نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

تطلع وشعاعها كأنّه دم ، وصارت السماء كأنها علقة ، وأنّ الكواكب ضرب بعضها بعضاً ، وأمطرت السماء دماً أحمراً (١). وغير ذلك من الأزمنة التي منحها الله قدسيّة ومكانة عظيمة عند المسلمين بالإذن الإلهي ، فهل الإهتمام بالطاعات والعبادات والذكر في تلك الأزمنة شرك أو أنّه استجابة للأمر والإذن الإلهي ؟ وهل إذا احتفل المسلمون بذكرى ولادة رسول الله أو يوم الغدير هو شرك أو أنّه احتفال بأمر إلهي وبإذن إلهي ؟

أمّا بالنسبة إلى قدسيّة المكان ، فالنصوص على ذلك حدّث ولا حرج ، كمكّة المكرّمة والكعبة الشريفة ، ومقام إبراهيم ، قال تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) (٢).

وأخرج البيهقي في سننه عن عائشه أنّ المقام كان في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ، ثمّ أخّره عمر (٣).

وكقدسيّة المدينة المنوّرة ، والمسجد الأقصى ، وكأماكن مراقد الأئمّة الأطهار من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، وكمدينة قم المقدسة في إيران ، والكوفة والنجف ، وأرض بيت المقدس ، وغير ذلك من الأماكن التي حدّدها الله ورسوله والعترة الطاهرة التي اكتسبت عظمة وقدسيّة بالإذن الإلهي.

وأمّا بالنسبة لقدسيّة الأشخاص ، فهي كقدسيّة وعظمة الرسل والأنبياء والأئمّة المعصومين ، حتّى أنّ العديد من الأماكن اكتسبت قدسيّتها من وجود أولئك العظماء عليها أو مرورهم بها ، ولقد كانت قدسيّة رسول الله وأهل بيته

__________________

(١) راجع المعجم الكبير ٣ : ١١٣ ـ ١١٤ ، مجمع الزوائد ٩ : ١٩٦ ـ ١٩٧ ، الصواعق المحرقة ٢ : ٥٦٩ ـ ٥٧٠.

(٢) البقرة : ١٢٥.

(٣) راجع فتح الباري ٨ : ١٢٩ ، حيث صحّح تلك الروايات.

٢٨١
 &

عليهم الصلاة والسلام واضحة المعالم عند المسلمين ، حيث كان الصحابة يتبّركون بكلّ أثر من آثار النبيّ على مرأى ومسمع منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ممّا يدلّ دلالة واضحة على أنّه ليس شركاً وإنّما هو من تقوى القلوب.

ذكر في صحيح مسلم بشرح النووي أنّ المسلمين كانوا يتبرَّكون بآثاره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد كانوا يتبرَّكون ببصاقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونخامته ، ويدلكون بذلك وجوههم ، وشرب بعضهم بوله ، وبعضهم دمه ، وغير ذلك ممَّا هو معروف من عظيم اعتنائهم بآثاره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١).

وروى في المعجم الأوسط عن سلمى امرأة أبي رافع قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوق بيته جالساً فقال : يا سلمى ائتيني بغسل ، فجئته بإناء فيه سدر فصفّيته له ، ثمّ جثا على مرفقة حشوها ليف وأنا أصبّ على رأسه ، فغسلها وإنّي لأنظر إلى كلّ قطرة تقطر من رأسه في الإناء كأنّه الدرّ يلمع ، ثمّ جئته بماء فغسله ، فلما فرغ من غسله قال : يا سلمى أهريقي ما في الإناء في موضع لا يتخطّاه أحد ، فأخذت الإناء فشربت بعضه ثمّ أهرقت الباقي على الأرض فقال لي : ماذا صنعت بما في الإناء ؟. قلت : يا رسول الله حسدتُ الأرض عليه فشربت بعضه ، ثم أهرقت الباقي على الأرض فقال : اذهبي فقد حرمك الله بذلك على النار (٢).

وروى البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : أرسلني أهلي إلى أمّ سلمة بقدح من ماء ، فجاءت بجلجل من فضّة فيه شعر من شعر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها

__________________

(١) شرح مسلم للنووي ١٣ : ٢٢٤.

(٢) المعجم الأوسط للطبراني ٩ : ٩٢.

٢٨٢
 &

بإناء فخضخضت له ، فشرب منه (١).

وفي الإصابة لابن حجر قال روى بن السكن من طريق صفوان بن هبيرة عن أبيه قال : قال لي ثابت البناني : قال لي أنس بن مالك : هذه شعرة من شعر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فضعها تحت لساني ، قال : فوضعتها تحت لسانه ، فدفن وهي تحت لسانه (٢).

وأيضاً كقدسيّة أصحاب الكساء أهل البيت عليهم‌السلام ، حيث قال تعالى في آية التطهير : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٣).

روى الحاكم وغيره كثير عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت : في بيتي نزلت هذه الآية : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) قالت : فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين رضوان الله عليهم أجمعين ، فقال : اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، قالت أمّ سلمة : يا رسول الله ، ما أنا من أهل البيت ؟. قال : إنّك أهلي خير ، وهؤلاء أهل بيتي (٤).

وروى ابن ماجة وغيره عَنْ زَيْد بْن أرقم ؛ قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ وفاطمة والحَسَن والحُسَيْن : أَنَا سلم لمن سالمتم ، وحرب لمن حاربتم (٥). وكذلك العشرات من الأحاديث التي تبيّن قدسيّة وعظمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، حتّى جعلهم الله سبحانه وتعالى الشعائر ووسيلة للمسلمين يتقرّبون بحبّهم وولائهم وتعظيمهم إلى الله تعالى.

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٥٧ وفي متن البخاري سقط فراجع فتح الباري ١٠ : ٢٨٩ ، نيل الأوطار للشوكاني ١ : ٦٩ ، تحفة الأحوذي ٥ : ٥١٠ ، واللفظ للأخير.

(٢) الإصابة ١ : ٢٧٦.

(٣) الأحزاب : ٣٣.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٤١٦.

(٥) سنن ابن ماجة ١ : ٥٢ ، المعجم الكبير ٣ : ٤٠.

٢٨٣
 &

روى السيوطي في الجامع الصغير عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذكر عليّ عبادة (١).

وروى الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود وعن عمران بن حصين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : النظر إلى عليّ عبادة (٢).

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلي : والذي نفسي بيده ، لولا أنْ تقول طوائف من أمّتي فيك ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالا لا تمرّ بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة (٣).

وروى البخاري في صحيحه أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا فاطمة ألا ترضين أنْ تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمّة (٤).

وروى البخاري وغيره أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني (٥).

وروى مسلم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها (٦).

وروى في كنز العمّال أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ الله عزّ وجلّ ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها (٧).

__________________

(١) الجامع الصغير ١ : ٦٦٥ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٥٦.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤١ ، المعجم الكبير ١٨ : ١١٠.

(٣) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٦٨.

(٤) صحيح البخاري ٧ : ١٤٢.

(٥) صحيح البخاري ٤ : ٢١٠.

(٦) صحيح مسلم ٧ : ١٤١.

(٧) كنز العمّال ١٢ : ١١١ ، عن الديلمي.

٢٨٤
 &

قال السيوطي : وأخرج الترمذي وحسّنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب ، عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبّوني لحبّ الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي (١).

وروى ابن عساكر وعنه كنز العمال وغيرهم عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، من أحبّهما فقد أحبّني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني (٢).

وروى الحاكم في المستدرك عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : الحسن والحسين ابناي ، من أحبّهما أحبّني ، ومن أحبّني أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار (٣).

وأيضاً حدّد لنا الشرع المقدّس اثني عشر إماما نقتدي بهم ونواليهم ، وهم الأئمّة الاثنى عشر من أهل البيت عليهم‌السلام ، جعلهم الله تعالى من أعظم الشعائر الإسلاميّة الإيمانيّة للمسلمين وللمؤمنين.

فقد روى مسلم وأبو داود وغيرهم كثير أنّ رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعا إلى اثني عشر خليفة … كلّهم من قريش (٤).

هذا بالنسبة لقدسيّة الأشخاص ، فقد ذكرت بعض الأمثلة مدعومة بعدد مختصر جدّاً من روايات أهل السنّة ، اكتفيت بها خوفاً من الإطالة.

__________________

(١) سنن ابن ماجة ١ : ٥٢ ، المعجم الكبير ٣ : ٤٠.

(٢) تاريخ دمشق ١٤ : ١٣٢ ، كنز العمّال ١٢ : ١١٩.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٦٦.

(٤) صحيح مسلم ٦ : ٤ ، سنن أبي داود ٢ : ٣٠٩ ، وأنظر مسند أحمد ٥ : ٩٦ ، ٩٨ ، ٩٩ ، صحيح ابن حبّان ١٥ : ٤٥.

٢٨٥
 &

أمّا بالنسبة لقدسيّة الأشياء فسأذكر بعض الأمثلة مع الأدلّة ، وأوّلها القرآن الكريم كتاب الله تعالى ودستور الأمّة ، ولا يخفى عن المسلمين موقعه في القلوب ، والناس يستشفّون به ويعظّموه ويقدّسوه ويتبرّكون به وبآياته ، وهذا مظهر حي يعيشه المسلمون كلّهم. وكماء زمزم ، وقدسيّتها وبركتها ظاهرة من خلال أحاديث رسول الله ، ومن خلال الاستشفاء بها والدعاء عليها رجاء قبول الدعاء ببركتها ، فهل الدعاء عليها واعتبارها وسيلة لقبول الدعاء ، هل يعتبر هذا شركاً ؟ أو هو الإذن الإلهي الذي منحها تلك القدسية والعظمة.

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في سننه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي ‌الله ‌عنه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ماء زمزم لما شرب له (١).

وأخرج الحميدي وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من طاف بالبيت سبعاً ، وصلّى خلف المقام ركعتين ، وشرب من ماء زمزم ، غفرت له ذنوبه كلّها بالغة ما بلغت (٢).

وكقدسيّة تراب كربلاء ومرقد الإمام الحسين عليه‌السلام ، فقد روى أبو يعلى وأحمد والطبراني وأورده المتقي في كنز العمّال والهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس قال : استأذن ملك القطر أن يأتي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأذن له ، فقال : يا أمّ سلمة ! احفظي علينا الباب لا يدخل أحد ، فجاء الحسين بن عليّ فوثب حتّى دخل ، فجعل يعقد على منكب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال له الملك : أتحبّه ؟ فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : نعم ، قال : فإنّ في أمّتك من يقتله ، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه ، فضرب بيده ، فأراه تراباً أحمر ، فأخذته أمّ سلمة فصرّته في طرف

__________________

(١) راجع الدرّ المنثور ٣ : ٢٢١.

(٢) أنظر الدرّ المنثور ١ : ١٢٠.

٢٨٦
 &

ثوبها. قال : كنّا نسمع أنّه يقتل بكربلاء (١).

وقدسيّة سيف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، سيف ذي الفقار الذي نصر الله به وبصاحبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين الإسلام ، فقد روى في تاريخ دمشق وغيره عن أبي جعفر محمد بن عليّ قال : نادى منادٍ من السماء يوم بدر يقال له : رضوان ، لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا عليّ (٢).

وكقدسية حجر العقيق الذي شهد لله بالوحدانيّة وللنبيّ بالرسالة ولعليّ بالوصاية وللشيعة بالجنّة ، فقد روى المغازلي عن كثير بن زيد قال : دخل الأعمش على المنصور وهو جالس للمظالم فلمّا بصر به قال له : يا سليمان تصدّر ، فقال : أنا صدر حيث جلست إلى أن قال في حديثه : حدّثني رسول الله قال : أتاني جبرئيل عليه‌السلام آنفا فقال : تختّموا بالعقيق ، فإنّه أوّل حجر شهد لله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة ، ولعليّ بالوصيّة ، ولولده بالإمامة ، ولشيعته بالجنّة (٣).

وروى الخوارزمي بسنده إلى سلمان الفارسي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا عليّ : تختّم باليمين ، تكن من المقرّبين ، قال : يا رسول الله ، ومن المقرّبون ؟. قال : جبرئيل وميكائيل ، قال : فبمَ أتختم يا رسول الله ؟. قال : بالعقيق الأحمر ، فإنّه جبل أقرّ لله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوة ، ولك بالوصيّة ، ولولدك بالإمامة ، ولمحبّيك بالجنّة ، ولشيعتك وشيعة ولدك بالفردوس (٤).

__________________

(١) مسند أبي يعلى ٦ : ١٢٩ ـ ١٣٠ ، مسند أحمد ٣ : ٢٦٥ ، المعجم الكبير ٣ : ١٠٦ ، كنز العمال ١٣ : ٦٥٧ ـ ٦٥٨ عن أبي نعيم ، مجمع الزوائد ٩ : ١٨٧ ، واللفظ منقول من كنز العمال.

(٢) تاريخ دمشق ٤٢ : ٧١ ، وأنظر مناشدة أمير المؤمنين عليه‌السلام في تاريخ دمشق أيضاً ٣٩ : ٢٠١ حيث ذكر فيها الامام عليّ قول جبرائيل للنبيّ لا سيف إلا ....

(٣) مناقب الإمام علي لابن المغازلي : ٢٤٣.

(٤) المناقب للموفق الخوارزمي : ٣٢٦.

٢٨٧
 &

وكقدسيّة ناقة نبيّ الله صالح عليه‌السلام ووليدها ، فعندما قتلوها غضب عليهم ربّ العالمين وأهلكهم لإقرارهم فعل أشقى الأوّلين الذي قتلها ، قال تعالى في سورة الشمس : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّـهِ نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ) (١).

هذه بعض قدسيّات منحها الله سبحانه وتعالى للأشياء على سبيل المثال وليس الحصر ، ذكرتها للتوضيح وحتّى تكون مدخلا ميسّراً ودلالة على مضمون موضوعنا.

ثمّ إنّه قد تجتمع قدسيّات زمان ومكان وأشخاص وأشياء مع بعضها البعض فتكون البركة أعظم والثواب أكثر والفائدة أعمّ ، فعندما تكون في مكّة المكرّمة في البيت الحرام وفي شهر رمضان ، تكون قد جمعت بين أكثر من شعيرة وقدسيّة ، وكذلك عندما تزور قبر رسول الله في المسجد النبويّ في شهر رمضان أو غيره من الأزمنة المباركة ، تكون قد جمعت بين قدسيّة المكان في المدينة المنوّرة وقدسيّة الزمان في شهر رمضان ، وقدسيّة الأشخاص المتمثّلة بقدسيّة وعظمة شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن أعظم منه في ذلك المكان ، وكذلك عند زيارة مرقد الإمام الحسين عليه‌السلام في يوم عاشوراء أو في أربعين الإمام عليه‌السلام ، فإنّك تجمع أكثر من قدسيّةٍ ، وأيضاً عندما تزور أحد الأئمة في البقيع أو في أماكن مراقدهم عليهم‌السلام في ذكرى يوم ولادتهم أو في ذكرى استشهادهم ، فإنّك تجمع أكثر من قدسيّة ، وعندما يصلّي المؤمن على طهارة ظاهرة وباطنة متختماً بالعقيق بين يديه تربة الإمام الحسين عليه‌السلام في زمان مبارك ، فإنّه يجمع الخير

__________________

(١) الشمس : ١١ ـ ١٤.

٢٨٨
 &

الكثير وتكون علامات القرب أكثر من أيّ وضع آخر.

وبهذا يستطيع المؤمن أنْ يميّز الفرق بين زيارة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو أحد الأئمّة عليهم الصلاة والسلام بشخصه وحضوره ، أو زيارتهم والسلام عليهم من مكان بعيد عن مراقدهم الشريفة ، أورد في كنز العمال عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله تعالى لي ملكين يردّان السلام على من سلّم علي من شرق البلاد وغربها ، ألا من سلّم عليّ في داري فإنّي أردّ عليه‌السلام بنفسي ولا سيما أهل المدينة ، فإنّي أردّ عليهم لأحسابهم وأنسابهم ، قيل : وهل تعرف وهم يتناسلون من بعدك ؟ قال : وهل لا يعرف الجار جاره ؟ وهل لا يعرف الجار جاره ؟ وهل لا يعرف الجار جاره (١) ؟

وهكذا عزيزي القارئ قرّبت لك الصورة ، ويسّرت لك الفهم ، وباستطاعتك التمييز بين الشرك وبين الشعائر المخصوصة بالإذن الإلهي والأمر الإلهي ، حتّى تتقرّب إلى الله تعالى بالوسائل التي ارتضاها لنا ، وعلى رأسها نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعترة الطاهرة من الأئمّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام وغيرها من الوسائل المشروعة.

وأمّا صدور الإذن الإلهي في التوسّل بالنبيّ محمّد وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، فإليك الأدلة من القرآن الكريم مدعومة بالأحاديث من عند من يستنكر التوسل والزيارة ويمنعهما ، وذلك حتّى يطمئنّ المؤمن لما يقوم به المسلمون المؤمنون في كلّ مكان ، وحتّى لا يُحرم المؤمن من بركات السفر والزيارة إلى مرقد رسول الله والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام والتوسّل بهم إلى الله تعالى.

__________________

(١) كنز العمّال ١٢ : ٢٥٦ عن ابن النجار.

٢٨٩
 &

قال تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١).

وقال تعالى في سورة الإسراء : ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) (٢).

وقال تعالى في سورة المنافقين : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّـهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) (٣).

وقال تعالى في سورة النساء : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (٤).

ولقد طبّق التوسّل بالنبيّ وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام رسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلّمه للناس ، كما طبّق ذلك الصحابة وتوسّلوا برسول الله وأهل بيته.

فقد روى الترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن عثمان ابن حنيف : انّ رجلاً ضريرا أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : يا نبيّ الله ادع الله أنْ يعافيني ، فقال : إنْ شئت أخّرت ذلك فهو أفضل لآخرتك ، وإنْ شئت دعوت لك ، قال : لا ، بل ادع الله لي ، فأمره أنْ يتوضّأ وأنْ يصلّي ركعتين وأنْ يدعو بهذا الدعاء : اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبيّ الرحمة ، يا محمّد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي هذه ، فتقضي وتشفّعني فيه وتشفّعه في ، قال : فكان يقول هذا

__________________

(١) المائدة : ٣٥.

(٢) الإسراء : ٥٧.

(٣) المنافقون : ٥.

(٤) النساء : ٦٤.

٢٩٠
 &

مراراً ثمّ قال : بعد أحسب أنّ فيها أن تشفّعني فيه قال ففعل الرجل فبرئ (١).

روى الطبراني في المعجم الصغير وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه. فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضّأ ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ، ثمّ قل : اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيّ الرحمة ، يا محمّد إنّي أتوجه بك إلى ربّك ربّي عزّوجلّ فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، ورح إلي حين أروح معك ، فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان ، ثمّ أتى باب عثمان ، فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان ابن عفّان فأجلسه معه على الطنفسة وقال : حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثمّ قال له : ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا ، ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده ، فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلّمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلّمته ، ولكن شهدت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله ، إنّه ليس لي قائد ، وقد شقّ عليّ ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع بهذه الدعوات. فقال عثمان : فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل عليه الرجل كأنّه لم يكن به ضرر قط (٢).

وبالتالي يحصل عندك الاطمئنان فتتقرّب إلى الله بكلّ إخلاص وسرور

__________________

(١) سنن الترمذي ٥ : ٢٢٩ ، مسند أحمد ٤ / ١٣٨ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٣١٣ ، ٥١٩ ، واللفظ لأحمد.

(٢) المعجم الصغير ١ : ١٨٣ ـ ١٨٤ ، مجمع الزوائد ٢ : ٢٧٩.

٢٩١
 &

وأريحيةٍ ، من غير أنْ تلتفت إلى أقوال وفتاوى أولئك المشكّكين والمكفرين من الوهابيين والسلفيين الناصبين العداء لدين الله ورسوله.

وعليك أنْ تعتبر كلّ تلك القدسيّات التي ذكرناها والتي منحها الله الإذن الإلهي المخصوص هي من شعائر الله ، وأنّ في تعظيم شعائر الله علامة كبيرة وإشارة واضحة على تقوى القلوب ، فقد قال جلّ وعلا في سورة الحجّ : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (١).

إنّ وجود الإذن الإلهي الذي يعبّر عن الشعائر ، يجعل المؤمن يتعمّق في البحث عن حقيقة الزمان أو المكان أو الشخص أو الشيء ، وبالتالي يكتسب محبّة وقرباً منها ، ويزداد تعلّقه الروحي فيها بشكل متزايد ، فبالتعمّق في معرفة رسول الله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإدراك أنّه وأهل بيته من أعظم شعائر الله ، وأنّه حبيب الله ومصطفاه ، وأنّه سيّد الخلق من الأولين والآخرين وأنّه سيّد الكونين ، يجعلك ذلك تزداد في محبّته وتعلّقاً بشخصه ، والنتيجة تعظيمه وتوقيره.

فإذا كان الله هو الذي عظّمه ورفعه واجتباه ومنحه شفاعته وأمرنا باتّباعه ، فمن حقّه علينا أنْ نتزوّد دوماً من معرفته ونتعلّق بها ، ونتبرّك بآثاره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنّ وجود الإذن الإلهي في كلّ ذلك يعطي تعلّقاً روحانيّاً ونفسيّاً وعمليّاً كبيراً بين من عظّمه الله وفضّله واجتباه وبين المؤمنين ، وهذا كلّه لمنفعة المؤمنين ويصبّ في مصلحتهم.

هكذا يجب علينا أنْ نرى شعائر الله ، ومنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليس كما اعتبره أولئك النواصب من المكفّرين الذين اعتبروه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه طارش أو ساعي بريد بلّغ رسالة ربّه وذهب فليس له نفع بعد ذلك أو كما اعتبره بعضهم بأن

__________________

(١) الحجّ : ٣٢.

٢٩٢
 &

عصاه أفضل من رسول الله ، لأن رسول الله قد توفاه الله تعالى وذهب فلا يُنتفعُ به بينما عصاه لازالت تؤدّي له المنافع أو كما قال بعضهم بأنه يتشرف بأنه إمام لمسجد رسول الله لأكثر من ثلاثين سنة ولم يقم بزيارة قبر رسول الله ، ومن أحب معرفة المزيد من تلك الآراء فعليه قراءة كتاب ألف سؤال وإشكال لسماحة الشيخ علي الكوراني العاملي حفظه الله (١).

أرجو أنْ أكون قد أزلت عن قلوب كثير من المؤمنين الغشاوة التي وضعها أولئك بين يدي البسطاء من الناس ، وخوفوهم من الشرك ظلماً وبهتاناً ، وأبعدوهم عن شعائر الله ، وجعلوهم ينظرون للشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، بأنّهم أهل شرك وبدع مع أنّهم أيّ الشيعة هم الذين يطبّقون أمر الله في ما أمرهم به ، ولا يفعلون شيئاً بدون إذن إلهي .

جعلنا الله وإيّاكم من المطيعين لأمره ، المتّبعين لرسوله ، والموالين لأهل بيته ، المحبّين لشيعتهم ، والمبغضين لأعدائهم ، ورزقنا زيارتهم في الدنيا ، وشفاعتهم في الآخرة ، إنّه سميع مجيب ، والحمد لله ربّ العالمين.

التوسّل برسول الله وأهل البيت عليهم‌السلام :

يعتبر بعض أتباع المكفّرين من الوهابيّين والسلفيّين أنّ التوسّل إلى الله سبحانه وتعالى من خلال وسيلة أو واسطة ، أقر الشرع المقدّس لنا أنّها وسيلة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى ولا يمكن قبول الأعمال عند الله إلا بها ، أعتبر أولئك المكفّرون أنّ هذا الأمر شرك خارج عن الشرع ، ولا يجوز على حسب ادّعائهم ، وهذا الاعتبار عندهم أيضاً كغيره من الأحكام لم يدلّ الدليل عليه ، بل دلّ وندب القرآن إلى عكسه ، كما في كتبهم ومصادرهم ، بل جاء الدليل

__________________

(١) وراجع أيضاً الدرر السنية في الرد على الوهابية لأحمد زيني دحلان : ٤٢.

٢٩٣
 &

يؤيّد موضوع التوسّل ، بل وندب إليه أيضاً بشكل واضح كما سأبين من خلال الأدلّة الواضحة من القرآن والسنّة.

ولكن لنبق مع أولئك قليلاً ، فهم عادة يقدحون بأيّ حكم يتبنّاه المسلمون جميعاً ، ويطعنون فيه وينكرونه إنكارا تامّاً ، ثمّ عندما تظهر الأدلّة الواضحة على صحّة ما عليه المسلمون ، يبدؤون بالطعن في الأدلّة الواردة في الموضوع ، ثمّ عندما تظهر صحّة الأدلّة وليس من مفرّ إلى إنكارها ، يؤوّلونها على حسب أهوائهم حتّى تتوافق مع آرائهم التي تمتلئ حقداً وبغضاً لأهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، هكذا هم دائماً ، وهذا هو ديدنهم في النظر إلى الأمور.

أمّا بالنسبة إلى موضوعنا وهو التوسّل ، فهو أمر شرعيّ ، وحكم ثابت عند المسلمين جميعاً بشتّى اختلافاتهم واتّجاهاتهم ، وهو ثابت في القرآن الكريم والسنّة النبوية ، وهو ما فعله المسلمون جميعاً منذ العصر الأوّل للإسلام وحتّى عصرنا هذا ، وهذا ليس بمستغرب ، بل إنّ الغريب والعجيب أنْ يأتي من ينكر هذا الأمر ويحاول طمسه وإخفاء ما أقرّه الشرع ، وفعله المسلمون ، حقداً وبغضاً لرسول الله وأهل بيته الطاهرين حتّى لا يتّخذهم المسلمون وسيلة إلى الله تعالى ، وأنّى لهم ذلك ، فقد توسّل الصحابة برسول الله إلى الله ، وتوسّلوا بأهل البيت ، وتوسّلوا بقبر رسول الله ، وتوسّلوا بالعبّاس عمّ رسول الله ، وتوسّلوا بكلّ من له جاه ومنزلة عند الله تعالى اتّباعا لأمره والتزاما بتعاليم الإسلام ورسوله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١).

وقال تعالى في سورة الإسراء : ( أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ

__________________

(١) المائدة : ٣٥.

٢٩٤
 &

الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) (١).

قال في القاموس المحيط : الوسيلة والواسلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة ، ووسّل إلى الله تعالى توسيلاً : عمل عملاً تقرّب به إليه ... والواسل : الواجب والراغب إلى الله تعالى (٢).

والوسيلة : هي التقرّب إلى الله تعالى بمن يحبّهم الله ويحبّونه ... ، وهي القربى والزلفى إلى الله تعالى ، وهي العمل بما يرضي الله تعالى وطاعته بحسب ما يريد هو وليس كما نريد نحن ، فمن كلّ ذلك يتبيّن أنّ الوسيلة هي ما يتوصّل به إلى الله تعالى ، وما يتقرّب به إلى الكبير المتعال.

ولنضرب مثلا حتّى يصير التعريف للوسيلة متصوّراً ، فالمصلّي عندما يتقرّب إلى الله تعالى بصلاته ، وحتّى تكون مقبولة عند الله ، فلابدّ أنْ يختم صلاته بوسيلة يبتغيها إلى الله ، فإنّه يصلّي على محمّد وآل محمّد ، ويسلّم على محمد وآل محمّد ، فهم الوسيلة التي يتوسّل بها إلى الله ، والذين بدون الصلاة عليهم وجعلهم عنواناً للصلاة فإنّها ـ أيّ الصلاة ـ لا تكون مقبولة عند الله ، وهذا ما عليه المسلمون قاطبة .

وكذلك الدعاء ، عندما يتقرّب المؤمن إلى الله تعالى بالدعاء ، فإنّه لابدّ وأنْ يقدّم بين يدي دعائه وسيلة أذنَ الله بها ولا يرفع الدعاء بدونها وهي الصلاة على محمّد وآل محمّد ، ولذلك ورد في العشرات من الروايات عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعند كلّ طوائف المسلمين أنّ الدعاء إذا لم يبدأ أو يختم بالصلاة على محمّد وأهل بيته الطيبين الطاهرين فإنّه لن يرفع إلى الله تعالى.

__________________

(١) الإسراء : ٥٧.

(٢) القاموس المحيط ٤ : ٦٤.

٢٩٥
 &

روى السيوطي في الجامع الصغير عن عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام قال : الدعاء محجوب عن الله ، حتى يصلّى على محمّد وأهل بيته. ورواه الطبراني باختلاف يسير ورواه البيهقي في الشعب والديلمي كما في الصواعق ، ونحوه في سنن الترمذي (١).

وروى في كنز العمال نقلاً عن الديلمي عن ابن عمر أنّه قال : الدعاء يحجب عن السماء ، ولا يصعد إلى السماء من الدعاء شيء حتّى يصلّي على النبيّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا صلّى على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صعد إلى السماء (٢).

وروى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قال : قال أبو سليمان الداراني : من أراد أنْ يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثمّ يسأل الله حاجته ، ثمّ يختم بالصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنّ الله تعالى يقبل الصلاتين وهو أكرم من أنْ يردّ ما بينهما.

وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : الدعاء يحجب دون السماء حتّى يصلّى على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا جاءت الصلاة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رفع الدعاء.

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من صلّى عليّ وسلم عليّ في كتاب لم تزل الملائكة يصلّون عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب (٣).‏

ثمّ إنّ الوسيلة وردت في عدّة روايات أنّها درجة في الجنّة يسكنها النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فقد روى ابن مردويه وعنه

__________________

(١) الجامع الصغير ١ : ٦٥٦ ، شعب الإيمان ٢ : ٢١٥ ، سنن الترمذي ١ : ٣٠٣. المعجم الأوسط ١ : ٢٢٠ وعنه في مجمع الزاوئد ١٠ : ١٦٠ وقاله : رجاله ثقات ، الصواعق المحرقة ٢ : ٤٣٤.

(٢) كنز العمّال ٢ : ٨٨ عن الديلمي.

(٣) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ١٤ : ٢٣٥.

٢٩٦
 &

المتقى الهندي في كنز العمال عن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : في الجنّة درجة تدعى الوسيلة ، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة ، قالوا : يا رسول الله ! من يسكن معك فيها ؟ قال : علي وفاطمة والحسن والحسين (١). ونحن حينما نسأل الله الوسيلة لرسول الله وأهل بيته عليهم‌السلام ، فليس معنى ذلك أنّهم بحاجة إلى دعائنا ، وأنّه بسبب دعائنا سوف ينزلون تلك المنزلة ، فهم قد ضمنوا الجنّة بمحبّة الله لهم واجتبائهم واصطفائهم ، وهم الذين خلقت الجنّة لأجلهم ، فرسول الله بشفاعته سوف يدخل خلق كثير الجنّة ، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أخوه ، وفاطمة الزهراء سيّدة نساء أهل الجنّة ، والحسن والحسين عليهما‌السلام سيّدا شباب أهل الجنّة ، ولذلك فإنّ معنى أنْ نسأل الوسيلة لرسول الله ، وأهل بيته عليهم‌السلام ليس كما هو ظاهر النص ، إنّ معناه أنْ نتّخذهم وسيلة نتقرّب بهم ونتوسّل بهم إلى الله تعالى ، وإلا فلا معنى أنْ نسأل الله درجة الوسيلة لرسول الله ، وهو سيّد الخلق ، ولأجله خلقت الأكوان ، وهو الشفيع وسيّد الأنبياء والمرسلين ، فهو ليس محتاج لدعائنا ، بل نحن محتاجون لدعائه وشفاعته والنزول معه ، ولا معنى لتلك الأحاديث إلا أنْ نتّخذه وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام وسيلة نبتغي بها وجه الله الكريم ، بل هم من أعظم الوسائل إلى الله تعالى.

ولذلك وكما ذكرت ، فإنّه لا تقبل الصلاة إلا عندما نصلّى على محمّد وآل محمّد ، ولا يرفع دعاء إلا إذا بدئ وختم بالصلاة على محمد وآل محمد ، ولا يقبل حكم من أحكام الإسلام إلا إذا أخذ من محمّد وآل محمّد ، فهم الدلالة والعلامة على قبول الطاعات والقربات ، وهم الوسائل إلى الله تعالى ، فإذا صلّينا على رسول الله وأهل بيته وتوسّلنا بهم إلى الله كما أمر الله ، شفعوا لنا عند الله

__________________

(١) راجع كنز العمّال ١٢ : ١٠٣.

٢٩٧
 &

في قضاء حوائجنا ، وقد قال تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (١).

ثمّ إنّ التوسّل إلى الله تعالى بمحمّد وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، قد ظهر جليّاً وبشكل واضح للمسلمين في حياة رسول الله ، فهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي أمر المسلمين وعلّمهم أنْ يتوجّهوا ويتوسلوا به إلى الله تعالى ، سواء أكان ذلك أثناء حياته أم بعد وفاته ، وسأقدّم عدداً من الأحاديث من كتب أهل السنّة والجماعة تثبت وقوع التوسّل بإقرار من رسول الله ، وأنّ الصحابة أيضاً قد قاموا به ، ولم ينكر ذلك إلا الجهّال في دينهم من المتعصّبين العمي الذين يبغضون رسول الله وأهل بيته ، قال تعالى في سورة النمل مخاطبا رسوله الكريم وأتباعه من المؤمنين : ( فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ) (٢).

فقد روى الحاكم في المستدرك عن عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً ضريراً أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : ادع الله تعالى أنْ يعافيني. قال : إنْ شئت أخّرت ذلك وإن شئت دعوت. قال : فادعه. قال : فأمره أنْ يتوضّأ فيحسن الوضوء ، ويصلّي ركعتين ، ويدعو بهذا الدعاء : اللهمّ أني أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبي الرحمة ، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك في حاجتي هذه ، فتقضيها لي ، اللهم شفعه في وشفعني فيه (٣).

وروى الحاكم في المستدرك وبمتن مختلف عن عثمان بن حنيف قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره. فقال : يا

__________________

(١) المائدة : ٣٥.

(٢) النمل ٧٩ ـ ٨١.

(٣) المستدرك على الصحيحين ١ : ٥١٩ ، وقد تقدمت الرواية وتخريجها.

٢٩٨
 &

رسول الله ، ليس لي قائد ، وقد شقّ علي. فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ائت الميضاة ، فتوضأ ، ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ قل : اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبي الرحمة ، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك ، فيجلي لي عن بصري ، اللهم شفعه في وشفعني في نفسي. قال عثمان : فوالله ما تفرّقنا ولا طال بنا الحديث حتّى دخل الرجل وكأنّه لم يكن به ضرّ قط (١). وقد روى الحديث مجموعة من الحفّاظ والمحدّثين منهم الترمذي وقال : حديث حسن صحيح (٢) ، والطبراني وقال صحيح (٣) ، وعنه في مجمع الزوائد (٤) ، ورواه أحمد في مسنده (٥) ، وغيرهم كثير.

وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين : وفي الحديث دليل على جواز التوسّل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الله عزّوجلّ مع اعتقاد أنّ الفاعل هو الله سبحانه وتعالى ، وأنّه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن انتهى (٦).

وقال في شرح قول صاحب العمدة : ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين ما لفظه : ومن التوسّل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي ‌الله ‌عنه أنّ أعمى أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكر الحديث (٧).

ولا يقولنّ أحد بأنّ هذا كان ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موجود ولكنّه بعد وفاته لم يتوسّل برسول الله أحد ، وهذا الكلام غير صحيح ، وسأقدّم لك رواية تثبت أنّ

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٥٢٦.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٢٢٩.

(٣) المعجم الصغير ١ : ١٨٣ ـ ١٨٤.

(٤) مجمع الزوائد ٢ : ٢٧٩.

(٥) مسند أحمد ٤ : ١٣٨.

(٦) راجع تحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠ : ٢٥.

(٧) المصدر نفسه ١٠ : ٢٥.

٢٩٩
 &

الصحابة توسّلوا برسول الله في فترة خلافة عثمان بن عفان.

فقد أخرج الطبراني حديثاً وذكر في أوّله قصّة وهي : أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي ‌الله ‌عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضّأ ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ، ثمّ قل : اللهمّ إنّي أسألك ، وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبي الرحمة ، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، ورح إليّ حتّى أروح معك ، فانطلق الرجل ، فصنع ما قال له ، ثمّ أتى باب عثمان ، فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده ، فأدخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة وقال : ما حاجتك ، فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة. وقال : ما كانت لك من حاجة فأتنا ، ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلّمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلّمته ولكن شهدت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفتصبر ؟ فقال يا رسول الله : إنّه ليس لي قائد وقد شقّ عليّ ، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين ثمّ ادع بهذه الدعوات ، فقال عثمان : فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.

قال الطبراني بعد ذكر طرقه والحديث صحيح (١).

وقال السيوطي في الدر المنثور : أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي

__________________

(١) المعجم الصغير ١ : ١٨٣.

٣٠٠