نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

إنّ الآية تبيّن مواقيت الصلاة ، فالطرف الأوّل صلاة الفجر ، والثاني صلاة الظهرين ، وزلفاً من الليل هي صلاة العشاءين ، وهذا يدلّل على معنى الجمع بين الصلوات والذي عليه أهل البيت عليهم‌السلام.

وبما أنّ القوم هم ضدّ أهل البيت عليهم‌السلام وأحكامهم الصحيحة ، فقد حولوا معنى الآية من معنى الجمع للصلاة إلى المعنى الذي أرادوه كما ورد آنفاً ، فهم فعلوا هنا وغيّروا كما فعلوا بآية الأسرى وغيرها.

وعودة إلى تلك المجموعة من الروايات الصحيحة والتي تحمل عشرات ملاحظات بالإمكان استنباطها من خلال متونها التي تؤكّد على حقيقة الواقع آنذاك.

فمجموع الروايات يظهر أنّه كان هناك صحابة من أصحاب التجارات الكبيرة ومن ذوي النفوذ هم الذين قاموا بتلك الأفعال ، سواء التقبيل أو الخلوة الغير شرعية ، أو الزنا المباشر مع بعض التحفّظات من قبل الرواة حتّى وصلت بعض الروايات إلى محاولة الاغتصاب.

وقد كان أولئك معروفون ، ولكنّ الرواة أخفوا أسماءهم حرصاً على سمعتهم ، ولذلك تجد في الروايات تقول جاء فلان ومرّة جاء إنسان يبيع الدقيق ، رجل يبيع التمر ، وهذه كلّها تدلّ على أنّهم كانوا من الصحابة الذين يسكنون المدينة ، وتدلّ على تكرّر حصول مثل تلك الحادثة وأن أولئك الصحابة كانوا من الأغنياء والمتنفّذين في المجتمع ، ولذلك حرص الرواة على إخفاء أسماءهم ، وكما يقال في المثل المشهور في بلادنا (اثنتان تختفيان ولا تظهران ، فاحشة الغنيّ وموت الفقير) ؛ ولذلك عمد الرواة إلى إخفاء أسماء العديد من الصحابة في عشرات الروايات ، وخصوصا في الروايات التي فضح الله تعالى فيها على لسان نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسماء المنافقين في العديد من

٢٠١
 &

الروايات ، ولكنّ الرواة استبدلوا الأسماء حرصاً على عدم معرفتها بكلمة فلان وفلان وهكذا دواليك.

ثمّ إنّه ومن خلال الروايات يتبيّن أنّ تلك الأمور كانت مستفحلة في المجتمع ، ولذلك تظهر الروايات أنّ الشارع المقدّس استهان بذلك الفعل ، وذلك من خلال سهولة الحل ، فمن فعل مثل ذلك ما عليه إلا أنْ يتوضأ ويصلّى طرفي النهار وزلفاً من الليل ، وكأنّ شيئاً لم يكن ، ولتأكيد سهولة الحلّ وعدم حصره لصاحب المسألة ، قالت الروايات مؤكّدة ومشجّعة بقيّة المسلمين : أنّ هذا الحلّ هو للمسلمين كافّة ، فمن قام من الناس بمحاولة اغتصاب لأيّ امرأة ما عدا زوجة الغازي فلا شيء عليه سوى الصلاة. أمّا بالنسبة لحقوق المعتدى عليها أو حقوق عرض زوجها وأهلها فليست محلّ بحث ، وربّما لا يحقّ لهم الاعتراض. فلقد ذكرت بعض الروايات أنّ النبيّ لم يغضب عندما طرحت المسألة ، بل إنّه ضحك ، وحتّى عمر بن الخطاب استنكر على الرجل عندما قال للنبي وسأله هل هذا الحلّ لي خاصّة فأجاب عمر قبل النبيّ أنّها للمؤمنين عامّة وكأنّها إحدى موافقات عمر لربّه.

ثمّ إنّ هذا الحلّ يتعارض مع نصوص الشريعة ، ومع واقع نظام العقوبات في الإسلام ، فأين حكم التعزير في مثل هذه القضايا ؟. وأين حكم الاعتداء على أعراض الناس ؟. وأين حكم الاغتصاب الذي يعاقب عليه الشرع بالقتل ؟.

كما وأنّ هناك تعارض خطير بين الآيات القرآنية الشريفة وبين تلك الروايات ، وهذا ما يؤكّد صحّة وقوّة الشكّ في تلك الروايات. فالقرآن حثّ على حفظ الأعراض وصيانتها ، وحرّم التعدي على أعراض الناس ، وحرّم إشاعة الفاحشة بين المسلمين ، وحرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وغيرها من قوانين حماية المجتمع وحفظ الحقوق.

٢٠٢
 &

وأيضاً فإنّ الاستهانة بهذه القضيّة وبمثل ذلك الحلّ الموجود في الروايات ، يشجّع ذوي الشهوات على التمادي بشهواتهم وانتهاك أعراض المسلمين وبشكل شرعيّ ومبرّر ، وهذا لا يجوز لا شرعاً ولا عقلاً.

ثمّ من الملاحظات على تلك الروايات أنّ همّ بعض الصحابة كان في معرفة ما إذا كانت المرأة المفعول بها زوجة رجل غاز أم لا. فعندما كانت المرأة وحسب الرواية ليست زوجة رجل غاز تغيّر الموقف وصار عاديّاً ، فليست القضيّة حرمة فعل الزنا ومقدّماته ، أو حرمة الخلوة بامرأة أجنبية متزّوجة ، وإنّما التركيز في الروايات على كونها زوجة رجل غاز أم ليست كذلك ؟. فإذا لم تكن زوجة رجل غاز جاز الأمر وصار مباحاً ، وما على الفاعل إلّا الصلاة فقط.

ومن الملاحظ في الروايات أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يدرِ ماذا يفعل لحلّ مثل هذه القضيّة ، واستعصت عليه حتّى أنزل الله تعالى الآية المذكورة في الروايات.

وهذا الأمر فيه تأكيد على أنّ الحلّ المذكور في متون الروايات هو من الله تعالى ، فلا يبقى مجال لأحد ليبحث في صحّة الحلّ أو بطلانه.

وأيضاً عند إظهار نبيّ الله عاجزاً عن إيجاد الحلول ، فإنّ ذلك تنقيص من مقامه الشريف ، وتعارض مع عشرات النصوص الشرعيّة ، والتي تؤكّد أنّ رسول الله ليس بحاجة للتفكير لحلّ قضيّة ما ؛ لأنّه مسدّد من الله تعالى وكلامه وحي ، ففي أقلّ من عشر الثانية يكون الحلّ عنده ، ولكن واضعي الحديث أرادوا أنْ يضخّموا القضيّة في البداية ، ثمّ يأتي الحلّ بعد ذلك ليضفي شرعيّة على ذلك الفعل من دون عقوبات ، أي أنّه من قام بمثل تلك الفواحش فكأنّما

٢٠٣
 &

لم يفعل شيئاً ، وليس لأحد أنْ يعترض عليه ، وليس من حقّ النبيّ أو الخليفة أنْ يعاقب عليه.

ومن مطالعاتي للتاريخ فإنّ سبب وضع مثل هذه الروايات واتّهام نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإقرارها ـ بل إنّ الطعن في مقام الربوبيّة أيضاً يدخل في ضمن تلك الروايات ـ ما هو إلّا تبرير لأفعال كثيرة وعديدة قام بها بعض الصحابة ، واغتصبوا نساء المسلمين وانتهكوا أعراضهنّ وتعدّوا على حرماتهنّ ، كقصّة خالد بن الوليد مع زوجة مالك بن نويرة ذلك الصحابي الجليل الذي قتله خالد بن الوليد ثمّ في نفس اليوم نزا على زوجته قبل أن يذهب حزنها على زوجها ، وقبل أنْ تنقضي عدّتها ، فجاءت هذه الروايات تبرّر ذلك الفعل تبريراً شرعيّاً ربانيّاً ، وإليك قصّة الصحابي مالك بن نويرة :

لمّا قدم خالد بن الوليد البطاح ، بث السرايا وأمره بإعلان الأذان رمز الإسلام ، وأن يأتوه بكلّ من لم يجب داعي الإسلام ، وإنْ امتنع أن يقتلوه حسب الميزان الأول من وصيّة أبي بكر.

فلمّا غشيت هذه السرايا قوم مالك بن نويرة تحت الليل ، ارتاع القوم فأخذوا السلاح للدفاع عن أنفسهم ، فقالوا : إنّا المسلمون. قال قوم مالك : ونحن المسلمون ، قالوا : فما بال السلاح معكم ؟ قال القوم : فما بال السلاح معكم أنتم ؟ قالوا : فإنّ كنتم المسلمين كما تقولون فضعوا السلاح ، فوضع قوم مالك السلاح ، ثمّ صلّى هؤلاء وأولئك ، فلمّا انتهت الصلاة ، باغتوهم وكتّفوهم وأخذوهم إلى خالد بن الوليد ، فسارع أبو عبادة الأنصاري (الحارث بن ربعي أخو بني سلمة) وعبد الله بن عمر بن الخطاب فدافعوا عن مالك وقومه وشهدوا لهم بالإسلام وأداء الصلاة ، فلم يلتفت خالد لشهادتهما.

وتبريراً لما سيقدم عليه خالد ادّعى أن مالك بن نويرة ارتدّ عن الإسلام

٢٠٤
 &

بكلام بلغه أنّه قاله ، فأنكر مالك ذلك وقال : أنا على دين الإسلام ما غيّرت ولا بدّلت ، لكن خالد لم يصغ لشهادة أبي قتادة وابن عمر ، ولم يلق أذناً لكلام مالك ، بل أمر فضربت عنق مالك وأعناق أصحابه. وقبض خالد زوجته ليلى (أم تميم فنزا عليها في الليلة التي قتل فيها زوجها).

روى الطبري في تاريخه : حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا سلمة قال : حدّثنا محمد بن إسحاق ، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر : أنّ أبا بكر من عهده إلى جيوشه ، أنْ إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ما الذي نقموا ، وإنْ لم تسمعوا أذاناً فشنّوا الغارة فاقتلوا وحرّقوا ، وكان ممّن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث ابن ربعي أخو بني سلمة ، وقد كان عاهد الله إلا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها ، وكان يحدّث أنّهم لمّا غشوا القوم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح ، قال : فقلنا إنّا المسلمون. فقالوا : ونحن المسلمون. قلنا فما بال السلاح معكم ؟. قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ؟. قلنا فإنْ كنتم كما تقولون فضعوا السلاح ، قال فوضعوها ، ثمّ صلّينا وصلّوا ، وكان خالد يعتذر في قتله أنّه قال له وهو يراجعه ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا ، قال أو ما تعدّه لك صاحباً ، ثمّ قدّمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه ، فلمّا بلغ قتلهم عمر بن الخطاب كلّم فيه أبا بكر فأكثر وقال عدوّ الله عدى على امرئ مسلم فقتله ثمّ نزا على امرأته ، وأقبل خالد بن الوليد قافلاً حتّى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد ، معتجراً بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما ، فلمّا أنْ دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطّمها ، ثمّ قال : أرثاء قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته ، والله لأرجمنّك بأحجارك ، ولا يكلّمه خالد ابن الوليد ، ولا يظن إلا أنّ رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتّى دخل

٢٠٥
 &

على أبي بكر ، فلمّا أنْ دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه ، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك ، قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر ، وعمر جالس في المسجد ، فقال له هلمّ إليّ يابن أمّ شملة ، قال : فعرف عمر أنّ أبا بكر قد رضي عنه ، فلم يكلّمه ودخل بيته (١).

وقد ذكر المؤرخون أنّ مالكاً كان صحابيّاً قابل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسلم على يديه ، ونال منزلة رفيعة لديه ، حتّى أنّ النبيّ نصّبه وكيلاً عنه في قبض زكاة قومه كلّها وتقسيمها على الفقراء (٢) ، وهذا دليل وثاقته واحتياطه وورعة.

وكان مالك يعتقد بإمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام طبقاً لآيات القرآن الكريم ، وتبيان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أمر ربّه سبحانه وتعالى يوم غدير خمّ ، والنبيّ عائد إلى المدينة المنوّرة بعد حجّة الوداع كما يسمّونها ، وهي حجّة الإسلام التي لم يحجّ النبيّ سواها.

وبعد أنْ قرأنا قصّة زوجة الصحابيّ الجليل مالك بن نويرة رضيّ الله تعالى عنه ، فإنّ القارئ المنصف يستطيع أنْ يميّز السبب الذي من أجله وضعت الروايات السابقة ، حتّى تبرّر مواقف الصحابة كفعلة خالد تلك ، وغيرها من الأفعال التي سنذكرها في البحث ، فهذه الروايات تضفي الشرعيّة على محاولات الاغتصاب تلك. ولنعد الآن لبقيّة البحث وذكر بعض الروايات التي تبيّن حقيقة الواقع في حياة رسول الله وبعده.

روى ابن سعد عن عليّ بن يزيد أنّ عاتكة بنت زيد كانت تحت عبد الله ابن أبي بكر ، فمات عنها ، واشترط عليها ألا تزّوج بعده ، فتبّتلت وجعلت لا

__________________

(١) أنظر تاريخ الطبري ٢ :٥٠٣

(٢) أنظر الإصابة ٥ : ٥٦٠ ، وفيّات الأعيان ٦ : ١٣ ـ ١٤.

٢٠٦
 &

تزّوج ، وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى ، فقال عمر لوليّها : اذكرني لها ، فذكره لها ، فأبت على عمر أيضاً ، فقال عمر : زوجنيها : فزوجه إيّاها ، فأتاها عمر فدخل عليها ، فعاركها حتّى غلبها على نفسها فنكحها ، فلمّا فرغ قال : أف أف أف ، أفف بها ، ثمّ خرج من عندها وتركها لا يأتيها (١).

وروى أبو داود والنسائي من حديث ابن عبّاس : جاء رجل إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله ، إنّ امرأتي لا تمنع يدَ لامس ، فقال : غَرِّبها [أي طلِّقها] ، قال : أخاف أن تتبَعَها نفسي ، قال : فاستمتع بها (٢) وقوله : لا تمنع يدّ لامس ، كناية عن زناها.

وروي عن عمر بن الخطاب أنّه مرّ بجارية تعرض على البيع فضرب بيده على صدرها وقال اشتروا (٣).

قال في كتاب بدائع الصنائع : ولو كان حراماً لم يتوهم منه (أي عمر بن الخطاب) أنْ يمسّها ، ولأنّ بالناس حاجة إلى النظر إلى هذه المواضع ومسّها عند البيع والشراء ، لمعرفة بشرتها من اللين والخشونة ونحو ذلك ، لاختلاف قيمتها باختلاف أطرافها (٤).

وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال : إنّه كانت له امرأة تكره الرجال ، فكان كلّما أرادها اعتلّت له بالحيضة ، فظنّ أنّها كاذبة فأتاها فوجدها صادقة (٥).

وروى أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله قال : قال عمر بن الخطاب :

__________________

(١) الطبقات الكبرى ٨ : ٢٦٥.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٤٥٥ ، سنن النسائي ٦ : ١٧٠ ، وأنظر السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ١٥٤ ـ ١٥٥.

(٣) بدائع الصنائع ٥ : ١٢١.

(٤ ، ٥) السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٣١٦ ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمّال ١٦ : ٥٦٥ عن ابن راهويه وحسن.

٢٠٧
 &

هششت فقبّلت وأنا صائم ، فقلت : يا رسول الله ، صنعت اليوم أمراً عظيماً ، قبّلت وأنا صائم ، قال : أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم ، قال عيسى ابن حماد في حديثه : قلت : لا بأس به ، ثمّ اتّفقا : قال فمه (١).

وروى في مجمع الزوائد وصحّحه عن عمر بن الخطاب قال : رأيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المنام لا ينظر إليّ فقلت : يا رسول الله ، ما شأنك ، فقال ألست المقبّل وأنت صائم (٢).

وروى الترمذي في سننه وحسّنه عن ابن عبّاس قال : جاء عمر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله هلكت ، قال : وما أهلكك ؟ قال : حوّلت رحلي الليلة ، قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئاً ، قال : فأنزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية : ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ) (٣) أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة (٤).

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس رضي ‌الله ‌عنهما قال : لعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المخنّثين من الرجال ، والمترجّلات من النساء وقال : أخرجوهم من بيوتكم ، وأخرج فلاناً ، وأخرج عمر فلاناً (٥).

أمّا بالنسبة إلى قضايا الفحش والفجور وانتشار الغناء والرقص والقضايا الجنسية في العصر الأموي فحدّث ولا حرج ، فكانت أكثر من أنْ تحصى ، وقد امتلأت بها كتب التاريخ والسير ، ولا يتّسع هذا الكتاب لذكر تفاصيلها ،

__________________

(١) سنن أبي داود ١ : ٥٣٣ ، صحيح ابن حبّان ٨ : ٣١٣ ـ ٣١٤.

(٢) مجمع الزوائد ٣ : ١٦٥ عن البزّاز.

(٣) البقرة : ٢٢٣.

(٤) سنن الترمذي ٤ : ٢٨٤ ، مسند أحمد ١ : ٢٩٧.

(٥) صحيح البخاري ٨ : ٢٨ ، مسند أحمد ١ : ٢٥٥ ـ ٢٢٦.

٢٠٨
 &

وقد اشتهر عن الخلفاء والولاة كثير من القصص والحكايات ، فمنهم من ترك شؤون الدولة وتخصّص في حبّ النساء وملاحقتهنّ ، ومنهم من اشتهر بألقاب عديدة كيزيد بن معاوية الماجن الفاجر الفاسق ، ومنهم من انفطر قلبه على جاريته ، وهكذا ، ولكنّني أقول بأنّ استفحال تلك الأمور كان أيضاً قبل العصر الأموي فمن بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحتّى مرحلة تدوين الحديث النبويّ الشريف ، أي بعد القرن الثاني للهجرة ، كانت الأمور الجنسيّة في تزايد مستمر متّخذة المبرّرات من خلال الأحاديث ، والتي تتّهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلماً لشرعيّتها ، فعندما دوّن الحديث النبوي في عصر التدوين ، ودخلت كلّ تلك الموضوعات على رسول الله ظلما وبهتانا ، فمن يومئذ بقيت التهم ضدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانتشرت الفضائل ، ووزّعت على غير مستحقّيها.

ولكثرة ما كانت الأمور الجنسيّة منتشرة ، كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتفاخر بقوله : ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح (١). وفي ذلك دلالة على كثرة انتشار الفاحشة والأمور الجنسيّة وحبّ النساء والرقص والغناء ، وعلى كثرة أولاد الزنا أو غير طاهري المولد ، وهو ما يؤكّده الحديث ، فليس تفاخر رسول الله بأنّه طاهر المولد هو براءة أمام الناس فقط ، بل إنّه أيضاً دليل على كثرة من لم يكونوا يملكون تلك البراءة.

قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ... )(٢) الآية. قال : غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوماً من الأيّام ، فقام خطيباً ، فقال : سلوني فإنّكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم

__________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ٢٧٢ ، المجموع للنووي ١٦ : ١٢٩.

(٢) المائدة : ١٠١.

٢٠٩
 &

يقال له عبد الله بن حذافة وكان يطعن فيه ، فقال : يا رسول الله ، من أبي ؟. قال : أبوك فلان ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر فقبّل رجله ، وقال : يا رسول الله ، رضينا بالله ربّا ، وبك نبيّاً ، وبالقرآن إماماً ، فاعف عنّا عفا الله عنك ، فلم يزل به حتّى رضي ، فيومئذ قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر (١).

وهذه الرواية فيها شيء من الغموض ، سنحاول كشف حقيقته ، فقد ذكرت الرواية قالت : غضب رسول الله ، ولم تذكر ما الذي أغضبه ؟. ولكنّ روايات أخرى أشارت أنّ سبب غضبه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أنّ رجالاً من قريش ومنهم عمر بن الخطاب عيّروا فاطمة بنت محمّد سلام الله تعالى عليها بنسبها ، واستهزؤا بها ، وفي روايات أخرى كانت صفيّة عمّة رسول الله ، وقالوا لها أتظنين أنّ قرابتك من محمّد سوف تنفعك ، فذهبت واشتكت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان هذا سبب غضبه الذي أدى به إلى الصعود على المنبر ليفضح أنسابهم ويظهر حقيقتهم أمام الناس كافّة ، فلمّا خاف عمر بن الخطاب على نفسه من أن يصل الدور إليه ويفضحه نبيّ الله ، فعل ما فعل حتّى يتوقف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذكر حقيقة نسب عمر.

روى في مجمع الزوائد عن ابن عباس قال : توفي ابن لصفيّة عمّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبكت عليه وصاحت ، فأتاها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال لها : يا عمّة ، ما يبكيك ؟. قالت : توفي ابني. قال : يا عمّة ، من توفي له ولد في الإسلام فصبر بنى الله له بيتاً في الجنّة. فسكتت. ثمّ خرجت من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستقبلها عمر بن الخطاب فقال : يا صفيّة ، قد سمعت صراخك ، إنّ قرابتك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لن تغني عنك من الله شيئاً. فبكت فسمعها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يكرمها ويحبّها فقال : يا عمّة ، أتبكين وقد قلت لك ما قلت ؟. قالت : ليس ذاك أبكاني

__________________

(١) الدرّ المنثور ٢ : ٣٣٥.

٢١٠
 &

يا رسول الله ، استقبلني عمر بن الخطاب فقال : إنّ قرابتك من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لن تغني عنك من الله شيئاً. قال : فغضب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : يا بلال ، هجر بالصلاة. فهجر بلال بالصلاة ، فصعد المنبر صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع ؟ كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ، فإنّها موصولة في الدنيا والآخرة (١).

وفي رواية أخرى « ثمّ خرجت من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمررت على نفر من قريش فإذا هم يتفاخرون ويذكرون أمر الجاهليّة ، فقلت : منّا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فقالوا : إنّ الشجرة لتنبت في الكبا. قال : فمررت إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته ، فقال : يا بلال ، هجر بالصلاة. فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : يا أيّها الناس ، من أنا ؟. قالوا : أنت رسول الله. قال : انسبوني. قالوا : أنت محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال : أجل ، أنا محمّد بن عبد الله ، وأنا رسول الله ، فما بال أقوام يبتذلون أصلي ؟. فوالله لأنا أفضلهم أصلاً وخيرهم موضعاً. قال : فلما سمعت الأنصار بذلك قالت : قوموا فخذوا السلاح ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أُغضب. قال : فأخذوا السلاح ثمّ أتوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا ترى منهم إلا الحدق ، حتّى أحاطوا بالناس فجعلوهم في مثل الحرّة ، حتّى تضايقت بهم أبواب المساجد والسكك ، ثمّ قاموا بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : يا رسول الله ، لا تأمرنا بأحد إلا أبرنا عترته. فلمّا رأى النفر من قريش ذلك ، قاموا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاعتذروا وتنصّلوا ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الناس دثار والأنصار شعار. فأثنى عليهم وقال خيرا » (٢).

ثمّ إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولكثرة انتشار واستفحال التعلّق بالأمور الجنسية وإباحة

__________________

(١) مجمع الزوائد ٨ : ٢١٦ ، عن مسند البزّاز.

(٢) مجمع الزوائد ٨ : ٢١٦ عن مسند البزّاز.

٢١١
 &

الاغتصاب من قبل القوم. فقد وضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ميزانا للمسلمين حتّى يعرفوا طهارة ذراريهم ، وكان ذلك الميزان هو حبّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام. ولذلك قال العديد من الصحابة : كنّا نبور أبناءنا بحبّ علي بن أبي طالب (١) (أي نختبرهم ونمتحنهم لنعرف أنهم من صلبنا أم لا).

ولقد اشتهر في التاريخ أسماء عديدة لعدّة من أعلام القيادات والمتنفذين في العصر الأوّل للإسلام كانوا ينسبون إلى أمّهاتهم ، كابن مرجانة وابن حمامة وابن أبيه وابن صهاك وغيرهم. وكان أيضاً ينتشر عدم الثقة بالزوجات حتّى في العصر الأوّل من الإسلام.

فقد روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم كثير ، عن أبي هريرة ، جاء رجل من بني فزارة إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنّ امرأتي ولدت ولداً أسود. قال : هل لك من إبل ؟ قال : نعم. قال : ألوانها ؟ قال : حمر. قال : هل فيها أورق ؟ قال : إنّ فيها لورقاً. قال : أنّى أتاه ذلك. قال : عسى أنْ يكون نزعة عرق. قال : وهذا عسى أنْ يكون نزعة عرق (٢).

وروى ابن كثير في سيرته عند ذكر زيد بن عمرو بن نفيل : هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبدالله بن قرظ بن رزاح ابن عديّ بن كعب بن لؤي القرشي العدويّ. وكان الخطّاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لأمّه ، وذلك لأنّ عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه ، وكان لها من نفيل أخوه الخطّاب . قاله الزبير بن بكّار ومحمّد ابن إسحاق (٣). وبالتالي تكون صهاك ولدت الخطاب من نفيل ... ثمّ تزوّجت ابنه عمرو بن نفيل.

__________________

(١) أنظر النهاية في غريب الحديث ١ : ١٦١ ، لسان العرب ٤ : ٨٧ ، أسنى المطالب : ٨.

(٢) مسند أحمد ٢ : ٢٣٩ ، صحيح البخاري ٨ : ٣١ ، سنن الترمذي ٣ : ٢٨٩.

(٣) السيرة النبوية لابن كثير ١ : ١٥٣.

٢١٢
 &

وعلى ذلك وبعد ذكر بعض الوقائع والتي تظهر واقعا جنسيّاً مستفحلاً ، وهي جزء يسير ممّا هو مذكور في صحاح ومسانيد المسلمين وسيرهم ، ننتقل الآن إلى ما وضعوه زوراً وبهتاناً من روايات تتّهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظلماً وعدواناً وطعناً في دين الله وعصمة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنزلته الرفيعة ومقامه العظيم.

روايات تتهم رسول الله مباشرة :

فبالإضافة إلى ما مرّ معنا من روايات تطعن في شخص رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصورة شبه مباشره ، فإنّ ما سنقدّمه الآن من روايات في صحاح أهل السنّة والجماعة تتقصّد رسول الله وشخصه الكريم مباشرة ، ومن دون أيّة مواربة ، وهذه الروايات ، والتي اتّخذها أصحاب تلك الأفعال المشينة ، وواضعي تلك الأحاديث سلماً لتبرير أفعالهم وأفعال خلفائهم وحكّامهم مذكورة في أصحّ كتب الحديث ، وسنأتي على طائفة يسيرة منها ، حيث لا نستطيع سرد كلّ ما اتّهم به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا البحث.

١ ـ روى البخاري في صحيحه ، حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك : حدّثنا عبد الوارث : حدّثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك رضيّ ‌الله ‌عنه قال : أبصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساءً وصبياناً مقبلين من عرس ، فقام ممتّناً فقال : اللهمّ أنتم من أحبّ الناس إليّ (١).

٢ ـ أخرج البخاري في صحيحه ، بسنده إلى أنس بن مالك قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فخلا بها ، فقال إنكنّ لأحبّ الناس إليّ (٢).

قال ابن حجر في فتح الباري : قوله : « جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ١٤٤.

(٢) صحيح البخاري ٦ : ١٥٩ ، وأنظر صحيح مسلم ٧ : ١١٤.

٢١٣
 &

صلى‌الله‌عليه‌وسلم » زاد في رواية بهز بن أسد ومعها صبيّ لها فكلّمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قوله : « فخلا بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم » أي في بعض الطرق ، قال المهلّب : « لم يرد أنس أنّه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه ، وإنّما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها ولا ما دار بينهما من الكلام ، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنّه لم يسمعه » ا هـ

ووقع عند مسلم من طريق حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أنّ امرأة كان في عقلها شيء قالت : يا رسول الله إنّ لي إليك حاجة ، فقال : يا أمّ فلان ، انظري أيّ السكك شئت حتّى أقضي لك حاجتك. وأخرج أبو داود نحو هذا السياق من طريق حميد عن أنس ، لكن ليس فيه أنّه كان في عقلها شيء.

قوله : « فقال والله إنّكم لأحبّ الناس إليّ » زاد في رواية بهز " مرتين " وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق وهب بن جرير عن شعبة بلفظ " ثلاث مرات " وفي الحديث منقبة للأنصار ، وقد تقدّم في فضائل الأنصار توجيه قوله " أنتم أحبّ الناس إليّ ». وقد تقدّم فيه حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثل هذا اللفظ أيضاً في حديث آخر ، وفيه سعة حلمه وتواضعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير ، وفيه أنّ مفاوضة المرأة الأجنبية سرّاً لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة » (١).

وهذا الفعل المتّهم به رسول الله لا يليق بشخص عادي أنْ يفعله ، فتخيّل نفسك عزيزي القارئ ونسوة يمرّون إلى جانبك ، وتقف محيّيا وممتنّاً لهم وتقول لهم أنتم من أحبّ الناس إليّ ، ما هو موقفك من نفسك ؟. وما هو موقف الناس منك ؟. وهل ترضى ذلك لنفسك ؟. وإنني على يقين بأنّ الجواب بالنفي ،

__________________

(١) فتح الباري ٩ : ٢٩١.

٢١٤
 &

فهل نرضى ذلك لنبّينا وحبيب قلوبنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

٤ ـ وروى الترمذي وغيره عن جابر قال : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى أمرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج وقال : إنّ المرأة إذا أقبلت ، أقبلت في صورة شيطان ، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإنّ معها مثل الذي معها (١).

٥ ـ وروى مسلم في صحيحه ، حدّثنا عمرو بن علي ، حدّثنا عبد الأعلى ، حدّثنا هشام بن أبي عبد الله ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى امرأة ، فأتى امرأته زينب ، وهي تمعس منيئة لها ، فقضى حاجته ، ثمّ خرج إلى أصحابه فقال : " إنّ المرأة تقبل في صورة شيطان ، وتدبر في صورة شيطان ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله ، فإنّ ذلك يرد ما في نفسه " (٢).

٦ ـ وروى مسلم في صحيحه بسنده إلى جابر أيضاً أنّه قال : سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول إذا أحدكم أعجبته المرأة ، فوقعت في قلبه ، فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإنّ ذلك يردّ ما في نفسه (٣).

وهذه روايات تظهر رسول الله بالرجل الشهواني الذي لا يستطيع أنْ يصبر عن شهوته ، بل يصل الحال أنْ يشهر نفسه ، ويعلن عن أمره ونيّته أمام أصحابه ، ثمّ يدخل إلى إحدى زوجاته على مرأى ومسمع من الجالسين حوله ، وبعد حين يخرج إليهم ويأمرهم بأنْ إذا رأوا امرأة فأعجبتهم فليفعلوا نفس فعلته.

بالله عليك أخي العاقل المنصف ، هل توافق أوّلاً على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام بهذا الفعل ، مخالفاً بذلك أدنى موازين العقل والحكمة ، ومخالفاً لأحكام

__________________

(١) سنن الترمذي ٢ : ٢١٣ ، وأنظر سنن أبي داود ١ : ٤٧٧ ، صحيح ابن حبّان ١٢ / ٣٨٤.

(٢) صحيح مسلم ٤ : ١٢٩ ـ ١٣٠.

(٣) المصدر نفسه ٤ : ١٣٠.

٢١٥
 &

الشريعة الإسلاميّة التي جاء بها عن ربّ العزّة جلّ وعلا ؟.

هل تستطيع أنت كإنسان عادي وليس كنبيّ أو رسول أنْ تقف يوماً بين أصحابك وتمرّ امرأة إلى جانبك ، ثمّ تستأذن من أصحابك وتكشف لهم أمرك ، ثمّ تدخل إلى دارك وهم في هذه الأثناء ينتظرونك ، ثمّ تخرج إليهم وتقول لهم لقد فعلت كذا وكذا ؛ لأنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد فعل كفعلي هذا ، بل وأمرنا إذا تعرّضنا لمثل موقفه أنْ نفعل كما فعل.

فهل تجرؤ عزيزي القارئ أنْ تقوم بذلك أمام الناس ؟. وهل تقبل أنْ يكشف أمرك أمامهم ؟. وهل تسمّي من يتجرّأ على إشهار ذلك أمام الناس أنّه عاقل ؟. طبعا حاشا رسول الله من ذلك ، ونحن نقطع باليقين أنّ هذه الروايات كذب وافتراء على شخصه الكريم ، وتعدّ وتطاول لمقامه العظيم.

فقد وضعها وافترى بها من له مصلحة لمداراة السلطة الحاكمة ، والتي كان أعضاؤها لا يتورّعون عن فعل مثل تلك الأفعال أمام الناس ، فقد كانوا يمارسون شرب الخمر والفسق أمام كلّ الناس ، ثمّ يجدون من يستميت للدفاع عنهم وعن شرفهم ، ووصلت الاستماتة في الدفاع عن أولئك الفسقة أنْ تطاولوا على رسول الله ووضعوا أمثال هذه الروايات ضدّه وليس من يدافع عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

٧ ـ وروى ابن أبي شيبه في مصنفه ، في باب ما قالوا في الرجل يرى المرأة فتعجبه ، من قال يجامع أهله ، حدّثنا أبو بكر قال : نا وكيع عن سفيان ، عن أبي حصين ، عن عبد الله بن حبيب قال : خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلقي امرأة فأعجبته فرجع إلى أمّ سلمة وعندها نسوة يدفن طيباً ، قال : فعرفن ما في وجهه ، فأخلينه فقضى حاجته ، فخرج فقال : من رأى منكم امرأة فأعجبته فليأت أهله

٢١٦
 &

فليواقعها ، فإنّ ما معها مثل الذي معها (١). ورواه عنه العجلوني في كشف الخفاء (٢).

وبالأضافة إلى ما هو موجود في الروايات السابقة ، فإنّ هذه الرواية قد تجاوزت الحدود أكثر ، فقد أظهرت أكثر من الروايات التي قبلها بأنْ صوّرت حال رسول الله في داخل بيته وهو لا يصبر عن شهوته (حاشاه من كلّ ذلك). وهذا ما لا يمكن أن نقبله أو نرضاه ، وأيضاً فإنّ متون الروايات تدلّل على وضعها وكذبها ، وأنّها وضعت لتبرير أفعال العديد من الصحابة كانوا يقومون بذلك الفعل.

٨ ـ وروى أنّ رسول الله كان يقسم بين نسائه ، فقصد أنْ طلق سودة بنت زمعة لمّا كبرت ، فوهبت ليلتها لعائشة ، وسألته أنْ يقرّها على الزوجيّة حتّى تحشر في زمرة نسائه ، فتركها وكان لا يقسم لها ، ويقسّم لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلة ليلة (٣).

٩ ـ وروى أبو داود من حديث عائشة : قالت سودة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله يومي لعائشة ... الحديث (٤) ، وللطبراني : فأراد أن يفارقها (٥). وهو عند أحمد بلفظ : لما كبرت سودة وهبت يومها لي فكان النبيّ لي بيومها مع نسائه (٦) ، وعند البيهقي : لما أن كبرت بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقسم لها بيوم سودة ، قال البيهقي :

__________________

(١) المصنّف لابن أبي شيبة ٣ : ٤٠.

(٢) كشف الخفاء ٢ : ٢٤٩.

(٣) أنظر المعجم الكبير ٢٤ : ٣١ ، السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ٧٥ ، وأنظر ما سيأتي من الروايات.

(٤) سنن أبي داود ١ : ٤٧٤.

(٥) المعجم الكبير ٢٤ : ٣١.

(٦) مسند أحمد ٦ : ٦٨.

٢١٧
 &

رواه مسلم في الصحيح ... وأخرجه البخاري من وجه آخر (١).

١٠ ـ وروى البخاري في صحيحه أيضا عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه ، وكان يقسم لكلّ امرأة منهنّ يومها وليلتها ، غير أنّ سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (٢).

وممّا يفهم من الروايتين أعلاه ، أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقسم لكلٍّ من نسائه يومها وليلتها ، إلا أنّ الرواية التالية تتعارض معهما.

١١ ـ فعن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ، وهنّ إحدى عشرة ، قال : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنّا نتحدث أنّه أعطي قوة ثلاثين (٣).

وعليه فإنّ الروايات الآنفة الذكر ، ومن خلال التدقيق فيها ، تبيّن أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان شهوانياً لدرجة أنّه أراد أنْ يطلّق سودة ، وما ذنبها إلا أنّها كبرت وصارت لا تشبع الرغبات الجنسيّة (هكذا يصوّرون الأمر) ؛ ولذلك فإنّه أراد طلاقها فتبرّعت بليلتها لعائشة خوفا من طلاق رسول الله لها.

وهذا طبعاً لا يمكن أنْ نقبل به على رسول الله ، ولا يمكن لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يفعله ، ولا نصدّق أبداً أنّه يفعله. ولكنّ رواة الحديث أرادوا أنْ يدافعوا عن أسيادهم الشهوانيين الظالمين الذين لا يعرفون من العدل سوى اسمه ، فألصقوا هذه التهمة وجعلوه إنساناً عاديّاً يريد طلاق زوجته بسبب الشهوة الجنسية.

١٢ ـ روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) السنن الكبرى ٧ : ٢٦٩ ـ ٢٩٧.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٣٥.

(٣) صحيح البخاري ١ : ٧١.

٢١٨
 &

يقبل ويباشر وهو صائم (١).

١٣ ـ وروى أبو داود وغيره عن عروة ، عن عائشة : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبَّل امرأةً من نسائه ، ثمّ خرج إلى الصلاة ولم يتوضّأ. قال عروة : فقلت لها : من هي إلا أنت ؟ فضحكت (٢).

١٤ ـ وروى أحمد بسنده إلى أبي قيس قال : أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أمِّ سلمة أسألها هل كان رسول الله يقبل وهو صائم ؟ فإن قالت : لا ، فقل لها : إنَّ عائشة تخبر الناس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقبّل وهو صائم ، قال : فسألها أكان رسول الله يقبّل وهو صائم قالت : لا ، قلت : إنّ عائشة تخبر الناس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقبّل وهو صائم ، قالت : لعلّه إيّاها كان لا يتمالك عنها حبّاً ، أمّا أيّاي فلا (٣).

وهذه الروايات وغيرها استنبط منها أهل السنّة والجماعة جواز تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم ، ولكنّ المقصود من الرواية أخطر من قضيّة التقبيل ، فهي تظهر شهوانيّة النبيّ أثناء الصيام ، وهو الذي قال لنا أنّ الصوم يذهب شهوة النساء ، وهو الذي حثّ على التفرّغ في شهر رمضان لعبادة الله وطاعته ، يصوّرونه هنا على عكس صورته الربانيّة.

ففي هذه الرواية والتي سبقتها كان التركيز على عائشة وأفضليتها على من سواها ، وهو من ضمن مقاصد الروايات والتي وضعت من أجل صناعة الفضائل ولو على حساب منزلة النبيّ وعصمته ، ولذلك يجب النظر والتدقيق في كلّ تلك الروايات ، حتّى ننصف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ ندقّق أيضاً في

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٢٣٣ ، وأنظر صحيح مسلم ٣ : ١٣٥ ، سنن الترمذي ٢ : ١١٦.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٤٧.

(٣) مسند أحمد : ٦ : ٢٩٦

٢١٩
 &

الفضائل المصنوعة ، هل هي حقيقية أو ليست كذلك ؟

ففي مثل ما مرّ من الروايات ، فإنّها تظهر أنّ النبيّ كان مستعدّاً لأيّ شيء مقابل إرضاء عائشة ، وطبعا هذا يخالف الواقع ، فرسول الله كانت خديجة سلام الله تعالى عليها من أحبّ النساء إليه ، ثمّ كانت أمّ المؤمنين مارية من أحبّ النساء إليه وهي التي أنجبت إبراهيم عليه‌السلام ، وهي صاحبة حادثة الإفك الحقيقيّة ، وعلى العكس مما تذكره هذه الروايات الموضوعة ، فإنّ رسول الله كان يشكو كثيراً من عائشة وحفصه ، بل إنّه نزلت سورة التحريم بخصوصهما (١) ، كما أنّه ورد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أنْ يطلقهما ، بل ثبت طلاقه لحفصة ثمّ مراجعتها (٢) ، فكيف هنا أجازوا أن تكون الأمور عكس القرآن والواقع ؟.

إنّها قطعاً الصناعة الأمويّة ، والتي رفعت كلّ من كان داعماً لها ولحكّامها من الصحابة وغيرهم ، فكانت الفضائل لهم جزاء لوقوفهم إلى جانب الباطل ضدّ الحقّ الذي كان مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وأهل البيت. ومن أراد المزيد فليراجع كتابنا سبيل المستبصرين في موضوع الصحابة وأنواعهم.

١٥ ـ روى البخاري في صحيحه ، حدّثنا عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك رضي‌ الله ‌عنه أنّه سمعه يقول : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدخل على أمّ حرام بنت ملحان ، فتطعمه ، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصامت ، فدخل عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأطعمته ، وجعلت تفلي رأسه ، فنام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثمّ استيقظ وهو يضحك ، قالت :

__________________

(١) أنظر ذلك في صحيح البخاري ٦ : ٦٩ ، ٧ : ٢٣٢ ، صحيح مسلم ٤ : ١٩٠.

(٢) أنظر طلاق حفصة في مسند أحمد ٣ : ٤٧٨ ، سنن أبي داود ١ : ٥١٠ ، سنن النسائي ٦ : ٢١٣.

٢٢٠