نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : أئتني ببني جعفر ، قالت فأتيته بهم ، فشمّهم وذرفت عيناه فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمّي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء ؟ قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم (١).

وروى الحاكم في المستدرك عن جابر ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : أخذ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيدي ، فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنه وهو يجود بنفسه ، فأخذه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجره حتّى خرجت نفسه. قال : فوضعه ، وبكى. قال : فقلت : تبكي يا رسول الله ، وأنت تنهي عن البكاء. قال : إنّي لم أنهَ عن البكاء ... ، وهذه رحمة ، ومن لا يَرحم لا يُرحم ، ولولا أنّه وعد صادق ، وقول حقّ ، وأنْ يلحق أولانا بأخرانا لحزنّا عليك حزناً أشدّ من هذا ، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الربّ (٢).

وروي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل على فاطمة وهي تقول : واعمّاه ، فقال على مثل جعفر فلتبك البواكية (٣).

وكذلك ندب رسول الله إلى البكاء على حمزة بعد استشهاده وذلك حين رجع من معركة أحد ، فسمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ فقال : « لكن حمزة لا بواكي له » فبلغ ذلك نساء الأنصار فجئن يبكين على حمزة (٤).

وروى مسلم وأبو داود وغيرهما كثير أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زار قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله (٥).

__________________

(١) مسند أحمد ٦ : ٣٧٠ ، المعجم الكبير ٢٤ : ١٤٤.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٠.

(٣) الطبقات الكبرى ٨ : ٢٨٢ ، وأنظر المصنّف لعبدالرزاق ٣ : ٥٥٠.

(٤) راجع السنن الكبرى للبيقهي ٤ : ٧٠ ، شرح معاني الأثار ٤ : ٢٩٣.

(٥) صحيح مسلم ٣ : ٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٨٧.

٣٢١
 &

وروى النسائي وغيره عن أنس أنّ فاطمة عليها‌السلام بكت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين مات ، فقالت : يا أبتاه من ربّه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه (١).

وكذلك بكت زينب بنت أمير المؤمنين على أبيها وعلى أخويها الحسن والحسين عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.

وأخيرا وبعد كلّ ما ذكرت ، أقول لماذا الطعن والتشكيك من أعداء أهل البيت وأتباعهم ؟ فهاهم الشيعة قد لبّوا نداء ربّهم ويسارعون في تنفيذ أمر رسولهم ويشهدون العالم على ولايتهم وحبّهم لأئمّتهم وفاء بعهدهم ، فلماذا يتّهمهم خصومهم بالباطل مع أنّهم أهل الحقّ والحقّ معهم ؟.

إنّ على المسلم الحقيقي أنْ يحاسب نفسه دوما ، ويراجع تاريخه ومصادره قبل الحكم على الآخرين والطعن عليهم ، فلربّما تكون النجاة فيما ينكر الإنسان الجاهل بأمور ليس عنده فيها علم ، فيتسرّع ويتجرّأ على إنكارها والطعن فيها وليس عنده دليل على صحّة إدعائه سوى الجهل.

وليس هذا هو الطعن الوحيد على اتباع الفرقة الناجية ، أتباع المذهب الحقّ ، بل هناك العديد من الأحكام ، لو نظر المسلم المنصف فيها وكان ذو عقل سوي ، لوجد أنّ الشيعة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام هم أهل الحقّ ، وهم مع الحق وينهجون منهج الحقّ.

وأحبّ أنْ أختم الموضوع ببعض الروايات عن أهل البيت عليهم‌السلام والتي تحفز على البكاء على أهل البيت ومصائبهم.

فقد روى الصدوق عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه

__________________

(١) سنن النسائي ٤ : ١٣٠.

٣٢٢
 &

أفضل الصلاة وأتمّ التسليم ، قال : من تذكّر مصابنا ، فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلسا يحيي فيه أمرنا ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (١).

وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام أنّه قال : قال الإمام الحسين عليه‌السلام : أنا قتيل العبرة ، لا يذكرني مؤمن إلا استعبر (٢).

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام أيضاً : نفس المهموم لظلمنا تسبيح ، وهمّه لنا عبادة ، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله (٣).

ولذلك كان البكاء على أهل البيت عليهم‌السلام من الأعمال الصالحة التي ثبت من الشارع المقدّس استحبابها ، وأعدّ الثواب العظيم عليها ، لأنّ المقصود منها طاعة الله تعالى ، وطاعة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إحياءً لأمر أهل البيت عليهم‌السلام ، وتجديد ذكراهم ، وتعظيم شعائر الله فيهم وبهم كما أمر الله تعالى وطلبا لمرضاته ، واستحقاق ثوابه ، ونيل جزائه ، قال تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (٤). صدق الله العلي العظيم.

حديث لا تشدّ الرحال وعلاقته بالمزارات الشريفة :

اشتهر عند العامّة حديث يروونه على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يمنع من السفر وشدّ الرحال الى أيّ مسجد بقصد زيارة المسجد ، واستثنوا من ذلك المسجد الحرام في مكّة ، والمسجد النبويّ الشريف ، والمسجد الأقصى.

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ٢٦٤.

(٢) كامل الزيارات : ٢١٥.

(٣) الأمالي للمفيد : ٣٣٨.

(٤) الحج : ٣٢.

٣٢٣
 &

فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومسجد الأقصى (١).

هذا الحديث استنبط منه علماء أهل السنّة ومنهم ابن تيمية ، عشرات الأحكام المتناقضة ، أذكر لك بعضاً منها.

قال ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري : وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيّتها على غيرها ، لكونها مساجد الأنبياء ، ولأنّ الأوّل قبلة الناس وإليه حجّهم ، والثاني كان قبلة الأمم السالفة ، والثالث أسّس على التقوى. واختلف في شدّ الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتاً ، وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرّك بها والصلاة فيها ، فقال الشيخ أبو محمد الجويني : يحرم شدّ الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث ، وأشار القاضي حسين إلى اختياره ، وبه قال عياض وطائفة ، ويدلّ عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور ، وقال له : لو أدركتك قبل أنْ تخرج ما خرجت. واستدلّ بهذا الحديث ، فدلّ على أنّه يرى حمل الحديث على عمومه ، ووافقه أبو هريرة.

(لاحظ عزيزي القارئ أنّ أبا هريرة هو الذي يروي الحديث ، ثمّ يقوم بمخالفته ، بزيارته لمسجد الطور وشدّ الرحال إليه من أجل الصلاة فيه والتبرّك به ، وهذا تناقض واضح وفاضح ، ألم يكن أبو هريرة مقتنعاً بما روى عن رسول الله). ويضيف ابن حجر قائلاً :

__________________

(١) صحيح البخاري ٢ : ٥٦ ، صحيح مسلم ٤ : ١٢٦ باختلاف يسير في اللفظ.

٣٢٤
 &

وقال الخطابي : اللفظ لفظ الخبر ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرّك بها ، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة ، ومنها أن المراد حكم المساجد فقط وإنّه لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة ؛ وأمّا قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي ، ويؤيّده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور فقال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لا ينبغي للمصلّي أنْ يشدّ رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي. وشهر حسن الحديث وإنْ كان فيه بعض الضعف.

ومنها : أنّ المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنّه قال : لا يعتكف في غيرها ، وهو أخصّ من الذي قبله ، ولم أرَ عليه دليلاً ، واستدلّ به على أنّ من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه ذلك ، وبه قال مالك وأحمد والشافعي والبويطي واختاره أبو إسحاق المروزي. وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقا.

وقال الشافعي في " الأمّ " يجب في المسجد الحرام لتعلّق النسك به بخلاف المسجدين الأخيرين ، وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي.

وقال ابن المنذر : يجب إلى الحرمين ، وأمّا الأقصى فلا ، واستأنس بحديث جابر أنّ رجلاً قال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّي نذرت إنْ فتح الله عليك مكّة أنْ أصلّي في بيت المقدس ، قال : صلّ هاهنا. وقال ابن التين : الحجّة على الشافعي إنّ إعمال المطيّ إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى والصلاة فيهما قربة فوجب أنْ

٣٢٥
 &

يلزم بالنذر كالمسجد الحرام انتهى. ويضيف ابن حجر قائلاً :

وفيما يلزم من نذر إتيان هذه المساجد تفصيل وخلاف يطول ذكره ، محلّه كتب الفروع ، واستدلّ به على أنّ من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها ؛ لأنّها لا فضل لبعضها على بعض فتكفي صلاته في أيّ مسجد كان ، قال النووي : لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنّه قال : يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين ولا ينعقد نذره ، وعن المالكيّة رواية إنْ تعلّقت به عبادة تختصّ به كرباط لزم وإلا فلا ، وذكر عن محمّد بن مسلمة المالكي أنّه يلزم في مسجد قباء ؛ لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يأتيه كلّ سبت كما سيأتي.

قال الكرماني : وقع في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشاميّة مناظرات كثيرة ، وصُنّف فيها رسائل من الطرفين ، (قلت) : يشير إلى ما ردّ به الشيخ تقيّ الدين السبكي وغيره على الشيخ تقيّ الدين بن تيمية ، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لابن تيمية وهي مشهورة في بلادنا ، والحاصل أنّهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدّ الرحل إلى زيارة قبر سيّدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنكرنا صورة ذلك ، وفي شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية ، ومن جملة ما استدلّ به على دفع ما ادّعاه غيره من الإجماع على مشروعيّة زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما نقل عن مالك أنّه كره أنْ يقول زرت قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد أجاب عنه المحقّقون من أصحابه بأنّه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة ، فإنّها من أفضل الأعمال وأجلّ القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وإنّ مشروعيتها محلّ إجماع بلا نزاع (١) ... انتهى.

__________________

(١) فتح الباري ٣ : ٥٢ ـ ٥٤.

٣٢٦
 &

ولا أريد التعرّض لسند الحديث ففيه كلام كثير ، عند علماء أهل السنّة ، ولكن بالنظر في متن الحديث ، فإنّ التناقض واضح فيه لمن له اطّلاع على سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فلقد ثبت أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يشدّ الرحال إلى غير تلك المساجد الثلاثة ، ولا يمكن أنْ يأمر رسول الله بأمر ويقوم بمخالفته.

فقد كان يذهب إلى مسجد قباء خارج المدينة المنورة ، راكباً وماشياً ، بل وأكثر من ذلك ، فقد حثّ المسلمين على شدّ الرحال إليه ، وندب إلى ذلك .

روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عمر قال : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا (١).

ثمّ انظر كم أعدّ الله من الثواب لمن شدّ الرحال إليه ، وهذا لكلّ المسلمين في كل زمان ومكان.

فقد روى الحاكم وابن ماجة والبيهقي عن أسيد بن ظهير أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : صلاة في مسجد قباء كعمرة (٢).

وروى الحاكم في المستدرك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من خرج حتّى يأتي هذا المسجد يعني مسجد قباء فيصلّي فيه ، كان كعدل عمرة (٣).

وروى الحاكم في المستدرك عن هاشم بن هاشم قال : سمعت عامر بن سعد وعائشة بنت سعد يقولان : سمعنا سعداً يقول : لأنْ أصلّي في مسجد قباء ، أحبّ إليّ من أن أصلّي في مسجد بيت المقدس. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (٤).

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٨٧ ، وأنظر باختلاف يسير في صحيح البخاري ٨ : ١٥٣.

(٢) المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٨٧ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٥٣ ، السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٢٤٨.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢ ، مسند أحمد ٣ : ٤٨٧.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢.

٣٢٧
 &

وروى الطبراني من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبيه ، عن جدّه مرفوعاً : من توضّأ فأسبغ الوضوء ، ثمّ عمد إلى مسجد قباء ، لا يريد غيره ، ولا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء ، فصلّى فيه أربع ركعات ، يقرأ في كلّ ركعة بأمّ القرآن ، كان له مثل أجر المعتمر إلى بيت الله (١).

ثمّ إنّ هناك تناقضاً آخر يتعارض مع الحديث الأول ، فقد روى ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن أبي الهذيل أنّه سمع عمر يقول : لا تشدّ الرحال إلا إلى البيت العتيق (٢).

ولا يقولنّ أحد أنّ هذا قول لعمر ، إذ إنّه عندكم مشرِّع ، وله تشريعات كثيرة ، والتي لم ترد على لسان رسول الله ، ولكنّكم قرّرتم بأنّها من الشرع كصلاة التراويح وغيرها.

وعلى ذلك فهل من حرّم شدّ الرحال الى غير تلك المساجد الثلاثة كابن تيمية وأمثاله يعتبرون أنّ رسول الله قد فعل حراماً ، إذ كيف يحرّم شيئاً ويأتي بمثله ؟

أو أنّ هذا الحديث وضع على لسان رسول الله من أجل غاية يصبوا إليها وضّاعوا الحديث ؟

أعتقد جازماً أنّ هناك أسراراً وحقائق مثيرة هي السبب في وضع هذا الحديث. فما هي تلك الخفايا والأسرار وراء ذلك ؟

إنّ من الطبيعة البشريّة ، أنْ يتعلّق البشر بحبّ شيء ، على أنْ يكون هذا الحبّ ملموس لدى الناس ، ولأنّ الله تعالى اسمه هو الذي خلقنا ، وحدّد ما

__________________

(١) المعجم الكبير ١٩ : ١٤٦.

(٢) الطبقات الكبرى ٦ : ١١٥ ، وعنه في كنز العمّال ٥ : ١٣٩.

٣٢٨
 &

فطرنا عليه ، فإنّه حدّد لنا وجهتنا في من نحبّ ومن نبغض ، فكان حبّ رسول الله وأهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام من أهمّ ما يجب علينا في هذا الباب ، ودونك الأدلّة التي تفوق الحصر عند أهل السنّة التي توجب حبّهم والأيمان بولايتهم والاقتداء بهم. بل جعل حبّ أهل البيت عليهم‌السلام من أهم العلامات التي يتميّز بها المؤمن من المنافق.

فقد روى مسلم في صحيحه والنسائي والترمذي وغيرهم كثير عن عدي ابن ثابت ، عن زر ، قال : قال عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! إنّه لعهد النبيّ الأميّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليّ ، أنْ لا يحبّني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق (١).

وقد كانت الدولة الأمويّة والعباسيّة من الذين ناصبوا العداء لأمير المؤمنين عليه‌السلام بعد أنْ أزيح عن حقّه الشرعيّ في الخلافة بعد وفاة رسول الله مباشرة ، ولم يكن له ولأهل بيته عليهم‌السلام من المحبّين سوى شيعته ، الذين تعلّقوا بحبّ أهل البيت ، وأوفوا بعهدهم ، وثبتوا على ذلك ، وبثباتهم وولائهم حافظوا على دين رسول الله وتعاليمه وشعائره.

أمّا الطرف الآخر ، طرف المنافقين ، فلم يعجبهم ثبات وولاء أهل البيت وشيعتهم ، وظهور فضائلهم واشتهارها ، فقام معاوية بن أبي سفيان ، بسبّ وشتم أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام على المنابر ، واشتهر ذلك من المنافقين لأكثر من سبعين عاما.

روى مسلم وغيره كثير عن عامر بن سعد بن أبي وقاصّ ، عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا التراب ؟ فقال : أمّا

__________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٦١ ، سنن النسائي ٨ : ١١٧ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠٦.

٣٢٩
 &

ما ذكرت ثلاثا قالهنّ له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلن أسبّه. لأنْ تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول له ، خلّفه في بعض مغازيه ، فقال له عليّ : يا رسول الله ! خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنّه لا نبوّة بعدي ، وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليّاً. فأُتى به أرمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه. ولمّا نزلت هذه الآية : ( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (١). دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللهم ! هؤلاء أهلي (٢).‏

وقام معاوية بعد ذلك بمنع نشر أيّ فضيلة لأمير المؤمنين عليه‌السلام ، ومعاقبة كلّ من يخالف ذلك ، ثمّ قُتِل الإمام عليه‌السلام ، وبعده قُتل الإمام الحسن بن عليّ عليهما‌السلام ، ثمّ بعد ذلك قُتل سيّد الشهداء الحسين عليه‌السلام ، وبالرغم من كلّ تلك الجرائم ، التي أظهرت نفاق وبغض أولئك لأهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم ، ظل الشيعة يحافظون على اقتدائهم بأئمّتهم ، ويقومون بزيارتهم في مراقدهم والمحافظة على آثارهم ، والتبرك بها ، كما وحافظوا على زيارة مساجدهم والصلاة فيها بناءً على نصوص وأحاديث عن النبيّ والأئمّة من أهل البيت عليهم‌السلام ، أظهرت فضائل تلك المساجد وعظيم ثواب شدّ الرحال إليها والصلاة فيها كمسجد الكوفة الذي روت فضائله كتب الشيعة والسنّة.

لقد كان في إقامة أمير المؤمنين عليه‌السلام في الكوفة ، واستشهاد الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء ، ووجود عدد من الأئمّة في العراق ، بالإضافة إلى وجود

__________________

(١) آل عمران : ٦١.

(٢) صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ ـ ١٢١ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٠١.

٣٣٠
 &

العديد من الأحاديث التي تشير بأنّ الإمام المهديّ عليه‌السلام سوف يتحرّك من مكّة إلى الكوفة ، ثمّ إلى بيت المقدس ، جعل الشيعة ، أتباع أمير المؤمنين وأهل البيت ، يداومون على زيارة تلك الأماكن الشريفة في مناسبات عدّة خلال أيّام السنّة ، كزيارة مرقد الإمام الحسين عليه‌السلام في ذكرى استشهاده يوم عاشوراء ، وفاء ومحبّة له ، ولرسول الله الذي بكى عليه قبل استشهاده ودعا إلى نصرته.

فقد روى ابن حجر في الإصابة ، وابن عساكر عن أنس بن الحارث بن منبه ، قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : ان ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض من أرض العراق ، يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره (١).

وإذا أضفنا أنّ في زيارة مشاهد أهل البيت عليهم‌السلام خصوصاً الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء وشدّ الرحال إليها هو عنوان نصرة لهم وبراءة من أعدائهم واستجابة وطاعة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في كلّ زمان ومكان ، وليس كما يظنّ البعض أنّه زمن قد مضى ، وحدث قد انتهى قد عصمنا الله من فتنته ، لا يقال ذلك ، فقد روى الطبراني والسيوطي وأبو داود وغيرهم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إذا عُملت الخطيئة في الأرض فمن شهدها وأنكرها فهو كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها ورضيها ، كان كمن شهدها (٢).

وروى في كنز العمّال عن ابن مسعود أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ستكون أمور ، فمن رضيها ممّن غاب عنها كان كمن شهدها ، ومن كرهها ممّن شهدها فهو كمن غاب عنها (٣).

__________________

(١) الإصابة ١ : ٢٧١ ، تاريخ دمشق ١٤ : ٢٢٤.

(٢) المعجم الكبير ١٧ : ١٣٩ ، الجامع الصغير ١ : ١١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٣٢٥.

(٣) كنز العمّال ٣ : ٦٨٧ ، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٩ : ١٨٠ بلفظ مختلف قليلاً.

٣٣١
 &

ثمّ إنّ هذا المظهر الجماهيريّ الكبير الذي يحافظ عليه الشيعة عند مراقد الأئمّة عليهم‌السلام ، يذكّر المسلمين في كلّ مناسبة بمظلوميّة أهل البيت ، ويظهر أحقّيتهم في الولاية والحكم والسلطان ، ويذكّر الناس بواجب اتّباعهم والاقتداء بهم وبهديهم ، وهذا ممّا يزعج الحكّام ويهدّد ملكهم ، ويذكّر المسلمين بالجرائم التي ارتكبت في حقّ أهل البيت عليهم‌السلام ، ويبيّن للناس أنّ هناك حقيقة قد أخفيت عنهم ، وهي أهل البيت ، وتظهر فضائلهم وتلفت النظر إليهم ، ممّا يؤدّي إلى ضرورة العودة إلى التاريخ والتدقيق فيه من جديد ، وهذا ما لا يرضاه أعداء الدين مبغضو رسول الله وأهل بيته ، وهو ما لا يرضاه الحكّام والسلاطين ، وكان من أوائلهم بعد الخلفاء معاوية بن أبي سفيان الذي عمل الكثير من أجل طمس حقيقة أهل البيت عليهم‌السلام.

لأجل كلّ ما ذكرت ، قاموا بوضع حديث لا تشدّ الرحال إلا لثلاثة مساجد ، حتّى يخيفوا الناس من زيارة مساجد ومراقد أهل البيت عليهم‌السلام ، ثمّ بعد ذلك يقوم علماؤهم بالتشهير بأتباع أهل البيت وشيعتهم بأنّهم يخالفون رسول الله ، وأنّهم أهل بدع وشرك ، وبالتالي تبقى أذهان الناس وعواطفهم بعيدة عن أهل البيت ومقاماتهم ومراقدهم ومساجدهم ، يرضون بما ارتضاه لهم أعداء الله ورسوله ، ولا يعرفون حقيقة أهل البيت ومظلوميّتهم ، بل على العكس يشاركون في تشويه الحقائق وقلب الأمور ، ويجعلون من خلفائهم أمراءً للمؤمنين يحافظون على دين الإسلام ، حتّى أنّ العديد من العلماء يصوّرون للناس أنّ الإمام الحسين عليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله قد خرج على خليفة المسلمين السكّير الخمّير يزيد عليه لعنة الله ورسوله والمؤمنين.

٣٣٢
 &

ولازال المسلمون السنّة وحتّى اليوم يردّدون وبكلّ فخر أنّهم أهل السنة والجماعة ، ولا يدري العوامّ منهم ، بل والكثير من علمائهم ، أنّ وراء هذه التسمية سرّ خطير ، وأنّ السنّة تعني سنّة سبّ وشتم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وأنّ الجماعة هم من ارتضوا نزع الخلافة من الإمام الحسن عليه‌السلام ومنحوها لمعاوية بن أبي سفيان وأطلقوا على تلك السنة عام الجماعة ، أي أنّهم كانوا متفرّقين باتّباعهم أمر الله ورسوله وصاروا جماعة واحدة بالمعصية.

هذه بعض أهداف وضع مثل ذلك الحديث ، وهي معاداة رسول الله وأهل بيته المطهّرين وشيعتهم ، وطمس فضائلهم وإمامتهم ومظلوميّتهم ؛ ولأجل ذلك تبنّاه العديد من النواصب كابن تيمية والوهابيين السلفيين ، واهتمّوا به أيّما اهتمام ، وأفتوا الفتاوى المتشدّدة في تفسيق وتكفير من يلتزم بحبّ رسول الله وأهل بيته.

ولمعرفتي بحقد أولئك وبغضهم لأهل البيت وشيعتهم ، فإنّني أحبّ أنْ ألفت النظر إلى أمر ألزمت به نفسي ، ومن منطلق قاعدة الحديث الذي رواه مسلم عن عدي بن ثابت ، عن زر ، قال : قال عليّ : والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! إنّه لعهد النبيّ الأميّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليّ أنّ لا يحبّني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق (١).

من ذلك المنطلق فإنّني أتّبع قاعدة مهمّة ، وهي أنّ كلّ حكم أو رأي تشدّدوا فيه بالفعل أو الترك ، فلابدّ أنّه يخفي وراءه سرّاً يتعلّق بحكم أو فضيلة تتعلّق بأهل البيت عليهم‌السلام .

__________________

(١) صحيح مسلم ١ : ٦١ وقد تقدّم قبل قليل.

٣٣٣
 &

وبذلك يتّضح الجواب في سبب وضع هذا الحديث ، والسبب الذي من أجله تشدّدوا في الأحكام التي استنبطوها منه ، وأنّه ليس ورعاً منهم في الدين ، بل حتّى يبعدوا المسلمين عن رسول الله وأهل بيته ، وعن ذكر فضائلهم وضرورة اتّباعهم والاقتداء بهديهم ونهج صراطهم المستقيم.

لكن واضعي الحديث وقعوا في إشكال كبير عند إجازة شدّ الرحال إلى مسجد رسول الله ، فإنّ المسجد النبويّ الشريف يحوي قبر رسول الله ، وبيته ، وبيت أمير المؤمنين عليّ ، والسيّدة فاطمة الزهراء ، عليهم‌السلام ، وإلى جانب المسجد تقع مقبرة البقيع ، التي تتشرّف بوجود أجساد عدد من الأئمّة المعصومين فيها (الإمام الحسن بن علي ، والإمام عليّ بن الحسين ، والإمام محمّد بن عليّ الباقر ، والإمام جعفر بن محمّد الصادق ، عليهم‌السلام) كما أنّ مرقد سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء يقع إمّا في البقيع أو داخل المسجد على اختلاف في الروايات ، وهناك الكثير من الآثار التي تحكي معاناة رسول الله وأهل بيته في سبيل الدعوة إلى الله تعالى وإلى الصراط المستقيم.

وحتّى يخرجوا من هذا المأزق ، تشدّدوا في تحريم زيارة القبور وتحريم زيارة قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقاموا بوضع الأحاديث التي تنهى عن زيارة القبور ، وتحرّم التوسّل إلى الله برسول الله ، ونهوا عن زيارة رسول الله ، وأفتوا الفتاوى المتشدّدة التي منعت المسلمين من تلك الزيارات المباركة ، حتّى يخرجوا من مأزق حديث شدّ الرحال الذي وضعوا أنفسهم فيه ، ويجب أن يُعلم أنّ كلّ تلك التناقضات لهي أكبر دليل على أنّ الحديث المذكور وأشباهه لم تصدر من رسول الله ؛ لأنّ كلام رسول الله لا يتناقض مع نفسه ولا مع كلام الله تعالى.

٣٣٤
 &

ولذلك كانت الأحاديث التي وضعوها لمنع زيارة رسول الله بعد وفاته وتحريم التوسّل به تتعارض مع مئات الأحاديث التي تحثّ على زيارته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتوسّل به إلى الله ، ولقد قدّمنا الكثير من الأدلّة من آيات وأحاديث فيها الكفاية للردّ على ادّعاءات المبغضين في مواضيع سابقة حتى يتبين الحق ، ويتحرر المسلمون من ربقة أولئك النواصب المتعصبين ضد رسول الله وأهل بيته الطاهرين المعصومين سلام الله تعالى عليهم.

السلام عليكم يا أهل بيت النبوة والرحمة :

كثير من العامّة يترفّعون عن ذكر جملة (عليه ‌السلام) ، أو (سلام الله عليه) بعد ذكر اسم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، أو أحد الأئمّة من أهل البيت سلام الله تعالى عليهم ، ويضعون بدلاً منها كرّم الله وجهه ، أو رضيّ ‌الله ‌عنه ، ممّا يوحي للناس بأنّ في ذلك شبهة تحريم أو كراهة ، وأنّ ما يتلفّظ به الشيعة عند ذكر الإمام هو بدعة ، ولحرص أهل السنّة على اجتناب البدعة كما يدّعون ، فإنّهم لا يقولون ذلك ويترفّعون عنه ، وتأبى أنفسهم تحمّله ، وإذا سمعوه من أحد ، فإنّهم يبدون الامتعاض الشديد ، وعدم الإقرار.

ويصل الحدّ في أغلب الأحيان إلى الإنكار. فقد قال ابن كثير في تفسيره : وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد عليّ رضي ‌الله ‌عنه بأنْ يقال عليه‌السلام من دون سائر الصحابة ، أو كرّم الله وجهه ؛ وهذا وإن كان معناه صحيحاً لكن ينبغي أن يسوّى بين الصحابة في ذلك ، فإنّ هذا من باب التعظيم والتكريم ، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه (١) ، أي من عليّ بن أبي طالب.

__________________

(١) تفسير ابن كثير ٣ : ٥٢٤.

٣٣٥
 &

فهكذا هي الأمور عندهم بشأن ما يتعلّق بأهل البيت عليهم‌السلام ، لا يستطيعون قبوله وإن كان صحيحا ويعترفون بأنّه صحيح ، لكنّهم بعد ذلك ينكرونه.

فهل لهذا الإنكار دليل عندهم ؟ أو هو الحكم على الأشياء بدون استدلال بحسب الهوى أو التقليد الأعمى ؟ وإذا قلنا إنّ كلّ ما عند الشيعة لابدّ وأنْ تجد له أصل عند أهل السنّة ، فهل لهذه الجملة وذكرها ما يستدلّ به من عندهم ؟.

نعم ! فهناك عشرات الأدلّة والبراهين تدلّل وبشكل صريح على أنّ ذكر جملة عليه‌السلام لأمير المؤمنين عليّ وللسيّدة فاطمة الزهراء وللحسن والحسين والأئمّة من أهل البيت عموماً ، كان أمراً طبيعياً يفعله السنّة كما الشيعة في العصور كلّها.

ولكنّ المشكّكين والمبغضين لأهل البيت عليهم‌السلام ، وبسبب قلّة اطّلاع على مصادرهم وجهلهم بمحتوياتها ، يعتقدون أنّها بدعة ابتدعها الشيعة والعياذ بالله ، حتّى أنّ بعضهم تجاوز الأمر الى أبعد من ذلك ، فقد أخبرني ابني الأكبر ، أن أحد أساتذة التربية الإسلاميّة في مدرسته يجيزها ويأمر بها لأبي بكر وعمر فقط ، وعندما وقف ابني في أحدى المرات وذكر اسم أمير المؤمنين علي أضاف بعدها عليه‌السلام ، فاستنكر الأستاذ ذلك وقال للصبيّ : هذا حرام ، فقال له ابني : ألم تجيزها لأبي بكر وعمر. قال الأستاذ نعم ، فقط لهما لأنّهما من العظماء. فيا للأسف فإنّ هذا الأستاذ يدّعي الترفع عن البدع وبينها يضطجع ، فهكذا الحال عندنا.

وإليك عزيزي القارئ بعضٌ من أئمّة أهل السنّة بأسمائهم وكتبهم الذين طبّقوا استعمال جملة عليه‌السلام عند ذكر أسماء أهل البيت عليهم‌السلام ، على سبيل المثال لا الحصر.

٣٣٦
 &

فلقد ذكرها القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسيره آية : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) (١) من سورة البقرة وأيضاً عند تفسير آية ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (٢). من سورة النساء حيث يذكر أنّه روي عن داود الأودي عن الشعبي عن عليّ عليه‌السلام : لا يكون المهر أقلّ من عشرة دراهم (٣). وعند تفسيره سورة لقمان الآية (٤) وعند تفسيره سورة الانشقاق الآية (٥) ، وكذلك عند تفسيره سورة الكوثر يقول : وأما ما روي عن عليّ عليه‌السلام " (٦) ....

كما ذكرها الطبريّ في جامع البيان مئات المرّات في تفسيره لسورة النساء والأنعام وسورة الأعراف والتكوير وغيرها من السور.

كما ذكر الحاكم في المستدرك جملة عليه‌السلام لأمير المؤمنين عليّ ، وكذلك بعد ذكر اسم فاطمة الزهراء ، والحسن والحسين. انظر كتاب المغازي والسرايا ، وكتاب معرفة الصحابة.

وفي تحفة الأحوذي وجدتها في كتاب الزهد بَابُ مَا جَاءَ في إِنْذَارِ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قَوْمَه. يذكر فاطمه ويضيف عليها‌السلام.

كما ذكرها الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء مرّات عديدة.

وكذلك في تهذيب سنن أبي داوود لابن القيّم ، في كتاب المناسك ، باب

__________________

(١) البقرة : ١٩٦ ، وأنظر تفسير القرطبي ٢ : ٣٩٢ حيث قال : واحتجّوا بأحاديث عن عليّ عليه‌السلام.

(٢) النساء : ٢٤.

(٣) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٥ : ١٢٩.

(٤) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ١٤ : ٥٣.

(٥) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ١٩ : ٢٦٩.

(٦) تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠ : ٢٢٠.

٣٣٧
 &

صفة حجّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وأيضاً في حاشية السندي على النسائي في كتاب عشرة النساء ، باب حبّ الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.

كما وردت في صحيح البخاري في أكثر من مرّه في حقّ عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام. ومعروف عند أهل السنّة أنّه أصحّ كتاب بعد القرآن عندهم. فقد ذكرها البخاري في أبواب سترة المصلّي ، باب المرأة تطرح عن المصلّي شيئاً من الأذى (١) ، وأيضاً في كتاب الجهاد والسير ، باب لبس البيضة (٢) ، وفي كتاب الخمس ، باب فرض الخمس (٣) ، وفي كتاب الخمس ، باب الدليل على أنّ الخمس لنوائب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمساكين (٤). وأيضاً في أبواب الجزية والموادعة ، باب طرح جيف المشركين في البئر (٥). وفي كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب عليّ بن أبي طالب (٦). كما ذكر البخاري في عنوان كامل في باب : مناقب قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومنقبة فاطمة عليها‌السلام بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

باب مناقب فاطمة عليها‌السلام. قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة » (٧). وفي باب : ما لقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه من المشركين بمكّة (٨). وفي كتاب

__________________

(١) راجع صحيح البخاري ١ : ١٩٤ ، ٣ : ١٠٦٦ ، ١١٢٥ ، ١١٣٣ ، ١١٦٣ ، ١٣٥٨ ، ١٣٧٤ ، ١٣٩٩ ، ٤ : ١٤٨١ ، ١٦١٢ ، ١٦١٩ ، ١٩١١ ، نشر دار ابن كثير ، اليمامة ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، ١٤٠٧ هـ ـ ١٩٨٨٧ م.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) نفس المصدر السابق.

(٦) نفس المصدر السابق.

(٧) نفس المصدر السابق.

(٨) نفس المصدر السابق.

٣٣٨
 &

المغازي باب حديث بني النضير (١). وفي كتاب المغازي ، باب مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ووفاته (٢) ، وفي نفس الباب أيضاً : حدّثنا سليمان بن حرب : حدّثنا حمّاد ، عن ثابت ، عن أنس قال : لمّا ثقل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل يتغشّاه ، فقالت فاطمة عليها‌السلام : واكرب أباه ، فقال لها : « ليس على أبيك كرب بعد اليوم ». فلمّا مات قالت : يا أبتاه ، أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه ، من جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه ، إلى جبريل ننعاه ، فلمّا دفن قالت فاطمة عليها‌السلام : يا أنس ، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم التراب (٣).

وفي كتاب فضائل القرآن ، باب كان جبريل يعرض القرآن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قال مسروق ، عن عائشة ، عن فاطمة عليها‌السلام : أسرّ إلي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « أنّ جبريل كان يعارضني بالقرآن كلّ سنة ، وإنّه عارضني العام مرّتين ، ولا أراه إلا حضر أجلي » (٤).

وفي كتاب النكاح ، باب ولا يبدين زينتهنّ إلا لبعولتهنّ (٥) ، وفي كتاب النفقات ، باب عمل المرأة في بيت زوجها (٦). وفي كتاب النفقات باب خادم المرأة (٧) ، وفي كتاب الطب ، باب حرق الحصير ليسدّ به الدم (٨) ، وفي كتاب الأدب ، باب التبسّم والضحك (٩) ، وفي كتاب الاستئذان ، باب من ناجى بين

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) نفس المصدر السابق.

(٤) نفس المصدر السابق.

(٥) صحيح البخاري ٥ : ٢٠٠٩ ، ٢٠٥١ ، ٢١٦٢ ، ٢٢٥٨ ، ٢٣١٧ ، ٤ : ١٥٨٠ ، دار ابن كثير.

(٦) نفس المصدر السابق.

(٧) نفس المصدر السابق.

(٨) نفس المصدر السابق.

(٩) نفس المصدر السابق.

٣٣٩
 &

يدي الناس (١) ، وفي صحيح البخاري أيضاً وبعنوان واضح في كتاب المغازي ، باب بعث علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وخالد بن الوليد رضي‌ الله ‌عنه ، إلى اليمن قبل حجّة الوداع (٢).

وفي صحيح البخاري ، كتاب مناقب الصحابة ، باب مناقب الحسن والحسين عن أنس بن مالك قال : أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن عليّ عليه‌السلام ، فجعل في طست ، فجعل ينكث ، وقال في حسنه شيئاً ، فقال أنس : كان أشبههم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان مخصوبا بالوسمة فقال له زيد بن أرقم رضي ‌الله ‌عنه : ارفع قضيبك ، فقد رأيت فم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في موضعه (٣).

وفي نيل الأوطار للشوكاني ، عن الحسن بن عليّ عليه‌السلام قال : « علّمني رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر ، اللَّهمّ اهدني فيمن هديت وعافيني فيمن عافيت ، وتولّني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شرّ ما قضيت ، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك ، إنّه لا يذلّ من واليت ، تباركت ربّنا وتعاليت » (٤).‏

عزيزي القارئ ، هذا قليل من كثير جدّاً ، قدّمته بين يديك ممّا احتوته كتب وصحاح وتفاسير أئمّة أهل السنّة ، للدلالة على صحّة ما عليه أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، حتّى تكون مطمئنّاً أنّهم لا يطبّقون شيئاً إلا وله الأدلّة الدامغة على صحّته من أدلّة خصومهم ، وإذا أردت المزيد فما عليك إلا مراجعة مصادرهم.

__________________

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) نفس المصدر السابق.

(٣) صحيح البخاري ٣ : ١٣٧٠ ، دار ابن كثير.

(٤) نيل الأوطار ٣ : ٥١.

٣٤٠