نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهم أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها ، وحسابهم على الله (١).

فهذه عصمة الإسلام ، فالمسلم معصوم بعصمة وهبها الله له عندما يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وكذلك المؤمن معصوم بدرجة أعلى من المسلم وهكذا.

وأيضا كلّما ارتقى المؤمن في درجات الإحسان كلّما ارتفعت واتّسعت عنده دوائر العصمة ، إذ إنّ المحسن يمتلك من الإرادة ما يحجبه حتّى عن الكثير من المباحات ، وهذه المنزلة من المنازل العظيمة التي تجعل العبد يعبد الله وكأنّه يراه.

وفي الحديث الشريف الذي رواه مسلم وغيره من حديث جبرائيل عليه‌السلام عند سؤاله ما الإحسان ؟ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك (٢).

وهذه منزلة توجب العصمة على صاحبها وبدرجة أعلى من كل ما سبقها ، فمن يعبد الله كأنّه يراه لا يلتفت إلى معصية ولا إلى قبيح ولا ينطبق على صاحبها غير ذلك.

وكذلك من ارتقى إلى منزلة الصدّيقيّة والولاية ونال منزلة المحبوبيّة من الله تعالى وتحقّق في مرتبة الإمامة الربانيّة ، وهذا ينطبق على الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، والصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء ، والإمامين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنّة ، والأئمّة من ذريّة الحسين عليهم‌السلام ، فإنّ

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١١ ـ ١٢ ، ٨ : ١٦٢ ـ ١٦٣ ، صحيح مسلم ١ : ٣٩ ، واللفظ لمسلم.

(٢) صحيح مسلم ١ : ٢٩ ، ٣٠ ، ٣١ ، صحيح البخاري ١ : ١٨ ، ٦ : ٢٠.

٤٠١
 &

العقل والشرع يوجبان لهم العصمة من أعلى درجاتها ، إذ كيف يكون إماماً يُقتدى به ولا يكون معصوما من الضلال والرجس ؟ وكيف يكون صدّيقاً إذا لم ينل أعلى مراتب العصمة ؟.

روى الحاكم في المستدرك عن عليّ عليه‌السلام قال : إنّي عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كاذب ، صلّيت قبل الناس بسبع سنين ، قبل أنْ يعبده أحد من هذه الأمّة. ورواه ابن ماجة والنسائي وغيرهم (١).

وروى الترمذيّ وغيره كثير أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : عليّ منّي وأنا من عليّ ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ (٢).

وروى الحاكم في المستدرك وغيره كثير عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال :

لمّا رجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من حجّة الوداع ، ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات ، فقممن ، فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض. ثمّ قال : إنّ الله مولاي ، وأنا مولى كلّ مؤمن. ثمّ أخذ بيد عليّ رضي الله تعالى عنه فقال : من كنت مولاه ، فهذا وليّه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه (٣).

وروى السيوطيّ في الجامع الصغير ، في حديث صحيح أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أتاني ملك فسلّم عليّ ، نزل من السماء لم ينزل قبلها ، فبشّرني أنّ الحسن

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ، السنن الكبرى ٥ : ١٠٧ ، وقال محقق سنن ابن ماجة : في الزوائد : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال وقال : صحيح على شرط الشيخين.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٣٠٠ ، مسند أحمد ٤ : ١٦٤ ، ١٦٥.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٥.

٤٠٢
 &

والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة (١).

وروى السيوطيّ ، والحاكم ، عن علي بن أبي طالب عليه‌السلام أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجب : يا أهل الجمع ، غضّوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمّد حتّى تمرّ (٢).

وكذلك كلّما تمسّك المؤمن بكتاب ربّه ونبيّه وأهل بيت نبيّه يكون قد اعتصم ونال من درجات العصمة بحسب قوّة تمسّكه واتّباعه.

روى في كنز العمال ، عن جابر أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : تركت فيكم ما لن تضلّوا إنْ اعتصمتم بهما ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (٣).

ولذلك كان لابدّ أنْ يكون القرآن معصوماً ، وكان لابدّ أنْ يكون الرسول معصوماً ، وكان لابدّ أنْ يكون من أُمرنا بالتمسّك بهم وموالاتهم والاقتداء بهم أنْ يكونوا معصومين ، إذ إنّ المطلوب من المسلم أنْ يسير في طريق العصمة التكامليّة ، ولا يتأتّى له ذلك إلا باتّباع القرآن والعترة من أهل بيت النبوّة والرحمة ، فيقتضي العقل والشرع أن يكون من نأخذ منهم ونقتدي بهم في أعلى درجات العصمة ، ولا يمكن أنْ يأمر الله تعالى بطاعة أشخاص إلا وهم أهل لتعليم الناس أبواب الهداية ودرجات العصمة والتكامل الإنساني الذي هو سبب نجاة العبد من الضلال.

قال تعالى في سورة يونس : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٤).

__________________

(١) الجامع الصغير ١ : ٢٠.

(٢) الجامع الصغير ١ : ١٢٧ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٥٣.

(٣) كنز العمّال ١ : ١٨٧ ، عزاه بهذا اللفظ إلى ابن أبي شيبة والخطيب.

(٤) يونس : ٣٥.

٤٠٣
 &

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي ، وابن عساكر ، وابن النجار قال : لمّا نزلت ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (١). وضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على صدره ، فقال : أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ رضي ‌الله ‌عنه فقال : أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدي المهتدون من بعدي (٢).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن أنس بن مالك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ عليه‌السلام : أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي (٣).

وروى الطبراني أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من أحبّ أن يحيا حياتي ، ويموت موتي ، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي ، فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده ، فليتولَ عليّ بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة (٤).

وروي في كنز العمال عن أبي أيّوب ، وعن عمّار بن ياسر ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا عمّار ، إنْ رأيت عليّاً قد سلك واديا ، وسلك الناس واديا غيره ، فاسلك مع عليّ ، ودع الناس ، إنّه لن يدلّك على رديّ ، ولن يخرجك من الهدى (٥).

ألا تدلّ كلّ هذه النصوص أنّ في اتّباع أهل البيت عليهم‌السلام هداية واجتناباً قطعيّاً للضلال ، علاوة على أنّ الأمر بالاتّباع هو أمر إلهي ، فهل يأمر الله تعالى بمتابعتهم إذا لم يكونوا معصومين ؟.

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي شيبة عن عليّ بن أبي طالب

__________________

(١) الرعد : ٧.

(٢) الدرّ المنثور ٤ : ٤٥.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٢.

(٤) المعجم الكبير ٥ : ١٩٤ ، وأنظر المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٨.

(٥) كنز العمّال ١١ : ٦١٣ عن الديلمي.

٤٠٤
 &

قال : إنّما مثلنا في هذه الأمّة كسفينة نوح ، وكباب حطّة في بني إسرائيل (١).‏

وروى الحاكم في المستدرك عن أبي ذرّ رضي‌ الله ‌عنه قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (٢).

والحديث يدلّ على أنّ من لزمهم واتّبعهم وركب سفينتهم فهو من الناجين ، وهذا الضمان بالنجاة من الله تعالى في هذا الحديث يوجب العصمة لأهل البيت المعيّنين ، فإذا ضمنت النجاة أصبح معنى العصمة الشامل عندهم مقرّرا قطعاً.

هذا بالإضافة إلى الآيات القرآنيّة التي توجب العصمة الشاملة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفاطمة وعليّ والحسن والحسين والأئمّة المعيّنين بالنصّ من ذرية الحسين سلام الله تعالى عليهم.

قال تعالى في سورة النجم : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (٣). فمن ينطق عن الله تعالى ويبلغ عنه لا يمكن إلا أن يكون معصوما لأنه مختار من الله تعالى ليبلغ وحيه للناس.

قال تعالى في سورة الأحزاب : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٤) وتطهيرهم ونفي الرجس عنهم يوجب العصمة قطعاً.

وكذلك آية الطاعة ، وهي قوله تعالى في سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

__________________

(١) الدرّ المنثور ١ : ٧١ ـ ٧٢.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٤٣.

(٣) النجم : ٣ ـ ٤.

(٤) الأحزاب : ٣٣.

٤٠٥
 &

آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (١). ومن أمرنا بطاعته واتّباعه يجب أن يكون معصوماً.

روى الحاكم في المستدرك ، في حديث صحيح عن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه قال :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومن عصى عليّاً فقد عصاني (٢).

ولذلك عندما حدّد الشارع المقدّس اثنا عشر إماماً من أهل البيت عليهم‌السلام ، أكّد لنا أنّ هؤلاء هم أئمّتكم ، وضمن لنا بولايتهم وإمامتهم عزّة الإسلام ورفعة الدين ومنعته ، ممّا يوجب قطعاً عصمتهم وتحديدهم وتعيينهم ، وأنّه بغيرهم لن يعزّ الإسلام وأهله.

فقد روى مسلم في صحيحه ، عن جابر بن سمرة : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ... كلّهم من قريش (٣).

وهذا المعنى في الآيات وفي الحديث وغيرها من آيات الطاعة والأحاديث التي على شاكلتها كلّها توجب العصمة وتقرّرها ، وبالتالي فإنّ الشارع المقدس قد قرّر للناس وجوب وجود العصمة الفطريّ عند الناس فيمن هم قدوة لهم ، ولكنّه لم يترك التحديد للفطرة ، بل إنّه جلّ وعلا هو الذي حدّد من هم المعصومون كما مرّ معنا في النصوص.

والمشكلة التي ابتلي بها الناس هي أنّهم تركوا التحديد الربّاني للمعصومين واعتمدوا في ذلك على عقولهم وفطرتهم فقط ، ولذلك حصل

__________________

(١) النساء : ٥٩.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢١.

(٣) صحيح مسلم ٦ : ٤.

٤٠٦
 &

الاختلاف في شأن العصمة ، فالأصل في العصمة كما بيّنا أنّها أمر جبليّ في الإنسان ، مفطور على الاعتقاد به ، ولكنّ الناس لمّا تحكّمت بهم المشاعر والأهواء غير المستندة إلى سند شرعيّ ، فقاموا بتحكيم أهوائهم وشهواتهم ومشاعرهم وجعلوها حكماً على العصمة ، فعصموا من لا يستحق العصمة ، وأنكروها على من قرّر الله تعالى أنّه معصوم بالنصّ ، حتّى وصل بهم الأمر أنْ يحاسبوا رسول الله على عصمته ، مع أنّ موضوع عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجوز التشكيك فيه ولا البحث فيه أصلا ، فالفطرة والعقل والشرع يوجبون له العصمة الشاملة ؛ لأنّه المصطفى والمختار من الله تعالى ليبلّغ عنه ، فمن يشكّك في عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكل من اختارهم الله تعالى وعيّنهم أوصياء لنبيّه ، هو كمن يشكّك في اختيار الله تعالى.

ولنضرب مثلاً على من اختار طريق النجاة التي حدّدها الله تعالى لعباده ، والتزم خطّ المعصومين بنصّ الشارع المقدّس ، وبين من ترك اختيار العصمة والمعصوم لرأيه وهواه ، ولم يلتزم بالنصّ الإلهي ، وهذا المثل هو قصّة نبيّ الله نوح عليه‌السلام مع ابنه ، وحديث السفينة الذي ذكرناه يشبّه فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل بيته كسفينة نوح ، أي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّ العنوان الرئيسي لأسباب النجاة في الماضي والحاضر هو ركوب سفينة أهل البيت عليهم‌السلام ، والناس على كلّ حال بين خيارين ، إمّا الاعتصام بمن عصمهم الله تعالى وجعلهم عنوان النجاة والهدى ، وإمّا أنْ يحتكموا إلى فطرتهم وأهوائهم ويتركوا النصّ الشرعيّ ويعتصموا بمن لم يعصمه الله تعالى فيؤدّي بهم إلى الهلاك والضلال.

قال تعالى في سورة هود : ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ *

٤٠٧
 &

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) (١).

إذن فلقد عصم الله تعالى كلّ من حمل نوح عليه‌السلام في سفينته ، وعصم الله تعالى المؤمنين الذين التزموا معه ، فكانوا في أمان الله تعالى وعصمته التي منحهم الله إيّاها ، ولكنّ ابن زوجة نبيّ الله نوح اختار العصمة المنبثقة عن الرأي والهوى والاستكبار ، فظنّ أنّ الجبل عاصم له من أمر الله فكان من الهالكين بعد أنْ تجرّأ على النصّ وترك تحديد العصمة لاستكباره وعناده وهواه ، إذ إنّ مَنْ تجرّأ على منازل أهل الله ورجاله الذين اصطفاهم واجتباهم كان من الضالّين الهالكين.

ولكنّ أولئك الذين تجرؤوا على البحث في عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أنْ حكّموا شهواتهم وأهواءهم ، وتركوا فطرتهم وعقولهم وشرعهم ، فقد وصل بهم الأمر إلى الخوض فيما لا يعنيهم ، ولا يجوز لهم أنْ يخوضوا فيه ، فمنهم من أنكر العصمة مطلقاً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من حدّدها له بالتشريع فقط ، ومنهم من رفعها عنه حتّى في التشريع.

ولأنّه لابدّ للإنسان من قدوة ومن معصوم ، فإنّهم جعلوها لغيره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فمنهم من يقبل الخطأ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنّه ينفيه نفياً قاطعاً عن أبي بكر وعمر ، ومنهم من ينكر عصمة أهل البيت عليهم‌السلام ، ويجعلها في معاوية ويزيد ، ومنهم من يرفض تقرير الشرع إذا تعارض مع كلام ابن تيمية أو محمّد بن عبد الوهاب.

__________________

(١) هود : ٤٠ ـ ٤٣.

٤٠٨
 &

والقضيّة في الحقيقة هي أنّهم أنكروا العصمة لمن قرّر الشارع المقدّس أنّه معصوم ، وأوجبوها لمن هو غير معصوم ، وحتّى لو ادّعوا أنّهم يرفعون العصمة عن أئمّتهم فهو ادّعاء باطل ، فأقوالهم وأفعالهم تقرّر لشيوخهم وأئمّتهم العصمة المطلقة ، وتجدهم يتّهمون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقولون نسي وأخطأ وسحر وغير ذلك من التهم التي ذكرنا قسما كبيراً منها في بداية الكتاب ، ولكنّهم يعتقدون أنّه لا يجوز الطعن في عصمة الصحابة ، وجعلوا بعضهم أفضل من رسول الله ، وأوصلوا بعضهم إلى مرتبة الأنبياء ، كما لم يُجوزوا البحث في هذا الموضوع ، وكلّ من يقترب منه فإنّهم يتّهمونه بالرفض ، وربّما الكفر في كثير من الأحيان ، وفي ذات الوقت يتّهمون من يلتزم بالنصّ الشرعيّ ويعتقد بعصمة من عصمه الله تعالى ، يتّهمونه بالغلو ، هذا هو الواقع ، فلقد انقلبت الحقيقة.

ولأنّ الله تعالى يعلم أنّ الناس سوف يختلفون في موضوع العصمة والطاعة بعد رسوله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعلم ذلك ، فقد شدّد الله تعالى وبين رسوله في عشرات الآيات والأحاديث ، مَنْ تجب طاعته بعد رسول الله ، ومن هو المعصوم ، وكذلك شدّد الشارع المقدّس على أنّ الأمّة سوف تخالف النصّ ، وتبتلى بأهل البيت عليهم‌السلام ، فمن كان معهم واتّخذهم أئمّة ووالاهم نجا ، ومن فارقهم واقتدى بغيرهم ولم يوالهم ضلّ وهلك.

روى الطبراني والسيوطي عن خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين عليه‌السلام قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي (١).

بعد كلّ ذلك أقول : إنّ ما عليه شيعة أمير المؤمنين عليه‌السلام من الاعتقاد بعصمة

__________________

(١) المعجم الكبير ٤ : ١٩٢ ، الجامع الصغير ١ : ٣٨٨ ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٩٤ وقال : رجال الطبراني رجال الصحيح ، غير عمارة ، وعمارة وثقه ابن حبّان.

٤٠٩
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوصيائه الأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام هو الحقّ ، فهم كغيرهم يعتقدون بالعصمة ، ولكنّهم لم يتركوا للأهواء والمشاعر المغلوطة أنْ تحدّد لهم من هو المعصوم ، بل إنّهم التزموا بأمر الله تعالى وبالنصوص الشرعيّة التي حدّدت للمسلمين من هو المعصوم ، فأطاعوا الله تعالى ونفّذوا وصيّة رسوله ، فنالوا بذلك رضوان الله جلّ وعلا ، وسيقدمون على الله تعالى راضين مرضيين.

المسح في الوضوء :

إنّ ممّا يغلظ فيه على شيعة أهل البيت عليهم‌السلام المسح على القدمين في الوضوء ، مع أنّ المسح هو الثابت ، وهو الصحيح في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف ، ولكنّ الناس يرفضون هذا الحكم الربّاني ، ويعملون بالغسل بدل المسح.

وإنّ الناظر المطّلع على كتب العامّة الفقهيّة يتبيّن له أنّ حكم مسح القدمين لا يقول به الشيعة فقط ، بل عشرات الصحابة والتابعين ، وكذلك أئمّة مذاهب أهل السنّة ، وهو ما سنتطرّق إليه في هذا الموضوع المختصر ، من خلال ذكر بعض ما ورد عند علماء العامّة من روايات واجتهادات.

١ ـ قال تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (١).

إنّه وباختلاف القراءات عند المسلمين ، فإنّ عبارة أرجلكم تقرأ منصوبة وتقرأ بالجرّ ، وهذا مقرّر ومعترف به عند كلّ العلماء ، فقراءة الجرّ متواترة ، وهي من الأدلّة الواضحة على أنّ المسح رأي إسلاميّ لا مرية فيه.

__________________

(١) المائدة : ٦.

٤١٠
 &

٢ ـ ثم إنّ القراءة بالنصب هي أدلّ على المسح منها على الغسل ، وذلك أنّ آية الوضوء فيها جملتين فعليّتين ، الجملة الأولى فيها فعل أمر بغسل المفعول به ، الوجه والأيدي ، وأمّا الجملة الفعليّة الثانية فهي التي فيها فعل الأمر بالمسح ، والمفعول به هنا هو الرأس والأرجل ، فالأصل أن تكون الجملة الفعلية الثانية : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ولكنّ دخول الباء الزائدة ، والتي هي للتبعيض ، جرّت رؤوسِكم ، وبقيت أرجلكم على وضعها النحويّ الطبيعيّ منصوبة تابعة لفعل الأمر بالمسح في الجملة الفعليّة الآمرة بالمسح ، وهذا هو الحقّ الذي ينظر إليه علماء اللغة من غير تأويل أو تحوير.

٣ ـ روى الطبريّ في جامع البيان في تأويل قوله تعالى ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قال : روى عن داود بن أبي هند ، عن الشعبيّ ، قال : نزل جبريل بالمسح. قال : ثمّ قال الشعبي : ألا ترى أنّ التيمّم أنْ يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً (١).

٤ ـ وروى الطبري أيضاً ، عن عامر أنّه قال : أمر أنْ يمسح في التيمّم ما أمر أنْ يغسل في الوضوء ، وأبطل ما أمر أنْ يمسح في الوضوء الرأس والرجلان (٢).

٥ ـ وروى السيوطيّ في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عبّاس في قوله : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) قال : هو المسح (٣).

٦ ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وابن ماجة ، عن ابن عبّاس قال : أبى الناس إلا الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (٤).

__________________

(١) جامع البيان (تفسير الطبري) ٦ : ١٧٦.

(٢) المصدر نفسه ٦ : ١٧٦.

(٣) الدرّ المنثور ٢ : ٢٦٢.

(٤) الدرّ المنثور ٢ : ٢٦٢.

٤١١
 &

٧ ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور أيضاً : أخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، عن ابن عبّاس قال : الوضوء غسلتان ومسحتان. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ، مثله (١).

٨ ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن ابن عبّاس قال : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى أنّه ذكر التيمّم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة. مثله (٢).

٩ ـ روى أبو داود في سننه في كتاب الطهارة ، عن أوس الثقفي أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توضّأ ومسح على نعليه وقدميه. ورواه البيهقي في السنن (٣).

١٠ ـ وروى في كنز العمال عن أبي ظبيان قال : رأيت عليّاً وعليه إزار أصفر وخميصة ، وفي يده عنزة ، أتى حائط السجن ، فبال قائماً حتّى رغا بوله ، ثمّ تنحّى ، فتوضّأ ثلاثا ، ومسح على نعليه وقدميه ، ثمّ أخذ كفّاً من ماء فصبّه على صلعته ، فرأيت الماء متحادراً على منكبيه ، ثمّ دخل المسجد فخلع نعليه ، ثمّ صلّى (٤). وغرضنا من هذه الرواية هو إثبات طريقة الوضوء ، ولسنا بصدد مناقشة مسألة البول واقفاً والتي ينسبونها للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً كما في صحيح البخاري (٥).

١١ ـ روى أحمد في المسند ، عن عبد خير قال : رأيت عليّاً رضي ‌الله ‌عنه

__________________

(١) الدر المنثور ٢ : ٢٦٢.

(٢) الدرّ المنثور ٢ : ٢٦٢.

(٣) سنن أبي داود ١ : ٤٣ ، السنن الكبرى للبيهقي ١ : ٢٨٦.

(٤) كنز العمّال ٩ : ٥١٨.

(٥) صحيح البخاري ١ : ٦٢.

٤١٢
 &

دعا بماء ليتوضأ ، فتمسّح به تمسّحاً ، ومسح على ظهر قدميه (١).

١٢ ـ روى في سير أعلام النبلاء ، عن ربيع بن منذر ، عن أبيه قال : كنّا مع ابن الحنفية ، فأراد أنْ يتوضّأ ، فنزع خفّيه ، ومسح على قدميه (٢).

١٣ ـ روى في المعجم الأوسط ، عن عبّاد بن تميم ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوضأ ، ويمسح بالماء على رجليه. ورواه أحمد في مسنده ، ورواه ابن حجر في الإصابة وقال رجاله ثقات (٣).

١٤ ـ روى القرطبي في تفسيره عن رفاعة بن رافع : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّه لا تتمّ صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ورواه النسائي في سننه ، والبيهقي في سننه ، وأبو داود في سننه ، وابن ماجة في سننه (٤).

١٥ ـ وروى أحمد في مسنده ، عن بسر بن سعيد قال : أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه ثلاثاً ، ثمّ مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ، ثمّ قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هكذا يتوضأ يا هؤلاء ، أكذاك ؟ قالوا : نعم ، لنفر من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنده (٥).‏

١٦ ـ وروى في كنز العمال عن ابن عباس قال : توضّأ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق مرّة واحدة ، ثمّ أدخل يده ، فصبّ على وجهه مرّة ، وصبّ على يديه مرّة مرّة ، ومسح برأسه وأذنيه مرّة ، ثمّ أخذ ملء كفه من

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ١١٦.

(٢) سير أعلام النبلاء ٤ : ١٢٧ عن الطبقات الكبرى ٥ : ١١٥.

(٣) المعجم الأوسط ٩ : ١٣٢ ، مسند أحمد ٤ : ٤٠ ، الإصابة ١ : ٤٩٠.

(٤) تفسير القرطبي ١ : ٣٤٨ ، سنن النسائي ٢ : ٢٦٢ ، سنن البيهقي ٢ : ٣٤٥ ، سنن أبي داود ١ : ١٩٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٥٦.

(٥) مسند أحمد ١ : ٦٧.

٤١٣
 &

ماء فرش على قدميه وهو منتعل (١).

١٧ ـ روى الطبراني في الكبير ، عن المغيرة بن شعبة : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بال في سباطة بني فلان ، فقال : يا مغيرة ، معك ماء قال نعم ، إدواة من ماء ، وعليه جبّة شاميّة ضيّقة الكمّين ، فتوضّأ ومسح على قدميه (٢).

١٨ ـ وفي المبسوط للسرخسي ، في كتاب الصلاة قال : ومن الناس من قال وظيفة الطهارة في الرجل المسح ، وقال الحسن البصريّ رحمه الله : المضرور يتخيّر بين المسح والغسل ، وعن ابن عبّاس رضي ‌الله ‌عنهما قال : نزل القرآن بغسلين ومسحين (٣).

١٩ ـ وقال القرطبيّ في تفسيره : كان عكرمة يمسح رجليه ، وقال : ليس في الرجلين غسل ، إنّما نزل فيه المسح (٤).

٢٠ ـ وروى القرطبي في تفسيره ، عن عبد خير قال : رأيت عليّاً توضّأ ومسح على النعلين فوسّع ، ثمّ قال : لولا أنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فعل كما رأيتموني فعلت ، لرأيت أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما (٥).

٢١ ـ وروى ابن ماجة في سننه ، عَنْ جابر قَالَ : مرّ رَسُول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم برجل يتوضّأ ويغسل خفّيه ، فَقَالَ بيده ، كأنّه دفعه « إنما أمرت بالمسح » وَقَالَ رَسُول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده هكذا : مِنْ أطراف الأصابع إِلَى أصل الساق ، وخطّط بالأصابع (٦).

٢٢ ـ قال في عون المعبود قال في التوسط : نقل ابن التين التخيير بين الغسل

__________________

(١) كنز العمّال ٩ : ٤٥٤.

(٢) المعجم الكبير ٢٠ : ٤٠٥ ـ ٤٠٦.

(٣) المبسوط ١ : ٨.

(٤) تفسير القرطبي ٦ : ٩٢.

(٥) تفسير القرطبي ٦ : ١٠٢ عن الدارمي في مسنده.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ١٩٣.

٤١٤
 &

والمسح عن بعض الشافعيين ، ورأي عكرمة يمسح عليهما ، وثبت عن جماعة يعتدّ بهم في الإجماع ، بأسانيد صحيحة ، كعليّ ، وابن عبّاس ، والحسن ، والشعبيّ ، وغيرهم (١).

٢٣ ـ وروى أبو داود في سننه ، في كتاب الطهارة ، عن علي قال : لو كان الدين بالرأي ، لكان باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما ، ولكن ، رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مسح ظاهرهما ورواه في كنز العمال (٢).

٢٤ ـ وروى أحمد في مسنده ، عن عليّ رضي‌ الله‌ عنه قال : كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما ، حتّى رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمسح ظاهرهما (٣).‏

٢٥ ـ أمّا بالنسبة لحديث « ويل للأعقاب من النار » ، فقد أجاب ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد عنه فقال : ولا شكّ أنّ من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم ، كما أنّ من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخيّر بين الأمرين ، وقد يدلّ هذا على ما جاء في أثر آخر خرّجه أيضا مسلم أنّه قال : فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى : ويل للأعقاب من النار ، وهذا الأثر وإنْ كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح ، فهو أدلّ على جوازه منه على منعه ، لأنّ الوعيد إنّما تعلّق فيه بترك التعميم ، لا بنوع الطهارة ، بل سكت عن نوعها ، وذلك دليل على جوازها ، وجواز المسح هو أيضاً مرويّ عن بعض الصحابة والتابعين ... (٤) انتهى.

__________________

(١) عون المعبود ١ : ١١٩.

(٢) سنن أبي داود ١ : ٤٤ ، كنز العمّال ٩ : ٦٠٥ ـ ٦٠٦ واللفظ للثاني.

(٣) مسند أحمد ١ : ٩٥.

(٤) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ١٧.

٤١٥
 &

ثمّ إنّ الآية تأمر بالمسح إلى الكعبين ، وحتّى ولو على قول من يقول بالغسل ، فإنّ الأمر إلى الكعبين وهما نهاية ظاهر القدم هذا هو الواجب ، فالأمر لا يستوعب العقب ، فعند من يقول بالمسح وكذلك الغسل فإنّ الأمر لا يشمل العقب ، فبالتالي يكون مضمون الحديث إنْ صحّ في موضوع آخر غير موضوع الوضوء ، والمتتبّع للرواية يستنبط منها لماذا قال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويل للأعقاب من النار.

ولو فرضنا أنّنا رأينا شخصاً يتوضّأ ، وبعد الوضوء قلنا له ويل للأكتاف من النار ، فهل هذا يعني شيئا متعلّقاً بالوضوء ؟ أو أنّ المقصود شيء آخر ؟ وكذلك يرد على رواية الأعقاب إنْ صحّ سندها.

وعليه ، فإنّه وممّا تقدّم يثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ حكم المسح هو حكم الإسلام ، وهو ما عليه الشيعة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، فهم لم يخترعوا الحكم ، وإنّما أثبتوه بناءً على أمر الله تعالى وحكمه ، وهو ما استدلّ عليه من القرآن ومن السنّة الصحيحة عند كلّ طوائف المسلمين.

السجود على الأرض :

من المسائل التي يعاب فيها على الشيعة ويشنّع ، السجود على الأرض مباشرة ، من دون حائل بين الجبهة والأرض ، وهو حكم شرعيّ يتميّز به أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، مع أنّ الدليل على وجوب أنْ لا يكون حائل بين الجبهة والأرض في السجود ، وكذلك السجود على ما نبتت الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس واضح جليّ في القرآن الكريم والأحاديث النبويّة عند العامّة ، ومع ذلك فإنّ الدنيا تقوم ولا تقعد إذا سجد أحد على الأرض مباشرة ، أو حمل معه قطعة من الأرض ليسجد عليها.

٤١٦
 &

وإليك بعض من الأدلّة على وجوب السجود على الأرض بدون حائل ، أو السجود على ماينبت من الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس :

١ ـ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يقول فيه : جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا.

وفي الحديث ، فإنّ لفظة الأرض معرّفة بالألف واللام ، وهذا يعني تخصيصها بالمعنى الخاصّ بالأرض ، وليس ما يوضع على الأرض.

وأيضا استنبط العلماء من الحديث أنّ التيمّم يجبْ أن يكون على الأرض ، ولا يجوز على غيرها ، وبالتالي لا يخرج السجود عن نفس المعنى.

والسجود على الأرض هو الواجب ، ولكن جاءت نصوص أخرى أجازت السجود على ما نبت من الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس كالحصير.

بالنسبة لهذه المسألة ، فإنّ فعل الشيعة الإماميّة لا يخالف قول رسول الله أو فعله أو تقريره ، بل إنّه هو الحقّ (١).

٢ ـ من بعض آراء علماء العامّة :

ورد في فقه العبادات على المذهب المالكي : يكره السجود على شيء من جلوس المصلّي ، مثل كمّه أو ردائه أو كور عمامته (الكائن على جبهته) ، فإنْ سجد على كور عمامته الخفيف فلا إعادة عليه ، وإذا كان كور العمامة ثخيناً ، وليس على الجبهة منه شيء ، لكن منع وصول الجبهة إلى الأرض في السجود ، لم يصحّ سجوده. وكذلك يكره السجود على ثوب غير جلوس له ، أو على بساط أو منديل ، أو على حصير ناعم لا خشن ، لأنّ كلّ ذلك ينافي الخشوع (٢).

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ١١٣ ، مسند أحمد ٢ : ٢٤٠ ، وغيرهما كثير ، سنن ابن ماجة ١ : ١٨٨.

(٢) فقه العبادات على المذهب المالكي ١ : ١٧٠.

٤١٧
 &

وذكر ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد : واتّفقوا على الصلاة على الأرض ، واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك ممّا يقعد عليه على الأرض ، والجمهور على إباحة السجود على الحصير وما يشبهه ممّا تنبت الأرض ، والكراهيّة بعد ذلك (١).

وقال في فتح الباري شرح صحيح البخاري تعليقا على حديث ترّب وجهك قال : إنّما استفاد من قوله ترّب وجهك ، استحباب السجود على الأرض (٢).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : « وقد كره ذلك (الصلاة على الطنافس وغيرها) جماعة من التابعين ممّن بعدهم ، فروى ابن أبي شيبة في المصنّف ، عن سعيد بن المسيّب ، ومحمّد بن سيرين ، أنّهما قالا : الصلاة على الطنفسة وهي البساط الذي تحته خمل محدثة.

وعن جابر بن زيد أنّه كان يكره الصلاة على كلّ شيء من الحيوان ، ويستحِبّ الصلاة على كلّ شيء من نبات الأرض.

وعن عروة بن الزبير أنّه كان يكره أنْ يسجد على شيء دون الأرض.

وإلى الكراهة ذهب الهادي ومالك.

ومنعت الإماميّة صحّة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض ، وكره مالك أيضاً الصلاة على ما كان من نبات الأرض فدخلته صناعة أخرى كالكتّان والقطن ... واستدلّ الهادي على كراهة ما ليس من الأرض بحديث « جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً) بناء على أنّ لفظ الأرض لا يشمل ذلك » (٣).

__________________

(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ٩٨.

(٢) فتح الباري ٣ : ٦٨.

(٣) نيل الأوطار ٢ : ١٢٨.

٤١٨
 &

٣ ـ وإليك مجموعة من الروايات الصحيحة من كتب العامّة وصحاحهم ، تشير إلى وجوب أنْ يكون السجود على الأرض ومباشرتها ، وهذه الروايات تقرّر ماعليه أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام.

أ ـ روى مسلم في صحيحه عن خبّاب ؛ قال : شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الصلاة في الرمضاء ، فلم يشكّنا. ورواه عدد كبير من أهل الحديث عند العامّة (١).

قال في ‏فتح الباري شرح صحيح البخاري : حديث خباب : شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا. أي فلم يُزِل شكوانا ، وهو حديث صحيح رواه مسلم (٢).

‏وروى في معجم الطبراني الكبير : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا إبراهيم بن الحجّاج السامي ، ثنا وهيب ، عن محمّد بن جحادة ، عن سليمان بن أبي هند ، عن خباب قال : شكونا إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شدّة الحرّ في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا (٣).‏

وقال في سبل السلام : وعورض حديث الابراد بحديث خباب : شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكّنا أي : لم يزل شكوانا ، وهو حديث صحيح رواه مسلم (٤).

‏قال في مغني المحتاج ، للخطيب الشربيني : شرعا أقلّه (أي السجود) مباشرة بعض جبهته مصلّاه ، أي : ما يصلّي عليه من أرض أو غيرها ، لخبر :

__________________

(١) صحيح مسلم ٢ : ١٠٩ ، المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ٣٥٨ ، المعجم الكبير ٤ : ٧٢.

(٢) فتح الباري ٣ : ٦٨.

(٣) المعجم الكبير ٤ : ٨٠ وعنه في كنز العمّال ٨ : ٢٢٠.

(٤) نيل الأوطار ١ : ٣٨٥.

٤١٩
 &

إذا سجدت فمكّن جبهتك ، ولا تنقر نقراً ، رواه ابن حبّان في صحيحه. ولخبر خبّاب بن الأرت : شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا ، أي لم يزل شكوانا ، رواه البيهقيّ بسند صحيح ، ورواه مسلم بغير جباهنا وأكفّنا. فلو لم تجب مباشرة المصلّي بالجبهة لأرشدهم إلى سترها (١).

‏وقال في نيل الأوطار ، للشوكاني : وفي حديث خبّاب عند مسلم قال : « شكونا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا ، أي لم يعذرنا ولم يزل شكوانا » (٢).

وروى في صحيح مسلم بشرح النووي قال : « فأمّا الجبهة ، فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ، ويكفي بعضها ، والأنف مستحبّ ، فلو تركه جاز ، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز ، هذا مذهب الشافعيّ ومالك والأكثرين.

وقال أبو حنيفة ، وابن القاسم ، من أصحاب مالك : له أنْ يقتصر على أيّهما شاء.

وقال أحمد ، وابن حبيب ، من أصحاب مالك : يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً لظاهر الحديث.

وأمّا اليدان والركبتان والقدمان ، فهل يجب السجود عليهما ؟ فيه قولان للشافعي :

أحدهما : لا يجب ، لكن يستحب استحباباً متأكداً.

والثاني : يجب ، وهو الأصحّ ، وهو الذي رجّحه الشافعي ، فلو أخلّ بعضو

__________________

(١) مغني المحتاج ١ : ١٦٨.

(٢) نيل الأوطار ١ : ٣٨٥.

٤٢٠