نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ثمّ إنّ المسلمين تحيّتهم فيما بينهم السلام ، فإذا دخل مسلم على فرد أو جماعة من إخوانه ، فإنّه ينبغي عليه إلقاء السلام عليهم ، وهذا مجمع عليه عند كلّ طوائف المسلمين.

ولا يقال إنّ السلام مسنون على الأحياء فقط ، وإنّ هؤلاء الأئمّة من أهل البيت قد ماتوا ، فلا يجوز ذلك في حالة الأموات ، لا يقال ذلك ، لأنّه قول لا دليل عليه لا في الكتاب ولا في السنّة ، وليس هناك أيّ دليل ينهى عنه.

ولو فرضنا أنّه للأحياء فقط كما يدّعي البعض ، فإذا لم نعتبر أهل البيت عليهم‌السلام أحياء فمن هم الأحياء إذن ، أليس الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون بدلالة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل ؟ قال تعالى في سورة البقرة الآية : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ) (١).

وقال تعالى في سورة آل عمران الآية : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢).

ومن المعلوم أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمّة من ذريته عليهم‌السلام قتلوا في سبيل الله ، ومرتبتهم عند الله أعلى من مرتبة الشهداء بدلالة الآيات والأحاديث التي صرّحت بأنّهم الصديقون والصادقون عند ربّهم ، ومعلوم أنّ الصدّيق أفضل عند الله من الشهيد.

قال تعالى في سورة النساء : ( وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ

__________________

(١) البقرة : ١٥٤.

(٢) آل عمران : ١٦٩ ـ ١٧٠.

٣٤١
 &

أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا ) (١)

فالصدّيقون مقدّمون على الشهداء ، وإذا كان الشهداء أحياء فالصدّيقون من باب أولى.

روى الحاكم في المستدرك ، في كتاب معرفة الصحابة ، عن عليّ عليه‌السلام قال : إنّي عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كاذب ، صلّيت قبل الناس بسبع سنين ، قبل أنْ يعبده أحد من هذه الأمّة. ورواه ابن ماجة في سننه (٢). قال المحقّق في الزوائد : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال وقال : صحيح على شرط الشيخين (٣).

وروى الطبراني عن أبي ذرّ وسلمان قالا : أخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّ فقال : هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمّة ، وهذا يعسوب المؤمنين (٤).

وكذالك بقيّة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، والأئمّة من أهل البيت من ذريّة الحسين عليهم‌السلام ، هم الصدّيقون بدلالة الآيات والأحاديث التي تذكر فضائلهم ومنزلتهم ، كآية المباهلة ، وآية التطهير ، وآية المودة ، وحديث الثقلين ، وحديث الغدير ، وحديث السفينة وغيرها (٥).

__________________

(١) النساء : ٦٩.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٤.

(٣) سنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤائد عبدالباقي ١ : ٤٤ ، ويقصد من الزوائد هو كتاب مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة للإمام البوصيري.

(٤) المعجم الكبير ٦ : ٢٦٩.

(٥) وقد تقدّم ذكر الجميع أثناء طيّات البحث.

٣٤٢
 &

وعلى ذلك فإنّه لا يقال إنّهم عليهم‌السلام أموات ، بل إنّ رسول الله حيّ وهو أفضل منهم ، وهم أفضل من الشهداء.

ثمّ إنّه من الثابت في السنّة النبويّة ، أنّ المسلم إذا أراد زيارة مقابر المسلمين ، أنْ يسلّم على الأموات في تلك المقابر ، كما تواتر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأحاديث الصحيحة.

فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أنّها قالت : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (كلّما كان ليلتها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم) يخرج من آخر الليل إلى البقيع. فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين .... ورواه ابن ماجة والنسائي وغيرهم عن عدد عائشة تارة وأبي هريرة تارة أخرى (١).

فها هو المسلم مأمور بالسلام على من في القبور من المسلمين العاديّين ، ومن المؤكّد أنّ مقابر المسلمين فيها من كان طائعا لله ومن هو عاص ، وهذه النصوص تأمر بالسلام عليهم ، فما بالك برسول الله ، وأمير المؤمنين عليّ ، وبضعة رسول الله فاطمة الزهراء وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام.

أمّا بالنسبة للصلاة عليهم ، فأمرها واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ، فقد روى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة قال : سألنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلنا : يا رسول الله ، كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلّم عليكم ؟ قال : « قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، كما صلّيت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنّك حميد

__________________

(١) صحيح مسلم ٣ : ٦٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٩٣ ، ٢ : ١٤٣٩ ، سنن النسائي ١ : ٩٤ ، ٤ : ٩٣ ـ ٩٤.

٣٤٣
 &

مجيد ». ورواه مسلم وغيره كثير (١). وهذه الروايات توجب الصلاة على أهل البيت بعد الصلاة على رسول الله.

ثمّ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد نهى عن بتر الصلاة عليه من خلال حذف الصلاة على أهل البيت حيث قال : لاتصلّوا عليّ الصلاة البتراء ، فقالوا : وما الصلاة البتراء قال : أنْ تقولوا اللهمّ صلّ على محمّد وتمسكون ، بل قولوا : اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد (٢).

من كلّ ما سبق ، فإنّه لا يبقى مجال لمشكّك بأنّ الصلاة والسلام على أهل البيت هو أمر شرعيّ مفروض على المسلمين ، لا يجوز لمن يدّعي العلم أنْ يترفّع عنه ، أو يظهر امتعاضاً عند سماعه ، كأنّه حريص على عدم إدخال البدع في الدين.

والسؤال الذي يرد ، لماذا حذفوا ذكر الآل عند الصلاة على النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مع أنّه أمر مفروض من الله كما قدّمنا بالأدلّة المتظافرة والتي تفوق حدّ الحصر. ولست بمقتنع أنّ علماء أهل السنّة لم يطّلعوا على تلك الأدلّة والبراهين التي توجب الصلاة على محمّد وآل محمّد ، بل إنّني متأكّد أنّهم محّصوها وعرفوها ، ومعلوم عند المسلمين أنّ من لم يصلّ على آل محمد بعد التشهد في الصلاة فصلاته باطلة وجب عليه إعادتها ، بل كلنا نعرف ومنذ نعومة أظافرنا أبيات الشعر التي قالها الإمام الشافعي :

يَا أهل بَيْتِ رَسُولِ الله حُبُّكُمُ

فَرْضٌ مِنَ الله فِي القُرْآنِ أَنْزَلَهُ

يَكْفِيكُمُ مِنْ عَظِيمِ القدر أَنَّكُمُ

مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لاَ صَلاَةَ لَهُ (٣)

__________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١١٨ ، ٦ : ٢٧ ، صحيح مسلم ٢ : ١٦ ، سنن ابن ماجة ١ : ٢٩٣ ، سنن الترمذي ١ : ٣٠١.

(٢) الصواعق المحرقة ٢ : ٤٣٠.

(٣) الصواعق المحرقة ٢ : ٤٣٥.

٣٤٤
 &

وكذلك بالنسبة للسلام على الأئمة من أهل البيت ، فكما ذكرت أنّ أمر السلام عليهم كان ظاهراً ومعروفا بين المسلمين ، بل ومذكور في مئات الروايات والتي أظهرتُ عدداً مختصراً منها من صحيح البخاري وغيره رَوماً للاختصار ، فليس معقولاً أنّ عالماً من علماء أهل السنّة لم يقرأ كتبه ومصادره.

فلماذا إذن التمعّض والإنكار لما أمر الله به وأقرّه المسلمون ؟

لماذا لا نسمع سنّيّاً يصلّي على آل محمّد كما أمر الله تعالى ؟

لماذا هذا الترفّع والتمنّع عن طاعة الله ورسوله ؟ لأنّ من لم يطع الله في أمر أوجبه على الناس وفرضه عليهم ، فإنّه لابدّ أن يكون مطيعاً لشيطانه وهواه ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال.

أمّا من الذي يطبّق هذا الأمر الإلهي من المسلمين ؟ ، فهم فقط الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، فهم دائما كما نرى ونسمع يسلّمون على أهل البيت ، ويصلّون عليهم طاعة لله واقتداء برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

فأين هذا الأمر الإلهي يا علماء أهل السنّة والجماعة ؟. وإذا تركتموه ورفضتموه وامتعضتم منه وعارضتم أمر ربّكم ، فلماذا تشكّكون بأتباع السنّة الصحيحة ، أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، أَلأنَهُم مطيعون لله ورسوله ؟.

أو أنّه ليس عندكم اعتبار لهذا الأمر الإلهي ؟.

أجيبونا ، وإذا كنتم لا تريدون الجواب وتترفّعون عنه ، فعلى الأقلّ كفّوا ألسنتكم وأيديكم عن أتباع الرسول الأكرم وأهل بيته وشيعتهم ، ولا تحسدوا المؤمنين على إيمانهم وحبّهم وطاعتهم لرسول الله وأهل بيته المعصومين الطاهرين ، رزقنا الله حبّهم وطاعتهم وزيارتهم في الدنيا ، وشفاعتهم في الآخرة ، إنّه نعم المولى ونعم المجيب.

٣٤٥
 &

٣ ـ نداءات الحقيقة من خلال الرؤى المنامية :

أمّا ما ذكرنا عن السفر والزيارة وفوائدهما بعد توفيق الله تعالى للاهتداء إلى حقيقة الإيمان وحقائقه ، فهو ينطبق أيضاً على الرؤى المناميّة أيضاً ، فالرؤى المناميّة هي رحلة وسفر بالروح إلى الملكوت الأعلى ، وفيها من الفوائد والتوفيقات الإلهية ما يضاهي السفر الظاهري ، وذلك إذا تحقّق بالرؤيا شروط عدّة يجب التحقّق منها ، وأهمّها : هو أنْ لا تخالف مضامين الرؤيا ، الأحكام الشرعية الصحيحة ، وأنْ لا تتناقض مع أيّ دليل شرعي قطعي.

روى الشيخ الصدوق في الأمالي قال : قال محمّد بن القاسم النوفلي قال : قلت لأبي عبد الله الصادق عليه‌السلام : المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها ، وربّما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا ؟.

فقال : إنّ المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، فكلّ ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحقّ ، وكلّ ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام.

فقلت له : أو تصعد روح إلى السماء ؟ قال : نعم.

قلت : حتّى لا يبقى منها شيء في بدنه ؟.

فقال : لا ، لو خرجت كلّها حتّى لا يبقى منها شيء ، إذن لمات.

قلت : فكيف تخرج ؟

فقال : أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوئها وشعاعها في الأرض ، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة إلى السماء (١).

كما أنّ هناك شروطاً عديدة قد بيّنها العلماء الأفاضل استنباطا من حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن حديث أئمّة الهدى والحقّ من أهل البيت عليهم‌السلام ، ومنها

__________________

(١) الأمالي : ٢٠٩.

٣٤٦
 &

الإيمان ، والنوم على طهارة ، والذكر والتسبيح ، والتقوى ، وغير ذلك من الشروط التي توجب على المرء مراعاتها والرجوع إليها حتّى لا يقع المسلم في المحظور ، ويخرج عن حدود العقل السليم ، وحتّى لا يقع في شباك الشيطان ، وحتّى لا يحجب في رؤياه ، وبالتالي يسقط في دائرة نفسه وهواه ، ويؤول الرؤيا بما تهواه النفس ، وبما تمليه عليه من المبرّرات والتي تبعث في النفس مرض العجب المذموم ، ومن ثمّ تنتقل العدوى لنشوء أمراض أخرى كالكبر والرياء وعمى البصيرة ، ثمّ الهلاك المحقّق وفقدان العقل والهوس والشذوذ والعياذ بالله تعالى.

ولا أريد بتقديمي هذا عن الرؤيا وشرطها أنْ أخيف أحداً ، ولكنّ الواقع الذي نراه يوجب مراعاة كلّ الشروط الشرعيّة للرؤيا ، ومراجعة العلماء الأفاضل ، وأنْ لا يتجرّأ على تأويل ما يراه بحسب الهوى والنفس أو ما يكون من إملاء الشيطان ، فالحذر الحذر.

روى العلامة المجلسي في بحار الأنوار عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يحدّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه (١).

وروى أيضا في البحار عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (٢).

وروى في الفصول المهمّة ، عن المفضّل بن عمر ، عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام قال : ... فكّر يا مفضّل في الأحلام ، كيف دبّر الأمر فيها ، فمزج صادقها بكاذبها ، فإنّها لو كانت كلّها تصدّق لكان الناس كلّهم أنبياء ، ولو كانت كلّها

__________________

(١) بحار الأنوار ٥٨ : ١٩١ ، ونحوه في مسند أحمد ٢ : ٣٩٥.

(٢) بحار الأنوار ٥٨ : ١٩١ ، وأنظر صحيح البخاري ٧ : ٢٤ ـ ٢٥.

٣٤٧
 &

تكذّب ، لم يكن فيها منفعة ، بل كانت فضلاً لا معنى له ، فصارت تصدّق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي بها أو مضرّة يحذر منها ، وتكذّب كثيراً لئلا يعتمد عليها كلّ الاعتماد (١).

والرؤيا التي من الله تعالى هي رؤيا حقّ يجب تأويلها وأخذها بعين الاعتبار ، فهي بالنسبة للأنبياء وأوصيائهم حقّ وصدق ويقين ، وأمّا بالنسبة لغيرهم فهي تختلف ، فإمّا رؤيا صالحة من الله تعالى ، وإمّا حلم من الشيطان ، أو أضغاث أحلام ، ولقد ورد في القرآن الكريم آيات عديدة تذكر عدّة رؤى مناميّة كانت قد وقعت للأنبياء والرسل ، ومنهم سيّدنا ونبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال تعالى في سورة الإسراء : ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (٢).

روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : اخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة ، وأنزل الله في ذلك : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ .. ) يعني الحكم وولده (٣).

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرّة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أريت بني أميّة على منابر الأرض ، وسيتملكونكم ، فتجدونهم أرباب سوء ، واهتمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لذلك ، فأنزل الله ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً

__________________

(١) الفصول المهمّة للحرّ العاملي : ٦٩٠.

(٢) الإسراء : ٦٠.

(٣) الدرّ المنثور ٤ : ١٩١.

٣٤٨
 &

لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ .. ) (١).

وأخرج ابن مردويه ، عن الحسين بن علي رضي‌ الله ‌عنهما أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصبح وهو مهموم ، فقيل : ما لك يا رسول الله ؟ فقال : إني رأيت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا. فقيل : يا رسول الله ، لا تهتم فإنها دنيا تنالهم. فأنزل الله : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (٢).

ويقول جلّ وعلا في سورة الفتح : ( لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) (٣).

روى السيوطي في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال : أُري رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بالحديبية أنّه يدخل مكّة هو وأصحابه آمنين محلّقين رؤوسهم ومقصّرين ، فلمّا نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه : أين رؤياك يا رسول الله ؟ فأنزل الله ( لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ) إلى قوله ( فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) فرجعوا ففتحوا خيبر ، ثمّ اعتمر بعد ذلك ، فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة (٤).

وهناك أيضاً في القرآن الكريم ذكر لرؤيا سيّدنا يوسف عليه‌السلام ، وكذلك رؤيا سيّدنا إبراهيم عليه‌السلام ، ورؤيا ملك مصر ، ورؤيا السجينين ، وغيرها كثير ، اختصرت ذكرها خوفاً من الإطالة.

والرؤيا الصالحة : هي بشارة من الله تعالى لعبده يبشره بها ويهديه من

__________________

(١) الدرّ المنثور ٤ : ١٩١.

(٢) الدرّ المنثور ٤ : ١٩١.

(٣) الفتح : ٢٧.

(٤) الدرّ المنثور ٦ : ٨٠.

٣٤٩
 &

خلالها إلى حقائق تعينه على استكمال مسيرة الإيمان في هذه الحياة الدنيا.

قال تعالى في سورة يونس : ( لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١).

روى في الكافي عن الإمام محمد الباقر عليه‌السلام قال : قال رجل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : في قول الله عَزَّ وجَلَّ : ( لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال : هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه (٢).

وهذه البشارة من الله تعالى كما ذكرنا يجب مراعاة كلّ ما يسبقها من شروط وآداب ، وكذلك بعد الرؤيا عليه أنْ يكتمها ولا يؤوّلها على حسب الهوى والرغبة النفسية ، بل يخبر بها من يملك الخبرة والموهبة في التأويل من أهل التقوى والعلم من المؤمنين المخلصين الصادقين ، وليس له أنْ يخبر بها من لا يمتلك الأهليّة من المدّعين ، وليس له كذلك أنْ يخبر بها حاسداً أو مبغضاً حتّى لا ينعكس تأويل الرؤيا الخاطئ على صاحبها.

روى في الكافي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول : إنّ رؤيا المؤمن ترف بين السماء والأرض على رأس صاحبها حتّى يعبرها لنفسه ، أو يعبّرها له مثله ، فإذا عبّرت لزمت الأرض ، فلا تقصّوا رؤياكم إلا على من يعقل (٣).

وروى في الكافي عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي (٤).

__________________

(١) يونس : ٦٤.

(٢) الكافي ٨ : ٩٠.

(٣) الكافي ٨ : ٣٣٦.

(٤) الكافي ٨ : ٣٣٦.

٣٥٠
 &

والرؤيا التي هي بشارة من الله تعالى تتعلّق بمستقبل العبد وتؤثّر فيه ، وهذا النوع من المبشّرات ، منه ما هو واضح وصريح وليس بحاجة إلى تأويل ، ومنها ما هو غامض وبحاجة إلى تأويل ، ومنها ما يتحقّق بشكل سريع ، ومنها ما يقع تحقيقه بعد فترة طويلة من الزمن كرؤيا سيدنا يوسف عليه‌السلام.

قال في بحار الأنوار قال : وذكر ابن عبد البرّ في كتاب بهجة المجالس وأنس الجالس أنّه قيل لجعفر الصادق عليه‌السلام ، وهو أحد الأئمة الاثني عشر كم تتأخر الرؤيا ؟

فقال : خمسين سنة ، لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى كأنَّ كلباً أبقع ولغ في دمه ، فأوَّله بأنّ رجلاً يقتل الحسين ابن بنته ، فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه‌السلام ، وكان أبرص ، فتأخّرت الرؤيا بعد خمسين سنة (١).

وروى في تاريخ دمشق عن محمّد بن عمرو بن حسين قال : كنّا مع الحسين بنهر كربلاء ، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال : صدق الله ورسوله ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كأنّي أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ! فكان شمر أبرص (٢).

وبناءً على ما سبق ، فإنّ الرؤيا كانت سبباً مباشراً في الاهتداء إلى حقيقة الإيمان بولاية أهل البيت عليهم‌السلام وموالاتهم ، وكانت سبباً في اكتشاف حقائق الإيمان ، كمظلوميّات أهل البيت عليهم‌السلام. وهو الذي أدّى عند الكثير من المستبصرين للاستجابة لتلك النداءات المناميّة ، والتي بفضل الله وكرمه أدّت إلى الاستبصار بحمد الله تعالى وفضله ومنّه وكرمه وتوفيقه لذلك.

__________________

(١) بحار الأنوار ٦٢ ـ ٦١.

(٢) تاريخ دمشق ٢٣ : ١٩٠ ، وأورده في كنز العمّال ١٢ : ١٢٨ ، ١٣ : ٦٧٢.

٣٥١
 &

ولقد ذكر العشرات من المستبصرين أنّه كان من أسباب استبصارهم الرؤى المناميّة الصادقة ، والتي كانت السبب المباشر في تحديد مستقبلهم وتصحيح اعتقاداتهم ومسارهم في هذه الحياة الفانية.

ولقد كان من أهمّ أسباب استبصارنا والدافع الرئيسيّ للبحث والتقصّي عن أهل البيت عليهم‌السلام وعن مظلومياتهم وعن حقّهم وأحقّيتهم برؤيا مناميّة رأيت فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يأمرنا بزيارة الإمام الحسين عليه‌السلام ، وكانت الرؤيا في بداية شهر محرم الحرام ، فبدأنا بالاستعداد لزيارة الحسين عليه‌السلام في يوم عاشوراء ، وقد كان عندنا معلومات عن أنّ ذلك اليوم هو ذكرى استشهاده عليه‌السلام ، ولكنّه لم يكن عندنا الاطّلاع الكافي إلا ما تعلّمناه وعرفناه من طرق أهل السنّة والجماعة ، مع ما قيل في ذلك اليوم من تحريفات ومغالطات ، بحيث أنّ يوم عاشوراء كان يعتبر في بلادنا عيداً يحتفل به ويوسّع فيه على العيال وهكذا.

ولكنّ الاستعدادات لذلك اليوم في هذه المرّة يجب أنْ تختلف ، حيث إنّ رسولنا ونبيّنا وحبيبنا محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي أمرنا ووجّهنا في تلك الرؤيا أنْ نزور الإمام الحسين عليه‌السلام ، فلمّا استيقظت من النوم ، بحثت عند أهل السنّة والجماعة على معنى الزيارة ، فلم أجد ، ثمّ توجهت للبحث فيما عند مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، بخصوص زيارة الحسين عليه‌السلام ، وما هي آداب يوم عاشوراء عندهم.

وبعد ساعات من البحث والتقصي صدمت من المفاجأة وبدأت بالبكاء الشديد ، ومن هول الصدمة لم أستطع أنْ أقف على قدمي ، وبقيت لا أستطيع الوقوف لعدّة ساعات مع البكاء الشديد ، دارت خلالها عقارب ساعة الزمن

٣٥٢
 &

إلى الوراء ، واستحضرت عشرات الرؤى المناميّة التي أكرمني الله تعالى بها في حياتي ، حيث كنت قد رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر من ثلاث مائة مرّة قبل تاريخ رؤيا الزيارة هذه ، وكذلك كنت قد رأيت جدّتي السيّدة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، والإمام عليّ ، والإمام الحسين سلام الله تعالى عليهم جميعاً ، وكذلك إمامنا المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

وإنّني أعتبرُ كلّ تلك الرؤى عناية من الله تعالى ، وفضل منه ، حيث كانت كلّها تتدرّج بنا من أجل الوصول لهذه الساعة الحاسمة والمصيريّة ، ولكن ولقلّة فهمنا وقصور معلوماتنا عن أهل البيت عليهم‌السلام ، كنّا نقيس بحسب مقاييس أهل السنّة والجماعة ، إلى أنْ تفضّل الله تعالى وبرعاية نبيّنا وأئمّتنا صلوات الله تعالى وسلامه عليهم جميعاً بأنْ هدانا ووجّهنا وصوّبنا حتّى وصلنا إلى حقيقة الإيمان وحقائقه.

ثمّ بعد أنْ هدأت النفس قليلاً ، دعوت زوجتي لرؤية ما قد ظهر من الحقّ والحقيقة ، فكانت بارك الله فيها ولها ، خير مستشار ، حيث كانت قد رأت أمير المؤمنين عليّاً عليه‌السلام جدّي وجدّها في المنام ، وأشار عليها في الرؤيا أنْ تتّبع الحقيقة التي سوف أكتشفها ، فكانت ببركة أمير المؤمنين عليه‌السلام استجابتها سريعة وبدون تردّد والحمد لله ربّ العالمين على ذلك ، وقلت في نفسي : أنّها إرادة الله تعالى أنْ نكتشف هذا الكنز العظيم والحقيقة المغيّبة.

وقد كنت قبل استبصاري على علاقة إيمانيّة وثيقة بعدد لا بأس به من الأخوة المؤمنين وكنّا قد تعاهدنا على سلوك طريق العلم والمعرفة والعرفان ، وكانت أمور هذه المجموعة المباركة مفوّضة إليّ ، وكنّا نحدّد أيّاماً نجتمع فيها معاً من أجل العلم ، وخصّصنا بعد عصر كلّ يوم جمعة للدعاء والتضرّع

٣٥٣
 &

إلى الله تعالى ، والصلاة على محمّد وآل محمّد.

فقمت على الفور بدعوة أحد الإخوة الأفاضل ، والذي كان دائماً من الباحثين عن الحقّ والحقيقة ، وكان من الأشخاص الذين حيثما رأوا الحقّ يتّبعه ويتمسّك به ، فكان بارك الله فيه من أوائل من شجّع على الإسراع في اتّباع الحقّ ، وضرورة تبليغ جميع الأخوة بما توصّلنا إليه من كشف عظيم وخطير لحقيقة أهل البيت عليهم‌السلام ، وحقّهم وأحقيّتهم ومظلومياتهم.

بعد ذلك قمت بدعوة الإخوة عندي في البيت ، وشرحت لهم ما قد تكشّف من حقائق كانت عنّا مغيّبة ، وشرحت لهم حقيقة عاشوراء ، يوم حادثة الطف ، وأضفت على الشرح التذكير بالرؤيا التي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأمرنا فيها بزيارة الحسين عليه‌السلام.

فتبيّن للجميع أنّها عناية الله تعالى أنّ تتحقّق رؤياي ، ونزور الإمام الحسين ، ونتعرّف على مظلوميّة الحسين وأهل البيت عليهم‌السلام. وبفضل الله تعالى ، وللثقة الكبيرة التي قد منحني إيّاها الأخوة ، فقد استجابوا كلّهم لنداءات العقل والقلب ، وتحوّلنا جميعاً إلى التعمّق في دراسة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وأخذنا على عاتقنا أنْ نضع كلّ الأمور قيد البحث ، وضرورة إقامة الدليل على كلّ مسألة تتعرّض لنا في عقائد وأحكام مذهب أهل البيت عليهم‌السلام من أدلّة وكتب أهل السنّة والجماعة ، وكذلك أخذنا في إعادة دراسة التاريخ للعصر الأوّل في الإسلام ، وفي وقت قصير ، ومن خلال الدراسة المكثّفة ، وبفضل الله تعالى الذي هيّأ لنا مواقع متعدّدة على شبكة المعلومات (الإنترنت) ، وبمساعدة وتوجيهات من بعض العلماء الأفاضل من الشيعة كنت قد اتصلت بهم ، منهم سماحة الشيخ أسد محمّد قصير بارك الله فيه وجزاه الله خيراً ، وسماحة الشيخ

٣٥٤
 &

علي الكوراني العاملي جزاه الله خيرا وبارك الله فيه وغيرهم من العلماء والذين ساعدونا في بيان الكثير من الإشكالات والمسائل ، واستفدنا كثيراً من الدروس العلمية والفقهية التي كانت المحطّات الفضائيّة تقدّمها للمشاهدين من خلالهم ، ومن غيرهم من العلماء الأفاضل.

وبعد كلّ تلك الأبحاث ، كنّا قد استبصرنا جميعاً ، إلا البعض الذين كانت قلوبهم غلف ، والذين بعد إقامة الحجّة والدليل على صدق وأحقيّة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، وبعد تبيان حقيقة الدنيا الفانية ، وإنّ العمل الأساسيّ فيها هو العمل بما أمر الله تعالى وبما يرضيه جلّ وعلا.

وبعد أنْ تظاهروا بالاستبصار كذباً وافتراءً ، حاولوا في البداية التشكيك والتنفير بين الإخوة ، ولمّا لم يفلحوا ، أظهروا العداوة والبغضاء ، فرفض ذلك البعض الحجّة وأصمّوا آذانهم وأعموا أبصارهم وحجبوا عقولهم وقلوبهم ولم يكتفوا بذلك ، بل بدأوا بمعاداتنا وتكفيرنا والتشهير بنا ، ومن كان منّا على صلة نسب معهم قطعوا تلك الصلة عنه بالتفريق بينه وبين زوجته ، ثمّ الطلاق ، وكذلك من كان على علاقة تجاريّة ومالية معهم (وأعنى نفسي هنا) سرقوا ماله ، وحرموه منه جهاراً نهاراً ، وجنّدوا الناس لمعاداتنا وبدأوا يتّهموننا ويتّهمون أعراضنا ويؤذوننا ويظلموننا ويلاحقوننا ، حتّى أنّ منهم من بلّغ الأجهزة الأمنيّة وخوّفهم منّا ، مع أنّنا لم نؤذِ أحداً ولم نتعرّض لأحد ولم نظلم أحداً ولم ننتهك عرض أحد ، ولكنّها على ما يبدو فاتورة الإيمان يجب أن تدفع.

وبحمد الله صبرنا وثبتنا ووفينا بعهدنا مع الله تعالى ومع رسوله والأئمّة المعصومين الطاهرين ، وتضرّعنا إلى الله تعالى أنْ يعوّض علينا بالخير والعافية

٣٥٥
 &

والسلامة والسعة في الدنيا والآخرة ، وتضرّعنا إليه أنْ يهلك أعداءنا وينتقم منهم في الدنيا قبل الآخرة. ثمّ تعمّقنا في البحث والدراسة أكثر فأكثر ، وتعرّفنا على أئمّتنا سلام الله تعالى عليهم وها نحن قد ازداد عددنا من حيث النوعيّة والكمّ بفضل الله تعالى ، وببركة رؤيا الرسول محمّد والأئمّة عليهم الصلاة والسلام.

وهكذا كانت الرؤيا المناميّة دافعاً قويّاً وسبباً أساسيّاً في اكتشاف الإيمان وحقيقته ، وحقه وأحقّيته ، ولا يمكن في هذا البحث الموضوعيّ أنْ أفصّل عن كلّ الرؤى التي رأيتها أو رآها إخواننا المؤمنين المستبصرين ، ولعلّنا نفرد لها كتابا خاصّاً لذلك في يوم من الأيّام ، ولكنّ المهمّ أنّ الرؤيا التي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يأمرني وإخواني فيها بزيارة الحسين عليه‌السلام ، كانت تجسيداً للحديث المشهور عن النبيّ والأئمّة عليهم‌السلام الذي يقول : أحيوا أمرنا ، ... فرحم الله من أحيا أمرنا (١). فاستجبنا لله ولرسوله ، وأحيينا أمرهم في نفوسنا ونفوس إخواننا ، ونسأله جلّ وعلا أن يجعلنا ممّن استجابوا لله ولرسوله.

قال جلّ وعلا في سورة الأنفال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (٢).

وأدعوه تعالى وأتضرع إليه بقوله تعالى في سورة آل عمران : ( رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) (٣).

__________________

(١) قرب الإسناد : ٣٦.

(٢) الأنفال : ٢٤.

(٣) آل عمران : ١٩٣.

٣٥٦
 &

٤ ـ نداء الحقيقة بصحة ما عليه الشيعة من أدلّة خصومهم :

من الطبيعيّ جدّاً أنّه في حال وجود خلاف بين شخصين أو جماعتين أنْ يدعم كلّ طرف موقفه بإقامة الأدلّة على قوّة موقفه ، وذلك من خلال أدلّته التي يقرّها ويعترف بها ، ولذلك لو ناقشت أيّ طرف بمسألة ما ، فإنّه سيقول لك دليلي على صحّة ما أقول من عندي كذا وكذا ، ولكنّ الشيء المتميّز عند شيعة أهل البيت عليهم‌السلام هو وجود ركيزتين أساسيّتين على صدق وأحقيّة مذهبهم.

الأولى : أنّهم يأخذون أحكامهم من النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق أهل البيت عليهم‌السلام ، أي من طريق الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام والإمامين الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ومن الأئمّة المعصومين الطاهرين من أهل البيت.

وهذا المصدر غير مشكوك في ثبوته وقطعيّته عند كلّ طوائف المسلمين ، فأهل البيت عليهم‌السلام هم سفينة النجاة ، وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وهم الذين من اتّبعهم فقد نجا ومن تخلّف عنهم هلك ، وهم الصراط المستقيم ، وحبل الله المتين ، وهم وصيّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والضمانة الأكيدة لمن اتّبعهم بأنّه لن يضلّ أبداً بحيث لم يثبت أنّ كلّ تلك الصفات والميزات التي حباهم الله تعالى بها كانت لغيرهم من المسلمين ، فكانت هذه الركيزة من المميّزات الهامّة جدّاً والتي يجب أنْ تلفت نظر الباحث عن الحقيقة في كلّ زمان ومكان.

وقد استوفيت البحث في حقيقة أهل البيت عليهم‌السلام وحقّهم وأحقّيتهم ، وصفاتهم ومميزاتهم وما أوصى الله تعالى ورسوله فيهم وفي حقوقهم في عدّة أبحاث سابقة ، منها : كتابنا سبيل المستبصرين ، وكتاب محوريّة حديث الثقلين ،

٣٥٧
 &

وبالمناسبة فقد كانت كلّ الأدلّة التي تدلّ على أهل البيت عليهم‌السلام من كتب ومراجع أهل السنّة والجماعة التي أقرّوها واعترفوا بصحّتها.

وسوف أجمل في نهاية الكتاب عدداً من الآيات والأحاديث والتي تتعلّق بأهل البيت وفضلهم وأفضليّتهم عليهم الصلاة والسلام.

الثانية : أنّ ما يشمله مذهب أهل البيت عليهم‌السلام من عقائد وأحكام تتوافر الأدلّة الشرعيّة على ثبوتها ومصداقيّتها من كتب أهل السنّة والجماعة ، والتي اتّفق أولئك على اعتبارها.

فإنّ القيام بتدعيم عقائدك وأحكامك الشرعيّة من أدلّة الخصوم هو الأمر الملفت والمثير لكلّ باحث عن الحقيقة ، إذ المتعارف أنْ يأتي كلّ طرف بأدلّته من عنده ، بينما في هذه الحالة يستطيع الباحث أنْ يأتي بالأدلّة ويثبت عقائد وأحكام الشيعة الإماميّة ليس من عندهم فقط ، بل ويعززها ويقوّيها من أدلّة الخصوم أنفسهم وبشكل واضح وكثيف ، فبالإضافة إلى ما عندهم من أدلّة واضحة وكافية ، ومن أجل أن تظهر الحجّة البالغة ، فإنّ كتب أهل السنّة ممتلئة بالشواهد والبراهين على أنّ الشيعة يتّبعون الحقّ في كليّات المذهب وجزئياته.

ولذلك فإنّ توّفر الأدلّة الشرعية الصحيحة والقويّة من عند الطرف المخصوم وأنْ يضيف عليها أيضاً وبشكل واضح جليّ أدلّة من عند الخصوم ، هو دليل واضح قويّ على أنْ مذهب أهل البيت عليه‌السلام هو الحقّ من ربّهم ، وهو الأحقّ بالاتّباع والتسليم.

فهذه الركيزة الواضحة البيّنة هي التي تتسلّط الأضواء عليها عند المستبصر ، وكفى بها شاهداً قويّاً لتنير قلب المؤمن وتطمئنه بأنه على خطى الحق سائر مع الحق وعلى الصراط المستقيم.

٣٥٨
 &

كما أنّه وبالتجربة المشاهدة أنّك عند مناقشة أيّ شخص من أهل السنّة ، فإنّه لا يطلب أدلّة من عند أهل البيت عليهم‌السلام (وهذا أمر نتأسّف عليه كثيراً) بل إنّه يطلب ممّا عندهم ، أي من مفسّريهم ، ومن البخاري ومسلم وغيرها من صحاحهم ومسانيدهم.

ولذلك كان المستبصر دائماً قويّ الحجّة والبرهان لنفسه ولغيره ، لكثرة اطّلاعه على ما عند القوم من مسائل وأدلّة ، ممّا يعزّز الإيمان عنده ، وكذلك عند من يقرّ بالحقّ ويعترف به ويستسلم أمامه.

لقد كانت تجربتنا خصبة ومثمرة في هذا الباب فلقد كان من أكثر أسباب استبصار المؤمنين وتحوّلهم إلى المذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، واعتناقهم لعقائده وأحكامه من خلال كتب أهل السنّة والجماعة فقط ، وقبل الرجوع إلى أدلّة أهل البيت وأحاديثهم ، وهذا أعتبره من الأعاجيب العقلية النادرة في هذا الوجود.

ولقد كان من أهمّ المصادر التي تحتوي على مضمون موضوعنا كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين ، الذي أقام عشرات الأدلّة والبراهين من القرآن الكريم ، ومن صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة على حقيقة ما عند الشيعة ، ومن خلال حواريّة رائعة مع الشيخ سليم البشري ، والتي أدّت في نهايتها إلى استبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت عليهم‌السلام.

وعلى ذلك فإنّني في هذا الباب سأحاول أن أتعرّض لبعض العقائد والأحكام البارزة في مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، والتي تعتبر علامة بارزة عند الناس على التشيّع ، مستعرضاً لها باختصار ، ومظهراً للأدلّة على إثباتها من القرآن الكريم ومن أدلّة أهل السنّة ، وبشكل ميسّر ومن دون الخوض في تفاصيل مملّة للقارئ ، ولكنّ الغرض الذي أرجوه هو إثبات أنّ كلّ أصل أو

٣٥٩
 &

فرع عند الشيعة الإماميّة موجود ومعترف به عند أهل السنّة ، ومهما حاول البعض الطعن في مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، فإنّ الحجّة لا زالت قائمة على افتراء الطاعنين الذين أدّى بهم الحقد على أهل البيت أنْ أعادوا طباعة بعض مصادر أهل السنّة ، وحذفوا في الطبعات الجديدة كثيراً من الروايات التي تثبت حقيقة أهل البيت وأحقّيتهم وفضلهم وفضائلهم ، ولكن يأبى الله إلا أنْ يتم نوره ولو كره المبغضون والمنافقون.

التوحيد :

يشهد الشيعة الإماميّة أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله ، ويشهدون بها أمام القاصي والداني ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكفّر حاقد ، فهم مسلمون مؤمنون بالله تعالى وبوحدانيّته ، وهذا الاعتقاد بالقول والفعل يضعهم في دائرة أنّهم مسلمون لا يجوز لأحد أنْ يطعن في إسلامهم وإيمانهم ، فمن يحكم بغير إسلامهم فقد خرج هو من دائرة الإسلام.

إنّ ما يجري اليوم ضدّ الشيعة ، أتباع أهل البيت عليهم‌السلام من تكفير وقتل وتشريد ، هو خروج عن كلّ المفاهيم التي تضمّنتها الآيات القرآنيّة الشريفة ، وهو أيضاً خروج عن الأدلّة من الأحاديث الشريفة التي أجمعوا على صحّتها ، وهذا يدلّل على أنّ أولئك المكفّرين ليس لهم دين ، وكلّ ما يستندون إليه من مبرّرات ناجم عن الحقد والبغض والضغائن ، وناجم أيضاً عن اتّباع الشيطان وعبادته ، وهذا ليس غريباً على أولئك الحمقى ، فبالأمس خرجوا على إمامهم عليّ بن أبي طالب وحكموا عليه بالكفر وقتلوه.

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الأدب ، عن أبي هريرة وابن عمر : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : إذا قال الرجل لأخيه يا كافر ، فقد باء به أحدهما. ورواه

٣٦٠