نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وروى ابن ابي شيبة والطبراني وغيرهما كثير أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهلك (١).

فبنظرة واحدة إلى المسلمين يستطيع المرء أنْ يميّز من يركب سفينة أهل البيت عليهم‌السلام ويسلك صراطهم المستقيم ويستطيع أنْ يميّز من يلتزم بخطّ أهل البيت وفكرهم وأحكامهم ، وعندما يربط الآيات والأحاديث ببعضها فإنّ المسلم يستطيع بسهولة أنْ يشخّص أهل الحقّ والحقيقة تمييزاً حقيقيّاً ، وبالتالي يكون هذا النظر والتدقيق في واقع المؤمنين وما يتعلّق بهم من النصوص الشرعيّة سبباً رئيسيّاً في استبصار حقيقة أهل البيت وشيعتهم ، وسبباً في متابعتهم والاقتداء بهم وبهديهم وركوب سفينتهم سفينة الناجين.

٣ ـ نداءات الحقيقة من خلال السفر والزيارة :

أمّا بالنسبة لنداءات القلب والعقل من خلال السفر فقد كان السفر بشكل عام والسفر إلى زيارة مرقد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام سبباً كبيراً من أسباب الاستبصار حيث تتكشّف حقائق كثيرة كانت مخفيّة عن الشخص ، فالسفر يسفر ، أي يكشف ، وكما يقولون السفر يسفر عن أخلاق الرجال ، حيث يخشع القلب ، ويعتبر العقل ، وتتردّد الأفكار ، وتظهر الحقائق ، وتتفتح البصيرة ، وتزداد وتيرة النداءات القلبيّة لتمتزج مع العقل ، وتتّحد لتصل إلى حقيقة الإيمان.

كما أنّ زيارة المراقد الطاهرة والسفر إليها علاوة على أنّها دعوة من الإمام

__________________

(١) أنظر حديث السفينة في المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٥٠٣ ، المعجم الكبير ٣ : ٤٤.

٢٦١
 &

للشخص ، فإنّها من أهم ما يشحن القلب بالروحانيات. وممّا يشحذ العقل للتفكر بحقائق الوجود وكلّ ذلك بشرط أنْ يتوفر لدى المسافر القصد الصحيح والنيّة الصادقة ، والإخلاص لله تعالى ، وأن يكون السفر كحقيقته من أجل العلم والبحث والمعرفة ، حتّى يتحقّق الهدف من السفر ، ألا وهو الكشف والبيان ، كما أنّ السفر بحاجة إلى الرفيق المؤمن الصادق صاحب الحظّ ، فكما روى السيوطي وغيره عن معاذ أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : سافروا مع ذوي الجدود وذوي الميسرة (١). وكما يقال أيضا الرفيق قبل الطريق.

وقد قال المنّاوي في فيض القدير في شرح الحديث : لأنّ السفر يظهر خبايا الطبائع وكوامن الأخلاق وخفايا السجايا ، إذ الأبدان إذا تعبت ضعفت القوّة المختلفة في القلّة والكثرة ؛ لكون الطبائع تبعثها وتبيّن مقاديرها وزيادة بعضها ونقصان بعض ، فتظهر محاسن الأخلاق ومساوئها ، لأنّها تميّز الطبائع من القوّة والقوى من الأحوال ، والسفر يأتي على مختلف الأهوية والأغذية ، فمن سافر مع أهل الجدّ والاحتشام يكلّف رعاية الأدب وتحمّل الأذى وموافقتهم بما يخالف طبعه ، فيكون ذلك تأديباً له ورياضة لنفسه فيتهذّب لذلك ، ويهتدي إلى تجنّب مساوئ الأخلاق واكتساب محاسنها ، وأمّا من سافر مع من دونه ، فكلّ من معه يحمل نفسه على موافقته ، ويتحمّل المكاره لطاعته ، فتحسن أخلاقهم وربّما يسوء خلقه ، فإنّ حسن الخلق في تحمّل المكاره (٢).

يقول الحقّ جلّ وعلا في سورة العنكبوت : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٣).

__________________

(١) الجامع الصغير ٢ : ٤٠ ، كنز العمال ٦ : ٧٠٤ عن مسند الفردوس للديلمي.

(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤ : ١٠٩

(٣) العنكبوت : ٢٠.

٢٦٢
 &

وقال تعالى في آيات أخرى : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ) (١) وقال تعالى في غيرها : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا ) (٢). والفاء في الآية الأولى للتعقيب ، وثمّ في الثانية تدلّ على التراخي. وهذا يدلّ على أنّ للسفر فوائد سريعة ، وكذلك فوائد متراخية.

ولذلك حثّ الشارع المقدّس على السفر والزيارة وأمر بذلك من أجل التفكّر والنظر والتدبّر والاعتبار ، ولا ننسى أنّ من أهم أركان ديننا الحنيف الحجّ وما يشمله من مناسك وإقامة للشعائر ، فالحجّ سفر إلى بيت الله الحرام وزيارة واستكشاف ، فمن أدّاه وفق المعايير الشرعيّة والأدبيّة والأخلاقيّة وزار قبر رسول الله ومراقد أئمّة المسلمين من أهل البيت عليهم‌السلام ، فإنّه حتماً سيغنم ويرزق الخير الكثير ويصحّ قلبه وعقله وبدنه.

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج الطبراني والقضاعي والشيرازي في الألقاب والخطيب وابن النجّار والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : سافروا تصحّوا وتغنموا (٣).

وروى الشافعي والسيوطي وغيرهما أن قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : سافروا تصحّوا. وفي رواية (تصحّوا وترزقوا) (٤).

ولقد كان لعشرات المستبصرين من التجارب في السفر ، وقصد الأولياء والعلماء المؤمنين العاملين ، وزيارة مراقد أئمّة المسلمين من أهل البيت عليهم‌السلام فوائد جمّة أدّت بهم في النهاية إلى الاستبصار واستكشاف حقائق الإيمان ،

__________________

(١) النمل : ٦٩.

(٢) الأنعام : ١١.

(٣) الدرّ المنثور ٥ : ١٤٩.

(٤) الأم ٥ : ١٥٣ ، الجامع الصغير ٢ : ٤٠.

٢٦٣
 &

وكان ذلك كلّه بتوفيق من الله تعالى ، الذي أذن لهؤلاء أنْ يسافروا ويصلّوا لتلك المقامات المقدّسة ، فهو جلّ وعلا الذي أذن بذلك ، وسهّله ويسّره ، وهو الذي دعاهم إليه فاستجابوا لنداء القلب ففتحوا عقولهم وتفتّحت بصائرهم فانجلى لهم الحقّ بأبهى صوره ، وتجلّت لهم الحقيقة بأتمّ أشكالها.

ولمعرفة فوائد السفر والزيارة ، فما على القارئ إلا مراجعة قصّة سفر سيّدنا موسى عليه‌السلام مع الخضر عليه‌السلام في سورة الكهف ، حيث علّمه الله تعالى في سفره ، وكشف له عن حقائق كثيرة جدّاً وعلّمه ما لم يكن يعلم من الحقيقة والعلم اللدني.

وكذلك بمراجعة كتاب ثمّ اهتديت للسيّد الدكتور التيجاني فقد كان يقصد في سفره مكاناً غير النجف وكربلاء ، وكان يقصد علماء من غير أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، وكان فكره بعيدا جدّاً عن فكر أهل البيت وشيعتهم ، وقد توفّر له في سفره صدق النيّة والإخلاص لله تعالى ، والتقوى والاستعداد لقبول الحقّ وأخذه حيثما كان ، بالإضافة إلى أنّه كان كامل العقل بحبّ الإمام الحسين عليه‌السلام ، فوفّقه الله للتعرف على الشيخ عبد المنعم ، الذي علّمه بسلوكه وأخلاقه وآدابه والتزامه بأهل البيت عليهم‌السلام ، فكان كما قال الإمام الصادق عليه‌السلام : كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير فإنّ ذلك داعية (١). فكان أنْ تفتّحت بصيرة الدكتور التيجاني وحصل له من ذلك السفر الكثير من البركات ، كان أهمّها الاستبصار ومعرفة الحقّ والحقيقة.

وكذلك حصل مع العشرات من المستبصرين ، كان السفر والزيارة من أهمّ عوامل استبصارهم ، فرزقهم الله تعالى الإيمان لصدقهم وإخلاصهم واستعدادهم لقبول الحقّ.

__________________

(١) الكافي ٢ : ٧٨.

٢٦٤
 &

ومن أراد التوسّع في معرفة فوائد السفر والزيارة ، فما عليه إلا مراجعة مؤلّفات المستبصرين من أجل أنْ يستفيد من تجاربهم ، ويطلع على كيفيّات استبصارهم.

ولقد شعرنا عند قصد زيارة السيّدة زينب عليها‌السلام أنّ هناك شيئاً ما يجذبنا إلى زيارتها عليها‌السلام ، وبعد أنْ أذن الله تعالى لنا بالزيارة شعرنا وكأنّ قلوبنا تمتلئ بالخشوع وبروحانيّة لم يسبق لها مثيل ، وما أن دخلنا المرقد الشريف لم نستطع أن نتمالك أنفسنا من البكاء ، وكأنّ دموعنا كانت رفعاً للحدث وبمثابة الوضوء والطهارة لقلوبنا ، فقد انكشفت لنا الحقيقة ، ورجعت بنا الأفكار إلى حادثة الطفّ ، حيث قتل الإمام الحسين عليه‌السلام والسيّدة زينب تشاهد تفاصيل ما حصل ، وقتل كذلك أمام ناظريها أبناؤها وأصحاب الإمام وعبد الله الرضيع وعليّ الأكبر وأبو الفضل العباس ، ثمّ أُخذت مع الامام السجاد وما تبقى من النساء والأطفال سبايا إلى قصر يزيد اللعين في رحلة طويلة ومعهم الإمام زين العابدين عليه‌السلام ورأس الإمام الحسين والرؤوس المقطّعة ، ثمّ قال لها ابن زياد اللعين كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك. فقالت ما رأيت إلّا جميلا (١).

وهكذا تستحضر تفاصيل الحادثة ، ثمّ لا يتمالك المرء نفسه ويبكي ، وبعدها يبدأ بالدعاء والتوسّل إلى الله تعالى بآل البيت عليهم‌السلام ويدعو ما يشاء من الدعاء. ويخرج بعد الزيارة وكأنّه إنسان خلق من جديد. فكان أنْ شملتنا الرحمة والروحانيّة العالية التي تشحذ الإيمان وتنير البصيرة ، وكان ذلك كلّه بتوفيق الله تعالى وببركة السفر وقصد الزيارة.

ثمّ إنّنا توجّهنا إلى المسجد الأمويّ حيث يقع بجانبه ومن نفس المدخل

__________________

(١) الفتوح لابن أعثم ٥ : ١٢٢.

٢٦٥
 &

وفي آخر الساحة مكان وصول رأس الحسين عليه‌السلام ، ومكان وصول موكب السبي في قصر يزيد اللعين ، وكأنّ المكان بجانب المسجد فيه حجّة بالغة تصل إلى كلّ الناس من أجل معرفة ما حصل لسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام ، ولكن وللأسف الشديد كثير من الخلق لا يلتفتون إلى ذلك المكان إلا ما كان من القاصدين له من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام المحبّين لسيّد الشهداء عليه‌السلام ، وما أنْ تدخل المكان حتّى تشاهد المكان الذي صلّى فيه سيّد العابدين الإمام السجاد عليّ بن الحسين عليه‌السلام ، فتستحضر الموقف بتفاصيله ، ثمّ تدخل إلى الداخل وتشاهد مكان رأس سيّد الشهداء وتشاهد عمامته الشريفة وهي تزهر بالنور ، فلا تمتلك في ذلك الموقف إلا البكاء ، ثمّ تبدأ تلهج بالدعاء على يزيد اللعين ، وبالدعاء على كلّ الظالمين الذين قتلوا الإمام الحسين وأصحابه ، وعلى كلّ من والاهم ورضي بفعلهم إلى يوم الدين ، وتبدأ بالشهادة أمام الله تعالى بأنّك تحبّ الحسين وتواليه وتعادي أعداءه وظالميه وتتبرّأ منهم ومن فعلهم ، فلا تملك إلا البكاء في ذلك الموقف وتحقيق الولاء والبراء.

ومن المناسب في هذا المقام وحتّى يرتفع الحرج عن القارئ العزيز الذي سببته الأفكار المتناقضة والمغلوطة من علماء السوء والضلال عن الزيارة وفضائلها وعن البكاء على أهل البيت والتوسل بهم ، وبسبب تخويف الناس من الشرك ، أنْ نتحدّث عن تلك المواضيع بشيء من التفصيل والأسلوب السهل الميّسر حتّى يكون المسلم على بيّنة من ربّه وحتّى لا يحرم في حجّه أو سفره من فوائد السفر وبركات زيارة مقام الرسول محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقامات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

٢٦٦
 &

الفرق بين الشرك والإذن الإلهي :

كثيراً ما تختلط الأعمال والتصرفات عند أغلب المسلمين ، فقد يرون في عمل أو فعل على أنّه شرك بالله سبحانه وتعالى ، بينما يكون ذلك العمل أو الفعل مشروعا ومأذونا به من الله تعالى ، وبالمقابل يقوم كثير من الناس بأعمال على اعتبار أنّها ليست شركاً وهي في الحقيقة عين الشرك بالله.

وهناك العديد من القواعد الفقهيّة العمليّة يعتمدها عدد من العلماء مستنبطة بحسب الرأي والهوى ، وهي مخالفة لأمر الله ، تستمد شرعيّتها من الإجماع من غير وجود المعصوم ، أو من القياس بحسب الميول ، كمخالفة غسل القدمين للنصّ القرآني وترجيح الإجماع على كلام الله ، وكتحريم متعة الحجّ ، وكصلاة التراويح التي لم يشرّعها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وشرّعها عمر بن الخطاب ، فرجّح أهل السنّة قول عمر على قول رسول الله ، وهناك عشرات الأحكام على هذا المنوال يعتمد عليها الناس في أعمالهم وأفعالهم هي عين الشرك بالله.

وهكذا تتضارب أقوال الناس في إلقاء التهم بين بعضهم البعض ، وأكثر من يعاني من آثار تلك الاتهامات هم أتباع الفرقة الناجية ، أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، فلا نزال نسمع النواصب المكفرين للمسلمين ، أعداء الله ورسوله وفي كل يوم وهم يتّهمون الشيعة بالشرك من غير خجل ومن دون إثبات شرعي.

فما هو العامل الرئيسي لتحديد ماهيّة الشرك وحقيقته ، حتّى تتضح معالمه للمسلمين ، ويطمئنّوا ، من غير أنْ يَحرموا أنفسهم من بركات عظيمة ، أخفتها عنهم أحكام النواصب المتشدّدة من أجل طمس فضائل أهل بيت النبوّة والرحمة ، وتغيير شعائر الله ، كتحريمهم على المسلمين زيارة رسول الله

٢٦٧
 &

والسلام عليه ، وتحريم الاحتفال بمولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وغيرها من الشعائر والفضائل العظيمة.

إنّ الشرك هو أنْ تجعل مع الله شريكاً في عبادة أو عمل بقصد التقرّب الى الله ، والشركاء في هذه الحالة هم الشيطان أو النفس أو الهوى أو الدنيا.

فإذا أدّى الصلاة مسلم بقصد الرياء للناس وكسب مودّتهم ، أو من أجل دنيا يصيبها ، فإنه في هذه الحالة يجعل مع الله شريكا في صلاته ، ومن لم يطع الله في أمر فيكون قد أطاع غير الله وهذا أيضاً من الشرك.

روى مسلم في صحيحه وغيره أنّ رَسُولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَا أَغْنَى الشرَكَاءِ عَنِ الشرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ (١).

وروى الطبراني بسنده إلى شدّاد بن أوس قال : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ببقيع واحد ينفدهم البصر ويسمعهم الداعي ، قال : أنا خير شريك ، كلّ عمل عُمل لي في دار الدنيا كان لي فيه شريك ، فأنا أدعه اليوم ولا أقبل اليوم إلا خالصاً ، ثمّ قرأ ( إِلَّا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِينَ ) (٢) وقرأ ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (٣). (٤).

ومن المهمّ جدّاً عند الحكم على العمل أو الفعل بالشرك أو عدمه ، أنْ لا يُنظر إلى العمل من خلال الصورة الظاهريّة له مجرّداً عن عوامل باطنيّة هامّة هي التي تحدّد نوعه ، بل من الضروري النظر إلى عامل رئيسي في كلّ فعل

__________________

(١) صحيح مسلم ٨ : ٢٢٣.

(٢) الصافات : ٤٠.

(٣) الكهف : ١١٠.

(٤) المعجم الكبير ٧ : ٢٩١ ، وعنه في الدرّ المنثور ٤ : ٢٥٥.

٢٦٨
 &

يقوم المسلم به ، وهذا العامل الرئيسي هو الإذن الإلهي في العمل أو الفعل المقصود.

وعلى ذلك يكون معنى الشرك هو قيام العبد بعمل أو فعل من غير إذنٍ شرعي بقصد التقرب إلى الله ، والشرك أيضا هو الجحود والامتناع عن أداء عمل أو فعل مع وجود الإذن والأمر الشرعي لذلك العمل أو الفعل وذلك طاعة لغير الله تعالى.

قال الله تعالى في سورة البقرة : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (١).

فعندما أمر الله تعالى الملائكة بأداء فعل السجود ، فإنّهم سجدوا لنبيّ الله آدم عليه‌السلام بالإذن الإلهي ، إذ لا يصحّ السجود لغير الله ، لكنّه بالإذن الإلهي سجد الملائكة لآدم عليه‌السلام ، بينما امتنع إبليس اللعين استكبارا وإنكارا للطاعة واستنكارا للإذن الإلهي للسجود ، فكان من الغاوين ، لأنّ نظره انصرف إلى ذات الفعل وهو السجود لغير الله ، ولم يلتفت إلى الإذن الإلهي فيه ، وتردّد فعصى وغوى.

وأمّا الملائكة فقد نظروا إلى الإذن الإلهي في مباشرة فعل السجود ، ولمعرفتهم بحقيقة الآمر ، أدّوا الفعل دون تردّد ، فكانوا من المكرمين.

ولو أنّ إبليس اللعين بعد رفضه الانصياع لأمر الله وامتناعه عن السجود لآدم عليه‌السلام أطاع الله الدهر كلّه لم ولن يقبل الله تعالى منه كلّ تلك الطاعات.

وهذا كفعل الخوارج الذين خرجوا على أعظم شعيرة من شعائر الله تعالى بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلا وهي طاعة إمام زمانهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي

__________________

(١) البقرة : ٣٤.

٢٦٩
 &

طالب عليه‌السلام ، فقد عصوه وتمرّدوا عليه ، وقاتلوه وقتلوه ، فرفضوا بفعلهم الأمر الإلهي والإذن الإلهي بطاعته وموالاته ، ثمّ بعد ذلك يحفظون القرآن ويصلّون ويصومون ، فكيف تقبل الطاعة مع الإصرار على المعصية ومحاربة الإذن الإلهي.

ولقد أخرجهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دين الإسلام ، وحكم عليهم بالكفر والشرك ، وحذّر المسلمين منهم ، بالرغم من محافظتهم على صلاتهم وصيامهم وعبادتهم وحفظهم للقرآن الكريم.

فقد روى أبو داود والحاكم وغيرهم كثير عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، لا يرجع حتّى يرد السهم على فوقه ، وهم شرار الخلق والخليقة ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا : يا رسول الله ، ما سيماهم ؟ قال : « التحليق » (١).

وقد قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام في معركة النهروان ولم ينج منهم إلا القليل.

ومنهم ـ أبي الخوارج ـ ابن ملجم عليه لعائن الله ، أشقى الآخرين ، قاتل إمام زمانه ، كان من حفظة القرآن ، ومن أساتذة الفقه في زمن خلافة عمر بن الخطاب ، قام بالتمرّد على إمام زمانه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، ولم يطع الله تعالى ، ولم يوال عليّاً عليه‌السلام وتمرّد على شعيرة من أعظم شعائر الله تعالى ، فأحبط الله عمله ، ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيرا.

__________________

(١) سنن أبي داود ٢ : ٤٢٨ ، المستدرك على الصحيحين ٢ : ١٤٧ ، مسند أحمد ٣ / ١٩٧ واللفظ للثاني.

٢٧٠
 &

روى الخطيب والطبراني وغيرهما عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ عليه‌السلام : من أشقى الأولين ؟ قال : عاقر الناقة ، قال : فمن أشقى الآخرين ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : قاتلك (١).

ولقد هدّد الله تعالى كبار الصحابة بحبط الأعمال إذا لم تحترم وتعظّم الشعائر التي أمر الله تعالى باحترامها وأذن بتعظيمها.

قال تعالى في سورة الحجرات : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (٢).

روى الترمذي وغيره عن ابن أبي مليكة قال : حدّثني عبد الله بن الزبير أنّ الأقرع بن حابس قدم على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله استعمله على قومه ، فقال عمر : لا تستعمله يا رسول الله ، فتكلّما عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى ارتفعت أصواتهما ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي. فقال عمر : ما أردتَ خلافك ، قال : فنزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ (٣).

وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لو أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام ، فصلّى ، وصام ، ثمّ لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد دخل النار.

قال الحاكم : هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم (٤).

__________________

(١) تاريخ بغداد ١ : ١٤٦ ، المعجم الكبير ٨ : ٣٨ ، تاريخ دمشق ٤٢ : ٥٤٦ ، وأنظر فتح الباري ٧ : ٦٠.

(٢) الحجرات : ٢.

(٣) سنن الترمذي ٥ : ٦٣ ، وأنظر صحيح البخاري ٦ : ٤٦ ، ٨ : ١٤٥ ، مسند أحمد ٤ : ٦.

(٤) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٩.

٢٧١
 &

ورواه الطبراني (١) ، وعنهما في كنز العمال (٢).

إنّ السجود لغير الله يعتبر شركاً إذا لم يكن بإذن من الله تعالى ، ولكنّه من الملائكة لآدم وبالإذن الإلهي صار من عوامل القرب إلى الله تعالى ، ولذلك فإنّ الحدّ الفاصل بين الشرك وأداء الطاعة هو وجود الإذن الإلهي في القيام بالعمل أو الفعل بقصد التقرّب إلى الله ، وليس النظر إلى ذات الفعل والحكم عليه من ذلك فقط ، وإن كان تحقيق بقيّة المطالب للعمل من أركان وشروط بحسب الأمر الإلهي هو ضرورة شرعيّة وعقليّة ، ولكنّ النظرة الأولى هي وجود الإذن الإلهي فيه وفي أدائه حتّى يصحّ التقرّب به إلى الله تعالى ، ولنضرب أمثلة لتوضيح ما قدمت من بيان ، فبالمثال يتضح المقال.

خذ مثلاً تقبيل الحجر الأسود في الكعبة المشرّفة ، وكم في ذلك الفعل من ثواب ، وهو من مراضي الله تعالى ، فأنت عندما تذهب إلى بيت الله الحرام ، تشاهد الناس كيف يتدافعون عليه من أجل تقبيله أو لمسه تقرّبا إلى الله تعالى وطاعة له ولأمره ، فما الفرق بين تقبيل الحجر الأسود في الكعبة المشرّفة ، وبين تقبيل حجر في البيت الأبيض في أمريكا مثلا ؟.

فالفعل هو نفس الفعل ، لا يختلف وإنّما الاختلاف هو في وجود الإذن فيه من الله بقصد التقرّب إليه تعالى ، وبالتالي صار للحجر الأسود مكانة عظيمة في نفوس المسلمين تشاهدهم وهم يتدافعون عليه من أجل لمسةٍ أو قبلةٍ تقرّبا إلى الله تعالى وطاعة له ، فقد أورد السيوطي في الدرّ المنثور ما أخرجه الجندي عن إبن عبّاس أنّه قال : الحجر الأسود يمين الله في الأرض (٣).

__________________

(١) المعجم الكبير ١١ : ١٤٢.

(٢) كنز العمّال ١٢ : ٤٢.

(٣) الدرّ المنثور ١ : ١٣٤.

٢٧٢
 &

وروى أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يضع شفتيه على الحجر ويبكي طويلاً ويقول : ههنا تسكب العبرات (١).

وأمّا من قبّل حجراً غير مأذون فيه بقصد التقرّب إلى الله تعالى ، فإنّ ذلك من الشرك ؛ ولذلك فإنّ من عرف الاذن الإلهي يدرك حقيقة وأهميّة الحجر الأسود ، ويحصل عنده تجاذب روحاني بينه وبينه ، ممّا يزيد في حالة الخشوع والخضوع أمام شعائر الله التي عظّمها ربّ العزّة سبحانه وتعالى ، وبالتالي يحصل التفاعل مع العمل بصورة شديدة التأثير على النفس والروح ، تعزّز درجة القرب من الله تعالى.

فقد روى الحاكم في المستدرك وغيره عن أبي سعيد الخدري قال : حججنا مع عمر بن الخطاب ، فلمّا دخل الطواف استقبل الحجر فقال : إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبلك ما قبلتك ، ثمّ قبّله فقال له عليّ بن أبي طالب : … إنّه يضرّ وينفع قال : بم ؟ قال : بكتاب الله عزّ وجلّ قال : وأين ذلك من كتاب الله ؟ قال : قال الله ( إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) (٢) ، خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنّه الربّ وأنّهم العبيد ، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال له ، افتح فاك. ففتح فاه ، فألقمه ذلك الرقّ ، فقال : اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وإنّي أشهد لسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق ، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد ، فهو يضرّ

__________________

(١) أنظر سنن أبي ماجة ٢ : ٩٨٢ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٥٤ ،

(٢) الأعراف : ١٧٢.

٢٧٣
 &

وينفع ، فقال عمر : أعوذ بالله أنْ أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن (١). وروي في كنز العمال ورواه البخاري ومسلم وغيرهما مقتصرين على الشطر الأول منه (٢).

ولو رأى إنسان إنساناً يطوف حول بيت لقيل : إنّه مجنون ، ولكنّه عندما يطوف بالبيت الحرام ، فإنّه عمل فيه قربة إلى الله تعالى ، ولو جاء شخص وبنى بيتاً غير الكعبة وأمر الناس بأداء المناسك عنده ، فإنّ هذا العمل يعتبر شركاً ، حيث إنّه يخالف الإذن الإلهي ، ولو غيّر شخصٌ كعمر بن الخطاب مكان مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام في بيت الله الحرام ، فهذا عمل فيه تغيير للإذن الإلهي ؛ لأنّ ما قرّره الله لنا في الأرض من الشعائر يجب أنْ يراعى فيه الإذن الإلهي من ناحية الموقع والزمان والمكان حتّى يصحّ أنْ يكون قربة لله تعالى ، وإذا حصل اختلاف ومخالفة فإنّ مباشرة العمل أو الفعل في هذه الحالة تكون شركاً.

فبالإذن الإلهي صارت الكعبة المشرّفة من الشعائر العظيمة المقدّسة عند المسلمين جميعاً ، وكذلك الحجر الأسود ومقام إبراهيم بحسب ما أراد الله سبحانه ، وليس بحسب آراء وأهواء الناس ؛ لأنّ أداء أيّ من الأفعال والأعمال بدون الاقرار الإلهي بقصد القربة إلى الله يعتبر شركاً .

ولقد سألني احدهم مرّةً : إنّ الإسلام جاء لتحطيم الأصنام وقمع الوثنية ، أليس في الطوافِ حول الكعبة والتعلّق بأستارها وتقبيل الحجر الأسود وتكريم مراقد النبيّ والأئمّة من أهل البيت نوعاً من الوثنية ؟.

__________________

(١) الدرّ المنثور ٣ : ١٤٤.

(٢) صحيح البخاري ٢ : ١٦٠ ، ١٦١ ، صحيح مسلم ٤ : ٦٧.

٢٧٤
 &

وأجبته : بأنّ النظر إلى هذه الأفعال بحدّ ذاتها لا يجعل فرقاً بين الوثنية وبين أداء تلك المناسك ، ولكنّك عندما تقوم بها بالنظر إلى تحقّق الإذن الإلهي فيها تصبح تلك الأعمال والأفعال من الشعائر ووسائل القرب إلى الله تعالى ؛ لأنّه هو الذي أمر بها وفرضها علينا ، ونحن كعبيد لا يحقّ لنا لعجزنا ونقصنا أنْ نحدّد ما هو من شعائر الله أو ليس منها ، ولكن بطاعة العبد لخالقه الذي هو أدرى بشؤونه وما يصلح له وما يقربه منه زلفى تتميّز عبادة الأصنام عن تقبيل الحجر الأسود أو السجود عليه ، فأنت تقوم بهذا الفعل طاعة وتقرّباً إلى الله بإذنه في ذلك الفعل ، بينما عبدة الأصنام والأوثان هم الذين اخترعوا شعائرهم بأنفسهم وعقولهم الناقصة وبدون إذن إلهي وهم يعبدونها ولا يعبدون الله ، أما نحن فنعبد الله ونطوف ونزور امتثالاً للأمر الإلهي. فالنظر إلى الطاعة والشرك عندما يستوي ويتشابه الفعل ، ليس إلى الفعل المتشابه بحدّ ذاته ، وإنّما إلى الأمر والإذن الإلهي فيه ، فأنت عندما تستعمل سكّينا لذبح كبشٍ يوم عيد الأضحى أو لذبح كبش للّات والعزّى أو لقتل إنسان مؤمن ، فالفعل هو نفس الفعل ، هذا ذبح وذاك ذبح ، ولكنّه بالإذن الإلهي صار الفعل الأوّل قربة لله توجب الرضى والثواب بينما الفعل الثاني جريمة توجب الخلود في النار.

وعلى ذلك فالقضيّة مرتبطة بأمر الله وإذنه تعالى بغضّ النظر عن الصورة ، هذا عند الحكم على الفعل بأنّه شرك أو ليس شرك ، وإنّما تحدّد أشكال العمل والفعل من شروطٍ وواجبات وأركان وفق النصوص الشرعيّة بعد وجود الإذن الإلهي بتقديس وتعظيم الفعل المطلوب.

وقد جاء الإذن الإلهي لأداء شعائر الإسلام في القرآن الكريم ، فمثلاً عندما

٢٧٥
 &

قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّـهِ ) (١). أو كقوله تعالى في سورة البقرة : ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٢). فهذا إذنٌ إلهي لعباده بأداء تلك الشعائر حسب ما يريده هو وليس بحسب أهوائنا وميولنا ، ولذلك وبعد وجود الإذن الإلهي لتلك الشعائر ، حدّد لنا الكيفيّات حتّى نعبده سبحانه وتعالى كما يريد لا كما نريد نحن ، فالمؤمن لا ينظر إلى الكيفيّة ولا يتدخل فيها ولا في مكانها ولا في زمانها ولا في كيفياتها بل عليه السمع والطاعة للإذن والأمر الإلهي ويسلم لذلك. فقد قال الله تعالى في سورة النساء : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (٣).

ولا نستطيع أنْ نفهم ذلك إلّا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام ، الذين حدّد لنا الله أنْ نطيعهم ونتعلّم منهم ما يريده منّا عن طريقهم ، حتّى لا نضلّ ولا نزلّ ولا نشرك بالله تعالى.

قال تعالى : في سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (٤).

وروى الطبراني عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لكم فرط وإنكم واردون علي الحوض … ، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين فقام رجل فقال : يا رسول الله : وما الثقلان ؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : الأكبر كتاب الله

__________________

(١) البقرة : ١٩٦.

(٢) البقرة : ٤٣.

(٣) النساء : ٦٥.

(٤) النساء : ٥٩.

٢٧٦
 &

عزّ وجلّ ، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسّكوا به لن تزلّوا ولا تضلّوا ، والأصغر عترتي وإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ، وسألت لهما ذاك ربّي فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهما فإنّهما أعلم منكم (١). حديثٌ متواتر روته أغلب صحاح ومسانيد أهل السنة (٢).

ولذلك تجد أنّ ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه يبكي بسبب مخالفة عمر بن الخطاب ومن معه لأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عندما يتذكّر كيف أنّ عمر بن الخطّاب لم يعظّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا أوامره ، بل واتّهمه بالخرف والهذيان وليست هذه المرة الأولى من عمر أو من هم على شاكلته من الصحابة.

فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس أنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعه يوم الخميس ، فقال : ائتوني بكتاب ، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً. فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قال : دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه. وأوصى عند موته بثلاث : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ». ونسيت الثالثة (٣).

وروى البخاري وغيره كثير عن ابن عبّاس قال : لما حُضِرَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي البيت رجال ، فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : « هَلُمَّ أكتب لكم

__________________

(١) المعجم الكبير ٣ : ٦٦.

(٢) أنظر حديث الثقلين في سنن الترمذي ٥ : ٣٢٩ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٥ ـ ٤٦ ، مسند أحمد ٣ : ١٤ ، ١٧ ، ٢٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ، ١٤٨ ، وغيرها من المصادر الكثيرة.

(٣) صحيح البخاري ٤ : ٣١.

٢٧٧
 &

كتاباً لا تضلّوا بعده ». فقال عمر : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرِّبوا يكتب لكم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا. قال عبيد الله : فكان ابن عبّاس يقول : إنّ الرَّزيَّة كلّ الرَّزيَّة ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبين أنْ يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم (١).

وعلى ذلك فإنّ الأمر للشارع المقدّس ، هو الذي يحدّد الشعائر وقدسيّة الأشياء من عدمها ، وهو الذي يحدّد الكيفيّات للأعمال والأفعال بعد وجود الإذن الإلهي فيها ، وكما هو بديهي جدّاً فإنّ الإنسان عاجز وناقص ومحتاج لا يستطيع أنْ يحدّد من نفسه ما يريد الله تعالى منه حتّى يميّز الشرك من غير الشرك إلا أنْ يخبره الله تعالى عن طريق الأنبياء والرسل وأوصيائهم .

فلابدّ للمسلم أنْ يعيد النظر في أعماله وأفعاله من خلال طاعة الله ورسوله والأئمّة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام حتّى يعرف شعائره ويؤدّيها قربة لله تعالى كما يريد الله.

وحتّى أبسّط لك الأمر من أجل تعظيم وتقديس تلك الشعائر ، وتتجنب مغالاة أولئك المكفّرين من الوهابيّين والسلفيّين ، الذين يخوّفون المسلمين من الشرك ، ويفتون لهم الفتاوى التي تحرّم على المسلمين الكثير من الشعائر التي أذن الله بها ، ويَحرمونهم من بركات وضعها الله سبحانه وتعالى لنا في هذه الأرض بإذنه رحمة بنا ووسيلة لنا نتقرّب بها إليه تعالى بإذنه ، فإنّني سوف أضع بين يديك قاعدة تستطيع من خلالها معرفة الكثير من الشعائر التي غيبها

__________________

(١) صحيح البخاري ٧ : ٩ ، ٨ : ١٦١ ، صحيح مسلم ٥ : ٧٦.

٢٧٨
 &

أولئك المكفرين عنّا ، وتستمتع بتقرّبك إلى الله من خلال ما سخّره لنا من أجل الوصول إلى معرفته ورضاه سبحانه وتعالى ، لأنّ الله عندما يمنح الإذن في عمل أو فعل فإنّك تقبل عليه بانشراح واطمئنان وسرور وذكر كثير وشكر لله تعالى على ما أكرمنا به من نعم وآلاء وآيات عظيمة وجليلة ، ما أذن الله لنا في أدائها إلا لمصلحتنا ومنفعتنا في الدنيا والآخرة ، ولأنّه سوف يسألنا يوم القيامة عن تلك النعم والآلاء العظيمة.

وأذكر مرّة كنت مع إخوان لي نطوف بالبيت الحرام ، ووصلنا إلى الركن اليماني ، ولمعرفتي بالإذن الإلهي في تقبيله ووضع الخدّ الأيمن عليه حيث يقول رسول الله كما روى الحاكم في المستدرك وابن خزيمة في صحيحه وغيرهما عن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبّل الركن اليماني ، ووضع خدّه عليه (١).

فتقدّمنا لتقبيله ، وإذا عالم سلفيّ من ذوي اللحى الطويلة يقف إلى جانب الركن اليماني يقول : ماذا تفعلون يا أخي ؟. هذا شرك. فقلت له : إذا كان ربّ العزّة قد كرّم هذا الفعل وشرّفه بأنْ فعله رسولنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحثّ عليه ، أتعتبر رسول الله محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشركا ؟. وقلت : إنّني أحبّذ هذا الشرك الذي فعله رسول الله محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثمّ بعد أنْ استبصرت بفضل الله تعالى وتوفيقه ومنه ، عرفت أنّ من أسباب تكريم الركن اليماني هو تكريم لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام عندما انشقّ جدار الكعبة ، ودخلت فاطمة بنت أسد عليها‌السلام إلى داخل الكعبة وولدت إمامنا أمير المؤمنين داخلها.

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين ١ : ٤٥٦ ، صحيح ابن خزيمة ٤ : ٢١٧.

٢٧٩
 &

وعلى ذلك فبالإذن الإلهي صار للشيء المأذون فيه قدسيّة ومكانة وعظمة في قلوب المسلمين ، وبذلك نستطيع أنْ نحدّد الشعائر ونقسّم القدسيّات إلى أربع قدسيات :

١. قدسيّة زمان ٢. قدسيّة مكان ٣. قدسيّة أشخاص ٤. قدسيّة أشياء.

أمّا بالنسبة لقدسيّة الزمان ، فنجد عشرات النصوص الشرعيّة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تعظّم وتحثّ على أزمنة معيّنة ، كالأشهر الحرم وشهر رمضان ، وليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر لعظمتها ومكانتها وقدسيّتها ، تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر ، سلام هي حتّى مطلع الفجر ، وكليلة النصف من شعبان (١) ، ويوم الثامن عشر من ذي الحجّة (يوم الغدير) عندما نصّب الله تعالى أمير المؤمنين علياً عليه‌السلام إماماً وخليفة على المسلمين بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونزلت في ذلك آيات منها آية إكمال الدين وإتمام النعمة وهي قوله تعالى في سورة المائدة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٢). وكيوم المبعث النبويّ الشريف ، وكيوم ولادة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويوم ولادة السيّدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، ويوم ولادة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكيوم عاشوراء الذي استشهد فيه الإمام الحسين عليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه حيث بكت السماوات والأرض دماً عليه فقد روى في المعجم الكبير ومجمع الزوائد والصواعق المحرقة أنّ الشمس كسفت يومئذ حتّى بدت النجوم ، وما رفع يومئذٍ حجر إلا وجد تحته دم ، وأنّ أرجاء السماء احمرّت ، وأنّ الشمس كانت

__________________

(١) وهي ليلة ولادة الامام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف وهو محمد بن الحسن العسكري عليهما سلام الله.

(٢) المائدة : ٣.

٢٨٠