نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

قلت : يا رسول الله ، في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك » (١).

ولقد تجسّدت كلّ تلك الضغائن خلال عصر الرسول الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، تمثّلت وتجسّدت بكلّ أنواع الأذى في حقّه وفي حقّ أهل بيته عليهم‌السلام لدرجة أنّه من شدّة الأذى قال في مرات عديدة « ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله » (٢).

ثمّ امتدّ الأذى والبغض والحقد الى ما بعد عصر رسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأشكال أقسى وأشدّ ضدّ السيّدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام من خلال الهجوم على بيتها وحرقه وضربها وإسقاط جنينها وانتزاع حقوقها ، وضدّ أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام حتّى قتله ابن ملجم أشقى الآخرين لعنه الله ، ثمّ أوذي الإمام الحسن عليه‌السلام وقتل بالسمّ الذي دسّه له معاوية بن أبي سفيان ، ثمّ سيّد الشهداء الحسين عليه‌السلام ، قتله يزيد بن معاوية في كربلاء في العاشر من محرّم الحرام ، قتل هو وأهل بيته وأصحابه وسبيت نساؤه ، ويستطيع القارئ العزيز أن يراجع بحثنا سبيل المستبصرين تحت عنوان : اغتيال رسول الله ، وبحث اغتيال السيّدة الزهراء عليها‌السلام ، وبقيّة الأبحاث التي تظهر ما تعرّض له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته وشيعتهم. فقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد » (٣).

والتاريخ يذكر وكذلك كتب وصحاح أهل السنّة الأمر الأموي من معاوية ابن أبي سفيان بسبّ وشتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام على المنابر ،

__________________

(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده ١ : ٤٢٧ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢ : ٣٢٢ وأورده في كنز العمّال ١٣ : ١٧٦.

(٢) حلية الأولياء ٦ : ٣٣٣ ، الجامع الصغير ٢ : ٤٨٨.

(٣) أنظر الرواية في المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٦٤ ، المعجم الأوسط ٦ : ٣٠ وغيرها.

٦١
 &

الذي استمرّ أكثر من سبعين عاماً ، وكذلك رسالته إلى الأمصار بإيذاءِ وقتل أهل البيت وأتباعهم وشيعتهم ، ثمّ ما تعرّض له أتباع أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم في العصر العباسي وما بعدهُ من العصور حتّى يومنا هذا ، ودونكَ ما يجري في العراق حيث انتُهكت حرمة مرقد الامام عليّ عليه‌السلام ومرقد الامام الحسين عليه‌السلام ومراقد الأئمةِ من اهل بيت النبوةِ والرحمة ، وتفجير مقامي الأمام عليّ الهادي والإمام الحسن العسكريّ عليهما‌السلام ، واغتيال العديد من العلماء والمراجع ، وحالات القتل اليومي للمؤمنين على أيدي خوارج القرن الواحد والعشرين الميلادي من المكفّرين للمسلمين ، خدمةً للشيطان الأكبر ، ولأعداء الدين ، أعداء اللهِ ورسولهِ وأهل بيته وشيعتهم.

انتظار الفرج عبادة وثبات :

ولم يذكر التاريخ فترةَ طويلةَ من مئات السنين أمتدّ فيها الأذى لنبيٍّ وأوصيائهِ وأتباعهِ كما حصلَ لرسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصيائهِ وشيعتهم ، لكننا على ثقةٍ عظيمة بوعد اللهِ ونصره لرسوله وللمؤمنين ، فكما قال رسولنا الأكرم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « إنتظار الفرج عبادة » (١). وما على المؤمن إلا أنْ يتحلّى بالصبر والحلم ، وأن يثبت على إيمانه ويحافظ على دينه ويعمل لله تعالى بإخلاص ويقين ، وأنْ يتوكل على الله تعالى في كلّ شؤونه ، فالعزّة لله ولرسوله وللمؤمنين.

قال تعالى في سورة التوبة : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (٢).

وقال تعالى في سورة الفتح : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ

__________________

(١) تاريخ دمشق ٢٢ : ٣٢٣ ، الجامع الصغير ١ : ٤١٦.

(٢) التوبة : ٣٣.

٦٢
 &

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ) (١).

وقال تعالى في سورة القصص : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) (٢).

فهذه إشارات وعلامات ظهورِ قائم آلِ محمّدٍ إمامنا المهديّ المنتظر ، عجّل الله تعالى فرجه الشريف ، تلوحُ في الافق الواحدة تلو الأخرى ، تبشّرُ المؤمنين في أرجاء الأرض بأنّ انتظار الفرج عبادة ، وأنّ النصر قريب بقيادة الإمام الثاني عشر ، الحجّة ابن الحسن وأوليائه وشيعته ؛ ليُظهرَ العدل ويمحوَ الظلم والضلال ، ويحقّ الحقّ حتّى يعود الحقّ لأهله ، ويظهر حكم الله تعالى كما أراد ، على ربوع الأرض كلّها ، ويسعد المؤمنون بحياة العدل والخير بعيداً عن كل المتناقضات ، وبعيداً عن كلّ تلك العقليات والنفسيات التي مرّ وصفها ، وبالتالي ترتفع معاناة المؤمنين المستضعفين ، تحت قيادة صاحب العصر والزمان ، رافع الظلم والجور عن عباد الله.

ظاهرة الاستبصار دلالة على قرب الفرج :

إنّ ظاهرة الاستبصار الزمانيّة والمكانيّة والتي تعمّ أرجاء الكرة الأرضيّة في هذا الوقت بالذات ، تدلّ دلالةً واضحة على تلك الإشارات والعلامات. وهذا ما يقتضي من الباحثين العمل على مزيد من الوعي والإظهار للحقائق الإيمانيّة المغيّبة ، وهذا ما دفع العديد من الباحثين المستبصرين للإسراع في إظهارِ عدّة أبحاث تلائم ما يحتاجه المؤمن المستبصر والظروف التي يمرّ فيها ، وكذلك كلّ طالبٍ للحقّ في أمكنة وأزمنة يكثر فيها العامّة ، وتطغى فيها التناقضات ، ومن تلك الأبحاث ما كتبته سابقاً ، وهذا البحث أيضاً ، محاولاً فيها وبشكل

__________________

(١) الفتح : ٢٨.

(٢) القصص : ٥.

٦٣
 &

خفيف على النفس يسيرٍ على الفهم ، أنْ أوصلَ الحقّ الى من يبتغيه أو يبحث عنه ، ومن خلال القلم ، خدمةً ووفاءً لحقّ مذهب أهل البيت عليهم‌السلام والمتعطشين لمعرفته ، واستجابة لأمر أئمتنا عليهم الصلاة والسلام الذين قالوا : أحيوا أمرنا ، « رحم الله من أحيا أمرنا » (١).

رحلة استكشاف حقيقة الإيمان :

وربّ سائل يسأل : إذا كان المؤمن المستبصر يواجه كلّ تلك الصعوبات ، وكلّ تلك الفئات ، وكل تلك العقليّات والنفسيّات المتناقضة ، فكيف إذنْ ظهر له نور الحقّ ؟ وكيف عرف طريق أهل البيت عليهم‌السلام ؟.

إنّ الحقيقة واضحة بيّنة ، وكلّ ما يفعله المستبصر هو استكشافها ، فإذا وقع عليها أنارت قلبه وعقله فيتبعها ، هذا هو ظاهر الحال ، ولكنّه أعمق من ذلك ، إذ إنّ حال المستبصر ومن خلال تجربتي مع نفسي ، ومن خلال تجارب إخواني المستبصرين الذين استبصروا معي بحاجة إلى بيان وتوضيح من خلال معان لأمور ربما تكون جديدة على الآخرين.

التوفيق الإلهي من أهم عوامل الاستبصار :

إنّ من الأشياء الرئيسة التي تجب معرفتها هو أنّ أهم عامل من عوامل الاستبصار هو توفيق الله تعالى للمؤمن الباحث عن الحقيقة ، فبدون توفيق الله تعالى ومنّه وفضله ، لا يمكن للمؤمن وفي ظروف كالتي وضّحتها وبيّنتها في البحث أنْ يصلَ إلى الحقيقة بدون هذا العامل الأساسي.

عوامل استجلاب التوفيق :

والذي يساعد على وجود توفيق الله تعالى هو الإرادة الصادقة الصحيحة من

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٢ : ٢٠ ، عن كتاب الاخوان للشيخ الصدوق.

٦٤
 &

الباحث عن الحقيقة ، فإذا ما وجدها اعتنقها ، فوجود الصدق والإخلاص لله تعالى والإرادة القويّة ومعرفة أحوال الدنيا والآخرة ، وحبّ الحقيقة من أجل اتباعها وتطبيقها هو الذي يوجد التوفيق الإلهي ، والدليل أنّ كثيراً من الناس يقرؤون مثلاً : حديث الثقلين أو حديث السفينة ، ويكون ذلك كافياً للاستسلام لحقائق الإيمان ، بينما تعاملنا مع أناس كثيرين من ذوي العلم والمعرفة ، وقرأنا معهم كتباً كثيرة ، وأظهرنا لهم حقائق كثيرة ، لكنّهم بعد كلّ ذلك العناء ظلّت قلوبهم غلفاً عن حقائق الإيمان ، بل وربّما صاروا من أعدائها.

ولو نظرت إلى حال المستبصرين ، فإنّك تجد أنّ حبّ الحقيقة والإرادة الصادقة الصحيحة والإخلاص والوفاء ومعرفة حقيقة الدنيا وأحوال الآخرة أصل أصيل عندهم ، ظاهر على جوارحهم وفي سلوكهم.

ومن عوامل استجلاب التوفيق الإلهي كثرة الدعاء والتضرّع إلى الله تعالى بإخلاص صحيح وعبوديّة تامّة ، أن يهدي إلى الصراط المستقيم وسلوك سبيل الناجين ، وهذا من أقوى عوامل استجلاب التوفيق من الله تعالى ، مع ضرورة المداومة الحثيثة عليه وضرورة اقترانه بالعامل الأول وتوابعه.

ومن عوامل الدخول في طريق التوفيق التوبة النصوح ، ويتّبع ذلك الإيمان ، وكذلك الإيمان بحقائق الإيمان ، واليقين بالله تعالى ، وصدق التوكّل عليه ، وبأنّه سبحانه وتعالى لابدّ وأنْ يهدي عبده المؤمن للخير والحقّ ، ثمّ يتبع كلّ ذلك العمل الصالح الموافق لمراد الله تعالى ظاهراً وباطناً ، فهذه العوامل حتماً ستؤدّي إلى الهداية لولاية أهل البيت عليهم‌السلام واستبصار الحقيقة والأحقيّة.

تكميل العقل بحبّ الحسين عليه‌السلام :

ومن عوامل تسريع وجود التوفيق الإلهي محبّة الله تعالى الصادقة في الظاهر والباطن ، فوجود هذه المحبّة عند الباحث عن الحقيقة ، يمنحه المحبوبيّة من

٦٥
 &

الله تعالى ، وتكون تلك المحبوبيّة من الله تعالى للعبد هي الدليل إلى طرق التوفيق الإلهي ، فهناك محبّة يجب أنْ يقدّمها لله تعالى عن طريق المواظبة والدوام على متابعة أمر الله تعالى من خلال محبّته وما أمر بحبّه سبحانه ، حتّى يحصل العبد على المحبوبيّة من الله تعالى ويكملها له ويوصله إلى التوفيق ، مع التعهد الصادق والإرادة الصحيحة الحازمة ، على أنّه إذا كُشفت طرق التوفيق عن واقعها ، وظهرت الحقيقة للعبد ، أنْ يلتزم بها بكلّ صدق وأمانة ، فإذا كان ذلك ، ظهرت حقيقة الاستبصار للعبد ، فتنادي صاحبها بعد أنْ تكشف له عن نورها وصدقها وأحقّيتها.

ولذلك ، فإنّ التوفيق الإلهي لا يتأتى إلا بالمحبة الصادقة الصحيحة ، ولا تتأتّى المحبّة إلا بمعرفة ما يحبّه الله تعالى ومعرفة من أمر الله تعالى بحبّهم ، ولا يتأتّى ذلك إلا بالبحث المستنير من خلال القرآن الكريم والحديث الصحيح من أجل معرفة من هم الذين أمر الله تعالى بحبّهم ، وليس الحبّ لمجرد الحبّ ، وإنّما من أجل المتابعة والاقتداء. فإذا حصل الحبّ الصادق الحقيقي لما يحبّه الله تعالى ، عند العبد وثبت واستمرّ على ذلك ، وأشهد الله تعالى عليه ، فإنّ الله تعالى يكمل للعبد محبوبيّته ويمنحه التوفيق للاستبصار ، وذلك أنّ الله تعالى وعد أنْ يكمل للإنسان عقله ، ويفتح له بصيرته عندما يتحقق لدى العبد الطالب للحقّ الحبّ الخالص الصادق لأهل بيت النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، خصوصاً حبّ الإمام الحسين عليه‌السلام ، ذلك الحبّ المشفوع بالاقتداء والاتّباع للمحبوب.

روي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام قال : « لمّا خلق الله العقل استنطقه ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك ، ولا أكملتك إلا فيمن أحبّ ، أما إنّي إياك آمر ،

٦٦
 &

وإيّاك أنهى ، وإيّاك أعاقب ، وإيّاك أثيب » (١).

إذن فالوعد الإلهي بالتوفيق للعبد يتحقّق عندما يمنّ الله تعالى ويتفضّل على عبده بالمحبوبيّة ، والتي تتحقّق عندما يُقْدّم العبد حبّه الصادق الحقيقي لما يحبّه الله تعالى بإرادة قويّة ونيّة صالحة وإخلاص لله تعالى ، عندها يتحقّق التوفيق الإلهي للهداية إلى الحقّ والحقيقة ومعرفة سبل الاستبصار.

روى الترمذّي وغيره أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال « حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا » (٢).

إذن فهذه هي المعادلة ، أنّ من قدّم حبّاً لله تعالى من خلال ما يحبّه سبحانه ، فإنّ الله تعالى يتفضّل عليه بالحبّ والمحبوبيّة ، والهداية إلى سبل التوفيق الإلهي ، وإكمال العقل وتفتّح البصيرة ، ويؤتيه أيضاً الحكمة والتي هي معرفة الأمور على حقيقتها وترتيبها في محلّها وفق مراد الله تعالى.

لاحظوا في الحديث عندما يقول رسولنا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « أحبّ الله من أحبّ حسينا » وفي الحديث القدسيّ عندما يقول الله تعالى مخاطبا العقل : « وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك ، ولا أكملتك إلا فيمن أحبّ ». فصار الأمر أنْ لا يكتمل العقل عند الإنسان إلا بعد أنْ يحبّ أهل البيت عليهم‌السلام ، وخصوصاً حبّ أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام. فكان ذلك من أعظم أسباب استجلاب التوفيق الإلهي واستحقاقه وتحقّقه.

وهكذا كلّما تحقّق القرب ممّا يحبّ الله تعالى وأحبابه وتوثّقت الصلات بهم ، كانت النتيجة مزيداً من المعرفة والتوفيق ، على شرط أن يكون من تحبّ منصوص على حبّه ومودّته في القرآن الكريم أو الحديث الصحيح ، فالمرء مع

__________________

(١) الكافي ١ : ١٠.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٣٢٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٥١ ، مسند أحمد ٤ : ١٧٢ وغيرها.

٦٧
 &

من أحبّ. والإخلاص سرّ من أسرار الله تعالى يودعه قلب من أحبّ من عباده ، وأمر الولاية لا يتأتى إلا بالمحبّة ووجود الإخلاص والصدق وتحقّق الإيمان ظاهراً وباطناً ، ولذلك روي عن رسولنا الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمّتنا عليهم‌السلام أنّهم قالوا : « حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان » (١).

فلابد إذن من تقديم كلّ تلك المقدّمات التي ذكرنا حتى تتحقّق الهداية ومعرفة الحقيقة والاستبصار ، فالأمر بين أمرين ولا جبر ولا تفويض. ومن زرع يحصد ومن جدّ واجتهد وجد ، وهذا حال من استبصر وهو واقع من عرفتهم من إخواني المؤمنين الذي طلبوا الحقّ وتعبوا في البحث عنه حتّى استكشفوه ، فوجدوه وعرفوه فأحبّوه واتّبعوه.

نداءات الحقيقة في حياة المستبصر :

لكنّه ومن الملفت للنظر خلال التدقيق في حياة أيّ مستبصر أنّ نداءات الحقيقة تكون لديه وفي مكنونات نفسه طيلة حياته ، وليس فقط عند ظهور الحقيقة وتجلّيها ، ووجدت أنّ حبّ رسول الله الحقيقي والتفاعل والانفعال مع دقائق حياته وسيرته وكذلك حبّ أمير المؤمنين عليّاً وحبّ أهل البيت عليهم‌السلام ، له محطّات كثيرة في حياة المستبصر قبل استكشافه للحقيقة.

وإنّ المستبصر كثيراً ما يتوقف في حياته عند محطّات كثيرة في السيرة النبوية وفي التاريخ الإسلامي عموماً ، وعند كثير من المواقف في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن خلال سيرة أهل البيت عليهم‌السلام وكثير من مشاهير الصحابة المنتجبين منهم وغير المنتجبين ، فيتوقف عندها كثيراً ، فيطلب عقله وقلبه تفسيراً لها ، وتتصارع الإجابة بين باطنه وظاهره ، فباطنه يُسمعه نداءات الحقيقة

__________________

(١) أنظر الكافي ١ : ٤٠١ ، الخصال ٢٠٨ ، ٦٢٤ ، شرح نهج اللبلاغة ٦ : ١٢٨ ، ينابيع المودة ١ : ٨٩.

٦٨
 &

ويوجهه للبحث عنها ومعرفة حقيقتها ، وظاهره يبرّر تفسيرات لها من خلال ما يسمع من الناس ، أو يفسره العلماء من أجل إخمادها وطيّها والمرور عنها ، وبالرغم من عدم القناعة ، ولأنّه لا يملك إجابة غير التي تُملى عليه من محيطه ، فإنّ نداء الحقيقة الباطني يسكت ليثور مرّة أخرى مذكّراً بتواجده ملفتاً النظر إليه ، وفي كلّ مرة يثور فيها تكون ثورته أكبر من التي سبقتها ، ولكنّ المشكلة أنّه لا جواب يشفي صدر المستبصر ، فيدخل في حيرة تمنحه في كلّ مرّة دوافع أقوى وبشكل أوسع من أجل الوصول إلى الحقيقة والحصول على الأجوبة الشافية المقنعة لكلّ نداءات الحقيقة ؛ ولذلك كان هذا الصراع في حياة المؤمن المستبصر قبل استكشاف الحقيقة بتمامها هو عمليّة تمهيد خلال سنوات طويلة ، وإعداد نفسيّ عظيم من أجل قبول الحقّ والحقيقة والتمسّك بها بقوّة بعد الرحلة الطويلة في البحث عنها ، وعند الإمساك بها واعتناقها تكون رحلة الاستكشاف قد انتهت ، وبدأت رحلة جديدة في حياة المستبصر ، وهي رحلة ذات مقاييس جديدة تتحدّث عن إنسان تائه في صحراء كبيرة انقطعت عنه فيها كلّ مقومات الحياة ، وإذا به ينتقل إلى واحة خضراء فيها كلّ ما يتمنّاه للحياة الإيمانيّة الآمنة المطمئنّة.

حاول عزيزي القارئ أنْ تستشعر كلّ تلك المعاناة ، وكلّ ذلك الوقت الذي مرّ في حياة الضياع والغياب عن الحقيقة وحاول أنْ تستشعر لحظة اكتشافها وتجلّي نورها ، حاول أنْ تستشعر لحظات السرور العظيم والفرح الغامر ، ولحظات الزمن الماضي والندم على ما ذهب منه ضياعاً ، ولاحظ كلّ تلك المشاعر المختلطة والتي تبدو متناقضة ومتداخلة في بعضها ، وما ينتج بعدها من انفعالات وسلوك جديد موافق للحقّ الذي استبصره ومناقض تماماً للمحيط الذي يعيش فيه ، حيث يعيش بين سرور الاستبصار واعتناق الحقيقة وعشقها ، وبين الواقع الحزين المؤلم للمحيط ، حيث لا يجد من يشاركه

٦٩
 &

لحظات سروره وفرحه إلا المؤمنين المستبصرين إنْ وجدوا معه ، أو أنّه يبقى غريبا وحيداً ، لكنّ التوفيق والتفضّل الإلهي الربّاني لابدّ وأنْ ييسّر للمستبصر كلّ العزّ والسكينة والطمأنينة ، فيبدأ يستشعر معنى الأخوة من جديد وبمفهوم مغاير لما قد ألفه ، فتبدأ الأرواح المؤتلفة بالتلاقي والتعارف بين الإخوة المتحابين يحلّ محلّ ادّعاءات الأخوّة المزيفة ، وتبدأ رحلة التعرف على الحقيقة وسبر غورها ، وتوطيد الصلة معها والتزوّد الدائم منها والمحافظة على ذلك الكنز العظيم الذي وجده بعد رحلة من المعاناة والألم من أجل الوصول إليه.

نداءات الحقيقة وامتزاج المعرفة القلبية مع المعرفة العقلية :

وللتعرّف على نداءات الحقيقة التي يسمعها المستبصر وتنبع من داخله ، والتي تعبّر عن معرفة قلبيّة معيّنة وكأنّها متأصّلة في داخله ، تستفزّ المعرفة العقليّة من أجل التحرّك نحو اتّجاه معيّن وحتّى تمتزج المعرفة العقليّة مع المعرفة القلبيّة من أجل أنْ يتعاونا معاً لاستكشاف حقيقة تلك النداءات وما الذي تريد أنْ توصل إليه ، وبالتالي لابدّ من بحث الطرق التي تؤدّي إليها تلك النداءات ، ولابدّ من ذكر بعض الأحاديث الشريفة التي تبيّن أصل وواقع تلك النداءات ، لكنّه من المهم أنْ يعرف العبد أنّ بذرة الخير وحبّ الحقّ والحقيقة هي أمور لابدّ وأنْ يكون قد أشهد عليها وأقرّها في عالم الذر (وهو الآن يجسّد ذلك الإشهاد في هذا العالم الدنيوي من خلال العمل الموافق لما تمّ الإقرار عليه في عالم الذّر) فمن كان من المقرّين بالولاية وكان من طينة أهل البيت وشيعتهم ، فإنّه سوف يصل في النهاية إلى التعرّف على الحقيقة واستكشافها ، وكذلك التعرّف على أهلها واستكشافهم.

ولكن ، وقبل ذلك لابدّ وأن نبيّن عدّة أمور وبعض الأمثلة التي عاشها أغلب

٧٠
 &

المستبصرين قبل وصولهم إلى ولاية أهل البيت عليهم‌السلام ، والتي غالباً ما تكون على عدّة أشكال متنوّعة بحيث تكون لحظة الوصول إلى الحقيقة وولاية أهل البيت عليهم‌السلام عن طريقها ، والتي يدفع إليها ذلك النداء القلبي والروحيّ الذي يخاطب العقل والجوارح بلغة لابدّ للعقل أنْ يتعلّمها حتّى يفهم ذلك النداء ويعرف مراده منه ، وحتّى يقوم بكلّ ما يلزم من أفعال وسلوك تجسّد النداء القلبيّ في النهاية للاستبصار فيضع المستبصر نفسه وبإرادة وعزيمة واستسلام لله تعالى في المكان الذي ارتضاه الله تعالى له ، ويضع روحه ونفسه في تناغم مع الأرواح التي تآلف معها في عالم الذرّ وتعاهد معها أمام الله تعالى على محبّة الله ورسوله وولاية أهل البيت عليهم‌السلام ، ويضع أيضاً جسده مع تلك الأجساد الطاهرة التي جبلت من طينة واحدة ، وخلقت من طينة أهل البيت عليهم‌السلام.

وهنا تمتزج المعرفة القلبيّة مع المعرفة العقليّة ، وينشط الجسد مع العقل في تعويض ما قد فات من طاعات وعبادات وتصحيح في الاعتقادات ، ويتحوّل نداء الحقيقة الباطن إلى تطبيقات صحيحة من المستبصر توافق حقائق الإيمان.

روي في بصائر الدرجات عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما‌السلام ، قال : « إنّ الله خلق محمّداً من طينة من جوهرة تحت العرش ، وإنه كان لطينته نضح ، فجعل طينة أمير المؤمنين عليه‌السلام من نضح طينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان لطينة أمير المؤمنين عليه‌السلام نضح ، فجعل طينتنا من فضل طينة أمير المؤمنين . وكانت لطينتنا نضح ، فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا ، فقلوبهم تحنّ إلينا وقلوبنا تعطف عليهم كعطف الوالد على الولد ، ونحن خير لهم وهو خير لنا ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لنا خير ونحن له خير » (١).

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٣٤ وعنه بحار الأنوار ١٥ : ٢٢.

٧١
 &

وروى في بحار الأنوار عن أبي الحجّاج قال : قال لي الإمام أبو جعفر الباقر عليه‌السلام : « يا أبا الحجّاج إنّ الله خلق محمّدا وآل محمّد صلّى الله عليهم من طين عليين ، وخلق قلوبهم من طين عليين ، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ الله تعالى خلق عدو آل محمّد من طين سجّين ، وخلق قلوبهم أخبث من ذلك ، وخلق شيعتهم من طين دون طين سجين ، فقلوبهم من أبدان أولئك ، وكلّ قلب يحنّ إلى بدنه » (١).

وروي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ ابن أبي طالب عليه‌السلام : « ألا أبشرك ألا أمنحك ؟ قال : بلى يا رسول الله قال : فإني خلقت أنا وأنت من طينة واحدة ، ففضلت منها فضلة ، فخلق منها شيعتنا ، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأمّهاتهم إلا شيعتك ، فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم » (٢).

وروي عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال : « الأرواح جنود مجنّدة تلتقي فتتشام كما تتشام الخيل ؛ فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . ولو أنّ مؤمناً جاء إلى مسجد فيه أناس كثير ليس فيهم إلّا مؤمن واحد ، لمالت روحه إلى ذلك المؤمن حتّى يجلس إليه » (٣).

وروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : « إنّ الأرواح جنود مجنّدة ؛ فما تعارف منها في الميثاق ، إئتلف هاهنا ، وما تناكر منها في الميثاق ، اختلف هاهنا.

__________________

(١) بحار الأنوار ٦٤ : ١٢٦ عن رياض الجنان.

(٢) الأمالي للمفيد : ٣١١ ، الأمالي للطوسي : ٧٩ ـ ٨٠.

(٣) كتاب المؤمن لحسين بن سعيد : ٣٩ ، ونحوه عن الباقر عليه‌السلام في الأمالي للصدوق : ٢٠٩ ، من لا يحضره الفقيه : ٤ / ٣٨٠ ونحوه ايضاً عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صحيح البخاري ٤ : ١٠٤ ، صحيح مسلم ٨ : ٤١.

٧٢
 &

والميثاق هو في هذا الحجر الأسود » (١).

رحلة الإيمان المستقر :

وليست هذه النتيجة الإيمانيّة هي نهاية المطاف عند المؤمن المستبصر ، فلا يظننّ أحد أنّه بعد الإيمان والاستبصار ووصوله إلى الحقيقة وسلوكه سبيل أهل البيت عليهم‌السلام وركوب سفينة الناجين معهم هو كلّ شيء ، بحيث يركن إلى ضمانات النجاة والهداية من دون أنْ يحقّق شروطها ، بل إنّ الواجب يفرض على المؤمن المستبصر الذي طالما عشق الحقيقة وسعى وراءها حتّى وصل إليها ، بل تفضّل الربّ تعالى شأنه بالتفضّل عليه بها والتوفيق لمعرفتها بفضل منه ورحمة بعبده ، قبل أنْ يوافيه الأجل وهو يجهل الحقيقة أو ينكرها ولا يعرف الولاية وأهلها ، فهذا فضل عميم وكرم عظيم أنْ عرّفنا الله تعالى أئمّتنا في حياتنا وقبل مماتنا ، فاعترفنا بحقّهم وأحقيّتهم قبل فوات الأوان ، فيجب الاعتراف والإقرار بهذه المنّة العظيمة دائماً وتذكّرها في كلّ الأحوال ودوام شكر المنعم عليها في كلّ المناسبات واستحضارها في كلّ الأحوال ، فالركون إلى الحقائق الإيمانيّة من غير عمل وورع وتقوى ، يؤدّي إلى العجب والغرور والرياء وغيرها من الصفات الذميمة التي تطفئ نور الحقيقة في قلب المستبصر ، وتغضب الله عزّ وجلّ ورسوله والأئمّة الطاهرين ، وأعظمُ من ذلك أنّ تلك الصفات الذميمة هي دليل جحود بالنعمة التي تفضل الله تعالى علينا بها ونكران للتوفيق الإلهي الذي أوصل إلى الإيمان وحقائقه وحقوقه.

ولأجل ذلك يجب على المؤمن المستبصر في هذه المرحلة أنْ يدرك بشكل قاطع بأنّ ما وصل إليه من الحقائق الإيمانيّة وولاية أهل البيت عليهم‌السلام

__________________

(١) علل الشرائع ٢ : ٤٢٦.

٧٣
 &

والاعتقاد بإمامتهم وحقّهم وأحقيّتهم ، منه ما هو مستقر ومنه ما هو مستودع.

ومن هنا تبدأ رحلة أخرى في حياة المستبصر ، وهي التعمّق في حقائق الإيمان ، والعمل على جعل الإيمان مستقرّاً دائما باقياً إلى أنْ يلقى الله تعالى ، وأنْ يعمل على أنْ لا يكون إيمانه مستودعاً ، فينزع منه قبل الموت والعياذ بالله تعالى.

روى العياشي في تفسيره عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قلت . « هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع » قال : ما يقول أهل بلدك الذي أنت فيه ؟ قال : قلت : يقولون مستقر في الرحم ، ومستودع في الصلب ، فقال : كذبوا ، المستقر ما استقر الإيمان في قلبه فلا ينزع منه أبداً ، والمستودع الذي يستودع الإيمان زمانا ثمّ يسلبه وقد كان الزبير منهم » (١).

وروى عن أبي الحسن عليه‌السلام في قوله : ( وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ) (٢). قال : « ما كان من الإيمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة أو أبداً ، وما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات » (٣).

وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام أنّه كان يقول : فمستقر ومستودع فالمستقر قوم يعطون الإيمان ويستقر في قلوبهم ، والمستودع قوم يعطون الإيمان ثم يسلبونه » (٤).

ورحلة الإيمان المستقر هذه لها مقدّمات كثيرة لابدّ من تحقيقها وتطبيقها والمداومة عليها ، وهي كثيرة وتشمل حقوق الله تعالى وحقوق رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) تفسير العياشي ١ : ٣٧١ ، وعنه بحار الأنوار ٦٦ : ٢٢٢.

(٢) الأنعام : ٩٨.

(٣) تفسير العياشي ١ : ٣٧١ ، وعنه بحار الأنوار ٦٦ : ٣٢٣.

(٤) المصدر نفسه ١ : ٣٧٢.

٧٤
 &

وحقّ الولاية وحقوق الأئمة عليهم‌السلام ، وحقوق الأخوة في الإيمان والولاية ، بالإضافة إلى دوام الشكر على نعمة الإيمان ، ودوام ذكر المنعم ، والتذكر الدائم لموقعية المؤمن التي ارتضاها الله تعالى له ، وهي العبودية لله تعالى وتحقيق أركانها ، وعنوان كل تلك الحقوق هو الاستعداد للتضحية بكلّ شيء من أجل حقائق الإيمان ، ورفض منازل الذل والهوان ، فالمؤمن بعد أن بصره الله تعالى ووفّقه لاعتناق الحقيقة وولايتها ، يصبح عزيزاً بالله تعالى فلله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ويصير إلى الثبات والسكينة والطمأنينة ، ويكون شعاره دائماً شعار الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام هيهات منّا الذلة.

وأمّا إذا كان الإيمان مستودعاً والعياذ بالله تعالى ، فإنّ ما يكون متحقّقاً من التطبيقات والحقوق والمعارف عند أهل الإيمان المستقر لا يكون موجوداً عند أهل الإيمان المستودع ، وإنْ ظهر منه شيء على الظاهر فإنّه يكون مجرّد ادّعاءات ودعاوى يستلزمها حبّ الظهور والرياء والسمعة ، مع وجود خلل كبير ظاهر في تطبيق الحقائق الإيمانية ومخالفات واضحة لتعاليم الأئمة من أهل البيت عليهم‌السلام.

ولذلك ينبغي على المؤمن المستبصر أنْ يراعي كلّ الفروقات بين الإيمان المستقرّ والمستودع ، وهذا لا يتأتى إلا بالالتزام المطلق مع المرجع الأعلم الجامع للشرائط ، والالتزام المطلق يعنى الاستسلام للاستفادة من تجارب أهل الإيمان وأهل الحقّ والحقيقة ، والاحتكام إليهم في كلّ حال ، وهم موجودون دام فضلهم في هذا الزمان كما كانوا في كلّ زمان والحمد لله ، فهم في الحقيقة امتداد للرسالة في عصر الغيبة.

وقد روي عن الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف قوله المشهور : « وأمّا الحوادث الواقعة ، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنّهم حجّتي عليكم ،

٧٥
 &

وأنا حجة الله عليهم » (١).

وروى الكليني في الكافي عن عمر بن حنظلة قال : « سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ، أيحلّ ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل ، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإنْ كان حقّاً ثابتاً له ؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أنْ يكفر به ، قال الله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ) (٢). قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله ، وعلينا ردّ ، والرّاد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله » (٣).

أنواع النداءات القلبية وأشكالها :

وأمّا بالنسبة إلى النداءات القلبيّة والتي توصل في النهاية إلى الاستبصار ، فهي متعدّدة الأشكال ، وهي ربّما تختلف من مستبصر إلى آخر ، وربّما يشتركون في بعضها ، فهي عبارة عن مظاهر معيّنة تأتي بعد توفّر عوامل عديدة ذكرنا أغلبها في البحث يجب أن تتوفر في المؤمن ، كالإخلاص وحبّ الله والنبيّ وأهل البيت ، وحبّ الحقّ والحقيقة وقبولهما عند وجودهما باستسلام ورضا ، وسلوك سبل رحلة الاستكشاف والتعارف بين الأرواح والأجساد كما بيّنت الأحاديث السابقة من أجل أنْ تتآلف مع بعضها وتجسّد واقعها الذي كان

__________________

(١) كمال الدين واتمام النعمة : ٤٨٤.

(٢) النساء : ٦٠.

(٣) الكافي ١ : ٦٧.

٧٦
 &

في عالم الذر ، وهذه تقتضي وجود الأذن الواعية ، ومعرفة الآخر وقبوله والحوار معه من أجل الوصول إلى الحقيقة ، حتى يستطيع أن يستنبط من النداءات القلبيّة مرادها وهدفها ، والتي تجسّدها وقائع معيّنة توصل المدقق فيها بعد وجود التوفيق الإلهي إلى الإيمان والاستبصار واعتناق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

ومن الأنواع والأشكال التي توجّهها النداءات القلبية وتشير إليها في حياة المؤمن قبل استبصاره والتي هي من أسباب التوفيق الإلهي للمؤمن إذا أتقن استغلالها وعرف مراميها وأهدافها فمنها :

نداء القلب والعقل إلى ضرورة إعادة النظر في مواقف تاريخيّة معيّنة من أجل الحكم الصحيح والواقعي عليها.

ومنها : نداءات وتوجيهات تأتي من خلال رؤى مناميّة صادقة توجّه مسار حياة الفرد إلى أهل البيت عليهم‌السلام والدعوة إلى معرفتهم وحبهم وسلوك سبيلهم وصراطهم المستقيم.

ومنها : معاينة واقع المسلمين السيّئ الفاسد والحال المتشتّت المتشرذم ، والضلال الواضح ، مما يدفع العبد المخلص المؤمن للبحث عن الحقيقة من خلال دوائر أوسع من المحيط الذي يعاينه وألفه الناس.

ومنها : عدم ارتواء المؤمن ممّا يصدره علماء العقليّات المتناقضة والدوائر المنغلقة والأجوبة المناقضة للشرع والعقل والفطرة.

ومن تلك النداءات أيضاً رؤية واقع وسلوك المؤمنين أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام عن قرب ، عن طريق مشاهدة واقعهم وسلوكهم وعلم علمائهم الموافق للشرع والعقل والفطرة ، ومقارنته بما يتّهمه به أعداؤهم من تهم شنيعة هم منها برآء ، وواقع التهم هذا ضد أتباع أهل البيت ، هو الذي ينشأ عليه

٧٧
 &

الأفراد في مجتمعات مثل مجتمعاتنا ، فإذا شاهد المؤمن التناقض بين الواقع المشاهد المستيقن وبين التهم الظنيّة وغير الواقعية ، فإنّ ذلك سبباً رئيسياً لاستبصار الحقّ والحقيقة.

ومنها حبّ النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحبّ عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأبرار من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ، والحنين القلبي والعقلي الدائم لهم ، ممّا يدفع المؤمن إلى وجود حرارة متصاعدة من القلب تدفع إلى البحث عن حقيقتهم وحقّهم وأحقّيتهم ، ولو لاحظ المستبصر هذا الحنين لأهل البيت عليهم‌السلام ، لوجد أنّه كان يرافقه منذ نعومة أظفاره ، ولكنّه وبسبب فراغ محيطه من علم أهل البيت لا يوصله الحنين إلى الحقيقة ، ويبقى الحنين متصاعداً إلى أنْ يتيسر للمستبصر ملء الفراغ ، وبسبب صدقه وإخلاصه وحبّه القلبيّ والعقليّ يصل إلى حقيقة الاستبصار.

ومن تلك النداءات أيضاً السفر بقصد معيّن بحيث يوصل وبتوفيق ربّاني إلى الحقّ والحقيقة وبشكل لا يصدّقه ضعفاء النفوس والمشكّكين في الحقائق الإيمانيّة.

ومنها التناقض في الأحكام الشرعيّة وأدلتها عند أهل السنّة والجماعة ، ومنها أيضاً كثرة الآيات والأحاديث والتي تدلّل على أهل البيت عليهم‌السلام وفضائلهم ووجوب حبّهم ومتابعتهم والاقتداء بهديهم.

وسنتحدث عن كلّ تلك النداءات وبشكل مطابق للوقائع ، وكما حصلت معنا في مسار حياتنا من دون تفصيل ممل ، ولكن بشكل يبيّن مقاصدنا التي نبتغي بها تبيان الحقيقة للمؤمنين ، ومن أجل رسم دليل يبين مسار المستبصرين ورحلتهم إلى حقيقة وأحقيّة أهل البيت عليهم‌السلام.

٧٨
 &

١ ـ النداءات لضرورة التدقيق في المواقف التأريخيّة :

أمّا بالنسبة إلى النقطة الأولى وهي النداءات القلبيّة إلى العقل من أجل حصول التوفيق وامتزاج العقل والقلب ، والتي تؤدّي إلى سلوك مسار قراءة التاريخ وضرورة إعادة دراسته من جديد ، بحيث يستطيع الباحث الوقوف عند كثير من المواقف ويتساءل عن مضامينها ، ولا يكتفي بأجوبة أهل العقليّات المنغلقة والمتناقضة والمحجوبة عن الحقّ والحقيقة ، بل يبحث عن أجوبة تقنع العقل وتشرح الصدر وتنير القلب ، على شرط أنْ يرفع كلّ الحصانات المفروضة والعواطف غير الموصولة بالواقع عن كلّ الشخصيّات التاريخيّة ليسهل عليه بذلك توفر كلّ الأجوبة المنطقية من دون تحفّظات أو قيود ؛ لأنّ التحفظات والقيود تمنح قدسيّات لكثير من الشخصيّات التاريخية ، ولا تبيح البحث فيها أو في واقعها وتاريخها ، ممّا يؤدّي إلى طمس الحقوق ومخالفة النصوص الشرعيّة في أغلب الأحيان ، والانطواء في دائرة مغلقة من التقديس والتنزيه لأشخاص ربّما لم يجعل الشارع المقدّس لهم حتّى ولو فضيلة واحدة.

ولذلك عندما تكرّر نداء ضرورة إعادة دراسة التاريخ عندي وعند العديد من أخواننا المستبصرين ، وبتوفيق من الله تعالى استجبنا لذلك النداء على شرط أنْ نرفع كلّ الحصانات عن كلّ الشخصيّات الإسلاميّة ما عدا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذي لا يختلف على عصمته المطلقة إلا أصحاب العقول الجامدة والمنغلقة على ما ورثوه من الآباء والأجداد.

ثمّ بعد ذلك نثبّت فضائل أهل الفضائل من جديد ، ولا نرضى إلا بمَنْ جعل الله ورسوله له الفضائل بنصوص واضحة ثابتة وصحيحة ، وبالتالي عند متابعة موقف تاريخي معين نستطيع أن نتجرّأ على الحكم عليه بما يرضي الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبما يقبله العقل والمنطق والذوق السليم.

٧٩
 &

ولو عاد كلّ واحد منّا إلى ماضيه ، وتذكّر العديد من المواقف التاريخيّة والتي طالما صرخ عليها القلب من داخل الجسد ، وتنبه لها العقل ولكن دون جواب ، ويبقى حائراً إلى حين الاستبصار ، فإنّه سوف يتأكّد من صدق مقالي في ذلك ، فقد حصل ذلك معي ومع إخواني المؤمنين المستبصرين وفي مواقف متعدّدة في حياتنا الدراسيّة ، فلقد كنّا أيام الدراسة الابتدائية قبل عقود من الزمن نقف ونسأل أساتذتنا عن مواقف معيّنة في تاريخنا الإسلامي ، كانوا لا يجيبوننا عليها بما يريح النفس ويقنع العقل ، وبقيت تلك الأسئلة تتردّد وتتكرّر على شكل نداءات قلبيّة من فترة إلى أخرى ، إلى أنْ وجدت الحقيقة المقنعة لتستريح بعد ذلك من عناء الحيرة ونصب الفكر.

بطولات الصحابة :

وأذكر هنا بعض المواقف فلقد كنّا نسمع عن بطولات كبار الصحابة ، وعن إقدامهم وشجاعتهم ، لدرجة أنّنا صرنا ننظر إليهم كمثل أعلى في التضحية والدفاع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّه في معركة الخندق وعندما طلب عمرو بن ود المبارزة بعد أنْ استطاع اختراق ثغرة من الخندق ، دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصحابة وفي مقدّمتهم أبو بكر وعمر لمبارزته على أنْ من يبارزه يضمن له الجنّة ، فلم يقم أحد سوى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ثمّ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كرّر النداء عدّة مرات فلم يستجب أحد سوى عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، الذي قام وبارز الكفر وقتل عمرو بن ودّ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « برز الإيمان كله إلى الشرك كله » (١).

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ١٣ : ٢٦١ ، ينابيع المودّة ١ : ٢٨١ ، وفي المستدرك ٣ : ٣٢ أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة.

٨٠