نهج المستنير وعصمة المستجير

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني

نهج المستنير وعصمة المستجير

المؤلف:

الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مركز الأبحاث العقائدية
المطبعة: ستاره
الطبعة: ١
ISBN: 978-600-5213-42-3
الصفحات: ٤٩٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : انّ الله لعن الخمر ، ولعن غارسها ، ولعن شاربها ، ولعن عاصرها ، ولعن مؤويها ، ولعن مديرها ، ولعن ساقيها ، ولعن حاملها ، ولعن آكل ثمنها ، ولعن بائعها (١).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي قال : لعن المغنّي والمغنّى له (٢).

وقال السيوطي في الدر المنثور قال : أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن خفّاف ابن إيماء بن رحضة الغفاري قال : صلّى بنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الفجر ، فلمّا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال : لعن الله لحيانا ورعلاً وذكوان وعصيّة عصت الله ورسوله أسلم سالمها الله ، غفّار غفر الله لها ، ثمّ خرّ ساجداً ، فلمّا قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال : أيّها الناس إنّي لست قلت هذا ، ولكنّ الله قاله (٣).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (٤).

كما ولعن كثير من الأنبياء والرسل أقوامهم ، أو قسماً من أقوامهم ، ودعوا عليهم ، وكان أنْ أقرّ الله لهم ذلك ، بل واستجاب دعوتهم وأقرّ لعنهم.

قال تعالى في سورة نوح : ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ) (٥).

__________________

(١) المصدر نفسه ٢ : ٣٢٢.

(٢) المصدر نفسه ٥ : ١٥٩.

(٣) المصدر نفسه ٦ : ٤٢٢.

(٤) الأحزاب : ٥٧.

(٥) نوح : ٢٤.

٢٤١
 &

وقال تعالى في سورة نوح : ( رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ) (١).

وقال تعالى في سورة نوح : ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) (٢).

وقال تعالى في سورة المائدة : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ) (٣).

من كلّ ما سبق يتبّين أنّ اللعن والدعاء على الأعداء والظالمين والمجرمين وغيرهم هو حكم شرعي مارسه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوحي من ربّه وبأمر منه ، فكلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحيّ وهو لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى.

وقد مارس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللعن على أشخاص معيّنين ، وعلى أفعال معيّنة وصفات معيّنة وأماكن معينة ، كما مارس ذلك من سبقه من الأنبياء والرسل.

كما وأمر الله المسلمين أنْ يلعنوا أناساً معيّنين وأشياء معيّنة وصفات وأفعال أيضاً.

وهذا هو جوهر الموضوع ، وهو سبب الإشكال الرئيسيّ الذي أوجد الحيرة والخلاف في موضوع اللعن والدعاء ، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن أقواما بعينهم كما مرّ في حديث سابق ، وكذلك لعن أشخاصا بعينهم ودعا عليهم ، وحذّر منهم كما سيأتي ، ومن بين أولئك الملعونين من صار خليفة وحاكماً أو والياً متنفذا في الدولة الإسلاميّة ، وبعد أنْ رسخ مفهوم اللعن عليهم أمام كلّ المسلمين ، وصار لا يمكن الهروب من تلك اللعنات أمام الناس ، فكان من الضرورات

__________________

(١) نوح : ٢٨.

(٢) نوح : ٢٦.

(٣) المائدة : ٧٨.

٢٤٢
 &

القصوى أنْ تدخّلت دوائر وأجهزة وضع الحديث والافتراء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقامت تلك الأجهزة بوضع حدّ لتلك اللعنات وتبريرها ، بل إنّهم استطاعوا أنْ يجعلوا منها فضيلة للملعونين بأمر الله تعالى وعلى لسان رسوله الكريم ، بل والأخطر من ذلك أنّهم وفي مجال تبرير تلك اللعنات افتروا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكالوا عليه التهم والنقائص ، وجعلوا منه سبّاباً وشتّاما ولعّاناً وطعّانا بسبب وبدون سبب ، ووصفوه ببذاءة اللسان في أكثر من رواية ، وجعلوه في رواياتهم يعترف بذلك كما سيأتي في الروايات ، وإنّه يتهجّم على الناس وعلى عوراتهم ويؤذيهم.

وبالمقابل أغدقوا على الملعونين الفضائل والمناقب ، وسوف يتوضح لكلّ منصف صاحب عقل سوي من خلال توضيحنا لبعض الروايات ، كيف استطاعوا تحويل المسألة عن مسارها الحقيقي وقلبوها لتظهر أمام الناس كما أرادوا.

قال السيوطي أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد : اللهمّ العن أبا سفيان ، اللهمّ العن الحرث بن هشام ، اللهمّ العن سهيل بن عمر ، واللهم العن صفوان بن أميّة. فنزلت هذه الآية : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (١) فتيب عليهم كلّهم (٢).

وقال السيوطي في الدر المنثور : أخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن ابن عمر أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال : اللهم العن فلانا وفلانا ناسا من المنافقين دعا عليهم ، فأنزل الله : ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) الآية (٣).

__________________

(١) آل عمران : ١٢٨.

(٢) الدر المنثور ٢ : ٧١.

(٣) المصدر نفسه ٢ : ٧١.

٢٤٣
 &

ولنقف قليلا عند هذه الروايات لنستوضح أمرها ، فالروايات فيها أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن أشخاصا معيّنين ، وقد ذكرت الروايات أسماءهم ، وفي بعض الروايات ومن أجل التغطية على بعض الملعونين قالت الروايات فلاناً وفلانا.

ومن المؤكّد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يلعن هؤلاء إلا بأمر من الوحي ، إذ لا يمكن أنْ يقوم رسول الله بذلك بسب هوى أو شهوة ، فهو رسول ربّ العالمين ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى والواجب علينا تصديقه واتباعه.

ولذلك كان لعن أولئك لعناً شرعيّاً موافقا لأمر الله تعالى والضوابط الشرعيّة ، فهل من المعقول بعد ذلك أن يعاتب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعاقب لأنّه وافق أمر ربّه عزّ وجلّ ، واتّبع هداه ولم يخالفه ؟.

طبعا لا يمكن ذلك ، وعليه فإنّ أمر المعاتبة هو قطعاً من وضع الوضّاعين المفترين على الله تعالى ورسوله دفاعاً عن القوم المشركين والمنافقين.

ثمّ إنّ الآية التي استشهدوا بها على تأنيب الله تعالى لرسوله الكريم بسبب لعنه للمنافقين والمشركين ليست كما يدعون ، فلقلة فهمهم ولسوء نظرهم فإنّ الآية هي محل تأكيد وتأييد من الله تعالى على لعن المشركين والمنافقين والدعاء عليهم.

ففي آخر الآية يؤكّد الله تعالى أنّ الملعونين هم من الظالمين وذلك عندما تقول الآية : ( فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ).

وفي آيات أخرى يقول الله تعالى مؤكّداً على ضرورة لعن الظالمين ووضع حدّ لظلمهم ، فيقول تعالى في سورة البقرة : ( فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١).

__________________

(١) البقرة : ١٩٣.

٢٤٤
 &

ويقول تعالى في سورة الأعراف : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١).

ويقول تعالى في سورة هود : ( أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٢).

فالقرآن الكريم يؤكّد في هذه الآيات أنّ اللعن من الله تعالى على الظالمين من أوسع أبوابه.

وأمّا الآية التي استشهدوا بها فإنّها تقرّر أنّ أولئك ظالمون ، وبالتالي فإنّهم يستحقون اللعن بحسب كلام الله تعالى وأوامره وضوابطه الشرعيّة ، ولم يخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تلك الضوابط ، بل إنّ الله تعالى يؤكّد له بشكل واضح أنّهم ظالمون ، أي ملعونون.

وعبارة ليس لك من الأمر شيء ، أي أنّ أمر أولئك ليس لك يا محمّد ، بل إنّه لله تعالى الذي أعدّ لهم في علمه وقضائه ما أعدّ ، فكأنّه يقول له : اترك أمرهم لي واطمئن ، فإنّني إنْ تركتهم لفترة من الوقت أو عذبتهم مباشرة فإنّني أؤكّد لك يا محمّد أنّهم ظالمون ، والظالمون ملعونون ، وسوف يعاقبون على ظلمهم لك في الدنيا والآخرة.

هذا بالنسبة للآية إذا كان سبب نزولها مختصّاً بالحادثة التي ذكرنا ، وقد بيّنّا أنّه لم يكن هناك عتاب أو اعتراض على لعن رسول الله ودعائه عليهم ، وإنّما كان في الآية تأكيد واضح وتأييد صريح لما فعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وأمّا في روايات أهل البيت عليهم‌السلام ، فإنّ هناك سبب آخر لنزول الآية وهو ما سيبّينه الحديث الآتي.

فقد روي في مصادر أهل البيت عليهم‌السلام عن الإمام محمّد الباقر عليه‌السلام : أنّه

__________________

(١) الأعراف : ٤٤.

(٢) هود : ١٨.

٢٤٥
 &

قرئ عنده ليس لك من الأمر شيء ، قال : بلى ، والله إنّ له من الأمر شيئاً وشيئاً وشيئاً ، وليس حيث ذهبت ، ولكنّي أخبرك أنّ الله تعالى لمّا أخبر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنْ يظهر ولاية عليّ ، ففكّر في عداوة قومه له فيما فضّله الله به عليهم في جميع خصاله وحسدهم له عليها ، ضاق عن ذلك ، فأخبر الله أنّه ليس له من هذا الأمر شيء ، إنّما الأمر فيه إلى الله أنْ يصيّر عليّاً عليه‌السلام وصيّه وولي الأمر بعده ، وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوّض الله إليه أنْ جعل ما أحلّ فهو حلال وما حرّم فهو حرام وقوله : ( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١).

وعن الإمام الباقر عليه‌السلام أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حريصا على أن يكون علي عليه‌السلام من بعده على الناس ، وكان عند الله خلاف ما أراد فقال له : ليس لك من الأمر شيء يا محمّد في عليّ ، الأمر إليّ في عليّ وفي غيره ، ألم أنزل عليك يا محمّد فيما أنزل من كتابي إليك : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ) (٢) ... الآيات ، قال ففوض رسول الله الأمر إليه (٣).

وعليه فقد كان ذلك تفنيداً لأحد أدلّتهم غير المنطقيّة التي حاولوا فيها تحريف معنى اللعن عن مساره ، وتحويل الأنظار إلى عتاب الله تعالى لرسوله بدلاً من التركيز على الملعونين.

وأمّا فيما سيأتي ، فإنّ الكذب والافتراء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكبر وأفظع ، فكما سوف ترى فإنّهم استطاعوا أنْ يحوّلوا اللعن إلى فضائل ، وستجد في بعض صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة تحت باب فضائل معاوية بن أبي سفيان أحاديث كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعنه فيها ويدعو عليه بدعائه المشهور

__________________

(١) الحشر : ٧.

(٢) العنكبوت : ١ ـ ٢.

(٣) التفسير الصافي ١ : ٣٧٩.

٢٤٦
 &

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم « لا أشبع الله بطنه » (١) ـ أي معاوية ـ وهذه هي الفضيلة الوحيدة لمعاوية عند مسلم. وإليك بعضاً من روايات تحويل اللعن والدعاء إلى فضائل.

روى البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة أنّه سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : « اللهم فأيما مؤمن سببته ، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة » (٢).

وروى مسلم في صحيحه ، عن عائشة قالت : دخل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلان. فكلّمهما بشيء لا أدري ما هو ، فأغضباه ، فلعنهما وسبّهما ، فلمّا خرجا ، قلت : يا رسول الله ! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هذان ، قال : وما ذاك. قالت قلت : لعنتهما وسببتهما. قال : أو ما علمت ما شارطت عليه ربّي ؟. قلت : اللهمّ ! إنّما أنا بشر فأيّ المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً (٣).

وروى مسلم في صحيحه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اللهمّ إنّما أنا بشر ، فأيّما رجل من المسلمين سببته ، أو لعنته ، أو جلدته. فاجعلها له زكاة ورحمة (٤).

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : اللهمّ إنّما محمّد بشر ، يغضب كما يغضب البشر ، وإنّي قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، فأيّما مؤمن آذيته ، أو سببته ، أو جلدته. فاجعلها له كفّارة ، وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة (٥).

وروى مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس قال : كنت ألعب مع الصبيان ، فجاء

__________________

(١) صحيح مسلم ٨ : ٣٧ ، وأنظر سير أعلام النبلاء ٣ : ١٢٣ ـ ١٢٤.

(٢) صحيح البخاري ٧ : ١٥٧

(٣) صحيح مسلم ٨ : ٢٤.

(٤) صحيح مسلم ٨ : ٢٥.

(٥) صحيح مسلم ٨ : ٢٦.

٢٤٧
 &

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتواريت خلف باب ، قال فجاء فحطأني حطأة ، وقال : اذهب وادع لي معاوية. قال فجئت ، فقلت : هو يأكل. قال : ثمّ قال لي : اذهب فادع لي معاوية. قال فجئت ، فقلت : هو يأكل. فقال : لا أشبع الله بطنه (١).

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية قال : روى الإمام أحمد ، ومسلم ، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس. قال : كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جاء فقلت : ما جاء إلا إليّ ، فاختبأت على باب ، فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين ، ثمّ قال : اذهب فادع لي معاوية قال : فذهبت فدعوته له ، فقيل : إنّه يأكل. فأتيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : إنه يأكل. فقال : اذهب فادعه ، فأتيته الثانية فقيل : إنّه يأكل فأخبرته. فقال في الثالثة : لا أشبع الله بطنه. قال : فما شبع بعدها.

يقول ابن كثير : وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه.

أمّا في دنياه : فإنه لما صار إلى الشام أميراً ، كان يأكل في اليوم سبع مرات ، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ، ويقول : والله ما أشبع وإنّما أعيا ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك.

وأمّا في الآخرة : فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه ، عن جماعة من الصحابة ، أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : اللهمّ إنّما أنّا بشر فأيّما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه ، وليس لذلك أهلاً ، فاجعل ذلك كفّارةً وقربة تقرّبه بها عندك يوم القيامة (٢).

فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك.

__________________

(١) صحيح مسلم ٨ : ٢٧.

(٢) البداية والنهاية ٨ : ١٢٧ ـ ١٢٨.

٢٤٨
 &

ورواية ابن كثير هذه تصديق لما أوضحته في بداية البحث ، ولاحظ كيف صارت المثلبة منقبة وفضيلة لمعاوية ، فهكذا يفعل علماء السلاطين دوماً ، يقلبون الحقّ باطلا والباطل حقّاً.

روى البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والمسانيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « المؤمن يأكل في معي واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » (١).

وروى أيضا أحمد ومسلم وغيرهم كثير عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : المؤمن يشرب في معيّ واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء (٢).

وتقدّم ما رويّ عن عائشة أنّها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ستة لعنتهم وكلّ نبي مجاب ، الزائد في كتاب الله ، والمكذّب بقدر الله ، والمتسلّط بالجبروت ليذلّ من أعزّ الله ويعزّ من أذلّ الله ، والتارك لسنّتي ، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله عليه ، والمستحلّ لحرم الله » (٣).

وقد ذكر أغلب المفسّرين والمحدّثين في تفسير الشجرة الملعونة في القرآن أنّها بني أميّة وبني الحكم.

فقد قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير ، عن سهل بن سعد ، قال : رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بني فلان (بني أميّة والحكم) ينزون على منبره نزو القردة ، فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكا حتّى مات ، وأنزل الله : ( وَمَا جَعَلْنَا

__________________

(١) صحيح البخاري ٦ : ٢٠٠ ، ٢٠١ ، صحيح مسلم ٦ : ١٣٢ ، مسند أحمد ٦ : ٣٣٥ ، صحيح ابن حبّان ١ : ٣٧٨.

(٢) مسند أحمد ٢ : ٣٧٥ ، ٤ : ٣٣٦ ، ٥ : ٣٧٠ ، صحيح مسلم ٦ : ١٣٣.

(٣) صحيح ابن حبّان ١٣ : ٦٠ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ٣٦ ، ٢ : ٥٢٥ ، ٤ : ٩٠ وأنظر الدرّ المنثور ١ : ١٢٢.

٢٤٩
 &

الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (١).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة ، وأنزل الله في ذلك : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) (٢) يعني الحكم وولده (٣).

وقال أيضاً قال : أخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرّة عن عليّ رضي ‌الله ‌ عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أريت بني أمية على منابر الأرض ، وسيتملكونكم ، فتجدونهم أرباب سوء ، واهتمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لذلك ، فأنزل الله : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (٤).

وأخرج ابن مردويه ، عن الحسين بن عليّ رضي‌ الله ‌عنهما أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصبح وهو مهموم ، فقيل : مالك يا رسول الله ؟ فقال : إنّي رأيت في المنام كأنّ بني أميّة يتعاورون منبري هذا ، فقيل : يا رسول الله ، لا تهتم فإنّها دنيا تنالهم. فأنزل الله : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ) (٥).

وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة رضي ‌الله ‌عنها أنّها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لأبيك وجدك : إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن (٦).

وروى الطبراني والحاكم وغيرهم كثير عن علي بن أبي طالب قال في قوله

__________________

(١) الإسراء : ٦٠ ، وتكملة الآية : (والشجرة الملعونة في القرآن ... ).

(٢) الإسراء : ٦٠.

(٣) الدرّ المنثور ٤ : ١٩١.

(٤) الدر المنثور ٤ : ١٩١.

(٥) الدر المنثور ٤ : ١٩١.

(٦) الدرّ المنثور ٤ : ١٩١.

٢٥٠
 &

تعالى : ( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) الآية. قال : نزلت في الأفجرين من قريش ، بني مخزوم وبني أمية فقطع الله دابرهم يوم بدر ، وأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين (١).

وروى في كنز العمال عن قيس بن أبي حازم قال : سمعت عليّ بن أبي طالب على منبر الكوفة يقول : ألا لعن الله الأفجرين من قريش : بني أميّة ، وبني مغيرة ؛ أمّا بنو مغيرة فقد أهلكهم الله بالسيف يوم بدر ، وأمّا بنو أميّة فهيهات هيهات ! أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! لو كان الملك من وراء الجبال ليثبوا عليه حتّى يصلوا (٢).

وروى الطبراني بسنده عن عبدالملك بن الصباح المسمعي عمران بن حدير أظنّه عن أبي مجلز قال : قال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة لمعاوية : إنّ الحسن بن عليّ عييّ ، وإنّ له كلاماً ورأياً ، وإنّه قد علمنا كلامه ، فيتكّلم كلاماً فلا يجد كلاما ، فقال : لا تفعلوا ، فأبوا عليه ، فصعد عمرو المنبر فذكر عليّاً ووقع فيه ، ثمّ صعد المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ وقع في عليّ بن أبي طالب رضي ‌الله ‌عنه ، ثمّ قيل للحسن بن عليّ : اصعد ، فقال : لا أصعد ولا أتكلّم حتّى تعطوني إنْ قلت حقّاً أن تصدقوني ، وإنْ قلت باطلا أنْ تكذبوني ، فأعطوه ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، فقال : بالله يا عمرو وأنت يا مغيرة ، أتعلمان أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لعن الله السائق والراكب ، أحدهما فلان (معاوية) ؟ قالا : اللهمّ نعم ، بلى ، قال : أنشدك بالله يا معاوية ويا مغيرة ،

__________________

(١) المعجم الأوسط ١ : ٢٣٧ ، ونحوه في المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٥٢ وفيه : هما الأفجران من قريش ، بنوا أميّة وبنو المغيرة ... وأنظر تفسير الطبري ١٣ : ٢٨٧ ، الدر المنثور ٤ : ٨٤ ، وفيهما أيضاً : الأفجران.

(٢) كنز العمال ١١ : ٣٦٣ ، وأنظر للرواية في تاريخ دمشق ٥٢ : ٣١٤.

٢٥١
 &

أتعلمان أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن عمرا بكل قافية قالها لعنة ؟ قالا : اللهمّ بلى ، قال : أنشدك بالله يا عمرو وأنت يا معاوية بن أبي سفيان أتعلمان أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن قوم هذا ؟ قالا : بلى ، قال الحسن : فإنّي أحمد الله الذي وقعتم فيمن تبرّأ من هذا (١).

وروى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن الزبير : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن الحكم وولده (٢) (مروان بن الحكم).

وروى أحمد بسنده عن الشعبي قال : سمعت ابن الزبير وهو مستند إلى الكعبة وهو يقول : وربّ هذه الكعبة ، لقد لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلانا وما ولد من صلبه (٣) (الحكم وولده مروان).

وروى الطبراني وغيره من المحدّثين أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا على معاوية وعمرو بن العاص وقال : « اللهمّ اركسهما في الفتنة ركساً ، ودُعَّهما الى النار دعّاً » (٤).

بعد كلّ ما ذكرنا ، فإنّه يتّضح للقاصي والداني أنّ رسول الله لعن أولئك ، وسمع المسلمون ذلك ، ولكنّ الملعونين وعندما استلموا زمام الأمور في الدولة الإسلاميّة استطاعوا أنْ يبدّلوا الحقائق ويقلبوا الأمور ، بل إنّهم أيضاً ألصقوا التهم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجعلوه فحّاشاً بذيئا ، يضرب ويجلد ويسبّ ويشتم ويلعن من دون سبب ، فإذا رسخت هذه الفكرة في أذهان الناس ، كان من يستمع إلى أيّة رواية فيها لعن على أولئك قال الناس : ربّما كان رسول الله

__________________

(١) المعجم الكبير ٣ : ٧٢ ، وعنه في مجمع الزوائد ٧ : ٢٤٧.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٤ : ٤٨١.

(٣) مسند أحمد ٤ : ٥ ، وأنظر مجمع الزوائد ٥ : ٢٤١.

(٤) المعجم الكبير ١١ : ٣٢ ، وأنظر مسند أحمد ٤ : ٤٢١ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٨ : ٦٩٥.

٢٥٢
 &

غضباناً أو لعن من لا يستحقّ اللعن ، ثمّ إنّ اللعن والأذى من رسول الله طهارة وزكاة للملعون ومنقبة وفضيلة له ، هكذا ينظر أهل السنة والجماعة لموضوع اللعن ، وقد ذكرنا ما يمكن أنْ ندافع به عن رسول الله محمّد سيّد الأولين والآخرين وحبيب ربّ العالمين والحمد لله.

خلاصة نداءات القلب والعقل لإعادة دراسة التاريخ :

وهكذا أخي المؤمن الكريم. ذكرت بعض المواقف من خلال الحديث والروايات المتوفّرة في صحاح ومسانيد أهل السنّة والجماعة ، ومن أراد المزيد فليراجع كتابنا سبيل المستبصرين ، حتّى لا نطيل البحث ونخرج عن المقصود ، وكان ما ذكرنا هو نداء القلب والعقل للنظر والتدقيق في التاريخ.

والنتيجة التي توصّلنا إليها من التاريخ وكتبه ، ومن الصحاح والسنن ، ومن الواقع الموجود ، أنّهم جعلوا من رسول الله شخصيّة عاديّة ، بل إنّهم لم ينزّلوه بالمنزلة التي أنزله الله تعالى فيها ، وإنّهم ألصقوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرات التهم التي لا تليق بمنزلة الرسالة ومقامها ، وإنّهم تركوا متابعته والاقتداء بهديه ، مقابل ذلك فرضوا على المسلمين شخصيّات تاريخيّة وضربوا عليهم هالة من القدسيّة وجعلوهم أئمّتهم وقدوتهم مع أنّهم ليسوا من أهل الفضل ، ولا من أهل الفضائل ، بل إنّهم في الحقيقة تطاولوا على مقام الربوبيّة وحاربوا إرادة الله تعالى ولعبوا في كثير من القضايا وغيّروا وبدّلوا حتّى وصلوا إلى التجسيم والتشبيه وغير ذلك ممّا لا يجوز أنْ يتجرّأ عليه العباد.

وهكذا كنّا نطرح الأسئلة ، والتي اقتضتها مطالعتنا للتاريخ وللحديث ، ومع مراعاتنا للشروط التي شرطناها على أنفسنا عند مطالعة تلك المواقف والأحداث ، فإنّ النداءات لدراسة التاريخ ومواقفه ، كانت سبباً وبتوفيق من الله

٢٥٣
 &

تعالى للوصول إلى حقائق الإيمان ، واكتشاف خلل كبير جدّاً نجم عنه ضلال وفساد ، وكان السبب الرئيسيّ هو تغييب أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام عن ممارسة دورهم الذي أراده الله لهم في توضيح الصراط المستقيم ومعالم الدين العظيم ، وهذا ما أدّى بالمستبصرين في رحلة استكشافهم الحقيقة إلى أن يصلوا إلى مفهوم صحيح لمجموعة كبيرة من الأحاديث النبويّة الشريفة والتي تتعلّق بأهل البيت عليهم‌السلام وفضلهم وفضائلهم ودورهم الرئيسيّ في الحياة ، وهو ما أوصل أيضاً لفهم حديث الثقلين بشكل صحيح ، والذي اكتشفنا من خلاله سبب وجود الضلال والفساد عند الأمّة ، وذلك عندما أقصت الأمّة دور أهل البيت عليهم‌السلام وغيّبت دورهم في كلّ نواحي الحياة ، بعد أنْ رفضت الأمّة الضمانة الأكيدة للهداية واجتناب الضلال عندما يقول الرسول في حديث الثقلين : ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي (١).

فلا يمكن أنْ يكون توحيد لله تعالى بدون معرفة الله ولا يمكن أنْ نفهم الرسالة إلا بمعرفة نبيّنا ورسولنا حقّ المعرفة ، ولا يمكن أن نعرف معالم ديننا وتفاصيله إلا بمعرفة أئمّتنا ، وإلا ضللنا عن الحقّ والحقيقة ، ولذلك علمنا أئمّتنا عليهم‌السلام هذه الحقيقة عندما وجّهنا الإمام الصادق إلى أنْ ندعوا في الغيبة بهذا الدعاء : « اللهمّ عرّفني نفسك ، فإنّك إنْ لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك ، اللهمّ عرّفني رسولك ، فإنّك إنْ لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك ، اللهمّ عرّفني حجّتك. فإنّك إنْ لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني » (٢).

__________________

(١) أنظر حديث الثقلين في : مسند أحمد ٣ : ٥٩ ، سنن أبي داود ١ : ٤٢٧ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٢٨ ، ٣٢٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٠ وغيرها كثير جداً.

(٢) الكافي ١ :٣٣٧.

٢٥٤
 &

٢ ـ النداءات لمعاينة واقع المؤمنين في العالم

تحدّثنا في الفصل السابق عن النداءات القلبيّة والعقليّة لإعادة دراسة التاريخ ، وفي هذا الفصل نتحدّث عن نوع آخر من النداءات القلبيّة والعقليّة التي طالما صرخت على المؤمن المستبصر من داخله ، تدعوه للبحث والتقصّي عن الحقيقة المغيّبة ، حقيقة الإيمان وحقائقه ، وعن واقع المؤمنين الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، وخصوصاً في أيّامنا هذه ، والتي ظهرت فيها عوامل مساعدة كثيرة لمن يريد المعرفة والبحث عن الحقيقة المغيّبة واكتشاف حقيقة الإيمان والمؤمنين.

وكان من أهمّ تلك العوامل هو ولادة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ، ولقد كان ذلك الحدث على أهميّة عالية جدّاً للباحثين عن الإيمان ، إذ إنّه لفت أنظار العالم كلّه لما تحمله الجمهورية الإسلامية للناس من أفكار ومفاهيم ، والأهم من ذلك أنّها غيّرت الكثير من الاعتقادات الخاطئة والمغلوطة تجاه الشيعة الإماميّة أتباع أهل البيت عليهم‌السلام ، فكلّ ذلك أدّى بالعديد من الناس أنْ يعيدوا النظر في ما توارثوه عن الشيعة ، وكان ذلك استجابة لنداء العقل والقلب من خلال ذلك الواقع الجديد.

ومن العوامل المساعدة لمعاينة واقع المؤمنين ، والتي أدّت إلى التفتيش عن حقائق الإيمان وحقيقته ، هو إطلاق العديد من القنوات الفضائيّة والتي تبيّن وتشرح عقائد وأحكام وأخلاق الشيعة أتباع الأئمّة المعصومين الطاهرين من أهل البيت عليهم‌السلام ، فكان أنْ دقّق الناس في ما يسمعون ويشاهدون ، وأوجد ذلك الواقع صرخات قلبيّة وعقليّة من أجل إعادة النظر في كلّ الموروثات الخاطئة والمخطئة ، ممّا أدّى إلى تعلّق القلب والعقل بأهل البيت وشيعتهم عند العديد من الناس ، والذي أدّى في النهاية إلى الاستبصار.

٢٥٥
 &

وكان من العوامل التي أثارت نداء القلب والعقل لدراسة واقع الشيعة وحقيقتهم ، هو بروز عدد من العلماء والمراجع الشيعيّة في العالم الإسلامي ، وظهور تأثيرهم في نواحي الحياة ، وكان منهم الإمام الخمينيّ قدس الله تعالى نفسه الزكيّة ، وكذلك ظهور دور بارز لعدد من المراجع العظام والعلماء وضّحوا معالم طرق مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، بحيث شهد علمهم وأخلاقهم وتواضعهم وسلوكهم على فضلهم ومنزلتهم ، ممّا استدعى لمزيد من الاهتمام لدراسة واقع المؤمنين ونقض العشرات من المفتريات على الشيعة ومذهبهم.

وكان من أهمّ العوامل التي أثارت القلب والعقل هو كثرة الاتّهامات ضدّ الشيعة بتهم تكاد تكون متواترة عند العامّة عند الحديث عن الشيعة ومعتقداتهم ، فإنّ الحديث يجب أن يتخلّله إلقاء التهم المباشرة والتشنيع الفظيع على أتباع مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، وكلّ ذلك موروث عند العامّة من دون دليل أو واقع مشاهد ، بل يحمله الناس هكذا جزافا ، ولو تخيّلنا كم لتلك الافتراءات من تأثير على الناس ، من خلال ترويع الناس وتخويفهم من أهل البيت وشيعتهم ، فكان أنْ وضع الناس أنفسهم في دوائر مغلقة ، وحاصروا أنفسهم بموروثاتهم الخاطئة والمخطئة ، إلى أنْ تهيّأت الأسباب من خلال العوامل المساعدة التي ذكرنا وسنذكر ، والتي بدأت فعلاً بلفت النظر إلى أهل البيت وشيعتهم ، وكذلك الانقلاب على مفاهيم كثيرة من الموروثات المغلوطة ضدّ الشيعة وحقيقتهم.

ولقد كنّا كثيراً ما نسمع عن أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ الوحي أخطأ في تحديد هويّة النبيّ وعن تحريف القرآن عند الشيعة ، وأنّ عندهم قرآن آخر ، وعن أمور أخرى كثيرة كان يردّدها الجهلاء من الناس ومن علمائهم عن قصد أو غير قصد ومن دون دليل واحد على صحّة واحدة على الأقلّ من تلك

٢٥٦
 &

الادّعاءات ، بل بالعكس ، فمن خلال القنوات الفضائيّة التابعة لمدرسة أهل البيت ظهر للناس عشرات الحقائق الغائبة والمغيّبة عنهم ، وتبدّلت موروثات كثيرة كانت تتناقل بين العوام.

فلقد ظهر على الشاشات عدد كبير من حفظة القرآن وخصوصاً الأطفال الذين يحفظون القرآن بطريقة فيها حجّة على كل الناس ، خصوصاً على من يتّهمون الشيعة بتحريف القرآن ، وكلّ الناس يستمعون إلى القرآن الكريم من خلال محطّات الشيعة التلفزيونية والإذاعيّة ولم يجدوا أنّ الشيعة يعتقدون بقرآن آخر ، وكذلك بالنسبة لنبوّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالكلّ يسمع الأذان عند الشيعة معلنا الشهادة بنبوّة محمّد ورسالته ، ولذلك ظهر لكثير من الناس حجم الافتراء والكذب ضدّ الشيعة ، وكذلك حجم الهجوم عليهم ، وبدأت الحقائق تتكشف بعد أنْ ظلّت مغيّبة مئات السنين ، وصار عدد كبير من الناس والعلماء يعتقد بصحّة مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ، ومنهم من اعتبره مذهباً خامساً ، وصار عند الكثيرين أمراً طبيعيّاً وكلّ ذلك بفضل الله تعالى ووجود تلك العوامل المساعدة على الاستبصار واكتشاف حقائق الإيمان.

نصوص خاصة بالشيعة :

وكان من أهمّ العوامل المساعدة لمعاينة واقع المؤمنين واستكشاف حقيقة الإيمان وحقائقه هو معاينة النصوص المتعلّقة بالمؤمنين الشيعة ، فكان التدقيق بكلّ تلك النصوص القرآنية والحديثية سبباً رئيسيّاً في استبصار العشرات من المؤمنين.

ولذلك كان لزاماً أنْ نتعرّض لتلك النصوص الشرعيّة والتي سوف نعتمدها بحسب روايات أهل السنّة والجماعة مع بعض التعليقات على بعض النصوص عند اللزوم.

٢٥٧
 &

١ ـ قال تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (١).

والقوم الذين يحبّهم الله ورسوله ، ويحبّون الله ورسوله ، هم عليّ عليه‌السلام وشيعته ، وذلك بدلالة كلّ ما ورد في البحث فيما يختصّ بالشيعة كما سيأتي ، كما ونضيف رواية فتح خيبر على يدي أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام.

روى الحاكم في المستدرك عن ميمون أبي عبد الله بن بريدة الأسلمي : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نزل بحضرة خيبر ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لأعطين اللواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، فلمّا كان من الغد ، تطاول له جماعة من أصحابه ، فدعا عليّاً وهو أرمد ، فتفل في عينيه ، وأعطاه اللواء (٢).

وروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم خيبر : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه ، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، فبات الناس ليلتهم أيّهم يعطى ، فغدوا كلّهم يرجونه ، فقال : أين عليّ ؟. فقيل : يشتكي عينيه ، فبصق في عينيه ودعا له ، فبرأ كأنْ لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال : أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا ؟ فقال : أنفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ، ثمّ ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم ، فوالله لأنْ يهدي الله بك رجلٌ ، خير لك من أنْ تكون لك حمر النعم (٣).

٢ ـ قال تعالى في سورة البينة : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ

__________________

(١) المائدة : ٥٤.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٣ : ٤٣٧.

(٣) صحيح البخاري ٤ : ٢٠ ، ٢٠٧ ، وأنظر صحيح مسلم ٥ : ١٩٥ ، ٧ : ١٢٠.

٢٥٨
 &

هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (١).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأقبل عليّ ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : والذي نفسي بيده ، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، ونزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ). فكان أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البرية (٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن عديّ عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلي : هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين (٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ألم تسمع قول الله : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين (٤).

وروى الطبري في جامع البيان عن محمّد بن عليّ : ( أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنت يا عليّ وشيعتك (٥).

وروى الطبراني أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلي عليه‌السلام : يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ، ويقدم عليك عدوّك غضاب مقمحين (٦).

__________________

(١) البينة : ٧.

(٢) الدرّ المنثور ٦ : ٣٧٩.

(٣) المصدر نفسه ٦ : ٣٧٩.

(٤) المصدر نفسه ٦ : ٣٧٩.

(٥) تفسير الطبري (جامع البيان) ٣٠ : ٣٣٥.

(٦) المعجم الأوسط ٤ : ١٨٧.

٢٥٩
 &

وروى أيضاً أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعليّ : أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواءً مرويين ، مبيضّة وجوهكم ، وإنّ عدوّك يردون عليّ الحوض ظماءً مقمحين (١).

إنّ من يدقق في كلّ العوامل التي ذكرناها وخصوصا النصوص فإنّه حتماً سوف يستجيب لنداء القلب والعقل وسوف تمتزج عنده المعرفة القلبيّة والعقليّة وسوف تكون النتيجة الهداية إلى حقائق الإيمان وحقيقته وإلى استبصار نور أهل البيت عليهم‌السلام.

وفي رأيي فإنّ كلّ ما ذكرنا من آيات وأحاديث فيها الكفاية لمن أراد الله أنْ ينوّر قلبه ويفتح بصيرته ، فيجب أنْ لا يتردّد في اتّباع أهل البيت وشيعتهم وركوب سفينة النجاة. ولقد كانت هذه الحقيقة سبباً من أسباب استبصار عددٍ ليس بقليل من المؤمنين.

إنّ كلّ ما ذكرنا في هذا الباب من آيات وأحاديث وهي من كتب أهل السنّة والجماعة ، يدلّل على حقيقة الفرقة الناجية في الزمن الصعب ، بل وفي كلّ زمان ومكان ، فها هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشير إلى هذه الحقيقة.

فقد روى الكثير من محدثي أهل السنّة حديث الثقلين في صحاحهم ومسانيدهم والذي نصّ فيه النبيّ على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم‌السلام حيث قال : « إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض فانظر كيف تخلفوني فيهما » (٢).

__________________

(١) المعجم الكبير ١ : ٣١٩.

(٢) سنن الترمذي ٥ : ٣٢٩ ، وأنظر حديث الثقلين في مسند أحمد ٣ : ١٤ ، ١٧ ، ٥٩ ، ٥ : ١٨٢ ، ١٩٢ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٦ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ، المعجم الأوسط ٣ : ٣٧٤ ، ٤ : ٣٣ وغير ذلك من المصادر.

٢٦٠