نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصحّحه ، والبيهقي في الدلائل ، من طريق أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار ، عن أبيه قال : أخذ المشركون عمّار بن ياسر ، فلم يتركوه حتّى سبّ النبيّ وذكر آلهتهم بخير ، ثمّ تركوه ، فلمّا أتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ما وراءك شيء ؟ قال : شرّ ، ما تركت حتّى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير ، قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنٌّ بالإيمان. قال : إن عادوا فعد. فنزلت ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (١).

٤ ـ ولقد أقرّ معظم علماء العامّة بجواز المداراة ، وصنّفوا في كتبهم أبوابا أسموها بالمداراة أيّ التقيّة.

قال في النهاية : المداراة : ملاينة الناس وحسن صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا عنك (٢).

روى الترمذي وأبو داود وغيرهم كثير في باب المداراة عن عَائِشَةَ قالت : استأذنَ رجلٌ على رَسُولِ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا عندهُ فقال : بئسَ ابنُ العشيرةِ أو أخو العَشيرةِ ثُمَّ أذِنَ لهُ فألاَنَ لهُ القولَ ، فلمَّا خرجَ قلتُ لهُ : يا رسولَ اللهِ قلتُ لهُ ما قلتَ ثُمَّ ألنْتَ لهُ القولَ ، قال : يا عَائِشَةُ ، إنَّ من شرِّ النَّاسِ من تَرَكَهُ النَّاسُ أو ودعَهُ النَّاسُ اتَّقاءَ فُحشهِ (٣).

وروى البخاري في صحيحه في كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس ، عن أبي الدرداء قال : إنّا لنكشّر في وجوه أقوام ، وإنّ قلوبنا لتلعنهم (٤).

وفي فيض القدير ، عن سفيان بن عيينة قال : ما من حديث عن المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ : ١٣١.

(٢) النهاية في غريب الحديث ٢ : ١١٥.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٢٤٢ ، سنن أبي داود ٢ : ٤٣٥.

(٤) صحيح البخاري ٧ : ١٠٢.

٣٨١
 &

صحيح إلا وأصله في القرآن ، فقيل : يا أبا محمّد ، قوله : رأس العقل بعد الإيمان المداراة ، أين المداراة في القرآن ؟ قال : قوله تعالى : ( وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ) (١) فهل الهجر الجميل إلا المداراة ومن ذلك ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٢) ، ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (٣) ، ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ) (٤) وغير ذلك (٥).

وروى البخاري في صحيحه ، في كتاب فضائل الصحابة ، باب هجرة النبيّ ، عن أنس ابن مالك قال : اقبل نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر شيخ يعرف ، ونبيّ الله شابّ لا يعرف ، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر ، من هذا الرجل الذي بين يديك ، فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل. قال : فيحسب الحاسب أنّه إنّما يعني الطريق ، وإنّما يعني سبيل الخير. ورواه أحمد في المسند وغيرهم (٦).

وروى السيوطي وغيره عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس (٧). وروي عنه أنّه قال : مداراة الناس صدقة (٨).

وروي عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله تعالى تجاوز لي عن أمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه (٩).

__________________

(١) المزمل : ١٠.

(٢) المؤمنون : ٩٦.

(٣) البقرة : ٨٣.

(٤) الشورى : ٤٣.

(٥) فيض القدير ٤ : ٤.

(٦) صحيح البخاري ٤ : ٢٥٩ ، مسند أحمد ٣ : ٢١١.

(٧) الجامع الصغير ٢ : ٣ ، المصنف لابن أبي شيبة ٦ : ١٠٢.

(٨) المعجم الأوسط ١ : ١٤٦ ، صحيح ابن حيّان ٢ : ٢١٦.

(٩) السنن الكبرى للبييهقي ٧ : ٣٥٦ ، الجامع الصغير ١ : ٢٦٠.

٣٨٢
 &

وهكذا فإنّ التقيّة أمر مشروع ومقرّر من شرعنا الحنيف ، وهي ليست عيباً أو شينا يشنّع به على شيعة أهل البيت عليهم‌السلام ، بل إنّ الأمر هو الحقّ ، وهو ما عليه أهل البيت وأتباعهم.

عدد الأئمّة عند المسلمين :

يعتقد الشيعة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام أنّ عدد الأئمة الذين نصّبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو اثنا عشر إماماً ، كلّهم من آل بيت النبيّ محمّد ، وهم الأوصياء بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يُعلّمون الناس معالم دينهم ، ويبيّنون لهم الصراط المستقيم وسبيل الناجين.

وهذا التعيين بالعدد المذكور هو أمر إلهي منصوص عليه في القرآن الكريم والحديث النبويّ عند كلّ طوائف المسلمين ، وهو ما عرف من سنّة الله تعالى في الأمم السابقة بأنّه كان لكلّ أمّة اثني عشر نقيباً ووصيّاً وإماماً.

قال تعالى في سورة المائدة : ( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) (١).

وكذلك أوصياء نبيّ الله عيسى كانوا اثنا عشر وصيّاً ونقيبا.

قال تعالى في سورة آل عمران : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (٢).

قال القرطبي في تفسيره : والحواريّون أصحاب عيسى عليه‌السلام ، وكانوا اثني عشر رجلاً ؛ قاله الكلبي وأبو رَوْق (٣).

__________________

(١) المائدة : ١٢.

(٢) آل عمران : ٥٢.

(٣) تفسير القرطبي ٤ : ٩٧.

٣٨٣
 &

وقال القرطبي : قال الضحاك : كانت القصّة لمّا أرادوا قتل عيسى ، اجتمع الحواريّون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا (١).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن إسحق ، وابن سعد ، عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للنفر الذين لاقوه بالعقبة : اخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم (٢).

وهذا ينطبق على أمّة نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكما قال : إنّنا سنتّبع سنن من قبلنا من اليهود والنصارى شبراً بشبر وذراعا بذراع ، ولذلك كان هذا التحديد لعدد الأوصياء والنقباء من سنن الله تعالى فينا كما كان في الذين خلوا من قبلنا ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا.

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج أحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود أنّه سُئل كم يملك هذه الأمّة من خليفة ؟. فقال : سألنا عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : اثنا عشر كعدّة بني إسرائيل (٣).

وبناء على ذلك ، فقد وردت عشرات الروايات الصحيحة في صحاح المسلمين ومسانيدهم تحدّد أنّ أوصياء النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة الخلفاء من بعده هم اثنا عشر إماما ، ولذلك يطلق على الشيعة الإماميّة أنّهم الاثنا عشريّة ؛ وذلك نسبة لعدد الأئمّة الذين حَدّدهم الشارع المقدّس ، فهم لم يخترعوا هذا العدد ، بل إنّهم التزموا أمر الله تعالى وسنّته في الأمّة ، وهو الموجود في صحاح العامّة ، وإليك بعض الأمثلة على ذلك.

__________________

(١) تفسير القرطبي ٤ : ١٠٠.

(٢) الدرّ المنثور ٢ : ٢١٤.

(٣) الدر المنثور ٢ : ٢٦٧ ، وأنظر مسند أحمد ١ : ٣٩٨.

٣٨٤
 &

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف ، عن جابر بن سمرة قال :سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : « يكون اثنا عشر أميراً » فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي : إنّه قال : كلّهم من قريش (١).

وروى مسلم في صحيحه ، في كتاب الإمارة ، عن جابر بن سمرة. قال : دخلت مع أبي على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فسمعته يقول : إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة. قال : ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ. قال فقلت لأبي : ما قال ؟ قال كلّهم من قريش (٢).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن جابر بن سمرة قال : كنت عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسمعته يقول : لا يزال أمر هذه الأمّة ظاهرا حتّى يقوم اثنا عشر خليفة (٣).

وأورد المنّاوي في فيض القدير عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ عدة الخلفاء من بعدي عدّة نقباء بني إسرائيل (٤).

وهؤلاء الأئمّة هم من ذريّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما في الروايات ، لكنّ المهم هنا هو أنْ نعتقد أنّ العدد هو بتحديد من الله تعالى ، ومع ذلك سوف أورد بعض الروايات التي تعيّن أنّهم من ذريّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على سبيل المثال ، والمجال هنا فقط لإظهار أنّ عدد الأئمّة الذي يعتقد به الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام هو الحقّ ، وهو ما تدلّ عليه الآيات والأحاديث والسنن الإلهيّة ، أمّا من هم أئمّة المسلمين الاثنا عشر ؟ فهم الذين نصّبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بعده ، وهم من ذريته ، وكلّهم من بني هاشم.

__________________

(١) صحيح البخاري ٨ : ١٢٧.

(٢) صحيح مسلم ٦ : ٣.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٦١٧.

(٤) فيض القدير ٢ :٥٨٢.

٣٨٥
 &

روى بن كثير في البداية والنهاية قال : عن السفر الأوّل من التوراة في قصّة إبراهيم الخليل عليه‌السلام ما مضمونه وتعريبه ـ واللفظ لابن كثير ـ : إن الله أوحى إلى إبراهيم : وأمّا ولدك إسماعيل فإنِّي باركته وعظَّمته وكثَّرت ذريته ، وجعلت من ذريته ماذ ماذ ، يعني محمَّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما (١).

وروي في ينابيع المودة نقلاً عن كتاب فرائد السمطين ، حيث أخرج بسنده عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قدم يهودي يقال له نعثل فقال : يا محمّد ، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين ، فإنْ أجبتني عنها أسلمت على يديك قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « سل يا أبا عمارة » .

فسأل عدّة أسئلة إلى أن قال :

فأخبرني عن وصيّك من هو ؟. فما من نبيّ إلا وله وصي ؟ وإنّ نبيّنا موسى ابن عمران أوصى إلى يوشع بن نون.

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ وصيي عليّ بن أبي طالب ، وبعده سبطاي الحسن والحسين ، تتلوه تسعة أئمّة من صلب الحسين . قال : يا محمّد فسمّهم لي .

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا مضى الحسين ، فابنه عليّ ، فإذا مضى عليّ ، فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد ، فابنه جعفر ، فإذا مضى جعفر ، فابنه موسى ، فإذا مضى موسى ، فابنه عليّ ، فإذا مضى عليّ ، فابنه محمّد ، فإذا مضى محمّد ، فابنه عليّ ، فإذا مضى عليّ ، فابنه الحسن ، فإذا مضى الحسن ، فابنه الحجّة محمّد المهديّ ، فهؤلاء اثنا عشر.

قال نعثل : أخبرني عن كيفيّة موت عليّ والحسن والحسين ؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يقتل عليّ بضربة على قرنه ، والحسن يقتل بالسمّ ، والحسين بالذبح.

__________________

(١) البداية والنهاية ٦ : ١٩٨ ـ ١٩٩.

٣٨٦
 &

قال نعثل : فأين مكانهم ؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : في الجنّة في درجتي .

قال : أشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ، وأشهد أنّهم الأوصياء بعدك ، ولقد وجدت في كتب الأنبياء المتقدّمة وفيما عهد إلينا موسى بن عمران عليه‌السلام أنّه إذا كان آخر الزمان ، يخرج نبيُّ يقال له أحمد ومحمّد وهو خاتم الأنبياء ، ولا نبيُّ بعده ، فيكون أوصياؤه بعده اثنا عشر ، أوّلهم ابن عمّه وختنه ...

ثمّ سأله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له : أتعرف الأسباط ؟ قال : نعم ثم عدَّدهم ...

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كائنٌ في أمّتي ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ، والقذّة بالقذة ، وإنّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتّى لا يرى ، ويأتي على أمّتي بزمنٍ لايبقى من الإسلام إلا اسمه ولايبقى من القرآن إلا رسمه ، فحينئذٍ يأذن الله تبارك وتعالى بالخروج ، فيظهر الله الإسلام به ويجدّده ، طوبى لمن أحبّهم واتّبعهم ، والويل لمن أبغضهم وخالفهم ، طوبى لمن تمسّك بهداهم (١).

كما أنّ سنّة الله تعالى في مخلوقاته ترتبط ارتابطا وثيقا بهذا العدد ، فعدد ساعات النهار هو اثنا عشر ساعة ، وكذلك عدد ساعات الليل ، كما أنّ البروج التي في السماء هي اثنا عشر برجا ، وهي التي أقسم الله تعالى بها في القرآن الكريم في عدّة آيات منها : قوله تعالى في سورة البروج : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ) (٢).

وقوله جل وعلا في سورة الفرقان : ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) (٣).

__________________

(١) ينبابيع المودّة ٣ : ٢٨١ ـ ٢٨٣.

(٢) البروج : ١.

(٣) الفرقان : ٦١.

٣٨٧
 &

روى القرطبيّ في تفسيره قال : فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيّدة من الرفع ، وهي الكواكب العظام (١).

وكذلك عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في السنة.

قال تعالى في سورة التوبة : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ الله اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ) (٢).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : لقي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفرا من الأنصار فآمنوا به وصدّقوا ، وأراد أن يذهب معهم فقالوا : يا رسول الله إنّ بين قومنا حربا ، وإنّا نخاف إنْ جئت على حالك هذه أن لا يتهيّأ الذي تريد. قواعدوه العام المقبل فقالوا : نذهب برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلعلّ الله أنْ يصلح تلك الحرب ، وكانوا يرون أنّها لا تصلح ، وهي يوم بعاث ، فلقوه من العام المقبل سبعين رجلا قد آمنوا به ، فأخذ منهم النقباء اثني عشر رجلا (٣).

أخي الكريم : إنّ كلّ ما ذكرنا هو أدلّة قاطعة وإشارات وعلامات تعزّز ما عليه الشيعة الإماميّة ، وعلى كلّ فإنّ المهمّ في البحث أنّ عدد الأئمّة محصور بهذا العدد وحُدّد بأشخاص معيّنين بتحديد الشارع المقدّس ، وهو ما قرّرته كلّ مصادر المسلمين ، فلا محلّ عند من يعيب على الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة بعد هذا البيان ، فما يعتقد به أهل البيت وأتباعهم هو الحقّ ، وهو الذي يرضي الربّ جلّ وعلا.

__________________

(١) تفسير القرطبي ٥ : ٢٨٤.

(٢) التوبة : ٣٦.

(٣) الدرّ المنثور ٢ : ٦١.

٣٨٨
 &

إمامة أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام :

إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بعد رسول الله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأصول المسلّم بها عند أهل البيت عليهم‌السلام وشيعتهم والمخلصين من أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وهذا الأصل لم يبتدعه البشر ، وليس لهم ذلك ؛ لأنّ الله تعالى هو الذي أراد ذلك ، وهو سبحانه وتعالى الذي أمر وحدّد ليطاع وتطبّق إرادته جلّ وعلا.

والنصوص التي تحدّد إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام أكثر من أن تحصى ، ولقد ذكرنا العشرات منها من القرآن الكريم ومن الحديث الشريف من صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة ، وهي موجودة في كتابنا سبيل المستبصرين ، وكتاب محورية حديث الثقلين في العقيدة والأحكام فراجعها هناك.

ولكنّني أذكر هنا ببعض الروايات من عند العامّة تشير إلى إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

وروى في المعجم الكبير عن سلمان قال : قلت : يا رسول الله ، إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً فمن وصيّك ؟ فسكت عنّي ، فلمّا كان بعدُ رآني فقال : يا سلمان. فأسرعت إليه قلت : لبيك ، قال : تعلم من وصيّ موسى ؟. قال : نعم ، يوشع بن نون ، قال : لمَ قلت : لأنّه كان أعلمهم يومئذ ، قال : فإنّ وصيي وموضع سرّي وخير من أترك بعدي وينجز عدّتي ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب (١).

وروى العقيلي عن سلمان قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وصيي عليّ بن أبي طالب (٢).

__________________

(١) المعجم الكبير ٦ : ٢٢١.

(٢) ضعفاء العقيلي ٣ : ٤٦٩.

٣٨٩
 &

وروى ابن جرير وغيره عن عليّ قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا بني عبد المطلب ! ... إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟. قال : فأحجم القوم عنها جميعا وقلت : ... يا نبيّ الله ! أكون وزيرك عليه ؟. فأخذ برقبتي ، ثمّ قال : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا (١).

وروى الطبراني عن عليّ بن عليّ الهلالي ، عن أبيه قال : دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في شكاته التي قبض فيها ، فإذا فاطمة رضي‌ الله ‌عنها عند رأسه. قال : فبكت حتّى ارتفع صوتها ، فرفع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم طرفه إليها فقال : حبيبتي فاطمة ، ما الذي يبكيك ؟ فقالت : أخشى الضيعة من بعدك ، فقال : يا حبيبتي ، أما علمت أنّ الله عزّ وجل اطّلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك ، فبعثه برسالته ، ثمّ اطّلع اطلاعة فاختار منها بعلك ، وأوحى إليّ أنْ أنكحك إيّاه يا فاطمة ، ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تعط لأحد قبلنا ولا تعطى أحداً بعدنا ، أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحبّ المخلوقين إلى الله عزّ وجلّ ، وأنا أبوك ، ووصيي خير الأوصياء وأحبّهم إلى الله ، وهو بعلك ، وشهيدنا خير الشهداء وأحبّهم إلى الله ، وهو عمّك حمزة بن عبد المطلب وعمّ بعلك ، ومنّا من له جناحان أخضران يطير مع الملائكة في الجنّة حيث شاء وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك ، ومنّا سبطا هذه الأمّة وهما ابناك الحسن والحسين ، وهما سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما. يا فاطمة والذي بعثني بالحقّ أنّ منهما مهديّ هذه الأمّة ، إذا صارت الدنيا هرجاً

__________________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٦٣ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٩.

٣٩٠
 &

ومرجاً ، وتظاهرت الفتن ، وتقطعت السبل ، وأغار بعضهم على بعض ، فلا كبير يرحم صغيراً ، ولا صغير يوقر الكبير ، فيبعث الله عزّ وجلّ عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة ، وقلوباً غلفاً يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به في أوّل الزمان ، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً ، يا فاطمة ، لا تحزني ولا تبكي ، فإنّ الله عزّ وجلّ أرحم بك وأرأف عليك منّي ، وذلك لمكانك من قلبي ، وزوّجك الله زوجاً وهو أشرف أهل بيتك حسباً وأكرمهم منصباً وأرحمهم بالرعيّة وأعدلهم بالسويّة وأبصرهم بالقضيّة ، وقد سألت ربي عزّوجلّ أن تكوني أوّل من يلحقني من أهل بيتي.

قال عليّ رضي الله عنه : فلمّا قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تبق فاطمة رضي‌ الله ‌عنها بعده إلا خمسة وسبعين يوماً حتّى ألحقها الله عزّ وجلّ به صلى‌الله‌عليه‌وسلم. (١)

روى السيوطي في الدر المنثور والمتّقي وفي كنز العمال وغيرهم ، أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما آخى بينه وبين عليّ يوم آخى بين المهاجرين والأنصار قال لعليّ : « والذي بعثني بالحقّ ، ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت عندي بمنزلة هارون من موسى ، ووارثي فقال : يا رسول الله ، ما أرث منك ؟ قال : ما ورثت الأنبياء ، قال : وما ورثت الأنبياء قبلك ؟ قال : كتاب الله وسنّة نبيّهم ، وأنت معي في قصري في الجنّة ، مع فاطمة ابنتي ، وأنت أخي ورفيقي ، ثمّ تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذه الآية ( إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) (٢) » (٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي ، وابن عساكر ، وابن النجّار قال : لمّا نزلت : ( إِنَّمَا أَنتَ

__________________

(١) المعجم الأوسط ٦ : ٣٢٧ ، المعجم الكبير ٣ : ٥٧.

(٢) الحجر : ٤٧.

(٣) الدرّ المنثور ٤ : ٣٧٠ ـ ٣٧١ ، كنز العمّال ٩ : ١٦٧ عن مسند زيد بن أبي أوفى.

٣٩١
 &

مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ). وضع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على صدره فقال : أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ رضي ‌الله ‌عنه فقال : أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدي المهتدون من بعدي (١).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال :سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ) (٢) ووضع يده على صدر نفسه ، ثمّ وضعها على صدر عليّ ويقول : ( لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عباس في الآية. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : المنذر أنا والهادي عليّ بن أبي طالب رضي ‌الله ‌عنه (٤).

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعليّ : أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي (٥).

وهذا بالإضافة إلى الآيات القرآنيّة كآية التطهير ، وآية المباهلة ، وآية المودّة ، وآية أولي الأمر ، وآيات الطاعة ، وآيات الاقتداء برسول الله ، وآية بلّغ ما أنزل إليك وغيرها ، وكذلك حديث الثقلين المتواتر ، وحديث المنزلة ، وحديث الولاية ، وحديث سفينة نوح ، وحديث باب حطّة ، وغيرها الكثير ، والتي تحتاج إلى مجلّد خاصّ فراجعها واطلبها في الكتب التي أشرنا إليها.

__________________

(١) الدر المنثور ٤ : ٤٥. والآية من سورة الرعد : ٧.

(٢) الرعد : ٧.

(٣) الدر المنثور ٤ : ٤٥.

(٤) المصدر نفسه ٤ : ٤٥.

(٥) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٢ ، كنز العمّال ١١ : ٦١٥ ، عن الديلمي.

٣٩٢
 &

وأمّا القضيّة الأخرى التي تتعلّق بالإمامة ، فهي الدليل المجمع عليه عند كلّ الناس ، فقد أجمع الناس على أنّ هناك صفات معيّنة يجب أن تتوفّر في الإمام والقائد والخليفة ، منها : العلم ومنها : الشجاعة والقوّة ، ومنها : القدرة على استنباط الأحكام ، فمن توفّرت فيه هذه الشروط يجب أنْ يقدّم على غيره وقد كانت كل تلك الأوصاف متجسدة في شخص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، في حين افتقدها الآخرون. وهي الأوصاف التي حدّدها الله تعالى في القرآن الكريم.

قال تعالى في سورة البقرة : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١).

أمّا بالنسبة للعلم ، فقد شهد القاصي والداني والعدوّ والصديق بعلم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وتكفينا شهادة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له بذلك ، بل إنّ الله تعالى قد شهد له بذلك.

قال تعالى في سورة الرعد : ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٢).

روى الثعلبي عن ابن الحنفيّة قال : ( وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) (٣) هو عليّ ابن أبي طالب (٤).

__________________

(١) البقرة : ٢٤٧.

(٢) الرعد : ٤٣.

(٣) الرعد : ٤٣.

(٤) تفسير الثعلبي ٥ : ٣٠٣ ، وأنظر تفسير القرطبي ٩ : ٣٣٦.

٣٩٣
 &

وروى الثعلبي في التفسير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام حينما سئل عن الذي عنده علم الكتاب فقال : إنّما ذلك عليّ بن أبي طالب (١).

وروى السيوطي في الجامع الصغير ، والطبراني في الأوسط ، والحاكم في المستدرك عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (٢).

وروى الطبراني ، والحاكم عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا مدينة العلم ، وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأته من بابه. ورواه الحاكم عن جابر. وأبونعيم عن عليّ (٣).

ولقد كان يلجأ لعلمه الخلفاء ، كأبي بكر وعمر ، ممّا يدلّ على أنّه كان أعلم منهما ، وقد شهدا له بذلك ، وأقرّا واعترفا أمام كلّ المسلمين ، خصوصا عندما كان يضع الحلول لمعضلاتهم الكثيرة.

فقد قال المناوي في فيض القدير : إنّ عمر بن الخطّاب قال : لولا عليّ هلك عمر ، واتّفق له مع أبي بكر نحوه. فأخرج الدارقطني عن أبي سعيد أنّ عمر كان يسأل عليّاً عن شيء ، فأجابه ، فقال عمر : أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن ، وفي رواية : لا أبقاني الله بعدك يا عليّ (٤).

وأمّا شجاعته وقوّته فحدّث ولا حرج ، فلقد كان عليه‌السلام السبب الرئيسيّ في انتصار المسلمين في كلّ معاركهم مع الكفّار في بدر وأحد والخندق وفتح خيبر وحنين وغيرها ، في حين أنّ الآخرين لم يكن لهم دور بارز ، وربّما

__________________

(١) تفسير الثعلبي ٥ : ٣٠٣ ، وأنظر تفسير القرطبي ٩ : ٣٣٦.

(٢) الجامع الصغير ٢ : ١٧٧ ، المعجم الأوسط ٥ : ١٣٥ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤.

(٣) المعجم الكبير ١١ : ٥٥ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٦ ، ١٢٧ ، حلية الأولياء ١ : ٦٤.

(٤) فيض القدير ٤ : ٤٧٠.

٣٩٤
 &

هرب بعضهم من أرض المعركة ، وشجاعته عليه‌السلام وقوته يضرب بها المثل حتّى هذا اليوم.

وفي كشف الخفاء للعجلوني أنّ الحاكم أخرج عن جابر أنّ عليّاً لمّا انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابها ، فألقاه بالأرض ، فاجتمع عليه بعد سبعون رجلاً ، فكان جهدهم أنْ أعادوا الباب ، وأخرجه ابن إسحاق في سيرته عن أبي رافع ، وأضاف أنّ السبعة لم يَقْلِبوه (١).

وروى ابن أبي شيبة عن جابر أنّ عليّاً حمل الباب يوم خيبر ... ، وإنّه جرّب فلم يحمله إلا أربعون رجلاً (٢).

وأمّا بالنسبة للقدرة الخارقة على استنباط الأحكام وفهم الأقضية ، فيكفي أنْ نذكر شهادة واحدة من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو حديث أقضاكم عليّ (٣).

وهكذا أخي الكريم ، فإمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر ثابت قطعيّ لا مرية فيه عند من يطيع الله ورسوله ، وعند من يعرف شروط الإمامة ، وعند من له نظرة صحيحة في صحاح ومسانيد العامة وهذا هو الحقّ ، وهو ما عليه أهل البيت وشيعتهم.

العصمة :

هذا موضوع يُتّهم الشيعة من خصومهم بالغلوّ فيه كثيراً ، وسوف أبحث الموضوع وأطرحه بين يدي القارئ العزيز من وجهة نظر المستبصر ، لأثبت أنّ العصمة أمر فطريّ توجبه الفطرة والعقل قبل الشرع ، وأنّ ما عليه أتباع أهل

__________________

(١) أنظر كشف الخفاء ١ : ٢٣٢.

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٠٧ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ١١١.

(٣) راجع الحديث ومصادره في كشف الخفاء ١ : ١٦٢.

٣٩٥
 &

البيت عليهم‌السلام هو موافق للفطرة مع الإلتزام بالنصّ الشرعيّ الذي يحدّد العصمة والمعصوم.

فالعصمة هي لطف وتوفيق إلهي يهبه الله تعالى لعبده ، بحيث يكون عنده حاجز يمنعه من مخالفة المحظورات والقبائح من خلال إرادة نفسيّة وفطريّة تمتزج مع اللطف الإلهي وتنتج ما يسمّى العصمة.

وبالتالي فهي لطف إلهي موهوب ، وإرادة شخصيّة قويّة نشاهدها من خلال الوقائع عند كلّ إنسان ، ولكنّها تختلف من إنسان إلى إنسان بحسب قربه أو بعده من الله تعالى.

ومن الآيات التي تعرّف مصطلح العصمة ، قوله تعالى في سورة يوسف : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (١).

والعصمة بمعناها العام وهو المنع ، موجودة في كلّ المخلوقات ، كلّ حسب درجته ومنزلته ، فهناك عصمة الفطرة ، وعصمة الإنسانيّة ، وعصمة الإسلام ، وعصمة الإيمان ، وعصمة الإحسان ، وعصمة الإمام ، وعصمة الأنبياء والرسل وأوصيائهم.

والعصمة هي مطلوب فطريّ يفترض الناس وجوده عندهم عموماً وعند من ينظرون إليه أنّه أرفع منهم منزلة ، أو من يقتدون به خصوصا ، فحتّى لو أنكر العامّة موضوع العصمة واختلفوا فيه حتّى عند الأنبياء ، ولكنّ ذلك لا ينفي أنّهم يطلبونها ويفترضون وجودها عند من يقتدون به ، فالاعتبار البديهيّ عند الناس أنّ المقتدى به أو الأمير أو القائد أو العالم أو الأستاذ أو من هو

__________________

(١) يوسف : ٢٤.

٣٩٦
 &

أعلى منزلة في الحياة يفترضون أنّه مانع وجُنّة للناس يوجههم ويرشدهم ويحذّرهم ، فالنظرة الفطريّة الطبيعيّة أنّه معصوم في نفسه ، وعاصم لهم من الوقوع في المحظورات ، وعاصم لهم من النوائب والشدائد ، كالطفل عندما يرى الخطر ، فإنّه بمعرفته الفطريّة يلجأ إلى الاختباء في أحضان والده ويلجأ إليه ، حيث إنّه ومن نظرة الطفل الفطريّة معصوم وعاصم.

ولأجل هذا المعنى للعصمة ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما الإمام جنّة ، يقاتل من ورائه ويتّقى به (١). قال السندي في شرحه على سنن النسائي : قوله جُنّة : أي كالترس ، قال القرطبي : أي يقتدى برأيه ونظره في الأمور العظام والوقائع الخطيرة ، ولا يتقدّم على رأيه ، ولا ينفرد دونه بأمر ... ، ويتّقى به : أي يعتصم برأيه ، أو يُلتجأ إليه (٢).

وتختلف دوائر العصمة ودرجاتها في المخلوقات عامّة ، فكلّما تدرّجنا في المستوى الخلقي والخُلُقي والنفسي والإنساني والإسلامي والإيماني والإحساني ، فإنّها تزداد رفعة وتكاملا ، ويتّسع معناها شمولا واستيعابا بحيث إنّها تصل في النهاية عند الأوصياء والأنبياء إلى درجة العصمة المتكاملة الشاملة والتي تشمل العصمة في التشريع وغير التشريع بل في عموم شؤون الحياة.

وهذا الواقع هو المشاهد عند كلّ المخلوقات ، وهو ما يدلّ عليه العقل ويُستدلّ على صحّته من خلال النصوص الشرعيّة عند كلّ طوائف المسلمين ، بل إنّ كلّ المجتمعات الإنسانية تنشد العصمة في كل جوانب الحياة ، فالرؤية الطبيعيّة للإنسان الكامل أنْ يقيّد نفسه بقيود متعدّدة بحيث يكون المقصود

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ٨ ، صحيح مسلم ٦ : ١٧ ، سنن النسائي ٧ : ١٥٥.

(٢) حاشية السندي على سنن النسائي ٧ : ١٥٥ ـ ١٥٦.

٣٩٧
 &

منها الوصول إلى درجة معيّنة من العصمة التي تؤهله أنْ يكون تصاعديّاً في التكامل وبحسب متطلبات الحياة ، وما قوانين السير في دول العالم وغيرها من القوانين الاجتماعية والاقتصاديّة والتشريعيّة إلا لتحقيق مطلب العصمة في كل جوانب الحياة.

وكما ذكرنا ، فإنّ العصمة موجودة في المخلوقات بدرجات متفاوتة ، فعند الحيوانات مثلا هناك نوع من العصمة الفطريّة التي تحجبه عن تناول ما لا يصلح للأكل أو الشرب ، فلا يمكن أنْ نرى حيواناً يشرب مادة البنزين ، أو يأكل الأسمنت ، ولو قدمت أمام الحيوان وعاء فيه طين ووعاء فيه شعير ، فإنّه يتجنّب بعصمته الفطريّة ما لا يؤكل ، وهذا واقع مشاهد.

كذلك الإنسان يمتلك عصمة نسبيّة بدرجة معيّنة ، وهي فطريّة وتتصاعد لتصل إلى عصمة معيّنة إنسانيّة ، فالإنسان بفطرته يتجنّب الكثير من الأمور ، وبإنسانيّته يعصم نفسه عن عشرات القضايا ، فلا يشرب السمّ ، ولا يقتل ، ويتجنّب القبائح بعصمته الإنسانيّة ما دام إنساناً سويّاً في حدود دائرة العصمة الإنسانيّة ، فلا يمكن لإنسان بعصمته الإنسانية والفطريّة أنْ يقتل ابنه أو يحرقه.

وكذلك فإنّ الإسلام يدخل الإنسان في دائرة من العصمة هي أوسع وأعمّ من دائرة العصمة الإنسانيّة ، فهنا عصمة تدخله في دائرة التكامل الإنساني ، ما دام ملتزما بإحكام الإسلام وشروطه الحقيقيّة ، مطيعا لربّه ، مقتديا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وكذلك الإيمان عاصم ، ودائرة العصمة الإيمانيّة هي أوسع بكثير من دائرة عصمة الإسلام ، ولذلك نجد نظرة الناس الفطريّة والطبيعيّة إلى إنسان مؤمن ملتزم تختلف عن نظرتهم إلى من هم دونه ، فلا يقبلون منه الكثير من

٣٩٨
 &

التصرّفات والسلوكيّات إذا وقع فيها ، حتّى ولو كانت من المباحات على اعتبار أنّه يعيش في دائرة أوسع في العلم والمعرفة والتقوى والإيمان ، فهم يتطلّعون إليه على أنّه إنسان كامل أكمل منهم ، يجب أنْ يختلف عنهم في دائرة العصمة ؛ لأنّ درجات الإنسان المؤمن أعلى وأرفع من دائرة الإنسان العادي ، فإذا ما قيل : إنّ فلانا المؤمن فعل كذا ، فإنّ الناس لا يصدّقون ذلك بفطرتهم ؛ لأنّه بنظرهم يمتلك من العصمة ما لا يمتلكون ، ويوجبون له العصمة بفطرتهم ، ويدافعون عنها ، وربّما يقاتلون من أجلها ، وهذا واضح عند الناس عموماً عندما يهاجَم رئيس حزب أو جماعة أو شيخ ، فإنّ جميع الإفراد يدافعون عنه ولا يقبلون الطعن فيه ، ولا في أقواله ولا أفعاله ، ولو قلت : إنّ فلاناً الذي ليس له أيّة قيمة في المجتمع فعل كذا ، فلربّما ينظر إلى فعله نظرة أقلّ تأثّراً ممّا لو قلنا : إنّ الوزير الفلاني فعل كذا ، وهذه أقلّ أيضاً ممّا لو قلنا : إنّ الرئيس أو الملك فعل كذا ، وكأنّه كلّما ارتقى الإنسان بمكانته يجب أنْ ترتقي معه درجات العصمة ، حتّى إنّنا نستطيع أنْ نفرض بفطرتنا وعقولنا العصمة المتكاملة للأنبياء والأوصياء الذين هم من أعلى الناس في منازل الإيمان والتقوى.

غير أنّ العصمة المنشودة والتي يفترض الناس وجودها في من هم أعلى منهم في الإيمان والإحسان ، بحاجة لتأكيدها في الشخص المعيّن إلى نصوص شرعيّة تفرض العصمة وتقرّرها ، فالتقرير بشأن العصمة بمعناها الشامل لا يترك للفطرة ، بل هو لله تعالى من خلال النصّ في القرآن الكريم والحديث الصحيح.

ولذلك جاءت النصوص الشرعيّة عند كلّ طوائف المسلمين تؤكّد ثبوت وجود العصمة بدرجة تصاعديّة ، كلّما ارتقى الإنسان بإيمانه وإحسانه وتقواه ،

٣٩٩
 &

وكلّما ارتقى كلما كانت العصمة إلى المعنى المطلق أقرب.

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الرقاق ، باب التواضع ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ الله قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإنْ سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته (١).

وهذا الحديث يحمل في معانيه ومضامينه معنى العصمة لمن هم أقلّ من الأنبياء والأوصياء ، فهو يؤكّد معنى العصمة والتوفيق للمؤمنين كلّما تقرّبوا إلى الله تعالى.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن (٢).

وعليه فالأصل بالمؤمن هو العصمة من هذه الأمور ، ولكنّه يسلب الإيمان وترتفع العصمة عنه حين يقرّر أن ينزل عن درجات الإيمان ، ولكنّه مادام نازلاً فيها فإنّه معصوم من ذلك ، وهذا نوع من العصمة.

حتى أنّ الكثير من النصوص الشرعيّة استخدمت كلمة العصمة صراحة ولو بدرجة نسبية.

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ١٩٠.

(٢) صحيح البخاري ٣ : ١٠٧ ، ٨ : ١٣ ، ١٥ ، ٢١ ، صحيح مسلم ١ : ٥٤ ، ٥٥.

٤٠٠