦٧٠ ، شواهد التنزيل ٢ : ٣٩٨ ـ ٣١٠.

٨١
 &

وعشرات الأحاديث أيضا ؟ (١). لماذا كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ومع وجود كلّ تلك الأموال بحاجة لأنْ يعمل عند يهوديّ لينضح الماء مقابل صحن صغير من التمر يسدّ فيه جوعه وجوع أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وعليهم ؟ (٢).

وهل كانت فضائل أولئك الأغنياء من كبار الصحابة حقيقيّة أم مصطنعة ؟. وإذا كانت حقيقيّة ، فلماذا تركوا رسول الله وأهل بيته جياعاً ؟. وإذا كانوا أغنياء وأسخياء لماذا تذكر بعض الروايات أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج في ليلة وهو يربط حجرا على بطنه من شدة الجوع ، فلقيه أبو بكر وعمر فقالوا ما أخرجنا إلا الذي أخرجك ، أي أنّهم كانوا يعانون من الجوع أيضاً (٣). فهل كانت فضائلهم حقيقية أو أنّ هذه الرواية تغطية على واقع معيّن ؟.

الأدوار المخفية :

ثمّ إنّنا عرفنا دور حمزة بن عبد المطلب ودور أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما‌السلام في معركتي بدر وأحد ، فأين كان أبو بكر وعمر وعثمان فيهما ؟. وأين بطولاتهم وشجاعتهم التي تعلمنا عنها الكثير الكثير ؟. ولماذا هرب أغلب الصحابة من حول رسول الله في أحد وحنين وغيرها من المعارك حتّى بقي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحيداً في أحد ومعه أمير المؤمنين عليه‌السلام ؟. أين كان أبو بكر وعمر في ذلك الوقت ؟.

فلقد هرب أكثر من ثلث جيش المسلمين في معركة أحد وهرب الباقي بعد ذلك وتركوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحيدا مع أمير المؤمنين وشخص أو شخصين

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٩٦ ، ٢٠٥ ، ٧ : ٢٣٠.

(٢) أنطر سنن الترمذي ٤ : ٥٨ ـ ٥٩.

(٣) أنظر صحيح ابن حبّان ١٢ : ١٦ ، المعجم الأوسط ٢ : ٣٦٥.

٨٢
 &

غيره ، وقد شجّ في جبهته وكُسرت رباعيّته ، وقد روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال بعد ذلك : لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم (١).

وقد روي في الصحاح والسنن عن أنس : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شج في وجهه وكسرت رباعيته ورمى رمية على كتفه فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسحه ويقول : كيف تفلح أمة فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (٢). (٣)

وهذا الحديث الذي يبين هروب الصحابة في معركة أحد وتركهم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أمير المؤمنين عليا عليه‌السلام ، ويبين أيضا أثر هروبهم على رسول الله وكيف عرّضوه للقتل والجرح وكشفوه للمشركين.

لكنّ دوائر صناعة الفضائل وأجهزتهم زادوا في الحديث من عندهم زيادة واضحة ، يدافعون فيها عن الهاربين ويتّهمون رسول الله بالتدخّل بشيء ليس له فيه دخل وإنّ الله تعالى لم يستجب دعاءه ، واستخدم واضعوا تلك الزيادة الآية المذكورة وحدّدوا سبب نزولها ، ولكنّهم وقعوا في فخّ كبير عندما استشهدوا بالآية الشريفة نتطرق إليه في بحث لاحق من هذا الكتاب.

ثمّ هروب الرماة الخمسين ومخالفتهم أمر نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طمعاً في الغنائم وكان هروبهم سبباً في تحوّل نتيجة المعركة.

ثمّ الهروب الكبير في معركة حنين ، حيث فرّ من المعركة أكثر من عشرة آلاف صحابي وبقي مع النبيّ أمير المؤمنين عليه‌السلام وثلة من بني هاشم يدافعون

__________________

(١) تفسير الطبري ٤ : ١١٥.

(٢) آل عمران : ١٢٨.

(٣) سنن الترمذي ٤ : ٢٩٥ ، مسند أحمد ٣ : ٢٠١ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٤٤٣.

٨٣
 &

عن رسول الله ، وكان على رأس الفارّين عمر بن الخطاب ، فقد روى البخاري في صحيحه وغيره كثير عن أبي قتادة قال : خرجنا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام حنين ، فلمّا التقينا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين ، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع ، وأقبل عليّ فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت ، ثمّ أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمرُ الله عزّ وجلّ (١).

ثم هروبهم في خيبر وهزيمتهم وعلى رأسهم كبار الصحابة أبو بكر وعمر ، فما روي عن أبي بكر وهزيمته وعمر وتجبين أصحابه له عند بعثهم لفتح خيبر ، صحّحه كلّ من الحاكم والذهبي فقد نقل الحاكم روايتين حول أبي بكر.

عن مسلمة بن الأكوع قال : بعث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر إلى بعض حصون خيبر فقاتل وجهد ولم يكن فتح.

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص : صحيح (٢).

وعن أبي ليلى عن عليّ أنّه قال : يا أبا ليلى أما كنت معنا بخيبر ؟ قال : بلى ، والله كنت معكم ، قال : فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس وانهزم حتّى رجع.

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص : صحيح (٣).

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ : ١٠٠ ، صحيح مسلم ٥ : ١٤٨.

(٢) المستدرك على الصحيحين وبهامشه تلخيص المستدرك ٣ / ٣٧.

(٣) المصدر نفسه ٣ : ٣٧.

٨٤
 &

ويروي الحاكم أيضا روايتين عن دور عمر يوم خيبر :

الأولى عن عليّ عليه‌السلام قال : سار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خيبر فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه فجاءوا يجبنونه ويجبنهم فسار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الحديث.

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال الذهبي في التلخيص : صحيح (١).

والرواية الأخرى عن جابر ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق ، فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه.

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (٢).

إلى أنْ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث المتّفق عليه عند أصحاب الحديث : لأبعثنّ غداً رجلا لا يخزيه الله أبداً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله (٣). وفي رواية (لا يولي الدبر يفتح الله على يديه) (٤).

ولقد تعلّمنا من السيرة النبويّة عن دور عمّ الرسول وأخيه في الرضاعة حمزة بن عبد المطلب عليه‌السلام ، وعن شجاعته وبطولته وتضحيته فداء لرسول الله وللإسلام ، بعد أن أعلن إسلامه وبعد أن نصر به الإسلام والمسلمين ، لماذا بعد كلّ ذلك يطغى دور عمر بن الخطاب ويطمس دور حمزة بن عبد المطلب عليه‌السلام ؟ بل إنّنا كنّا نتساءل إذا كان عمّ الرسول أبو طالب رضوان الله تعالى عليه ، هو الذي نصر الدعوة ودافع عنها بماله وأولاده ، وحوصر مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شعب أبي طالب ثلاث سنوات ، فهل مات مشركاً كما يقولون ؟. بل

__________________

(١) المصدر نفسه ٣ : ٣٧.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٨.

(٣) أنظر صحيح البخاري ٤ : ١٢ ، ٢٠٧ ، ٥ : ٧٦ ، صحيح مسلم ٥ : ١٩٥ ، ٧ : ١٢٠ ـ ١٢٢.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٨.

٨٥
 &

أين أولئك ذوي الفضائل المصطنعة ؟. ولماذا لم تحاصرهم قريش مع بني هاشم في الشعب وتركتهم يعيشون حياتهم الطبيعية خلافا لما فرضوه على نبيّ الله وبني هاشم ؟.

لماذا لم يصل عمر في المسجد الأقصى ؟

ولقد تعلّمنا وحفظنا أنّ الذي فتح بيت المقدس هو عمر بن الخطاب ، وكنّا نتساءل ، لماذا بعد دخوله القدس ، ومعرفته بثواب الصلاة في المسجد الأقصى ، وبعد أنْ أنعم الله عليه بفتح ثالث المساجد عظمة وأهميّة في الإسلام ، لماذا لم يقم بالصلاة فيه ولو حتّى ركعة واحدة ؟. ولماذا صلّى إلى جانب كنيسة القيامة في مكان يعرف اليوم بمسجد عمر ، مع العلم بأنّ المسجد الأقصى لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن كنيسة القيامة ؟.

من هم الأئمة الاثنا عشر ؟

ولقد كان أساتذة الشريعة في مدارسنا يقرؤون علينا حديث الاثنى عشر خليفة من صحيحي البخاري ومسلم ، حيث قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي مرّات عديدة : يكون عليكم اثنا عشر خليفة وفي بعض الألفاظ اثنا عشر أميراً (١). وكنّا نتساءل من هم هؤلاء الأئمة ، وحاولنا مرّات عديدة إحصاءهم من خلال الخلفاء الذين حكموا المسلمين في فترة الخلفاء ، ثمّ الأمويين والعباسيين ، ولكنّنا كنّا لا نخلص إلى نتيجة ، وبقي معنى تلك الأحاديث غامضاً بالنسبة لنا وازددنا فيه حيرة ، إلى أنْ أكرمنا الله بالاستبصار ومعرفة حقائق الإيمان ، فعرفنا أنّهم الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام ، أولهم أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام ، وآخرهم الإمام الثاني عشر الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وهو

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ٨ : ١٢٧ ، صحيح مسلم ٦ : ٣ ـ ٤.

٨٦
 &

من عترة الرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله من ولد فاطمة الزهراء عليها‌السلام الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.

فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين :

ثمّ إنّنا درسنا وتعلّمنا عن فاطمة الزهراء أنّها سيّدة نساء العالمين وأنّها بضعة رسول الله ومن آذاها فقد آذى الله ورسوله وأنّها كانت صادقة اللهجة ، فسيّدة بهذا المقام العظيم أين قبرها ؟. ولماذا دفنت ليلاً وأوصت أنْ لا يُصلّي عليها الخليفة الأول ولا الثاني ؟. ولماذا توفيت ولم تبايع أبا بكر بل ماتت وهي غاضبة عليه كما هو مروي في صحاح المسلمين ومنها صحيحي البخاري ومسلم (١) ؟.

رزيّة الخميس وعمر بن الخطاب :

ولقد درسنا في التاريخ عن حادثة رزيّة الخميس ، التي اتهم فيها عمر بن الخطاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجر ، حيث لم يسمح لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يكتب للمسلمين كتاباً إن اتّبعوه فإنّهم لن يضلّوا بعد رسول الله أبدا ، وقد حاول أهل السنّة تهذيب كلام عمر فرووا : أنهّ قال : غلبه الوجع (٢) ! لماذا لم يسمح عمر بذلك ؟. وكيف يجرؤ على اتّهام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجر أي بالخرف ؟. والأعجب من ذلك أنّ علماءنا كانوا يبرّرون تلك الرزيّة بمبررات لا يمكن أنْ يقنع بها أحد ، بل إنّهم يجعلون منها فضيلة عظيمة لعمر.

جيش أسامة بن زيد :

__________________

(١) صحيح البخاري ٥ : ٨٢ ، صحيح مسلم ٥ : ١٥٤.

(٢) أنظر صحيح البخاري ١ : ٣٧ ، ٨ : ١٦١ ، وأنظرها بلفظ (يهجر) في صحيح مسلم ٥ : ٧٦ ، الطبقات الكبرى ٢ : ٢٤٢.

٨٧
 &

ولقد قرأنا وتعلمنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما كان مريضا وفي أيّامه الأخيرة وقبيل وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى قد أعدّ جيشاً بقيادة أسامة بن زيد وأمر المسلمين أنْ ينفذوا بعث أسامة ، وحرص على ذلك أشدّ الحرص ، بل إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لهم : جهّزوا جيش أسامه ، لعن الله من تخلّف عنه (١). وكان من بين المأمورين أبوبكر وعمر (٢) ، وخرج الجيش وتوجه بالفعل إلى خارج المدينة (٣) ، ولكنّنا نقرأ في كتب التاريخ والسير وكذلك في كتب الحديث أنّ أبابكر كان يصلى في الناس بدل رسول الله (٤) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي روايات أخرى نقرأ أنّ أبا بكر كان عند زوجته في بيت له خارج المدينة في السنح (٥) ، فهل أطاعا الله ورسوله وكانا خارج المدينة مع جيش أسامه ؟. أم أنّهما كانا في المدينة وقد خالفا أمر الله ورسوله ؟. وهل كان أبو بكر يصلّي في الناس أو أنّه كان عند زوجته خارج المدينة ؟. أم هل كان في جيش أسامة ؟.

يوم وفاة سيد الخلق وكفنه :

ولقد قرأت حديثاً في صحيح البخاري يبيّن أنّ أبا بكر كان لا يعرف في أيّ يوم توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يعرف كيف كفّن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ،

فقد روى البخاري في باب الجنائز كتاب موت يوم الاثنين عن عائشة قالت : دخلت على أبي بكر ، فقال : في كم كفنتم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قالت : في ثلاثة أثواب بيض سحولية ، ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها : في أيّ يوم توفي

__________________

(١) أنظر الملل والنحل للشهرستاني ١ : ٢٣ ، المواقف ٣ : ٦٥٠.

(٢) الكامل في التاريخ ٢ : ٣١٧ ، عمدة القاري ١٨ : ٧٦.

(٣) الكامل في التاريخ ٢ : ٣١٨ ، الطبقات الكبرى ٤ : ٦٧.

(٤) أنظر صحيح البخاري ١ : ١٦٢.

(٥) صحيح البخاري ٢ : ٧٠ ، ٤ : ١٩٣.

٨٨
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قالت : يوم الإثنين (١).

فأين كان أبو بكر ذلك اليوم ؟. وهل من الممكن نسيان يوم وفاة سيّد المرسلين وحبيب ربّ العالمين ؟.

ادّعاء ملازمة عمر لرسول الله :

ثمّ إنّني قرأت حديثاً في صحاح المسلمين يخالف ما كان نعرفه عن عمر ابن الخطاب الذي كان دائماً ملازماً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسب ما لقننا أساتذتنا ، وكان يضرب المثل بفقهه وعلمه ، والحديث يُبين أنّ عمر كان لا يعرف ماذا كان يقرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاة العيد.

روى مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين باب ما يقرأ في صلاة العيدين عن عبيد اللهِ بن عبدِ اللهِ : أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي : ما كان يقرأ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فِي الأضحى والفطر ؟.

فقال : كان يقرأ فيهما بِـ ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) (٢) و ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) (٣). (٤)

وروى مسلم أيضا في نفس الباب عن أبي واقد الليثي : قال : « سألني عمر ابن الخطاب عمّا قرأ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فِي يَوْمِ العِيدِ ؟

فَقُلتُ : بِـ ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) و ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) » (٥).

ثمّ قضايا أخرى كثيرة جدّاً كعدم معرفته حكم الاستئذان ورفعه الصلاة

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ١٠٦.

(٢) ق : ١.

(٢) القمر : ١.

(٣) صحيح مسلم ٣ : ٢١.

(٤) المصدر نفسه : ٣ : ٢١.

٨٩
 &

عن الجنب إذا لم يجد الماء وقضية الكلالة وغيرها (١).

فإذا كان ملازما لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان على حسب ما يقولون وزيراً له ، لماذا جهل هذه الأمور ؟. وهي من الأمور الواضحة جدّاً والتي كانت كثيرة التكرار في حياة الناس ، فكيف لا يعرفها ؟. أم أنّه لم يكن من الملازمين لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يكن وزيره كما يدّعون ؟.

في الحقيقة تبيّن لنا بعد الاستبصار أنّ عمر كان يعترف أنّه لم يكن ملازماً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّما كان منشغلاً عنه بالصفق بالأسواق ، وكان يقولها صراحة وعلناً عندما كان يجهل أمراً ما ، كان يعتذر قائلا لقد شغلني الصفق بالأسواق.

روى البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنَّة عن عبيد ابن عمير قال : استأذن أبو موسى على عمر ، فكأنّه وجده مشغولاً ، فرجع ، فقال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ ائذنوا له ، فدُعي له ، فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : إنّا كنا نؤمر بهذا. قال : فأتني على هذا ببيِّنة أو لأفعلنَّ بك ، فانطلق إلى مجلس من الأنصار ، فقالوا : لا يشهد إلا أصاغرنا ، فقام أبو سعيد الخدريّ فقال : قد كنّا نؤمر بهذا ، فقال عمر : خفي عليَّ هذا من أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ألهاني الصفق بالأسواق (٢).

معارضة عمر وجرأته على رسول الله :

ومن المواقف التاريخية المثيرة هي جرأة العديد من الصحابة وقلّة الأدب مع رسول الله وبين يديه ورفع الصوت والصياح والصراخ بل والتضارب

__________________

(١) أنظر الأحكام لابن حزم ٢ : ٢٣٩ وما بعدها ، وأنظر الروايات في ذلك : في الاستئذان ، صحيح البخاري ٧ : ١٣٠ ، ٨ : ١٥٧ ، وفي رفعه الصلاة عن الجنب ، سنن النسائي ١ : ١٦٨ ، مسند أحمد ٤ : ٢١٩ ، وفي قضية الكلالة ، مسند أحمد ١ : ١٥ ، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣١٠.

(٢) صحيح البخاري ٨ : ١٥٧.

٩٠
 &

بالنعال بين يديه ، وكذلك معارضته في أغلب الأمور ، وعدم طاعته واحترامه وجذبه من ثوبه وغير ذلك من التصرّفات المسيئة والمشينة (١).

وقد كان من أكثرهم جرأة ومعارضة ورفضاً وصراخاً عمر بن الخطاب ، فقد كانت له عشرات المواقف والتي تصدّى فيها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكانت موضع إشكال كبير عند كلّ منصف ومدقّق في الحقائق التاريخية ، إذ إنّ تلك المواقف تتعارض مع ما منحه صانعوا الفضائل لعمر وغيره ، فكان لابدّ من التوقّف والتفكّر عند تلك المواقف العمريّة الجريئة والمشينة ومراجعتها حتّى تتوضح الحقائق وتكتشف الخفايا.

روى البخاري في صحيحه وغيره عن عمر بن الخطاب أنّه قال : عجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (٢).

روى البخاري وغيره عن عبد الله ابن عمر قال : لمّا مات عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال أعطني قميصك حتّى أكفّنه فيه وصلّ عليه واستغفر له فأعطاه قميصه ثمّ قال : إذا فرغت فآذنوني أصلّي عليه فجذبه عمر (٣). (أي جذب رسول الله وشده من ثوبه).

رضاعة الكبير أم خلل في التاريخ :

وهناك مواقف تاريخية يتعرض لها المسلم من خلال دراسة السير وكتب الصحاح أكثر بكثير من التي ذكرتها ، كنّا نقف عندها ونسأل ونتساءل عنها من دون أنْ يكون هناك جواب مقنع ، فمنها أيضاً مسألة الرضاعة ورضاعة الكبير على الخصوص ، والتي أقرّتها عدة من الأحاديث وأقرّها بعض الصحابة ، وهي

__________________

(١) أنظر على سبيل المثال : صحيح البخاري ٣ : ١٦٦ ، ٦ : ٤٦ ، ٧ : ٣٦.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٠٠ ، ٥ : ٢٠٧.

(٣) صحيح البخاري ٧ : ٣٦ ، سنن النسائي ٤ : ٢٧ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٤٣.

٩١
 &

أنّه يجوز رضاعة الكبير حتّى ولو كان رجلاً ويستندون إلى روايات يصحّحونها (١) ، مع أنّ الأمر مناف للشرع والعقل والفطرة ، وكنّا نتعجب من أجوبة العلماء على ذلك الإشكال ، ونزداد حيرة ، هل أجاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الفعل الذي لا يرضاه حتّى الذي على غير ملّة الإسلام ، أو أنّ هناك خلل في تاريخنا يوجب علينا دراسته من جديد ضمن دائرة الشروط التي ذكرتها.

العشرة المبشّرون بالجنّة :

ثمّ من القضايا المثيرة للاهتمام والتساؤل حديث العشرة المبشرين بالجنّة ، فهذا حديث قد تعلّمناه مبكّراً وسمعناه ونسمعه كلّ يوم تقريباً ، ولطالما كان لنا عليه ملاحظات كثيرة ، ولكنّنا لم نجد الجواب الشافي ، أو بالأحرى كنّا نُمنع من السؤال عن موضوع العشرة المبشّرين وخصوصاً قتال طلحة والزبير لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

ومحل الإشكال عند ذكر حديث العشرة ، أولاً في قتال الصحابة مع بعضهم بالرغم من أنّهم مبشّرين بالجنّة ، وثانياً هل المبشرون بالجنّة هم العشرة فقط أم كان هناك مبشّرون حقيقيون أكثر من هذا العدد ؟. ولماذا حصر العدد بهؤلاء العشرة واستثنى منه غيرهم ؟. وهل كان حديث العشرة معروفاً قبل عصر معاوية بن أبي سفيان أو أنّه ولد في ذلك التاريخ ؟ ، فمن المعروف والمقطوع به أنّ فاطمة الزهراء عليها‌السلام من المبشّرات بالجنّة ، فهي سيّدة نساء أهل الجنّة (٢) ، وأيضاً الإمام الحسن عليه‌السلام من أهل الجنّة ، وكذلك الإمام أبو عبد الله الحسين

__________________

(١) موطّأ مالك ٢ : ٦٠٦ ، ٥ : ٦٠٥ ، صحيح ابن حبّان ١٠ : ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) أنظر قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها في صحيح البخاري ٤ : ١٨٣ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٢٦ ، مسند أحمد ٥ : ٣٩١ ـ ٣٩٢.

٩٢
 &

عليه‌السلام سيّد الشهداء ، وهما عليهما‌السلام سيّدا شباب أهل الجنّة (١) ، وكذلك كان سلمان الفارسيّ من المبشّرين بالجنّة ، وكذلك بلال وعمّار والمقداد وأبو ذر الغفاري رضيّ الله تعالى عنهم.

فقد أخرج أبو نعيم عن أنس بن مالك قال : سمعتُ نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : اشتاقت الجنّة إلى أربعة : عليّ والمقداد وعمار وسلمان (٢).

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : اشتاقت الجنة إلى ثلاثة : عليّ ، وعمار ، وسلمان (٣).

وروى في الحديث المتواتر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : سلمان منّا أهل البيت (٤).

وهناك غير هذه الأسماء اللامعة مبشّر بالجنّة ، ولكن لماذا اختزل حديث العشرة كلّ أولئك ، واستبدلهم بغيرهم ، حتّى أنّ اسم أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام قد وضع مع العشرة على استحياء ، ففي أغلب الروايات كان اسم أمير المؤمنين عليه‌السلام في آخر القائمة.

ومن الملاحظ أنّ الأسماء المختزلة والمبشّرة بالجنّة على الحقيقة ، أصحابها هم من أهل بيت النبيّ ، أو من الصحابة الموالين لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام وشيعته ، فكأنّ واضعي حديث العشرة عندما وضعوه أرادوا أنْ

__________________

(١) أنظر الحديث في سنن الترمذي ٥ : ٣٢١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٦٧ ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢.

(٢) حلية الأولياء ١ : ١٩٠ ، وأنظر تاريخ دمشق ٢١ : ٤١١ وفيه (علي وسلمان وأبي ذر وعمار بن ياسر) والرواية عن حذيفة ، وفي تاريخ دمشق ٦٠ : ١٧٧ علي وأبي ذر وعمار والمقداد) والرواية عن ابن عبّاس.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٧ ، وأنظر تاريخ دمشق ١٠ : ٤٥١ ، وفيه بلال بدل سلمان ، وأخرجه الترمذي بلفظ : انّ الجنّة تشتاق إلى ثلاثة : عليّ وعمار وسلمان. (سنن الترمذي ٥ : ٢٣٢).

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٥٩٨ ، المعجم الكبير للطبراني ٦ : ٢١٣.

٩٣
 &

يطمسوا حقيقة معيّنة ولأسباب واضحة ، من أجل أنْ يبرّروا أفعال معاوية وغيره من الصحابة للتغطيّة على فضيلة شيعة عليّ عليه‌السلام وأتباعه من الصحابة ، وللتقليل من شأنهم ، وبالمقابل رفع شأن أعداء أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام الذين قاتلوه وناصبوه العداء ، فجعلوهم من أهل الجنّة ، فاستبدلت الحقيقة بالتزييف والحقّ بالباطل. ويكفي بشارة بالجنّة لعليّ وشيعته قوله تعالى في سورة البينة ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (١).

روى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأقبل عليّ ابن أبي طالب ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « قد اتاكم أخي ، ثمّ التفتت إلى الكعبة فضربها بيده ، ثمّ قال : والذي نفسي بيده ، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة … ، ونزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال : فكان أصحاب محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أقبل علي قالوا : قد جاء خير البرية » (٢).

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : عليّ خير البرية. (٣)

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال : لما نزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعليّ : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين (٤).

وأخرج ابن مردويه عن علي قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألم تسمع قول

__________________

(١) البينة ٧ ـ ٨.

(٢) تاريخ دمشق لابن عساكرة ٤٢ : ٣٧١.

(٣) الكامل لابن عدي ١ : ١٧٠ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٧١.

(٤) أورده السيوطي في الدر المنثورء ٦ : ٣٧٩ ، وعزاه إلى ابن عدي.

٩٤
 &

الله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين (١).

وروى الطبراني في الأوسط وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : خطبنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسمعته وهو يقول : ايّها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً. فقلت : يا رسول الله وإن صام وصلّى ؟ قال : وإنْ صام وصلّى وزعم أنّه مسلم ، احتجز بذلك من سفك دمه ، وأن يؤدي الجزية عن يد وهم صاغرون ، مُثِّل لي أمّتي في الطين ، فمرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعليّ وشيعته (٢).

ثمّ إنّني لم أذكر الشهداء كشهداء بدر وأحد وغيرهم وسيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وجعفر الطيار وآل ياسر ، واكتفيت بذكر من بقي من المبشّرين بعد رسول الله ، على اعتبار أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شهد لمن شهد منهم بالجنة قبل وفاته. وأذكر فقط من بقي بعد رسول الله وبقي على بيعته لأمير المؤمنين ومن شيعته عليه‌السلام.

إذن فهذه هي الملاحظة الأولى على حديث العشرة ، وهي أنّ المبشّرين أكثر من ذلك ، وأنّه تمّ استبدالهم بغيرهم نكاية بهم وبغضاً لهم ؛ لأنّهم من أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو من شيعة عليّ عليه‌السلام. ووُضِعَتْ أسماء غيرها بحسب إرادة معاوية بن أبي سفيان وأوامر دائرة صناعة الحديث والفضائل في سلطته ، وذلك للتغطِية على قتال معاوية لعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وشيعته ،

__________________

(١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦ : ٣٧٩ ، وعزاه إلى ابن مردويه.

(٢) المعجم الأوسط ٤ : ٢١١ ـ ٢١٢ ، وعنه مجمع الزوائد ٩ : ١٧٢ ، وأنظر تاريخ دمشق ٢٠ : ١٤٨ ـ ١٤٩.

٩٥
 &

وأيضاً للتغطِيَة على قتال بعض الأسماء الواردة في حديث العشرة وبغضهم لأمير المؤمنين عليه‌السلام.

وأذكر أنّ هذه اللعبة كانت تمارس في فلسطين أيّام الانتفاضة الأولى والثانية أيضاً ، فقد كانت توزّع الفضائل ومنزلة الشهادة بحسب رغبة الناس ، وليس بحسب أمر الله تعالى. فقد كان يُقتل العديد من الفلسطينيين بتهمة التجسّس مثلاً ، فيُتّهم القتيل بأنّه جاسوس ، وبعد أسبوع أو أكثر يتبيّن أنّه ليس كذلك ، فيعلن عنه شهيداً. وكذلك كان يُقتل أشخاص ويعلن عنهم شهداء ، ثمّ بعد فترة يتبيّن أنّهم عملاء ، فتسلب منهم منزلة الشهادة وهكذا. والذي أقصده من القصّة أنّ بإمكان السلطة الحاكمة أنْ تُدخل الجنّة من تشاء وأنْ تُخرج منها من تشاء ، بحسب مقاييسهم ، ولكنّ المقياس يجب أنْ يكون من الله تعالى ، وحسب أحكامه وشريعته ، ومن هنا ننتقل إلى الملاحظة الثانية على حديث العشرة.

وهي أنّنا يجب أنْ نلتزم بالمقاييس الشرعيّة الربانيّة لتحديد من هو المبشِّر بالجنّة ، أوليس بمبشِّر ؟. إذ يجب أنْ تتطابق البشارة للشخص مع كلّ المقاييس الشرعيّة ، ويجب أنْ لا تتعارض معها أبداً ، كما ويجب أنْ لا تتعارض أفعال المبشَّر بالجنّة مع تلك المقاييس الشرعية والأوامر الربانية أيضا وإلا انتفت البشارة عن ذلك الشخص.

والمقاييس الشرعية والأوامر الربانية في هذه الحالة متعدّدة ومتنوّعة ، وسنتطرق إلى بعضها ، ولكنّ أهمها هي ولاية أهل بيت النبيّ عليهم‌السلام وعلى رأسهم ولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وحبّه ونصره ونصرته ، وهذه كلّها أوامر ربّانية ومقاييس شرعية يجب أنْ تؤخذ بعين الاعتبار.

روى السيوطي في الجامع الصغير والحاكم في المستدرك عن جابر أنّ

٩٦
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : عليّ إمام البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله (١).

وروي في صحاح ومسانيد وسنن المسلمين الحديث المتواتر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث قال وهو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أَبغضه ، وأنصر من نصره ، وأخذل من خذله (٢).

وروي في صحيح مسلم والنسائي والترمذي وغيرهم كثير عن عليّ أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له : « لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق » (٣).

وروي في كنز العمال عن عليّ قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « لولاك يا عليّ ما عرف المؤمنون من بعدي » (٤).

وعليه صار الميزان الأول لحديث العشرة هو حبّ أهل البيت وولايتهم وموالاتهم ونصرهم ونصرتهم. ومن البديهي أنّه إذا كان أمير المؤمنين عليه‌السلام هو المقياس في هذه الحالة ، وكانت زوجته فاطمة الزهراء وابناه الحسن والحسين عليهم‌السلام من أسياد أهل الجنة ، وهو نفسه عليه‌السلام ساقي الناس على الحوض

__________________

(١) الجامع الصغير ٢ : ١٧٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٩ ، وأخرجه البغدادي في تاريخ بغداد ٣ : ١٨١ ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمّال ١١ : ٦٠٢.

(٢) أنظر حديث الغدير بألفاظه المختلفة في : مسند أحمد ٤ : ٣٧٠ ، ٥ : ٤١٩ ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : ٧١ ـ ٧٢ ، المستدرك على الصحيحين : ٣ / ١٠٩ ، السنّة لابن أبي عاصم : ٦٣٠ ، صحيح ابن حبّان : ١٥ / ٣٧٦ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٠٥ وعزاه إلى البزار ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤ : ٣٣٠ ، واعلم أنّ جمعاً من كبار العلماء صرّح بتواتر عبارة « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه » منهم الذهبي في سيرة أعلام النبلاء ٨ : ٣٣٥ ، شمس الدين الجزري في أسنى المطالب في مناقب سيّدنا عليّ بن أبي طالب : ٤٨ ، الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤ : ٣٤٣ ـ ٣٤٤ وغيرهم.

(٣) أنظر صحيح مسلم ١ : ٦١ ، سنن النسائي ٨ : ١١٧ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦ ، مسند أحمد ١ : ٩٥.

(٤) كنز العمّال ١٣ : ١٥٢ ، والحديث أخرجه ابن المغازلي في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب : ١٠٩.

٩٧
 &

وهو قسيم الجنّة والنار ، فلا مرية في قوة ومصداقية ميزان ومقياس أهل البيت عليهم‌السلام وحبّهم ونصرهم ونصرتهم وولايتهم وموالاتهم ، وعدم بغضهم وقتالهم وخذلانهم ، بل والمنع من إيذائهم بأي نوع من أنواع الأذى ، ومن المعروف أنّ هذا الميزان قد استنبط من مئات النصوص الشرعيّة والمعتبرة عند كلّ طوائف المسلمين. وعليه صار من الواجب أنْ يعرض بقيّة التسعة في حديث العشرة على هذا الميزان وغيره من الموازين الشرعيّة ، فإنْ انطبقت أحوال الشخص كانت البشارة صحيحة ، وإنْ انتفت الموازين كانت بشارة مزيّفة ومصطنعة ووضعيّة. ويجب أنْ يجْرُؤ المؤمن على الصدوع بها أمام الله تعالى ، وأنْ لا يتغاضى عمّا هو مخالف لشرع الله تعالى وأوامر ربّ العزّة فرضى الله تعالى قبل رضى الخلق.

فمِن التسعة مَنْ قاتل عليّاً عليه‌السلام وخذله ولم ينصره ونكث بيعته معه ، فكيف يكون بعد ذلك من المبشّرين بالجنّة ؟!.

ومنهم من رفع سيفه على إمام زمانه ، وخالفه ونقض عهده ، فكيف يمكن أن يبشّر بالجنّة ؟. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول كما روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن عمرو : « من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإِنْ جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر » (١).

ومنهم من أمر الله تعالى ورسوله بقتالهم وسمّاهم القاسطين والناكثين كما في الحديث المرويّ في الدر المنثور للسيوطي حيث قال : أخرج ابن مردويه من طريق محمّد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن جابر بن عبد الله :

__________________

(١) صحيح مسلم ٦ : ١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٣٠١ ، سنن النسائي ٧ : ١٥٣ واللفظ للأخير.

٩٨
 &

« عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ) (١) نزلت في علي بن أبي طالب ، أنّه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي » (٢). وروي في كنز العمال وغيره عن عليّ قال : « أمرني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين » (٣). فكيف من كان من الناكثين ، بل إنّه رفع سيفه في وجه إمام زمانه ونكث عهده ونقض بيعته يكون من المبشّرين بالجنّة ؟.

ومنهم من آذى فاطمة الزهراء وعليّ بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام ، ومعروف أنّ من آذى أهل البيت فقد آذى الله تعالى ، ومن آذى الله تعالى فقد لعنه الله في الدنيا وأكبّه في جهنّم في الآخرة ، فكيف يكون من هذا وصفه من المبشّرين بالجنّة ؟.

ومنهم من آذى فاطمة الزهراء عليها‌السلام وهجم على بيتها وأحرقه وضربها وأسقط جنينها ، ثمّ انتزع منها حقوقها التي منحها إيّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والحديث النبويّ الصحيح في مسلم وغيره يقول : « إنّما فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها » (٤).

ويقول عزّ وجلّ في سورة الأحزاب : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (٥). فكيف من هكذا حاله يكون مبشّراً بالجنّة ؟.

__________________

(١) الزخرف : ٤١.

(٢) الدر المنثور ٦ : ١٨.

(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٦٨ ، ٤٧٠ ، والخطيب الغدادي في تاريخ بغداد ٨ : ٣٣٦ ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمّال ١٣ : ١١٣ عن تاريخ دمشق.

(٤) صحيح مسلم ٧ : ١٤١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٦٠ ، مسند أحمد ٤ : ٥.

(٥) الأحزاب : ٥٧.

٩٩
 &

ومنهم من توفيت فاطمة الزهراء وهي غاضبة وواجدة عليه ، كما في الروايات الصحيحة (١) ، والحديث النبوي يقول : « فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني » (٢) فهل من أغضب رسول الله يكون مبشّراً بالجنّة ؟.

ثمّ إنّ كلّ التسعة نقضوا بيعة الغدير ولم يُطيعوا الله تعالى في ما أنزله على رسوله ، ونقضوا عهدهم وآذوا رسولهم وظلموه هو وأهل بيته وحرموهم من حقوقهم وعزلوهم بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعملوا على فصلهم عن المجتمع الاسلامي ، وفصل المجتمع الاسلامي عنهم ، فهل من فعل ذلك يكون مبشّراً بالجنّة ؟.

ولأجل ذلك كانت كلّ الوقائع لا تنطبق على المقاييس الشرعيّة والموازين الربانية ، ممّا يؤكّد أنّ الحديث هو صناعة أمويّة في دوائر صناعة الحديث والفضائل. ولا يمكن أنْ يرد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما يتناقض مع الشريعة ونصوصها القطعية.

ثمّ إنّ من الصحابة من كفّر عدّدا من التسعة وقد ذُكر ذلك في كتب التاريخ والحديث ، فقد روي أنّ عائشة كانت تحرّض المسلمين على عثمان وكانت تقول لهم : اقتلوا نعثلا فقد كفر (٣).

فهكذا يتأكّد أنّ رواية العشرة لا أصل لها ولم يقلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويجب أنْ ترد.

حفظ القرآن ورعايته وجمعه :

ثمّ من القضايا الهامة والتي عرفناها وتعلمناها حفظ الصحابة للقرآن

__________________

(١) أنظر صحيح البخاري ٥ : ٨٢ ـ ٨٣ ، صحيح مسلم ٥ : ١٥٤.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ٢١٠ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٢٦.

(٣) أنظر تاريخ الطبري ٣ : ٤٧٧ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٢٠٦.

١٠٠